صفحات من تاريخ إهدن (أصول ومراجع)

 المرجع: صفحات من تاريخ إهدن (أصول ومراجع)، بيروت، 1987.
 

(البطريرك إسطفان الدويهي (1670 -1704

• "لم يقم عند الموارنة مثل الدويهي عالم غيور على ملّته"


المطران جرمانوس فرحات


• أعلم مؤرّخي الطائفة المارونية، ومن أحرص العلماء دقة في سرد الأخبار ونقل المعلومات التاريخية"


الأب مرتين اليسوعي


• إنّه أعظم ماروني علمًا وعملاً..."


المطران بطرس شبلي

الدويهي في روما

ولد هذا البار في ربوع إهدن الزاهية موطن القديسين والعلماء والأبطال في اليوم الثاني من شهر آب سنة 1630 يوم تذكار عيد القديس إسطفانوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء فدعاه والداه باسم القديس الشهيد. تعلّم مبادئ القراءة السريانية والعربية ومعرفة مبادئ الديانة وطقوس كنيستنا المارونية في ظل كنائس رعية إهدن – زغرتا وكان انصبابه على الدرس مشفوعًا بالتقوى كأنّه أدرك من صغره أنّ العلم ليس بشيء بدون خوف الله وعشق العلوم حسب قول مؤرّخ حياته البطريرك سمعان عواد فاختاره البطريرك جرجس عميره بناء على طلب عمّه المطران الياس صرصر الدويهي مطران إهدن (1638-1659) وأرسله إلى المدرسة المارونية في روما العظمى برفقة القس سمعان التولاوي والشماس يوسف فتيان الحصروني وكلاهما من تلامذة المدرسة ومعهم ثلاثة آخرين أي يوسف الرامي من رام البترون وأخيه بطرس وهما ابنا أخت القس سمعان المذكور وبطرس ابن القس إبراهيم من بيت اميه من إهدن وهو ابن عم إسطفان الدويهي الذي صار مطرانًا على صيدا فيما بعد (1680 – 1683) وكان وصولهم إلى روما في شهر حزيران سنة 1641 فأكب على الدرس بكل ما فطر عليه من الحماسة الإهدنية وسبق رفاقه وفاقهم وبالحق قال عنه سمعان عواد في ترجمة الدويهي أنّه سبقهم "على شبه النسر الذي يفوق كل الطيور بالطيران... وكان يلالي بين أولاد المدارس كالشمس بين "الكواكب" وكان اجتهاده في الدرس مقرونًا بعبادة حارة زادها العلم رونقًا وكان إسطفانوس لين العريكة رفيع الطبع وديعًا متّصفًا بمزايا حميدة قال أحد مؤرّخيه أنّه كان ينمو كالسوسن جامعًا لطف الأخلاق وطيب عرف الفضيلة وطهارة السيرة والسريرة.

ونجح نجاحًا باهرًا بتفوّق كبير جدًا أهّله للوقوف في محفل علما وكرادلة روما مجادلاً ومدافعًا عن قضية الفلسفة واللاهوت فنال شهادة الملفنة أو الدكتوراه وقد أدهش الجميع بذخائر حكمته وكنوز مداركه. قال واضع سيرته المطران شبلي: ولمّا أنهى دروسه القانونية طلب منه آباء المجمع المقدّس أن يبقى عندهم معلمًا للفلسفة والإلهيات وهي منزلة لم يبلغها شرقي قبله ولمّا اعتذر حاول أحد كبار الرومانيين إغراءه بمرتب ضخم ليقوم بتدريس أولاده نظرًا لما سمع عنه من الإطراء والثناء فلم يلتفت إسطفان إلى ذلك ولو أنّه صنع لفاق السماعنة شهرة وحاز اعتبارًا نحن لا نقدر على وصفه. على انه مكث في روما يومئذ نحو ستة أشهر يطوف مدارسها ومكاتبها ويفتّش عن كل ما فيه ذكر للموارنة وكان ينسخ كل ما عثر عليه وعلى هذه المخطوطات اعتمد في كتابه تاريخ الطائفة ودفاعه عنها ورد التهم الباطلة ببراهين دامغة ومستندات ثابتة وهكذا تمكّن من جمع قسم كبير من مواد تاريخية التي نشرها فيما بعد كنزًا لا يفنى ومنهلاً لا ينضب.

تلك الصفات التي كانت تزيّن إسطفان الدويهي جعلت رؤساء الرهبانيات في روما يتسابقون ليدخلوه إلى رهبانياتهم وقد قال أحد مؤرّخي حياته: "إنّ الآباء اليسوعيين بذلوا الجهد ليربحوه فلم يحصلوا على نتيجة تاركًا ما عرض عليه من مراتب مغرية ليعود إلى لبنان ويخدم أمّته وكنيسته على أكمل وجه خدمة الراعي الصالح كاهنًا وأسقفًا وبطريركًا وقد ربح بوقت قصير قلوب أبناء رعيته وكنيسته وأعطاهم الكثير من قداسته وفضائله السامية وأنواره فدعوه "منارة الأمة المارونية ومجدها".

العودة وسيامته الكهنوتية

عاد الدويهي إلى لبنان سنة 1655 وفي سنة 1656 في 25 آذار يوم عيد البشارة المجيد رقّاه البطريرك يوحنا الصفراوي إلى درجة الكهنوت على مذبح دير مار سركيس رأس النهر في إهدن وللحال سكن دير مار يعقوب الأحباش خمس سنوات بعد أن رمّمه وابتدأ يعلّم الأولاد في إهدن ويعظ الشعب. ودير مار يعقوب قديم كان مركز مطرانية إهدن ومسكنًا للرهبان الفرنسيسكان ومحبسة للعابد الفرنسي المعروف فرانسوا دي شسطويل.

وفي سنة (1663) أوفده البطريرك جرجس البسبعلي إلى حلب واعظًا وخادمًا للنفوس وكان للطائفة المارونية مكانة مرموقة فيها وكانت حلب في عزّها فأقام هناك خمس سنين يرشد ويعلّم وقد بذل جهده في ارتداد المنفصلين عن الكنيسة فردّ عددًا وافرًا من الروم واليعاقبة والنساطرة والأرمن وظهرت قداسته وفصاحته وغزارة علمه للجميع فكتب عنه أحد الحلبيين فقال "لم نسمع عندنا مثل كرزه فيا لمعجزات وعظه كم أحيت من نفوس". ثمّ ينعته بفم الذهب الثاني والفيلسوف الروحاني ولا حاجة إلى زيادة شيء على هذا الثناء العاطر.

