المؤلف: أبي صابر، المطران جورج
المرجع: “الدويهي اللاهوتي”، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 1990.
يوم وصل مع رفاقه إلى المدرسة المارونية في روما سنة 1641 وضع الطالب الصغير اسطفانوس الدويهي نصب عينيه من سبقه من التلامذة المجتهدين وصمّم أن يحذو حذوهم في التمرس بالفضيلة واقتباس العلوم. وكان له ما أراد من اجتهاد علمي مقرون بعبادة حارة زادها العلم رونقًا وصار لها العقل نبراسًا.
بعد أن أتقن اللغتين الإيطالية واللاتينية، انصرف إلى علم الفصاحة والمنطق استعدادًا للعلوم القانونية واللاهوتية، فعلق عليه أساتذته، وعلى رأسهم الأب ترويس آمالاً كبيرة لنباهة عقله ورقة طبعه ووداعته.
إن منهج الدروس في جامعات روما، أيام الدويهي، كان يجعل الفلسفة رأس العلوم الأدبية وأساس العلوم اللاهوتية. لذا، بعد أن يكون الطالب ألف القياسات المنطقية وأدرك قوة البراهين العقلية وصوابية الاستنتاجات، يخطو نحو علم الوحي واللاهوت.
لما تقدم اسطفانوس إلى العلوم الإلهية، كان عقله مسلحًا بالمنطق وقلبه مزدانًا بالفضيلة. ومع ذلك لم يلق اتكاله على مواهبه الطبيعية، بل على الإيمان بالله وعلى الكد والاجتهاد. في هذا الوقت كانت أوروبا تعيش نهضة علمية ودينية واسعة وروما غدت منذ القرن الخامس عشر إشعاع حضاري ونشاط فكري عز مثيله. في هذا الجو المنتعش بروح النهضة، أكب اسطفانوس على ارتشاف العلوم من ينابيعها على أيدي أساتذة لهم شهرتهم في مجالات الفلسفة واللاهوت فنال إعجاب أساتذة وإدارة مدرسته لما تحلى به من صفات خلقية وعلمية فاق بها أقرانه. ثم توج دروسه العالية بشهادة الملفنة سنة 1650 وصمم على العودة إلى وطنه لبنان ليباشر رسالته الراعوية والعلمية برغم المغريات الكثيرة لكي يبقى في روما معلمًا في معاهدها ومحاضرًا في جامعاتها.
قبيل عودته إلى لبنان بعد أن أنهى بنجاح دروسه اللاهوتية راح يفتش في المكتبات ويقلب المخطوطات ويستقي منها المعلومات عن طائفته المارونية، ينقلها ويجمعها وينسقها. وهكذا واصل البحث والتنقيب، بعد رجوعه إلى الوطن وخلال أسفاره إلى حلب واعظًا ومعلمًا، وإلى قبرص راعيًا ومدبرًا وإلى الأراضي المقدسة حاجًا ومتعبدًا، فتكونت لديه معلومات ومعطيات في غاية الأهمية للتاريخ اللبناني والطقوس الكنسية. والمهم في ذلك كله، أنّ هذه المعلومات التي استقاها من مراجعها عرف أن يصوغها ويتمثلها فأصبحت لديه قواعد متأصلة في ذهنه وفي تاريخ شعبه وكنيسته.
إن التراث العلمي الذي تركه العلامة الدويهي ينطق بما كان له من جدارة وغيرة على سد حاجات كنيسته من العلوم التاريخية واللاهوتية وطقوس الكنيسة. ولقد أكب بعض البحاثة، في هذه السنوات الأخيرة على درس بعض مقومات هذا التراث والإحاطة عن ثروته العلمية، فعالجوا في مواضيع رصينة، تراثه الليتورجي الذي ما ضاهاه فيه عالم قديم وحديث، والتاريخي، وقد اعتبروا الدويهي ليس فقط أول واضع لتاريخ جبل لبنان، على اختلاف مذاهبه، بل استحق بجدارة لقب “أبي التاريخ اللبناني”.
على أنه قل من عالج، على ما نعلم، شخصية الدويهي كلاهوتي جال جولات واسعة وموفقة في اللاهوت الدفاعي ورد التهم التي حاول إلصاقها بكنيسته المارونية بعض المؤرخين شرقيين وغربيين، مظهرًا أمانة خالصة لتعليم الكنيسة العقائدي وتقاليد مارونيته العريقة. وهذا ما يبدو بوضوح في كتابه “منارة الأقداس”، و”أصل الموارنة” وكتاب “الشرح المختصر” وغيره.
قصدنا في هذه العجالة لا أن نعالج شخصية الدويهي كلاهوتي ناجح ولا أن نحيط بكل جوانب فكره وتعليمه اللاهوتي، موضوع كهذا يقتضي ممن يتعرض له، أن يطالع كل مؤلفات الدويهي بدقة وروية، بل أن نلقي نظرة خاطفة على بعض جوانب تفكيره اللاهوتي، وأسلوبه اللاهوتي وعلى بعض منطلقات اللاهوت في عصره، كما تلقنه في معاهد روما ومن ثم نرى إلى أي حد تأثر بالنهضة العلمية السائدة في عصره.
البطريرك اسطفان الدويهي اللاهوتي، المؤلف: المطران جورج أبي صابر السامي الاحترام
