"الدويهي اللاهوتي"

 المرجع: "الدويهي اللاهوتي"، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 1990.
 


محاضرة لسيادة المطران


جورج أبي صابر السامي الاحترام


عن


البطريرك اسطفان الدويهي اللاهوتي


(1630-1704)


بمناسبة ذكرى ترميم دير مار سركيس إهدن على يد البطريرك العلامة الدويهي (1690-1990)، ألقيت المحاضرة في قاعدة معرض الدويهي الدائم في دير مار سركيس وذلك نهار الخميس الواقع في 30/8/1990 الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر.

لاهوت البطريرك الدويهي


متجسد يرتبط بأرض


يوم وصل مع رفاقه إلى المدرسة المارونية في روما سنة 1641 وضع الطالب الصغير اسطفانوس الدويهي نصب عينيه من سبقه من التلامذة المجتهدين وصمّم أن يحذو حذوهم في التمرس بالفضيلة واقتباس العلوم. وكان له ما أراد من اجتهاد علمي مقرون بعبادة حارة زادها العلم رونقًا وصار لها العقل نبراسًا.

بعد أن أتقن اللغتين الإيطالية واللاتينية، انصرف إلى علم الفصاحة والمنطق استعدادًا للعلوم القانونية واللاهوتية، فعلق عليه أساتذته، وعلى رأسهم الأب ترويس آمالاً كبيرة لنباهة عقله ورقة طبعه ووداعته.

إن منهج الدروس في جامعات روما، أيام الدويهي، كان يجعل الفلسفة رأس العلوم الأدبية وأساس العلوم اللاهوتية. لذا، بعد أن يكون الطالب ألف القياسات المنطقية وأدرك قوة البراهين العقلية وصوابية الاستنتاجات، يخطو نحو علم الوحي واللاهوت.

لما تقدم اسطفانوس إلى العلوم الإلهية، كان عقله مسلحًا بالمنطق وقلبه مزدانًا بالفضيلة. ومع ذلك لم يلق اتكاله على مواهبه الطبيعية، بل على الإيمان بالله وعلى الكد والاجتهاد. في هذا الوقت كانت أوروبا تعيش نهضة علمية ودينية واسعة وروما غدت منذ القرن الخامس عشر إشعاع حضاري ونشاط فكري عز مثيله. في هذا الجو المنتعش بروح النهضة، أكب اسطفانوس على ارتشاف العلوم من ينابيعها على أيدي أساتذة لهم شهرتهم في مجالات الفلسفة واللاهوت فنال إعجاب أساتذة وإدارة مدرسته لما تحلى به من صفات خلقية وعلمية فاق بها أقرانه. ثم توج دروسه العالية بشهادة الملفنة سنة 1650 وصمم على العودة إلى وطنه لبنان ليباشر رسالته الراعوية والعلمية برغم المغريات الكثيرة لكي يبقى في روما معلمًا في معاهدها ومحاضرًا في جامعاتها.

قبيل عودته إلى لبنان بعد أن أنهى بنجاح دروسه اللاهوتية راح يفتش في المكتبات ويقلب المخطوطات ويستقي منها المعلومات عن طائفته المارونية، ينقلها ويجمعها وينسقها. وهكذا واصل البحث والتنقيب، بعد رجوعه إلى الوطن وخلال أسفاره إلى حلب واعظًا ومعلمًا، وإلى قبرص راعيًا ومدبرًا وإلى الأراضي المقدسة حاجًا ومتعبدًا، فتكونت لديه معلومات ومعطيات في غاية الأهمية للتاريخ اللبناني والطقوس الكنسية. والمهم في ذلك كله، أنّ هذه المعلومات التي استقاها من مراجعها عرف أن يصوغها ويتمثلها فأصبحت لديه قواعد متأصلة في ذهنه وفي تاريخ شعبه وكنيسته.

إن التراث العلمي الذي تركه العلامة الدويهي ينطق بما كان له من جدارة وغيرة على سد حاجات كنيسته من العلوم التاريخية واللاهوتية وطقوس الكنيسة.
ولقد أكب بعض البحاثة، في هذه السنوات الأخيرة على درس بعض مقومات هذا التراث والإحاطة عن ثروته العلمية، فعالجوا في مواضيع رصينة، تراثه الليتورجي الذي ما ضاهاه فيه عالم قديم وحديث، والتاريخي، وقد اعتبروا الدويهي ليس فقط أول واضع لتاريخ جبل لبنان، على اختلاف مذاهبه، بل استحق بجدارة لقب "أبي التاريخ اللبناني".

