قراءة للتاريخ الروحي والكنسي في لبنان
من خلال
البطريرك إسطفان الدويهي
بقلم د. طانيوس نجيم
يمرّ في تاريخ الشعوب رجالات عظام فيطبعونها بطابعهم المميّز ويغدو التاريخ قبلهم كأنّه مسار إليهم، وبعدهم كأنّه صنع يديهم في مداه القريب، ووحي من تطلّعاتهم وتوجّهاتهم في مداه البعيد. قدّر الله للموارنة أن يعرفوا على امتداد تاريخهم ومعاناتهم في لبنان والشرق، أقلّه في الماضي، رجالاً من هذه الطينة: أعلام نور وحضارة، ركائز حق وحرية ووطنية ومنارات زهد وقداسة في دروب الأرض إلى السماء. بين هؤلاء الرجال، بعد القديس مارون المثال الأول والقديس يوحنا مارون رائد الوطنيّة، وفي سلسلة البطاركة الأبطال والقديسين على غرار إرميا عبيد الدويهي العمشيتي، جبرائيل ابن حجولا، دانيال الحدشيتي، موسى العكاري، وإلى جنب وجوه نيّرة مثل القديس شربل والطوباويين رفقا والحرديني، ورموز ساطعة مثل ابن القلاعي، عميرة الدويهي، السمعاني، الحاقلاني والصهيوني، إلى ما هنالك من أعلام وأعلام، يحتلّ البطريرك إسطفان الدويهي مقامًا مرموقًا فيه الإشعاع الحضاري والاندفاع الوطنيّ والمثاليّة الدينية. في هذه القسمات المتلألئة من شخصية الدويهي، سوف نتكلّم بعد أن نعرض سريعًا للمحطات الرئيسة في سيرة حياته، علّ الحديث يكون منطلق تأمل ويقودنا ليس إلى معرفة الأصالة المارونية المسيحية فحسب، بل إلى اعتبار تراثنا حق قدره فكرًا وغنًى إنسانيًا وإلى اتّخاذ العبرة منه معالم دعوة مميّزة وأملاً بالمستقبل والقيامة على الرغم من دياجير الحاضر وسكرات الموت التي تنتابه.
