بقلم الأستاذ انطوان القوال
عندما أصيب البطريرك مار اسطفان الدويهي ببصره، وهو بعد طالب فتي في روما، صلّى للعذراء مريم، ونذر لها نذرًا، فشفي في الحال، وبقي بصره سليمًا حتى آخر أيام حياته. “وكان لشفائه فرح عظيم عند الجميع وقدموا معه الشكر لله تعالى ولتلك التي استجابت دعاه كالأم الشفوق. أما النذر الذي أوجبه عن ذاته فلم يخبر أحدًا به. وطلب إليه كثيرون من أصدقائه فيما بعد أن يكشفه لهم فأبى، وكان يقول إنه شيء يسير، وكان يظهر الانذهال كيف أن البتول قبلته ومنت عليه بالشفاء لأجله…”.
إذا ما تأملنا مليًا في حياة الدويهي، في تفاصيلها ودقائقها، استطعنا، ولو بالاستنتاج، التوصل إلى معرفة هذا النذر، لأن قديسنا إن لم يبح به، فقد عاشه.
بعد شفائه، رأينا الدويهي الطالب، يقيم مجمعًا باسم السيدة الطاهرة، ويعيد إلى المدرسة عادة كانت متبعة في المدارس الرومانية، وهي إقامة مجادلات لاهوتية وفلسفية بين الطلبة.
ويطوف مدارس روما ومكتباتها باحثًا في المؤلفات القديمة والحديثة عن كل ما فيه ذكر للموارنة فينسخه.
ويصنف كتابًا في الفردوس الأرضي باللاتينية زاعمًا أن إهدن، مسقط رأسه، هي عدن، ويرفض البقاء في أوروبا محاضرًا في جامعاتها الكبرى، ومقيمًا في دار أحد أكابر روما مقابل أربعين دينارًا رومانيًا كل شهر.
أما اسطفان، يقول البطريرك سمعان عواد، فلم يلتفت إلى كل هذا، وإنما كان يوجه كل اهتمامه لنفع بني المشرق عمومًا وبني طائفته خصوصًا.
وإذا انتقلنا مع الدويهي العظيم من روما إلى لبنان، ألا نجده مستمرًا في هذا النهج؟
لنقرأ ما كتبه هو عن نفسه: “… وسنة 1655 كانت عودتنا إلى البلاد، وكرم علينا مجمع انتشار الإيمان أن نكون من جملة المرسلين، وفي ترددنا في البلاد اعتنينا على علم الأولاد، وعلى الوعظ وتهذيب الشعب بدرجة الكهنوت. وعندما طلبوا جماعتنا (الموارنة) الحلبية من المرحوم بطريرك جرجس (البسبعلي) أن نكرز عليهم، ثبتنا عندهم نكرز عليهم ونعلم أولادهم ونتعاطى في أمورهم مدة ست سنين. وعندما في سنة 1668 توجهنا من عندهم إلى زيارة المواضع المقدسة، في العودة مسكنا البطريرك المرحوم وقدمنا إلى درجة المطرانية على أسقفية قبرص، فزرناهم وتعبنا فيهم جهدنا. وفي السنة الثانية عندما انتقل البطريرك جرجس ابن الحاج رزق الله إلى رحمة خالقه ألزمونا رؤساء الكهنة ورؤساء الشعب في درجة البطريركية. وفي كل هذه المدة احتملنا مشقات واضطهاد لا يوصف من جور العصاة، حتى أننا طفرنا إلى بلاد كسروان وإلى بلاد الشوف. ولأجل هذه الديورة والكنائس والنصارى التزمنا نرجع لأجل حفظهم، وإلاّ كانوا دشروا، ولله الحمد قايمين بحملتنا وفي عمار الكرسي والطائفة، وفي كل هذه المدة تعبنا تعب بليغ حتى جمعنا غالب رتبها… وعمال نتعب بسبب مدرسة الموارنة برومة ونفعها ونشر تلاميذها. ومن غير تعبنا مع طائفتنا ما تأخرنا أيضًا عن نفع الطوائف التي بجيرتنا…”.