على أنه قل من عالج، على ما نعلم، شخصية الدويهي كلاهوتي جال جولات واسعة وموفقة في اللاهوت الدفاعي ورد التهم التي حاول إلصاقها بكنيسته المارونية بعض المؤرخين شرقيين وغربيين، مظهرًا أمانة خالصة لتعليم الكنيسة العقائدي وتقاليد مارونيته العريقة. وهذا ما يبدو بوضوح في كتابه "منارة الأقداس"، و"أصل الموارنة" وكتاب "الشرح المختصر" وغيره.

قصدنا في هذه العجالة لا أن نعالج شخصية الدويهي كلاهوتي ناجح ولا أن نحيط بكل جوانب فكره وتعليمه اللاهوتي، موضوع كهذا يقتضي ممن يتعرض له، أن يطالع كل مؤلفات الدويهي بدقة وروية، بل أن نلقي نظرة خاطفة على بعض جوانب تفكيره اللاهوتي، وأسلوبه اللاهوتي وعلى بعض منطلقات اللاهوت في عصره، كما تلقنه في معاهد روما ومن ثم نرى إلى أي حد تأثر بالنهضة العلمية السائدة في عصره.

الدويهي واللاهوت


إذا كان القصد من علم اللاهوت، في كل زمان ومكان، هو التعرف إلى الله والإيمان به والشعور بحضرته ونقل هذا الإيمان للآخرين، وتاليًا تجاوز الكتاب إلى خبرة روحية تفتع العين على حقيقة المسيح وعلى فعله الإلهي، فطالب اللاهوت اسطفانوس، في معاهد روما، هو الطالب النبيه الذي عرف أن كتابه هو المسيح وأن المعلومات التي استقاها منه هي قواعد حياة متأصلة في قلب عالم وجوده. هذا ما أدركه اللاهوتي الشاب بثاقب عقله ونعمة ربه. لقد رأى بوضوح أن القصد من علم اللاهوت ليس مجرد توفير المعطيات للجدل العقلي، بل التعرف الوجداني إلى الله، وأن اللاهوتي يدعو إلى مواكبة البشر ليبين لهم وينقل إليهم ما قدمه الله لهم من عطايا وهبات وأن يكون قدوة لهم.

على هذا الشكل فهم الدويهي، ليس فقط العلوم الإلهية، بل سائر العلوم الانسانية فجاءت هذه في ما صنف وكتب من دفاع عن العقيدة وشرح للطقوس الكنسية، ومن تواريخ وغيرها، موسومة كلها أو جلها بوسم الحضور الإلهي الفاعل في التاريخ فعل الخلاص. لذا نجد أول ما نجد في مؤلفاته مفهومًا للعناية أو للإرادة الإلهية يسيطر على فكره ويسير أحداث الكون. فالله حاضر دائمًا في قصة الدويهي للأزمنة فالضربات والكوارث والخوارق هي مظهر من مظاهر هذا الاعتقاد المستوحى من الفكر التوراتي؟

من هذا المنطلق الأول ينبغي أن نواجه الفكر اللاهوتي للبطريرك الكبير ونتفحص ما كتب وصنّف. انه رجل العناية الإلهية. وايمانه بها حي وفاعل في حياته وفي كتاباته. ذلك ان ثقافته تنطلق من محور أساسي هو الكتاب المقدس ومن تراثه السرياني الانطاكي ومن المحيط الذي نشأ فيه ومن خبرة شخصية غنية.

من هنا كان ان اسلوبه في علم اللاهوت، كما تلقنه في روما، أقرب إلى أسلوب الحفاظ على الإيمان الموروث والدفاع عن العقيدة الكاثوليكية، منه إلى أسلوب التحليل والاستنتاج المنطقي. ذلك أنّ المناخ الثقافي الذي عاش فيه الدويهي غلب عليه هذا الأسلوب الذي اعتمده في مؤلفاته ذات الطابع اللاهوتي البارز. ثم ان غيرته الشديدة على الأمانة لكنيسته المارونية وقيمها الموروثة وتقاليدها العريقة شحذت فيه هذا الأسلوب اللاهوتي النضالي في وجه من سولت له النفس التعرض من قريب أو بعيد إلى:

"أمانة الموارنة وطاعتهم وثباتهم وغيرتهم ومحبتهم وشجاعتهم، هذه المحامد التي تخص لا أهل جبل لبنان وحدهم بل وسائر الموارنة الذين كانوا تحت طاعة البطريرك يوحنا، لأن الرعية تتصل براعيها وتتدبر منه".

