لعلّها مفارقة أن أقف هنا اليوم، أنا الزغرتاوي، لأتحدث عن الطوباوي الزغرتاوي الذي مهّد الطريق لكنيسته ووطنه وشعبه، منذ سنة 1630 تاريخ ولادته في إهدن. أربعة قرون انطبعت بسيرة قدّيس، تقدّس منذ نعومة أظفاره. عندما وُلِد كان لبنان يعاني تحت نير الحكم العثماني، واليوم عشية تطويبه لبنان يقاسي من ألف علّة وعلّة، مع فارق أربعمئة سنة! أربعمئة سنة أنجبَت بضعة قديسين للبنان، يوافيهم الآن طوباويا على أدراج القداسة البطريرك الدويهي، كبير مؤرخي القرن السابع عشر.

البطريرك الطوباوي إسطفان الدويهي، تعددت ألقابُه: “أبو التاريخ الماروني” و”عمود الكنيسة” و”ذهبيّ الفم الثاني” وغيرُها الكثير، إلا أنّ جوهرَه واحدٌ ووحيد: قامة لبنانيةٌ صلبة، مارونية الهُوية، شماليةُ الهوى، وطنيةُ الانتماء والبُعد.

يبدو التطويب في هذا الظرف المأزوم تحديدا، هديةً من السماء وإشارةً إلى لبنان المنهَك، أنّ زمنَ النهوض قد اقترب. ولو لم يكن الحدثُ الإيمانيُّ وشيكا لوجُبَ إيجادُه والبحثُ عنه والتمسّكُ به للاسترشاد والاطمئنان.

كلُّ شعبٍ عندما تُنهكُه الأزماتُ وتُضنيه الصعوباتُ وتدميه الحروب، يفقدُ الأملَ ويحيا على الرجاء، وهذا بالضبط ما يعيشه اللبنانيون اليوم، إذ تشخصُ أنظارُهم إلى فوق، ويحيَون الرجاءَ بعدما يئسوا من كلّ ما هو أرضي.

مآثر البطريرك اسطفان الدويهي ليست مسيحية فقط، بل هي ممتدّة تعليماً وتأريخاً ووطنيةً، على رقعةِ وطنٍ صغيرٍ بمساحته، كبيرٍ بدوره، متوهّج بحضوره في الشرق والغرب.

قد يتراءى للبعض أن حدث التطويب، على أهميته، لا يعدو كونَه مناسبةً كنسية مسيحية محدودة، إلا أن الواقع أبعدُ من ذلك بمسافات ضوئية، وأعمق وأبلغ. نحن في حضرة تأريخ جديد لفصل مشرق من تاريخ لبنان، وإن كُتبَ بحبرٍ كنَسيّ، لكنّ فائدَتَه تعمُّ الوطن بأسره، نوراً وعلماً وحضارةً، وتتعدّاه إلى سائر المشرق، تماما كما كان الطوباويّ بطريركا للبنان وسائر المشرق.

يحضُرُني وأنا أتحدث عن الدور التبشيري والتعليمي والرساليّ للبطريرك الطوباوي، دورُ الإعلامِ في شكل عام، وفي لبنان تحديدا. فكما نرى الإعلام اليوم مهتمّا بنقل الخبر عن برنامج الاحتفالات ومناسبة التطويب، وغارقا في الأرشيف يتسقّطٌ فضائلَ الطوباوي ويضيء على تاريخه وبطولاته، نودُّ لو يقتدي به تأريخا وشهادةً للحق والحقيقة وإعلانا لأخبار مفرحة تضيء عتمةَ الأزمات، ولو بشمعة، فالنور أقوى من الظلام، وإن بدا خافتاً وسط السواد الكبير.

نحيّي وسائل الإعلام كلَّها على جهودها المتواصلة، ونشدّ على يدِها ونتفهّمُ أنها مرآةُ الواقع الذي لا يصلحُ للتجميل في كلّ حين، لكنّنا ندعوها أيضا إلى بثّ الأمل حيث يمكن واعتماد الإيجابية ونقل كل ما يذكّر بأن لبنان بلد الحضارة منذ آلاف السنين.

لَكَم يُسعدُنا اليوم، من الصرح البطريركي بالذات، تحت مظلة غبطة أبينا الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ومع رعية إهدن – زغرتا ومؤسسة البطريرك الدويهي وهذا الجمع الكريم، أن نطلقَ برنامجَ احتفالات تطويب البطريرك اسطفان الدويهي، متسلّحين بعزم متجدّد وإيمان صلب بأنّ وطناً أنبتَ قدّيسينَ بقدْرِ ما أنبتَ لبنان، لا يمكنُ أن تتغلّبَ عليه محنةٌ، مهما اشتدّت، لأن هناك سماءً تُرسل الرجاءَ في حينه والقوّةَ في وقتِها.

Contact

Ehden - Zgharta Parish Center

Zgharta, North Lebanon

Phone: +961 6 660 230

Email: info@ehdenz.com

Social

Copyright © 2026 by Patriarch Estephan Douaihy Association. Powered by Concorde Development.