الدويهي الواعظ في حلب

كان قد حذق فن الوعظ منذ زمن بعيد يقول سيادة المطران صفير عن الدويهي وتعوّد أن يلقي المواعظ على جميع طبقات الناس يوم كان كاهنًا في إهدن وحلب وكان الإقبال على سماعه كبيرًا حتّى لقّب بفم الذهب الثاني.

وهاكم ما كتبه عنه أحد النساخ الحلبيين بعد أن أغرق اسمه في بحر من الألقاب المسجعة: "كمل هذا الكتاب وذلك بأيام رئاسة رأس الرؤساء والأبهات المتوّج باعلام الشرف والكرامات المعلم الفاضل والعالم العامل الفيلسوف الروحاني فم الذهب الثاني... السيد البطريرك الأنطاكي مار إسطفانوس السالك في آثار الآباء القديسين المقيم في دير قنوبين. كان سابقًا كاهنًا في هذه الكنيسة (أي كنيسة مار الياس المارونية في حلب) ولم يسمع مثل كرزه". وقد وردت هذه الكتابة في خاتمة أحد كتب الفرض المنسوخ سنة 1671 أي بعد سنة من ارتقاء الدويهي سدة البطريركية.

وكان الحلبيون لا يزالون على ما يبدو يتناقلون أخبار مواعظ الدويهي على ما يقول الأب توتل في توطئته لطبعة تاريخ الأزمنة: "ويتحدّث إلى يومنا عن إقبال المسيحيين في ذلك العهد لسماع عظاته فتضيق بهم الكنيسة فينقل الخبر إلى جانب الباب ومنه يبلغ الصوت الجماعة الواقفين في الفسحة الخارجية وبينهم الكاثوليكي وغير الكاثوليكي ويضيف الأب توتل وقد طالعنا عند المثلث الرحمة المطران عبد الله خوري مجموعة عظات ترجح الدلائل أنّها من قلم إسطفان الدويهي وممّا يكون قد ألقاها في حلب. ويقول البطريرك سمعان عواد كاتب سيرة حياة الدويهي وخلفه في البطريركية بعد البلوزاني ويعقوب عواد ويوسف ضرغام الخازن أنّه ألّف كتابين في الوعظ.. وفي غضون ذلك اغتنم الفرص لجمع المخطوطات الثمينة التي لها علاقة بتاريخ الشرق وملله، وبالدفاع عن الموارنة ومعتقدهم الروماني السليم ومشهور أنّ حلب عهدئذ كانت تعتبر حقًا في مقدّمة المدن الشرقية ثروة وثقافة وعلمًا.

دور المدرسة المارونية في حلب

- في سنة 1666 أنشأ البطريرك الدويهي المدرسة المارونية في حلب (غراف 2- 281) راجع كتاب وثائق تاريخية عن حلب.

وسنة 1685 أرسل البطريرك الدويهي العلامة الخوري بطرس التولاوي المشهور بغزارة علمه واعظًا وخادمًا للنفوس وكانت وفاته 1745 بعمر تسعين سنة.

وقد رسخ في اعتقاد الدويهي أنّ المدرسة هي خير آداة للتثقيف وللتفقيه في شؤون الدين والمعرفة فاعتمدها كاهنًا وأسقفًا ورعاها بطريركًا وكان قد خبر شؤون المدارس في إهدن وفي حلب وحالما تبوّأ الكرسي الأنطاكي فتح مدرسة في دير قنوبين مقره البطريركي لتعليم الأحداث مجانًا واستمرّت طيلة سني بطريركيته وكان يختار من يتوسّم في تلامذتها الذكاء والنشاط فيرسلهم إلى روما للتحصيل وكان هو من اختار السمعاني ومبارك والتولاوي وغيرهم ممن أصبحوا من مشاهير العلماء الذين قامت عليهم وعلى أمثالهم النهضة العلمية في هذا الشرق فاقتفى بذلك أثر ابن بلدته وسلفه البطريرك يوحنا مخلوف الإهدني (1608-1633) الذي فتح في دير سيدة حوقا المطل على وادي قنوبين المقدّس أوّل مدرسة إكليركية في الشرق سنة 1624 وكانت الغاية من افتتاحها إعداد الطلاب للمدرسة الرومانية المارونية التي نحن اليوم بصدد يوبيلها المئوي الرابع.

يقول سيادة راعينا المفضال المطران صفير: وظلّ الدويهي يرعى مدرسة حلب بعد صيرورته بطريركًا فبعث إليها كاتب أسراره الخوري بطرس التولاوي المشهور بغزارة علمه ويقول الخوري بطرس روفايل "إنّ المدرسة المسيحية التي علّم فيها التولاوي اكتسبت بفضله وبسرعة شهرة كبيرة حتى زاحمت المدارس الإسلامية الشهيرة في ذلك الزمان في حلب وقد أصبحت مركز الحركة الثقافية التي امتدّت شيئًا فشيئًا إلى سوريا وكان طلابه من جميع الطوائف ومن أبرزهم مؤسسي الرهبنات.. وإنّا لنجد الدويهي في أساس هذه النهضة الثقافية المباركة.

- في حديث قيّم للخوري نبيل الحاج في إطار الاحتفالات بالذكرى المئوية الرابعة لتأسيس المدرسة المارونية في روما فقد توقّف عند مدرسة حلب وتبيان دورها كصلة وصل بين مدرسة روما الشهيرة والشرق المسيحي وكما كانت عليه الحركة الفكرية في حلب في القرن السابع عشر.

إنّ هذه المدرسة أسّسها الخوري إسطفان الدويهي (البطريرك فيما بعد) سنة 1666 أثناء إقامته في حلب من سنة 1663 إلى سنة 1668 وهو يكرز ويعلّم ويهتمّ بأمور الموارنة.

- أراد الدويهي أن يجعل من مدرسته "التي كانت تعرف في وقته بالمكتب الماروني" – صورة مصغّرة عن معاهد روما في عصره. ذاك كان طموحه وحالفه الحظ فضمّ إليه نخبة من المعلّمين ممّن تخرّجوا مثله من مدرسة روما أمثال الخوري يوحنا نمرون الباني والقس يوسف الباني والشماس نعمه بن يمين الإهدني والخوري أيوب البشراني تلميذ رافنا والشيخ يعقوب أبي الغيث الدبسي الماروني اللغوي الشهير وغيرهم.