وبغية تحديد أثر الجو الثقافي الذي عاشه في روما حيث أمضى أربعة عشر عامًا كان فيها ما يكون الطالب عامة مهيأ لتقبل العلوم وتحصيل الثقافة، لا بد من أن نلمح باقتضاب إلى هذا المناخ الثقافي الذي نشأ وترعرع فيه.

اللاهوت الدفاعي


بحكم رسالتها الإلهية الشاملة كان على الكنيسة منذ نشوئها أن تعرض رسالتها هذه على اناس تختلف ذهنياتهم وتتباين ثقافتهم تباينًا قويًا خاصة في موضوع الدين والإيمان كما كان عليها أيضًا أن تباشر الحوار الديني مع مذاهب أخرى وتجاوب عن الاعتراضات في وجه العقيدة المسيحية.

لم تر الكنيسة في هذه الاعتراضات ما تدين به تحديًا غير لائق بها، وبمعتقداتها، بل رأت على العكس فرصة سانحة لعرض عقيدتها وتفنيد الاعتراضات عليها، ورد التهم الموجهة إليها بهمة لا تعرف الملل، مستخدمة لهذا الغرض البراهين العقلية والشهادات الشخصية ونزعات النفس البشرية. وهكذا نشأ تدريجًا في القرون الأولى ما أمكن تسميته بعلم الدفاع عن المعتقد المسيحي أو اللاهوت النضالي، وهو شكل أولي، أساسي لعلم اللاهوت المسيحي القديم. واننا لنجد المرجعية الكتابية الأولى لهذا النوع من اللاهوت في رسالة القديس بطرس الأولى حيث يقول: "كرموا الرب المسيح في قلوبكم واجعلوه ربكم وكونوا في كل حين مستعدين للرد على كل من يطلب منكم دليلاً على الرجاء الذي فيكم" (3/15).

إن معرفة الرب تتم بنعمة منه في قلب الإنسان. على ان هذه المعرفة تفترض أن يدافع المؤمن عنها دون من يعترض عليها أو يتنكر لها. لذا فلاهوت الدفاع عن العقيدة ما انتفى قط في الكنيسة عبر العصور الأولى، وان كان على هذا اللاهوت الدفاعي أن ينتظر الأزمنة المعاصرة لكي يأخذ شكل منهجية علمية في عملية تعليل الإيمان وتبريره.

منذ القرنين الثاني عشر والثالث عشر توضحت مشكلة تعليل الإيمان وتطورت طريقتها ذلك أنّ حقائق الإيمان، في جوهرها، لا يعبر عنها تمامًا لأن موضوعها يفوق بصورة لامتناهية إدراك كل مخلوق ويتعدى المقولات المفهومة ويرتاح في اللامدرك الذي يعرف ما ليس له هو الله ويحتجب أمام من هو. إنّ اسحق النينوي يصيب عندما يقول: "المعرفة درجة يرقى بها الإنسان إلى مستوى الإيمان".

"وعندما يبلغ هذا المستوى فلن تعود به حاجة إلى المعرفة لأن هذا الإيمان هو النور الروحي تشعه النعمة في النفس".

والتقليد السرياني الأصيل شدد على ما لا يعبر عنه في الإيمان. وكان كل همه التشبه بالمصلوب بدافع الحب. فسر الكلمة المتجسد طائعًا حتى الموت على الصليب هو الظلمة عينها تحجب وجه الله عندما أخلى ذاته آخذًا صورة عبد ولكنه في الوقت عينه يكشف عن حبه وحنانه على حقيقتهما الأزلية.

إن التقليد السرياني لا يكتفي بأن يعلن حقيقة آلام الحمل بل يعيشها. وخاصة كنيستنا المارونية وارثة التقليد السرياني الانطاكي القويم شاركت مشاركة فعلية في حالة العبد المتألم التي اتخذها المسيح. من هنا نشأ لدى الرهبان والمتوحدين السريان هذا الاتجاه إلى التقشف الجسدي وقهر النفس واعتزال العالم وحالة من قضوا حياتهم في العراء.

هذا النوع من الحياة عاشها القديس مارون والنساك الموارنة وورثها بطاركتهم وعاشوها كما عاشها البطريرك الدويهي فانطبعت بها روحانيته وتأثر بها فكره اللاهوتي. ولقد جاءت حياته تجسيدًا لهذه الروحانية المتألمة والمشاركة في الآلام الخلاصية، ومن أهم ميزات الفكر اللاهوتي لدى الدويهي هذه الأمانة للحب أكثر منها للدقة الفكرية والاستنتاجات اللاهوتية.