هذا هو نذر البطريرك الدويهي: أن يقف حياته على خدمة بلاده والكنيسة، بشجاعة وصبر القديسين، ودون كلل أو تذمر؛ في التعليم، والوعظ والإرشاد، والتأليف، والاهتمام بالكهنة، والسهر على مصالح الشعب الروحية والزمنية، وإرجاع الخراف الضالة إلى الحظيرة… وهل يمكن أن ينذر الدويهي سواه؟
رب قائل يقول: هذا كثير بالنسبة إلى عبارة “يسير” التي وصف الدويهي بها نذره.
أجل، هذا يسير إذا ما عرفنا أن البطريرك القديس ظل طوال حياته مشمولاً بالعناية الإلهية، فوهبه الله نعمًا كثيرة وفضائل جمة، فاشتهر بغزارة العلم، ورجاحة العقل، ونقاء القلب، وصفاء النفس، وقوة الصبر، وعظمة التواضع، وطهارة المحبة، والقدرة على اجتراح العجائب والكرامات.
وبفضل هذه النعم الإلهية استمرّ في خدمة الكنيسة والوطن كاهنًا وأسقفًا وبطريركًا، فلم يهدأ حتى الرمق الأخير. ونقول مع القائل: “انه من حين رجوعه من روما إلى لبنان لم يضع ساعة واحدة من وقته الثمين إلاّ كرّسها في سبيل نمو الكنيسة وازدهارها الروحي والزمني. فقد علّم وعمل باذلاً ذاته عن الخراف، على مثال السيد المسيح الكاهن الأعظم وراعي الرعاة”.
هذا الراعي الذي عرف اليتم طفلاً، والذي قيض له الله من اعتنى به وأرسله إلى المدرسة المارونية في روما، كان، على ما نعتقد، في طليعة ما يشغله، عندما نذر نذره، وهو ساجد أمام والدة الله، أن يكرّس وقتًا واهتمامًا للصغار والفتيان أمثاله. ولا نعرف، في تاريخ البطريركية المارونية، من ساوى بطريركنا في بذل العناية والجهود في سبيل تعليم الناشئة وتهذيبها، إذ إنه فور عودته إلى لبنان، باشر فتح المدارس لتعليم الأولاد في إهدن، وفي حلب، ثم في قنوبين “غير مدع بعلم ولا متطلب عالي المراتب والوظائف… كان يدعو الصغار إليه. ويسقي أبكار عقولهم بغيث معارفه ويفسر لهم الأشياء البسيطة بالوداعة وأناة الروح…”.
يشهد البطريرك سمعان عواد فيقول: “كان يؤنس صغار التلامذة ويحرضهم على مواظبة العلم ومخافة الله ويأتيهم بالحلوى والمآكل بنفسه ويأكل معهم. وأنا الحقير سمعان عواد قد شرفني بمؤاكلته جملة مرات وكان يحبني إكرامًا لعمي المطران يعقوب. وقد دخلت عليه مرة وكان مشتغلاً بالتأليف والتصنيف فلاطفني وقال لي: متى تأخذ في مثل هذا فليبلغكه الله. فأنا أذكر هذا وأفتخر بأني من الذين قد عرفوه وتكلموا معه”.
وكان الدويهي شديد العناية بطلاب الكهنوت، فيرسل النابغين منهم إلى المدرسة المارونية، التي تخرج منها وأحبها حبًا جزيلاً، فلم يكن يدع فرصة إلاّ يغتنمها لحث التلامذة على الجد في سبيل العلم ليستفيدوا ويفيدوا. يقول البطريرك عواد انه كان يعتني بهم ويدربهم ولا يحتمل من يؤذيهم، ومن كان يمسهم كان كمن يمس حدقة عينه، ولهذا غلب عليه لقب “أميمة” تلامذة روما. وقد كتب إليهم، وهم في المدينة الخالدة، رسائل عدة يحرضهم فيها على الدرس ويعدهم بمحبته وتكريمه إذا افلحوا. منها هاتان الرسالتان اللتان حفظهما مؤرخه البطريرك عواد:
