من الناس، من يولد ويعيش، إلى أن يلفه الكفن، وكأن أحدًا لم يولد. ومنهم من يولد، فنشعر بوجوده، من غير أن يترك أثرًا، ومنهم من يولد، ليملأ كف الأرض، فتغص هذه به وتضج. فإذا هو ابن الأرض كلها، وأحد كبار آبائها، ومن هؤلاء من لا يرضى بالتراب، فيجعل نعليه في الأرض، ورأسه في هذا الكون اللامتناهي، في السماء، فيرتبط بين الاثنين، فتحار، وتمجد ربك لهذه العطية، التي تشترك في صوغها الاثنتان: الأرض والسماء، هكذا كان الإنسان البطريرك إسطفانوس الدويهي. اتقد الإيمان في نفسه، حتى رقي المراتب الدينية، لا حبًا بها، ولا بعظمتها الأرضية، بل تابع استجابة لذاك النداء الأسمى، فأصبح أسقفًا، ثم بطريركًا مارونيًا، كالأساقفة والبطاركة الباقين، إذ سبقهم بمجالات كثيرة.
وعن طريق النسك والصلاة والرسالة عاش القداسة، وعجائبه حيًا وميتًا تشهد له. ووراء كل هذا حقق الرسالة، وبالعمل الدؤوب جمع العلم، فكان رأس الإدارة والتأليف. أهم مؤلفاته:
1- تاريخ الأزمنة. 2- سلسلة بطاركة الطائفة المارونية. 3- البراءات البابوية. 4- سيرة حياة تلامذة المدرسة المارونية في روما. 5- تاريخ الطائفة المارونية. 6- منارة الأقداس. 7- كتاب الشرطونية. 8- كتاب تصحيح التكريسات. 9- رتبة لبس الإسكيم الرهباني. 10- النوافير. 11- كتاب التبريكات والرتب الكنسية. 12- كتاب الجنازات. 13- كتاب في الألحان السريانية. 14- مقالات عقائدية. 15- المحاورة اللاهوتية. 16- كتاب المواعظ. أما مرجعنا الرئيسي في هذا البحث، فهو كتاب منارة الأقداس.
إن مدرسة روما، كانت له المعين الأكبر. “كان للمدرسة المارونية فضل كبير، فقد جاءت الثمار الفلسفية، التي أعطتها على يد البطريرك الدويهي، الذي كان أول من سعى لتجديد المحاورات الفلسفية، التي انقطعت لمدة من الزمن، من المدارس المارونية”.
ولم تكن سعة علمه، مبعثًا لحب المجد، بل تقرب به إلى الناس جميعهم، وصار في حقول اللاهوت، والليتورجيا، والوعظ، والتبشير، وكذا في الأدب والتاريخ، مرجع البحاثة الصادقين، الساعدين وراء الحقيقة.
لقد تأثر الدويهي بتوما الأكويني، “إن منطق مار توما الأكويني، الذي هو منطق أرسطو بذاته، أصبح الطريقة المتبعة، في معالجة أي موضوع عند الدويهي، والقاعدة التي اتخذها، في معالجة موضوع منارة الأقداس“.
وما برهن لنا تأثره بمدرسة مار توما، هو معالجته المنطقية لكل الأمور، هذا المنطق المشعل، الذي يدل على الحقيقة بالبرهان، وليس بالعاطفة. ولقد حاول الدويهي، ربط الفلسفة باللاهوت، وسنرى هذا من خلال عمله، لندرك بعض ما أدركه هذا البطريرك العظيم، من غيرة وعلم وقداسة. في الفصل الثاني، نبرهن كيف استدل الدويهي على الله، من خلال العقل. أما في الفصل الثالث، فسنتطرق للعلاقة بين الله، من خلال العقل. أما في الفصل الثالث، فسنتطرق للعلاقة بين الله، والكون، والإنسان، فالله هنا هو الخالق والعلة معًا. وفي الفصل الرابع، نعالج آراء الدويهي الفلسفية، واللاهوتية، من خلال التاريخ، والليتورجيا، والعمل.
جانيت بولس الخواجه