في هذه الأجواء اللاهوتية الثقافية عاش اسطفان الدويهي فانطبع بطابعها الخاص واكتسب منهجية نضالية سيحاول تطبيقها في مؤلفاته الليتورجية والتاريخية وغيرها. لقد تمرّس بها وبرع فيها واعتمدها في دفاعه عن استقامة العقيدة. ولا يخفى أن الموارنة كانوا يعانون في أيامه اضطهادًا فكريًا من شرقيين وغربيين، على السواء.
ذلك أن تراثهم وعاداتهم الشرقية كانت تختلف عن تراث الغربيين وعاداتهم، وهذا ما كانوا يسمونه خروجًا على الكثلكة، كما أن طلابهم الذين تأثروا بالفكر الغربي والحضارة اللاتينية، حملهم على إدخال بعض العادات والأفكار الغربية إلى مجتمعهم وطقوسهم، وهذا ما دفع بعض الشرقيين إلى أن ينظروا إليهم نظرة استهجان واستغراب لأن الشرق في نظر هؤلاء قطع صلته بالغرب المسيحي ولم يبق له شركة معه.

لذا كان على الدويهي أن يناضل على جبهتين معًا. ورغم هذا كله ظل شريفًا في رده على الاعتراضات وعرضه للعقيدة ودفاعه عنها يعتمد الأسلوب العلمي والنقد الصحيح لتبيان الحقيقة فقال:

"إن اللذين كتبوا في الموارنة أمرهم واضح. إنهم لا قشعوا ولا سمعوا. فلا دخلوا بلادهم ولا حكموا على لغات كتبهم ولا نادموا أحدًا من علمائهم ولا لمن عاشرهم وانطلع على أسرارهم، ولا الأمور حدثت في زمانهم ولا في البلدان التي في جيرتهم. إذن كيف تكون شهادتهم؟ أو كيف يمكن الإنسان أن يذعن لأقوالهم؟ فبدل ما يقودوا الناس إلى معرفة الحق في الاخبار التي رقموها بكتبهم، ساقوهم في طريق التيه، إلى حفرات الكذب".

لقد كان لدى الدويهي من قوة الاستيعاب وقابلية التمثل ما مكنه أن يجسّد في شخصه الكريم معاناة شعبه الطويلة الشاقة وقداسة كنيسته المتألمة المناضلة ورسالة شعبه السامية في هذا الشرق المعذب، بمعنى أنّ ثقافته اللاهوتية أدت إلى صياغة انسان مدعو من الله ليرى ويدون ويشهد ويتكلم فخرج كلامه نطقًا بالإلهيات. لقد تعدى نطاق الحرف والكتاب إلى خبرة روحية معيوشة مكنته من تفتح عينيه على حقيقة شعبه وتاريخه المبني على الإيمان الحي الفاعل فانعكست مضامين هذا الإيمان على سلوكه وأحكامه ومصنفاته.


إن لاهوت الدويهي هو لاهوت متجسد يرتبط بمعاناة شعب وبرقعة أرض. والأرض التي يرتبط بها هي وطنه لبنان؛ والزمن الماروني بحسب تفكير الدويهي اللاهوتي ليس زمنًا أفقيًا منفتحًا على آفاق الحضارات، بل هو في أساسه زمن عامودي، زمن الله والكنيسة في حياة شعب. فالمارونية ربطت أرضها بالسماء وقرنتها بإيمانها وربما كان ذلك السبب الذي جعل الموارنة ينظرون إلى أرضهم على أنها مقدسة. فالفكر اللاهوتي عند الدويهي فكر سليم، انما عاق انطلاقته البعيدة التزامه المتمر بالدفاع عن النفس ازاء عواصف العالم الخارجي.

معنى التاريخ


والتاريخ في نظره ليس سرد أحداث تتوالى على كر الزمان، بل هو تعبير عن إرادة الله في خلقه وتجسيد لمقصده الخلاصي وامتداد للتجسد الإلهي في حياة البشر. وفضل الدويهي الكبير، كرجل كنيسة وكلاهوتي مفكر، لا يعود فقط إلى ما جمع من معلومات ودون من تواريخ وشرح من طقوس كنسية، فضله الأول والأعمق كونه نفذ بثاقب بصيرته إلى عمق الحدث التاريخي وإلى بواطن الأوضاع السائدة والمتردية في عصره. في هذا العمق التقى بالله حاضرًا في الحدث فاعلاً في الأوضاع فعل الخلاص وموجهًا التاريخ، بكامله، تاريخ الأفراد وتاريخ الجماعات شطر الخير والخلاص.