وحين عاد الشدياق بطرس التولاوي من روما ملفانًا في الفلسفة واللاهوت رسمه الدويهي كاهنًا سنة 1682 وعيّنه يازجيًا عنده فخبره طوال ثلاث سنوات في قنوبين وكسروان ومجدل المعوش وتنسم فيه خير مكمل لمّا كان بدأه هو في حلب وحالت الأسقفية دونه فأرسله إلى حلب سنة 1685 وهناك مشبعًا من العلوم الغربية في روما ومن الأصالة المشرقية لدى بطريركه العظيم بدأ بتحقيق آمال مرسله وعاش المكتب الماروني معه عصره الذهبي ولقّب هو بكوكب الشرق وقبة الحكمة. الإشعاع التولاوي في حلب تحقّق كرزًا وإرشادًا وتعليمًا وتأليفًا... ومع تلاميذه هؤلاء (ومنهم مؤسسي الرهبنات) وبمؤازرة خريجي روما الخوري يوسف الباني والقس رزق الله الدويهي والقس سركيس الجمري الإهدني يمكننا أن نستنتج النقاط التالية:

2) أصبحت حلب ميدان تيار فكري وروحي هام تجسّد في النسخ والترجمة والتعريب والتأليف وإنشاء المكتبات وما يشبه الدائرة العلمية.

3) انتقل هذا التيار إلى لبنان ونقل معه اللغة العربية على يد الرهبان الحلبيين من مختلف الطوائف فتجسّد رهبانيات – للرجال والنساء – عملت على زرع المعرفة والعلم بإنشاء المدارس وتسبب بإنشاء معهد ماروني آخر للرهبان في روما...
أمّا الختام فيحملني على القول بأنّ مدرسة حلب المارونية كانت حقًا صلة وصل بين الشرق والغرب عبر جميع طلابها وخاصة عبر المثلث الطيب الذكر الدويهي – التولاوي – فرحات.

إنّها محطة عظيمة تستوقف كل باحث وكل مفكّر في مسيرتنا الثقافية والحضارية على الطريق الوعرة التي شقّها لنا الرواد الباقون ببذل جهود مبرورة لا يسعنا إلاّ أن نقف حيالها خاشعين.

الدويهي أسقف قبرس

وفي سنة 1668 بعد العيد الكبير زار الدويهي الأراضي المقدّسة هو ووالدته وأخوه الحاج موسى وأناس كثيرون حيث تباركوا من المواضع المقدّسة التي تردّد بها المخلّص في القدس وبيت لحم والناصرة وغيرها.

وبعد عودته إلى لبنان أقامه البطريرك جرجس البسبعلي مطرانًا على أبرشية قبرس فجال البلاد لافتقاد الرعايا وجمع ما تسنّى له أن يجمع من الآثار والكتب لوضع مؤلّفه النفيس تاريخ الأزمنة فابتدأ به في 2 أيار سنة 1669.

مآثره في جزيرة قبرس

يقول الدكتور جورج هارون: بالرغم من أنّ المؤرخ العلامة رسم أسقفًا على كرسي نيقوسيا في 8 تموز 1668 ومكث فيها إلى سنة 1670. فإنّ تواضعه أخفاه وفضيلته حجبته عن ذكر العمل الرسولي الذي اطلع به وقاسى المشقات والأخطار في سبيله.

في قبرس نقب عن تواريخ المنطقة بأسرها وتاريخ المارونية وأغفل تاريخه الشخصي. فتش في بطون الأوراق التائهة وزوايا المصاحف القديمة ولم يقل كلمة عنه وعن عمله في الجزيرة. بيد أنّ بضعة مخطوطات عثر عليها تنطق ببعض الأثر الذي خلفه:

- من كتابة بالكرشونية بخط يده على شحيم محفوظ الآن في نيقوسيا وخاص بماروني قبرسي سامه قسيسًا هو إبراهيم الخوري جرجس الترتجي من قرية كليبيني وتلميذ مدرسة روّانا وروميه: "فلمّا كانت سنة 1669 ربانية أنا الحقير بين الرؤساء أتيت إلى زيارة هذه الجزيرة المحروسة التي اؤتمنا عليها. وفي شهر آذار المبارك ثبتنا أهل بولوس (في) محبة المسيح وفي هيكل مار رومانوس رسمنا شمامسة بالترتيل والبوابية شماس حنا بن مركو وجرجس ابن خرسطفوروس الله يباركهم وينشيهم في ربح الوزنات التي اقتبلوها ولله المجد دائمًا وأبدًا."

- ومن كتابة أخرى عثر عليها المطران بطرس شبلي الذي زار الجزيرة في أوائل هذا القرن سعيًا وراء آثار الدويهي وذلك عام 1902: "في سنة 1669 مسيحية حضرت أنا الحقير في المطارنة المطران إسطفان الدويهي الهدناني مطران جزيرة قبرس لزيارة أولاد رعيتي الموارنة الكائنين في جزيرة قبرس وإلى أهالي اصوماتو في اليوم الثالث عشر من آذار المبارك من السنة المرموقة المحروسين من الله وثبتناهم في ميرون الخلاص والله يثبتهم في أمانته. ورسمنا عيسى ابن مخايل شماسًا مرتل وبواب والمولى ينور عقله ويرشده إلى الدرجات العالية لبنيان كنيسته".

الدويهي البطريرك

- في العشرين من أيار سنة 1670 ارتقى الدويهي عرش البطريركية وظلّ فيه أربعًا وثلاثين سنة إلى وفاته سنة 1704 في 3 أيار في دير قنوبين في الوادي المقدّس. في تلك المدة الطويلة قام بحمل وظيفته بين الشدائد والاضطهادات بنشاط وغيرة وقداسة جديرة بالرجال العظام النجباء آباؤنا الذين ولدنا منهم. فيهم أنشأ الرب مجدًا وأبدى عظمته مدى الدهر. (ابن سيراخ 1:44).

وإليكم ما قاله كاتب حياته المطران شبلي (ص 53) "في اليوم الأربعين للوفاة أي في العشرين من أيار اتفقت كلمة أساقفة الطائفة وأعيانها على تنصيب الدويهي بطريركًا انطاكيًا على الكنيسة المارونية فلمّا درى بذلك هبّت في نفسه شعائر القديسين وتمثّلت لعينيه صورة الأحبار الفضلاء الذين رسموا أقوال الإنجيل بأعمالهم وظهروا كالكواكب النيرة في سماء بيعة المسيح... فهرب المطران إسطفان واحتجب عن أعين الناس. غير أنّه لم ينل أمنيته واضطر إلى قبول البطريركية ووظيفته راعي الرعاة. وانتشر الخبر فملأ القلوب فرحًا وهلّل الشعب تهليلاً وكان يوم انتخابه وجلوسه من أبهج الأعياد وأبهاها".

- في مقال علمي ودراسة قيّمة للأب الدكتور بولس صفير حافظ المكتبة البطريركية ومدير قسم التاريخ الكسليك عن البطريرك إسطفان الدويهي والمونسنيور يوسف شمعون السمعاني: رجلان كبيران من رجالات الدين والعلم والتاريخ استظلهما سقف المدرسة المارونية الرومانية ردحًا من الزمن وتحليا بمزايا وصفات نادرة جمعت من أوجه شبه عديدة بين عبقرية كل منهما فأحبا الكنيسة المارونية حبًا جمًا وسعيا إلى خدمتها وتركا أثرًا كبيرًا في تاريخ إدارتها وسياستها فتحلو المقارنة بينهما لأنّ الموضوع شيق من جهة ولأنّ التطرق إليه دعوة ملحة في هذه الذكرى القرنية الرابعة لتأسيس المدرسة المارونية من جهة أخرى من خلال بعض الوثائق والمراجع والمستندات المتوفرة لدينا... ونحن إذ نقدّم على مثل هذه المغامرة سنحاول أن نتوقّف..

ثانيًا سنتوقّف عند الأثر الذي تركه البطريرك الدويهي في تدبير الكنيسة المارونية التي تولّى فيها مقاليد الرئاسة العليا طيلة سني بطريركيته وقد دامت أربعًا وثلاثين سنة (1670 – 1704) وعند الدور الرئيسي الذي لعبه المونسنيور يوسف شمعون السمعاني في حركة تنظيم وإصلاح هذه الكنيسة من خلال انعقاد المجمع اللبناني سنة 1736...

أثره في التدبير والإدارة

ارتقى الدويهي السدة البطريركية في 20 أيار سنة 1670 وظلّ يدبّر بكل دراية وحكمة الكرسي البطريركي طيلة 34 سنة فلاقى طيلة سني بطريركيته اضطهادات شتى ومنازعات وملاحقات عديدة ومتنوّعة شأن أسلافه وخلفائه البطاركة الموارنة الصالحين. ولا يخفى على كل ذي بصيرة وإلمام في تاريخ الطائفة المارونية أنّ البطاركة الموارنة استوطنوا وادي قاديشا وقنوبين في لبنان الشمالي ما يقارب الاربعماية سنة (1440 – 1823) فكان مقرّهم البطريركي الدائم دير سيدة قنوبين ولم يغادروا هذا المقر إلا لفترات متقطعة وسبب الحملات التي كان يشنّها عليهم أعداؤهم وبنوع خاص ولاة طرابلس من آل حمادي وذلك بهدف التنكيل والغزو ووضع اليد على الأرزاق والممتلكات فكان البطاركة الموارنة يهربون تحت جنح الظلام من وجه هؤلاء الغزاة منتقلين من وادٍ إلى وادٍ آخر ومختبئين في المغاور وفي حنايا الصخور وأوكار النسور الموزّعة على جانبي الوادي المقدّس. وهذا ما يحمل على الاعتقاد أنّ اللقب الذي يمكن أن تلقّب به الكنيسة المارونية طيلة هذه الحقبة هو لقب كنيسة المغاور والكهوف وهذا اللقب هو شبيه إلى حد بلقب كنيسة الدياميس الذي لقبت به كنيسة روما في بدء النصرانية. عندما كان البابوات والأساقفة والكهنة والمؤمنون الأول يهربون من وجه القياصرة الرومانيين ويلجأون إلى الاختباء في الدياميس تحت الأرض.

وإنّ ما نلاحظه بداهة في حياة البطريرك هو أنّه غادر قنوبين أكثر من مرة بسبب الاضطهادات والملاحقات. فكان ينتقل من مغارة إلى مغارة أخرى حينًا وكان يولي وجهه شطر كسروان ويسكن في دير مار شليطا مقبس حينًا آخر وقد جاء إلى هذا الدير خمس مرات إبان بطريركيته ومنه ذهب إلى مجدل المعوش في الشوف حيث بنى هناك كنيسة ودارًا يسكن فيها فترة من الزمن.

وبالرغم من هذا كلّه فقد كرّس هذا البطريرك العظيم وقته وجهده ووظّف أكثر من أي خريجي آخر من تلامذة المدرسة المارونية رصيده العلمي والثقافي في سبيل تدبير وإدارة الكنيسة المارونية طوال حياته الأسقفية والبطريركية التي دامت 36 سنة فاعتمد لهذا التدبير أولاً اللسان والقلم في الوعظ والتدريس والتأليف ثمّ تمرّس على أكمل وجه بواجبات الرعاية متحليًا بصفات الأبوة تجاه جميع أبنائه الموارنة على اختلاف طبقاتهم... وظل الدويهي بعد ارتقائه إلى الدرجة الأسقفية ومن ثم إلى السدة البطريركية يعلّم الشعب ويعتمد الوعظ واللسان وسيلة فعّالة لتقويم الاعوجاج وإرجاع الضالين وتدبير شؤون الطائفة بما اشتهر به من غيرة وقادة وفصاحة نادرة شأنه في ذلك شأن الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن خرافه. والشيء الوحيد الذي تغيّر بعد ارتقائه إلى أسمى درجات الكهنوت هو انفتاح حقل الرسالة أمامه واتّساع نشاطه الرعوي فكان يطوف أبرشيات الطائفة ويعظ ويعلّم منذرًا بكلمة الحق فيختار كهنة ذوي علم وتقوى يقومون على غراره برسالة التعليم والإرشاد ويفحص الكتب الطقسية المخطوطة ويصلح ما أوقعه النساخ فيها من خطأ ونقص ويجمع تواريخ هذه البلاد فيستقي معلوماته التاريخية القيمة عن المصاحف القديمة والمخطوطات العتيقة المطمورة في زوايا الأديار وخزائن الكنائس والمناسك وقد علا غلفها الغبار...

واعتمد الدويهي أيضًا القلم في التأليف والتصنيف للقيام بوظيفة التدبير فكان كاتبًا مدققًا ومؤلّفًا بارعًا وهو ملفان في علم الفلسفة واللاهوت فظلّ طيلة حياته يدبج المقالات ويؤلّف الكتب وينقّح المخطوطات بالرغم من تقلبات الأحوال واضطراب الأوضاع الأمنية ووقوع المظالم في أيامه وعدم تمكنه من الركون إلى الراحة والاستقرار. وهذه كلّها لم تمنعه عن الكتابة والتصنيف والكد والتأليف حتى في المغاور والبراري التي كان يلجأ إليها فوضع تآليف قيمة في اللاهوت العقائدي والتاريخ والطقوس والرتب الكنسية والأسرار فبلغ عدد هذه التآليف حسب زعم مؤرّخي حياته سبعة عشر مؤلفًا ونحن سنورد هنا عناوين بعض هذه المؤلّفات على الوجه التالي:

- مؤلّفاته التاريخية

1- تاريخ الأزمنة وهو أشهر مؤلّفاته. أورد فيه وفقًا للتسلسل الزمني الأحداث التاريخية التي جرت في الحقلين الديني والزمني في لبنان والمشرق منذ ظهور الإسلام حتى أيامه.

2- سلسلة بطاركة الطائفة المارونية منذ أن تبوّأ القديس يوحنا مارون الكرسي الأنطاكي حتى أيامه.