من هنا كان ان التاريخ في نظره هو نوع من اللاهوت الواسع سعة الكون والشامل شمول الحضرة الإلهية في العالم. هذا ما توافر له بفضل المعرفة الوجدانية لمعلمه الإلهي ولأيعاد سر التجسد الفادي في تاريخ البشر. انه القائد الروحي الحكيم الذي عرف أن يواكب شعبه ويوقظ ضميره وينقل إليه ما قدّمه له الله من مواهب وعطايا وما قلده من رسالة تحمل في سبيل آدائها أمر الآلام والعذاب.

فالتاريخ الإنساني، في نظره، جزء من كل. والكل هنا هو تاريخ الخلاص، دشنه الكلمة الذي به "كان كل شيء وبدونه لم يكن شيء مما كان". والكلمة نفسه افتتح التاريخ بفعل الخلق وهو يتمم سيره ويحقق مراميه ويكمله. هذه النظرة الواسعة على التاريخ نظرة آباء الكنيسة والمفكرين المسيحيين الأولين. ولئن كان هؤلاء اعاروا انتباهًا خاصًا لأحداث الخلاص الكبرى وركزوا عليها، فلأنهم، في ضوء هذه الأحداث تمكنوا أن يقيموا التاريخ ويكتنهوا معناه ويصدروا حكمهم عليه يحدوهم على ذلك الكتاب المقدس الذي يشدد في وحدانية إله الكون وإله الخلاص. فالكلمة الخالق هو نفسه الكلمة الفادي الذي يبسط سلطانه على الخلق برمته.

وانطلاقًا من هذا المفهوم اللاهوتي للتاريخ يعتبر البطريرك اللاهوتي، كما اعتبر قبله آباء الكنيسة القديسون، نظير ايريناوس ويوستينوس واغوسطينوس، ان تارخ الخلاص لا يبتدئ مع ابرهيم الخليل، بل يبتدئ مع فعل الخلق بالذات. والخلق، في رأيه، هو المقوم الأول من مقومات مقصد الله في خلقه. وعملية الخلق هذه لا تكتمل إلا يوم يدعو الله إلى الوجود، في نهاية الأزمنة، أرضًا جديدة وسماء جديدة وعد بهما في الكتاب المقدس.

إن عمل الله الخالق والفادي عمل رائع متكامل يعبر بوضوح عن ارتباط الكون بالله وعن بسط سلطته عليه. والخلق فعل تاريخي به يبتدئ الزمان ويأخذ طريقه إلى التمام فالنهاية.

من هذا المفهوم اللاهوتي للتاريخ يبدو أن حضور الكلمة اللامنظور يملأ الكون وهو يواصل فيه عمله الخلاق في طول العالم وعرضه وفي علوه وعمقه إذ كل شيء محكوم بسر التدبير الإلهي الذي وضعه وأحكمه ابن الله الذي مات ليس فقط لأجلنا نحن البشر، بل لأجل كل شيء راسمًا علامة الصليب على كل الأشياء التي به كانت وبدونه ما كان بالإمكان أن تكون.

"إنه لعدل وواجب، يقول أحد آباء الكنيسة الأولين، ان الكلمة الذي صار مرئيًا قد جذب إليه كل المرئيات لكي تشترك في سر صليبه الفدائي. وهكذا يمارس الكلمة، في شكل ملموس، تأثيره الخاص على الأشياء المرئية نفسها لأنه هو الذي ينير الأعالي وينفذ إلى أعماق الأماكن السفلى ويجتاز المسافة الفاصلة ما بين الشرق والغرب داعيًا إلى معرفة الآب جميع الناس المنتشرين في كل مكان".

إن النظام الكوني معقود على صليب المسيح وخاضع لعمله الخلاصي. وإلا لضاع التاريخ المقدس في مجاهل التاريخ الطبيعي وذاب شخص المسيح في مجالات التطور الكوني.

في ضوء هذه الرؤيا، يبدو التاريخ وكأنه المكان المفضل لعمل الكلمة المتجسّد الذي دعا بقدرته كل شيء إلى الوجود ولا يزال يدعو كل شيء إلى استمرارية الوجود. ولذا بعد أن سقط العالم في قبضة قوى هذا الدهر ما جاء الكلمة الفادي ليبيد العالم، بل جاء ليحررّه ويفديه بذبيحة نفسه على الصليب.

هكذا ينكشف لنا المعنى الديني للتاريخ كما تصوره آباء الكنيسة الأولون وكما نستشفه من تاريخ الأزمنة للبطريرك الكبير. وهذا التاريخ يتكون لا بفعل حركة تطورية تصاعدية، كما يزعم أصحاب نظرية التطور التصاعدي، ولا من تعاقب حضارات متوالية، أخذ بعضها بعناق بعض، بل يتكوّن من حقب زمنية متأزمة تنتهي كل منها بانفجار كبير يضع حدًا لحضارة في طريق الزوال لبروز حضارة جديدة.

هذا المفصل المتفجر ما بين حضارتين هو، في الوقت عينه، حكم التاريخ الديني على انحراف حضاري خاطئ. وهو في الوقت عينه، مطهر للكنيسة التي تعبر هذه الحضارات المتوالية على تنافر وتأزم، دون أن تربط مصيرها بمصير إحداها، بل تدمغها بدمغة الخلاص والفداء.

والتاريخ حافل بأحكام من هذا النوع. وما نهاية الأزمنة، إلا الفعل الأخير للكلمة الذي يجذب الكل إليه بعد العبور المطهر في بوتقة التاريخ.

من يتصفح بروية أجمل ما كتبه في طقوس الكنيسة وهو كتاب "منارة الأقداس" يقف مندهشًا أمام سعة اطلاعه على الكتاب المقدس ومهارته في سرد النصوص الكتابية لدعم القضية التي يعرضها ويشرح مضامينها ويدافع عنها. ذلك أن مدار تفكيره الديني هو الكتاب المقدس، أي تاريخ الله مع البشر. فنراه يماشي عمل الله في تاريخ شعبه فيتعمّق في هذا العمل ويأبى أن يجعل المعرفة التاريخية تحيد به عن الغاية الحقيقية.

لقد أدرك الدويهي إدراكًا واضحًا أنّ تاريخ العالم خاضع لأوامر العناية الإلهية الخفية وأن الإنسان ليس ألعوبة مصير أعمى، بل هو بين يدي قوة إله شخصي، به يتعلّق كل شيء. وإرادته إيصال الإنسان إلى غايته الحقة. فالتاريخ، في عرفه، يدون تحت نظر الله ولخدمة مقاصده الإلهية.

أجل، إنّ للتاريخ معنى، وهو يخضع لتصميم ومقصد يميزهما المسيحيون، وهما في نظرهم، واحد وسر التجسد الفادي. والإرادة الإلهية كالسلك الخفي تنظم كل الوقائع وفيها تندرج كل الأحداث، ما نفهمه منها وما يعصي علينا فهمه. هذا المفهوم اللاهوتي للتاريخ، على العموم، ولتاريخ شعبه خاصة، كان حيًا في ذهن الدويهي ومنتصبًا أمام ناظريه. أو كيف أمكن هذا الشعب، على صعيد التاريخ الصرف، وهو قليل العدد، أن يصمد في وجه الاضطهادات المدمرة ويثبت على الأمانة لمعتقده الكاثوليكي وصلابة قراره التاريخي؟ إن سر هذا البقاء على الأمانة المزدوجة لإيمانه وتراثه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا المفهوم لحضور الله الفاعل في التاريخ. "إن شعبًا لقنه أبوه الأول يوحنا مارون التشبث باستقامة العقيدة وبالأمانة المارونية على ان بهما الضمانة ضد الانحرافات العقائدية المميتة لم يكن بإمكانه أن يصمد في الحفاظ على هويته ومعتقده وهما مهددان بدون انقطاع بالعرقلة والأخطار وقد صوبت إليهم سهام قاتلة دون أن تتمكن من أن تنال من حقيقة أمرهم واستمرارية أمانتهم، بل كانت هذه الافتراءات دعمًا للحقيقة وصلابة عودها".

إن في التاريخ الماروني على طول مداه، من الحدث المؤسس، أو من الهجرة الأولى كما يقول الدويهي، صعودًا إلى النور وتقدمًا في تفهم المعرفة الإلهية. فالله حاضر في هذا التاريخ وهو يواكب مسيرته. والشفيع الكبير الذي تكنى باسمه تبركًا وتيمنًا لاتني شفاعته فاعلة في تاريخه.

"بشفاعته، لهم الآن ألف عام منصانين ومستمرين على هذه الكنوة (المارونية) وعلى الديانة المهذبة التي تلمذهم بها البطريرك يوحنا".

استنادًا إلى هذا الاعتقاد الراسخ بأن يد الله هي مع شعبه وكنيسته التي صانها في حفاظها على سلامة العقيدة والديانة المهذبة بشفاعة من تكنت باسمه، برز في مؤلفات الدويهي بعد لاهوتي جديد، هو بعد الرجاء الواثق برغم الأخطار التي تحيق به وبشعبه والأحداث المميتة التي مرت عليه.

أراد الشيطان... أن يخرب البنيان الذي بنوه الآباء على الصخرة الثابتة غير المتزعزعة، وصار من ذلك اضطراب عظيم على بيعة الله في جبل لبنان حتى انه لو ما كان الله سندها في يمينه وعنايته لكانت هدمت إلى الأبد". السند هو الله وعنايته هي التي ترعى شمل المؤمنين به والمتكلين عليه. فالنظرة التي تعترف بعجز الإنسان عن سلوك درب الخلاص. هي نظرة العقول النيرة والقلوب الكبيرة. والشعور بالعجز الذاتي في التغلب على المحن من ميزات الإيمان الفاعل وتعبير لاهوتي عن هذا العجز الإنساني وعن الحاجة إلى يد قديرة تمتد لتقود، عبر المحنة، إلى رحاب الخلاص.

روحية الرجاء


لدى الدويهي


إن روحية الرجاء، في حياة الدويهي، تتخطى حتمية المصير لتعتصم بقدرة الله. فالانفتاح عليه تعالى والاعتصام به نعمة عظيمة تفترض التخلي عن النفس لأن الرجاء يفرغ الإنسان من ذاته ليلقي ثقل همه على الرب. هنا يظهر وجه جديد من وجوه الرجاء الصالح، لدى البطريرك الكبير، ألا وهو الصبر على الحدث المؤلم بالروحية الإنجيلية التي ترى دعوة من الله في كل محنة تحل بنا أو في كل مصيبة تصيبنا. هو يؤمن بأن وجه الرب يبدو أشد إشراقًا من خلال الأحداث المؤلمة، وما كان أكثرها في أيام الدويهي، وكان يقاسيها مع شعبه بروح سمح صبور متلمسًا يد الله في نسيج آلامه وأوجاعه. مهما قست المحنة وسدت نوافذ الرجاء، يظل على يقين بأن الله قريب منه أكثر من أي زمن آخر. هكذا كان موقف القديسين من نوائب الدهر كالقديس افرام يوم حاصر جيش الفرس مدينته نصيبين واعمل فيها هدمًا وتدميرًا فأنشد يقول: "علينا أن نتقبّل صروف الدهر بصبر وإيمان ونتلمس فيها دعوة إلى التوبة والتفكير عن الذنوب" (الأناشيد النصيبية).

وهكذا كان موقف القديس اغوسطينوس وهو يشهد بقلب تعصره الحسرة سقوط مدينة روما تحت ضربات البرابرة فكتب يقول: "لا سبيل إلى اليأس والقنوط. للتاريخ كبوات ونهضات، وفي كل حال من يدري ما قصد الله في جيلنا" (المدينتان).

في رسالة له إلى البابا اينوسنيوس الحادي عشر (1676-1689) يهنئه فيها بارتقائه إلى السدة البطرسية كتب الدويهي عارضًا ما قاساه الموارنة من اضطهاد وعانوه من محن: "إنّ ضياعًا كثيرة هدمت وبعض الأديار احترقت والكنائس، تهجرت وانقتل شعب كثير. والباقي تفرقوا بين الأمم القريبة بسبب تغيير الحكام وقساوتهم... وجاء القحط والغلاء فزادت الأسعار خمسة أضعاف مما كانت عليه أولاً... لكن أحكام الباري غير مدركة ومهما يجينا من جانبه مقبول على الرأس والعين...".

هذا الرجاء النابع من إيمان راسخ وروحانية جوهرها الألم وبلورتها المحن، لا يعني الهرب من الزمن الذي يكدرنا ولا قفزة إلى مستقبل نعلل النفس فيه بأوقات صاحية وأزمنة زاهرة، بل هو رجاء يدعو شخصًا يعرفه فيصرح إليه من أعماق وحشته ويعرف أنه وحده يحيي، يوآسي ويثبت. وانه في لطفه ورحمته يغير بحضوره وجه الحدث المقيت كما يغير وجه الإنسان وقلبه وإرادته.