3- البراءات البابوية الموجّهة إلى البطاركة الموارنة والإكليروس والشعب الماروني منذ القرن الثالث عشر حتى أيامه.

4- سيرة حياة تلامذة المدرسة المارونية الرومانية المؤسّسة سنة 1584 وقد تناول تلامذتها منذ سنة 1639 حتى سنة وفاته 1704.

5- تاريخ الطائفة المارونية وقد أثبت فيه صحة نسبة واعتقاد الموارنة وردّ فيه على كل ما رشقوا به من تهم.

- مؤلّفاته الطقسية

6- منارة الأقداس. وهو مؤلّف قيّم ويعدّ من أهم ما دبجته يراعه في الليتورجيا والطقوس. إنّه يقع في جزئين، كل منهما يحتوي على خمسماية صفحة وقد تناول فيه شروحات مستفيضة عن ذبيحة الإفخارستيا وكل ما يمت بصلة إلى القداس الإلهي. نقل الأب بطرس مبارك هذا المؤلّف النفيس إلى اللاتينية ولكنه لم ينشر بالطبع.

7- كتاب الشرطونية وهو كتاب الرسامات الكهنوتية تناول فيه جميع الرتب التي يرقى بواسطتها الإكليركيون إلى الدرجات المقدّسة. من درجة القارئ إلى درجة الأسقفية والبطريركية وقد جمع فيه كل ما كان درج عليه سلفاؤه الأقدمون من تنقيح وتصحيح لهذه الرتب المتّصلة في التاريخ إلى البطريرك إرميا العمشيتي (1199 – 1230).

8- كتاب تصحيح التكريسات.

9- رتبة لبس الإسكيم الرهباني.

10- النوافير التي درجت الكنيسة المارونية على استعمالها في الذبيحة الإلهية.

11- كتاب التبريكات والرتب الكنسية.

12- كتاب الجنازات وقد نقّح الدويهي قسمًا كبيرًا منه.

13- كتاب في الألحان السريانية وقد جمعها ونسّقها وفقًا لنظم الشعر السرياني.

- مؤلّفاته العقائدية والدفاعية والفلسفية

14- النتائج الفلسفية وهو كتيب صغير وهو على مقاعد الدرس في اللغة اللاتينية وقد أشرنا إليه سابقًا.

15- كتاب عن الفردوس الأرضي وضعه في أوروبا في نهاية دروسه اللاهوتية وقد بيّن فيه أنّ إهدن بلدته هي هذا الفردوس.

16- مقالات عقائدية وقد تناول فيها وجود السيد المسيح في القربان المقدّس وعقيدة الحبل بلا دنس وما سوى ذلك ممّا يدلّ على طول باعه في تضلّعه من علم اللاهوت.

17- كتاب رد التهم أو كتاب المحاماة عن الموارنة وهو مؤلّف دفاعي يردّ فيه الدويهي على مزاعم القائلين بهرطقة الموارنة مفندًا آراءهم.

إنّ جميع هذه المؤلّفات تسلّط الأضواء على سعة اطلاع وغزارة معارف البطريرك الدويهي وتوجّه الأنظار على الخير العميم الذي حصلت عليه الطائفة المارونية من مجيئه إلى لبنان بعد نهاية دروسه في المدرسة المارونية فلو لم يأت الدويهي يقول حضرة العالم الأب صفير ويسوس الكنيسة المارونية ويدبّر شؤونها ويجمع تواريخها ويحفظ طقوسها وينقّح كتبها ويصحّح مخطوطاتها ويعلّم الشعب واجباته الدينية ويدافع عن حقوقه وصحة معتقده ويخبر الأجيال الطالعة كيف عاش الآباء والأجداد في غابر القرون والأيام لبقيت الكنيسة المارونية متسكعة في دياجير الظلام والنسيان تتخبّط في جهل مبين يزيد من شدة وطأته حسد الحساد وتقلّبات الدهر عليها وتنكيل المعتدين.

وقد تمرّس الدويهي بواجبات الرعاية على أكمل وجه متحليًا بصفات الأبوة تجاه جميع أبنائه الموارنة على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم وكانت غيرته القوية على خيرهم الروحي والزمني تحمله على التدخل في كل ما يجري في أيامه خوفًا من أن يلحق بهم الأعداء الغدر والأذى فأخذ منذ تبوأ السدة البطريركية يجد ويناضل في سبيل تعزيز الطائفة وترقية أبنائها على الصعيدين الروحي والمدني. فعني أولاً بطلاب الكهنوت ثمّ بالكهنة والمطارنة واهتمّ أخيرًا بأبناء الشعب وسياسة الرعايا.

1- عنايته بطلاب الكهنوت

ظهرت عناية الدويهي بطلاب الكهنوت عندما أسّس مدرسة في قنوبين ليختار منها طلابًا فيرسلهم إلى المدرسة المارونية لتحصيل العلوم فيها كما سبق ورأينا ولشدّة حبه لمدرسة روما وفرط اجتهاده في تهذيب الإكليروس الماروني أخذ يسعى في إنجاحها منذ السنوات الأولى لبطريركيته فكان يراسل البابوات والكرادلة ورؤساء مجمع نشر الإيمان بشأنها. وسهر من بعيد على نموّها وازدهارها وكان كل مرة يشعر بنقص في عدد طلابها يهب حالاً لتفادي هذا النقص فيرسل طلابًا جددًا إليها. فبلغت عدد الأفواج المتتالية من الطلبة الذين أمّوا المدينة الخالدة في أيامه عشرة وقد ذهبوا إليها في بعثات متلاحقة، بمعدل بعثة واحدة كل ثلاث سنوات. وكان الدويهي يعطف عطفًا خاصًا على هؤلاء الطلاب فلا يدع فرصة سانحة إلاّ ويغتنمها لحثهم على الإقبال على العلم والتمرس بالفضائل فيستفيدوا من نهل العلوم من معينها الصافي ويفيدوا غيرهم فيما بعد. وكان يعدهم بأسمى المراتب الكنسية عندما يرجعون إلى الوطن كما يتّضح من هذا الكلام الموجّه إليهم في رسالة خاصة بهم قال: "نتعهّد لكم بأسمى المراتب عندما تعودون إلينا بالسلامة مزيّنين بالعلم والفضائل".

2- اهتمامه بالكهنة

لم يكن اهتمامه بالكهنة بأقل من عنايته بطلاب الكهنوت فكان ينتظر بفارغ الصبر رجوع الكهنة المتخرجين من المدرسة المارونية وبعد مثولهم بين يديه لدى انتهاء دروسهم كان يوزّعهم على القرى والأماكن الأشد احتياجًا إلى تعاليمهم ومعارفهم وكان يثني على غيرة الفضلاء منهم ويؤدّب ويوبّخ المتوانين وهذا ما أشار إليه البطريرك سمعان عواد عندما كتب سيرة حياته بقوله: أمّا الكهنة النشيطون الذين يرعون قطيعهم على مثال الراعي الصالح فكان يكرّمهم أشد الإكرام وإذا توفي احدهم كان يحضر بنفسه جنازته ويقيم لأجله الصلوات والقرابين بخلاف الكهنة المتوانين فانه يوبّخهم ويعاقبهم على ما يزلون به من مقتضيات درجتهم.

ولا بدّ هنا من الإقرار بفضل الكهنة تلامذة المدرسة المارونية الذين ساروا على خطى البطريرك الدويهي واثروا الرجوع إلى وطنهم لبنان على البقاء في روما عاصمة الكثلكة فانهم بالرغم من التآليف النفيسة التي خلدوا بها لذواتهم وللموارنة ذكرًا لا تمحوه السنون والأجيال فقد أفادوا الطائفة وأبناء الشعب فائدة قصوى بأعمالهم الكهنوتية وطهارة سيرتهم وغيرتهم فهم الذين رفعوا الإكليروس الماروني إلى المنزلة التي احتلّها في القرنين السابع عشر والثامن عشر ولشدّة فضلهم وفضيلتهم نالت الكنيسة المارونية الاعتبار والاحترام لدى الدولة العثمانية والحكام المحليين وحصلت على بعض امتيازات منهم...

- كان الدويهي شأن الراعي الصالح يعرف رعيته وكانت رعيته تعرفه وقد بلغ منه حب أبنائه الموارنة حتى بذل الذات فكان يتفانى في سهره المتواصل على مصالحهم الروحية والزمنية ومع كونه رئيسهم الأعلى ومتسلمًا زمام السلطة وصاحب القرار النهائي فقد تحلّى إضافة إلى صفات الرئيس والمسؤول بصفات الأب الحقيقي فكان يعرف كيف يلين مع الضعفاء ويقسو في تصرفاته مع الأقوياء ومن بحث في سيرة حياته وتقصّى أخبار سياسته لأبناء الشعب وجد عنده الوداعة مقرونة بالشجاعة واللين بالقوة فكان متّضعًا حليمًا مع صغار القوم وصلبًا صامدًا مع المعتدين بأنفسهم والمتطاولين على الغير ومع ما اتّصف به من الرحمة والشفقة فقد كان عادلاً لا يلتفت إلى أحد عند وجوب إجراء العدل والقيام بوظيفته فيقضي حاجات المساكين ويهدي الضالين ويدافع عن المظلومين ولم يكن يستخف بأحد على الإطلاق وقد قال فيه البطريرك سمعان عواد إذا جاء أحد الفلاحين لاقاه إلى الباب وأجلسه على كرسي وسقاه الخمر بيده وأسرع إلى قضاء حاجته ولا يصرفه إلاّ مسرورًا بعد أن يكون جبر خاطره وكان يجد متسعًا من الوقت لينظر في ما ينشب بين أبناء الرعايا من خلافات فيحسمها بروح العدل والمحبة... ويبان لنا من إصدار أحكامه تارة في كسروان وحينًا في قنوبين أنّ الدويهي غالبًا ما كان يتجوّل في الأبرشيات ليتفقّد شؤون الرعايا ويعمل على ازدهارها. وأكبر برهان على ذلك هو تكريسه لكنائس الأديرة والرعايا وقد بلغ عددها في أيامه خمسة وثلاثين كنيسة موزّعة في كل المناطق اللبنانية ومنتشرة من الشمال إلى الجنوب ومن بشري وإهدن حتى جزين وقيتولي مرورًا بجبيل وكسروان والمتن، منها كنيسة سيدة زغرتا الشهيرة التي كرّسها في 11 آذار 1693.

إنّ من يطالع تاريخ النصف الثاني من القرن السابع عشر تأخذه الحيرة من كثرة المصائب والبلايا التي حلّت بالشعب الماروني في أيام البطريرك إسطفانوس الدويهي وعلى قدر ما كان هذا البطريرك القديس صابرًا على الشدائد فلا تهزّه النوائب ولا تزعزع عزمه النكبات على قدر ذلك كان قلبه يتفطر حزنًا عندما كانت تنزل الضيقات بالشعب الماروني. فمصائب أبنائه الموارنة كان لها أثرها البالغ في قلبه الأبوي الكبير وعليه فلا يستطيع أحد أن يصف لنا اضطراب نفس الدويهي عند مشاهدته الخراب والدمار يحلان بالموارنة وليس من يجبر الخواطر ويبدّد الخوف ويدفع يد المعتدين سواه.

لا يسعنا أخيرًا في نهاية كلامنا عن أثر الدويهي في تدبير الكنيسة المارونية إلاّ أن نردّد ما قام به هذا البطريرك العظيم من جلائل الأعمال في هذا السبيل يفوق الحد والإدراك. وإنّ ما أوردناه في هذه اللمحة الخاطفة هو ضئيل بالنسبة إلى ما أتاه في حياته الملأى بالمبرات. وإذا أردنا أن نختصر دوره في نهضة الكنيسة المارونية في أواخر القرن السابع عشر فنحن نقول "إنّه من حين رجوعه من روما إلى لبنان لم يضع ساعة واحدة من وقته الثمين إلاّ وكرّسها في سبيل نموّ هذه الكنيسة وازدهارها الروحي والزمني. فقد علّم وعمل باذلاً ذاته عن الخراف على مثال السيد المسيح الكاهن الأعظم وراعي الرعاة..."

- وفي ختام المقارنة بين الدويهي والسمعاني يقول الأب صفير:

لا يسعنا في ختام هذه المقارنة بين أثر تدبير الدويهي وتنظيم السمعاني قطبي المدرسة الرومانية في إدارة وسياسة الكنيسة المارونية في الجيلين السابع عشر والثامن عشر إلاّ أن نتوقّف باختصار عند ملامح الشبه والتباين بين هذين الوجهين الكريمين. إنّ أوّل ما يجمع بينهما هو انتسابهما إلى محتد عريق وبيئة تقوية وموطن قريب من وادي القديسين وادي قاديشا وقنوبين حيث لم يزل يعبق هذا الوادي حتى يومنا هذا برائحة القداسة والبطولة. ففي إهدن وحصرون حيث ترعرع الدويهي والسمعاني تجلّت الفطرة المارونية بكل أبعادها وأجمل معانيها فاستنشق كل منهما مع عبير الوادي المقدّس روح هذه الفطرة الطموح التي حملت الموارنة على مر تاريخهم الطويل على العيش بحرية وكرامة وتشبث بأهداب الدين والإيمان الذي تسلّل إليهم عن الآباء والأجداد ثم بعد المحتد والموطن جمع بينهما سقف المدرسة المارونية الرومانية التي استظلهما سنوات. فنشأهما على روح شرقية رومانية بالرغم من بعد الفاصل الزمني بينهما وتربيا تربية إكليركية صالحة ساعدتهما على اقتباس العلوم من معينها الصافي.. فصقلت هذه التربية إرادتهما وفسحت في تنمية ذكائهما المفرط الذي تجلّى في سعة الإدراك وسرعة الاقتباس وقوة التحصيل فنبغ الدويهي كما نبغ السمعاني بعده بالعلوم وأتقن كل منهما اللغات العديدة وأحكم الفصاحة والخطابة وتضلّع من الفلسفة واللاهوت ومن علم التاريخ وأصول الشهادات وتميّزا بعبقرية نادرة وفريدة شكّلت القاسم المشترك بين شخصية كل منهما. ولكن منذ أن ولّى الدويهي وجهه شطر لبنان والشرق وبقي السمعاني متطلعًا إلى الغرب عائشًا في أحضان الحضارة الغربية ومغمورًا بعطف البابوات بدأت ملامح التباين تنجلي بين قسمات وجهيهما فتخلّى السمعاني بعض الشيء عن هويته المارونية بينما زاد الدويهي تمسكًا بالتراث الماروني فراح ينقب آثاره ويجمع شتاته المبعثر في المخطوطات والمستندات المحفوظة في روما وفي الأوراق والمصاحف القديمة المشتّتة في البلاد الشرقية وفي كتب الكنائس والديورة الطقسية المنتشرة في أماكن عديدة في حلب وقبرص وبعض المناطق اللبنانية فصار بذلك الدويهي المؤرخ الأول للكنيسة المارونية وأمام المؤرّخين والمرجع الأساسي لكل الدراسات العلمية المتعلّقة بطقوس وتاريخ وحضارة وعلوم الكنيسة المارونية.

اشتهر السمعاني بغزارة مورده في التأليف والتصنيف إذ قل أن ضاهاه مؤلف آخر في هذا المضمار. إنّ من يقرأ مؤلّفاته في حقول العلم والتاريخ والفلسفة واللاهوت والقانون والطقوس وحتى في حقل الفن يشعر معها بأنّ مؤلّفها هو كاتب مجيد بارع رشيق العبارة بديع الإنشاء صحيح الديباجة سهل الأسلوب ناصع البيان سليم الذوق تكاد أقلامه تباري النسيم في صياغة المؤلّفات وأفكاره تسابق البرق في إيجاد الألفاظ للتعبير عن خواطره وإحساساته ولكنه بالرغم من هذا لم يخصّص الكنيسة المارونية إلاّ بالقليل من تآليفه النفيسة بينما الدويهي تمحورت جميع تآليفه حول طقوس وتواريخ وعقيدة الكنيسة المارونية والدفاع عن صحة هذه العقيدة. اتّخذت تآليف السمعاني أغلب الأحيان منحى الفهرسة والترجمة والتعليقات والحواشي والشروحات لنصوص موضوعة سابقًا من مؤلّفين مجيدين شرقيين وغربيين بينما جاءت تآليف الدويهي كأنّها عصارة تفكير شخص مبتكر سلط فيه الأضواء على الدقة في نقل الحوادث التاريخية والتمسك بأذيال الصدق والروح العلمية الصحيحة التي لا تدع مجالاً للشك والارتياب.

أخيرًا اثر الدويهي العودة إلى لبنان والبدء بحركة الإصلاح في الطائفة من القاعدة حتى بلغ أعلى الهرم عندما تبوّأ السدة البطريركية فعايش الشعب الماروني في أقصى الظروف وأصعب الملمات وتحمّل معه الاضطهاد والملاحقات وكرّس له وقته وجهده ووظّف كل رصيده الثقافي والعلمي في سبيل تدبيره وإرشاده وتنويره فساس النفوس عن قرب واعتمد لهذه الغاية اللسان والقلم من جهة والوعظ والتعليم من جهة أخرى بينما السمعاني اعتمد لحركة الإصلاح تنظيم النصوص وسن الشرائع والقوانين في المجمع اللبناني الشهير المنعقد في دير سيدة اللويزة سنة 1736 وبالرغم من بعض الصعوبات التي جابهته في فترة انعقاد المجمع وبعده إلاّ أنّ مقرّرات هذا المجمع تمّ تنفيذها مع الوقت فتكلّلت مساعي السمعاني بالنجاح وأتى التنظيم ولو متأخرًا بالثمار المرجوة.

الدويهي والرهبانيات المارونية

يقول الأباتي بطرس فهد: من يتكلّم على شؤون الرهبانية ولا يصرح علنًا بفضل البطريرك إسطفان الدويهي يكون مقصرًا أو جاهلاً ذلك ان مؤسسي الرهبانية المارونية الأولين الحلبيين جاؤوا لبنان بقصد الترهب والتنسك والتعبد لله وبعد أن قاموا بزيارة الأراضي المقدّسة توجّهوا إلى وادي قاديشا بالشمال عند السيد البطريرك الدويهي في دير سيدة قنوبين وعرضوا عليه هدفهم الرهباني وغايتهم التأسيسية فأذن لهم بإنشاء رهبانية مارونية منظّمة على الطراز الحديث وشجّعهم وأسدى إليهم التوجيهات الصادقة والنصائح الأبوية والمساعدات المختلفة وأعطاهم دير مارت مورا بإهدن وألبسهم الإسكيم الملائكي بعد تنسّكهم سنة كاملة في العاشر من تشرين الثاني سنة 1695 ثمّ أثبت رهبانيتهم سنة 1700 بعد أن نظر في قوانينهم المقدّسة...

- وخير ما سنختم به مقالنا عن العلامة الكبير البطريرك الدويهي كلمة قيّمة بليغة للعالم الأب فيليب السمراني كتبها عنه في مجلة المنارة الغراء منوهًا بعظمة البطريرك إسطفان وعطائه وغزارة علمه وقداسة حياته ونشاطه الرسولي وما تحلّى به هذا الرجل العظيم من مزايا وفضائل وشجاعة ومحبة أبوية وقد امتاز بتقواه العميقة ومحبته للعذراء أم الفادي الإلهي يسوع المسيح وقد ساس الكنيسة المارونية المقدّسة على أكمل وجه مدة 34 سنة بكل غيرة وتفان وقداسة.