بهذا الرجاء الحي الفاعل، عرف البطريرك الدويهي أن يواجه الأوضاع المهترئة وكان يدعو الله للحلول بها وللتعايش معها كي تنفجر الحياة من الموت وينبع السهم من الصراع المرير ويهل الفرح من الحزن الذي يخيم علينا.


خلاصة الكلام


1- إن الفكر اللاهوتي عند البطريرك الدويهي هو فكر سليم. إنّما عاق انطلاقته، دون شك، التزامه المستمر بالدفاع عن النفس في وجه العالم الخارجي واتهامات المشككين في استقامة العقيدة المارونية وسلامتها، وبانشغاله في إيقاظ الضمير الماروني وإنارة النفوس بمواعظه وتعليمه وكتاباته.

كان من الطبيعي ألا يسكت عن الافتراءات، فأكب يفند الاعتراضات ويدحض الاتهامات ببراهين تاريخية وكتابية، شأنه في ذلك شأن الآباء المناضلين، في القرون المسيحية الأولى والمدافعين عن صوابية العقيدة المسيحية. ثم ندد بالطريقة الاعتباطية، اللاعلمية، التي اتبعها المشككون في اتهاماتهم وافتراءاتهم على الموارنة.

2- إن أسلوبه اللاهوتي، كما سبق وألمحنا، أسلوب آباء الكنيسة في عرض العقيدة وشرحها والدفاع عنها ببراهين منطقية وشهادات شخصية وشواهد توراتية. لقد ألف القياسات الفلسفية والاستنتاجات المنطقية، فتمكن من استعمال البراهين بلباقة وبراعة نادرتين.

3- إن أهم ما يلفت النظر في عرضه الطقوس الكنسية وشرحها في كتابه القيّم "منارة الأقداس" هو ربطه ربطًا محكمًا ما بين العهدين القديم والجديد وبراعته في استخدام النصوص المقدسة لدحض مزاعم المنحرفين وتثبيت القضية التي يدافع عنها ويشرح معانيها ويفند مضامينها.

4- أما منطلقاته اللاهوتية والمناهل التي استقى منها فكثيرة أهمها: أ- الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، يجول فيه جولات موفقة تدل على اطلاع واسع وارتواء كبير من روحانية كتاب الله والتاريخ المقدس. ب- التقليد السرياني الانطاكي العريق الذي يشدد على ما لا يعبر عنه في الإيمان كأنه يفوق إدراك كل مخلوق. فهو يعرف ما ليس هو الله، ويحتجب أمام من هو. هذا التقليد السرياني القديم يؤثر التشبه بالمصلوب على الجدل العقلاني في سر الله. فسر الكلمة المتجسد بالطائع حتى الموت على الصليب يكشف عن حب الله للبشر وحنانه ورأفاته. ج- الليتورجيا الكنسية التي برع الدويهي في شرحها وضبطها وتفسير كل حركة وعمل من حركاتها وأعمالها. وأهم أفكاره اللاهوتية نستشفها من خلال نصوصها الأساسية، في جماعة كان كل شيء فيها يتمحور حول الدير هي جماعة بيت مارون التي تعتبر "جماعة رهبانية" رئيسها البطريرك. د- الروحانية المريمية النابعة من دور العذراء
ودعوتها في سر التجسد الفادي ومن شفاعتها القديرة التي اختبر البطريرك نعمها والتي مكنت الموارنة من الحفاظ على الأمانة الكاثوليكية وتقاليدهم العريقة. هـ- ثقافته اللاهوتية التي انطبع بطابعها والتي اتسمت بعرضها للعقيدة وشرح لمضامينها ودفاع عن صوابيتها.

إنّ لاهوت البطريرك اسطفانوس الدويهي لاهوت متجسد يرتبط بأرض ويتجسد فيها، هي أرض لبنان. إليها لجأ الموارنة بعد أن اقتلعتهم في القرن السابع الاضطهادات من سهول العاصي الخصبة، فصنعوا من هذا البلد الذي يذكره الكتاب المقدس رمزًا للمجد – وطنًا لهم ومركزًا لإشعاعهم في الشرق وفي العالم.

لقد كان البطريرك اسطفانوس الدويهي رجل عناية ورسول سلام فنجح في ما عمل وعلم وتمكن أن ينعش في شعبه المؤتمن على تدبيره وقيادته، روح الإيمان بالله والاتكال عليه والإعتصام به، فكان في وسط شعبه المعلم الماهر والعامل النشيط، وليس أعظم في ملكوت الله ممن عمل وعلم.


المطران جورج ابي صابر