- إسطفانوس الدويهي - بقلم الأب فيليب السمراني المرسل اللبناني:

لكل أمّة رجالها وعظماؤها وكتابها وشعراؤها تفتخر بهم وتتباهى بعلمهم وسعة إدراكهم وكثرة معارفهم وبقدر ما يكون الكاتب امتزج بحياة الأمة وناضل عن حقوقها ودخل في تاريخ أمجادها وشرفها بقدر ما يسمو اعتبارًا ويزداد قيمة ويرتفع مقامًا. ولئن فاخرتنا الأمم بمؤلّفيها ورجالها أقمنا لها "الدويهي" رجلاً يضاهي أعاظم الرجال كتابة وتأليفًا ونشاطًا وحياة طاهرة وأعمالاً مقدسة. فهو الذي امتزجت حياته بحياة شعبه وأمته وهو الذي إذ كان يكتب تاريخها كان قلبه له دواة ودمه مدادًا. وهو الذي جمع تاريخها الماضي وآلف بينه وبين الحاضر وجعل من الاثنين صفحة مجيدة من صفحات الجهاد المتواصل في سبيل الإيمان الصحيح والشرف والقداسة وهو الذي وزّع قداسته وحبه وطهارته وتقواه على كل من أبنائه وشعبه بكتاباته ورسائله الطافحة حنوًا وقداسة. وإنّك لتحسب أنّك تقرأ "أغوسطينوس" عند مطالعتك كتاب منائره وتعجب لذلك العقل الرفيع الذي يصعد بك إلى أعلى درجات الطهارة والقداسة وتفهم ما كان لذاك القلب والعقل من الاعتبار والنظر إلى الإيمان القويم وأسراره المقدسة!

كتب كثير غيره في شرح أجزاء القداس الإلهي ولكن لم يرتفع أحد نظيره في تفسير معانيها وشرح مضامينها ولو أتينا نقيس سمو قوة إدراكه من معانيه لما رأينا له شبيهًا إلاّ الذهبي الفم في شروحه على الكتاب المقدّس. والمعلّم الملائكي في خلاصته وأغوسطينوس في مدينته. ومع هذا العلم الزير والعقل الكبير كان لا يجنح له ميل إلى الكبرياء أو محبة الظهور والإكرام. هرب لما أرادوه بطريركًا وعلّم الأحداث في قريته نظير آخر معلّمي الجبل إذ ذاك وكانت الملفنة في الفلسفة واللاهوت لا يزال غارها يكلّل جديدًا رأسه!

وكان في صغره وقت تلمذته كثير الحرص على الدرس والمطالعة لا تباين يده الكتاب يتخلّف إلى مكاتب روما ودور علومها باحثًا جامعًا منقبًا فتجمع لديه من المعلومات والمخطوطات ما يمكن بواسطته من بناء ذاك الصرح الفخيم وهو تاريخ الطائفة المارونية ولو انه جزع لتعب أو قنط لنصب لكنا أشقى الناس أجمعين لا نعرف لنا أصلاً ولا تاريخًا مع أنّ تاريخنا هو سلسلة مذهّبة من الأعمال العظيمة والبطولة المقدّسة والكفاح الدائم والاستشهاد المتواصل ولكنا عند قراءتنا لمدائح الباباوات لأجدادنا لا نفهم لها معنى ولا نرى لها مسوغًا! وهو نسبة إلى طائفتنا وشعبنا "أبو تاريخنا الكنسي" وانه إذا كان أتى متأخرًا لكنه بعلمه ومقدرته وما تجمع بين يديه من المخطوطات القديمة والحديثة تمكن من وضع تاريخ كامل لا يقل ثمنًا وقيمة عن أهم تواريخ الأقدمين كاوسابيوس وبارونيوس.

وغايته الوحيدة كانت إظهار الحقيقة فهو يفتش عنها ليلاً ونهارًا وأودعها كتبه كما ظهرت له بعد التحقيق الكبير دون أن يخادع بها أو يبدل أو يحرف وان ما اكتشف بعد ذلك من الآثار والمخطوطات أتى مؤيدًا لما قال وكتب والتاريخ لم يشهد محبًا للحقيقة ومذيعًا لها نظير هذا البطريرك القديس!

ومع كثرة أشغاله ومهام بطريركيته واكبابه على الكتابة والتأليف لم ير يومًا راحة أو سلمًا. فكان الوطن إذ ذاك لا همّ لحكامه وأمرائه إلاّ المقاتلة على الوظيفة والضغط على الرعية أخذًا للمال وحبًا بأمجاد الحياة!

وكان الله سمح بهذا التضاد الغريب ليظهر لنا قيمة الإنسان ومكوّن مجده وشرفه: لم يكن أحد نظير إسطفان مبغضًا للمال مكرهًا لأمجاد الدنيا محبًا للفقراء كثير العطف والحنان على المصابين ولم يكن الحكام في زمن من الأيام أكثر طموحًا لجمع المال وظلم الفقراء وإيقاع الأذية بالأبرياء وهضم حقوق الناس ونيل الوظائف منهم في ذاك الزمان! حتى أشعلوا الحروب الأهلية نيلاً لوظيفة وطلبًا لكمية من المال أو أخذ جزية أو خراج ولم يكتفوا بهذا بل حوّلوا ظلمهم إلى رأس الطائفة وبطريركها فكانوا يطلبون منه المال أو أخذ جزية أو خراج ولم يكتفوا بهذا بل حوّلوا ظلمهم إلى رأس الطائفة وبطريركها فكانوا يطلبون منه المال المرة بعد الأخرى ولما فرغ ما بيده أقاموا عليه الاضطهاد فأخذ يفر أمامهم من واد إلى واد ومن جبل إلى آخر ويختبئ تارة في المغاور وطورًا في المحابس مقتبلاً بفرح وسرور ما أهّله الله لاحتماله في سبيل إنجيله وشعبه! وهو في هربه هذا أيام البرد والثلج كان يحتمل في قلبه من الألم والوجع ما يعلم الله قدره مع هذا لم يكن يبين على محياه أثر للتذمر أو التشكي بل انه كان ينسى ذاته وما يحل به من ألم ليخفف الوجع والبرد عن مرافقه ومساعده في أسفاره كما شهد بذلك مرافقوه.

كان إسطفانوس بطريركًا ولم يعش سنة أيام بطريركيته الطويلة في هناء وراحة وبحبوحة من العيش نظير ما يعيش اليوم آخر كاهن في رعيته مع هذا لا نرى العون الذي أتاه الله عبده إسطفان متمنطقًا به كهنة به كهنة أيامنا لأنّ حياتنا أبعد أن تشابه حياته المقدسة. إذا فتّشنا في تواريخ الأجيال لنجد مماثلاً لبطريركنا من حيث سعة علومه ودفاعه المتواصل عن الإيمان الكاثوليكي وعمله مدة حياته على نشره وإذاعته وما أصابه من الاضطهاد والنفي والعذاب وهو لا يجبن له قلب ولا يحيد عن المعتقد الروماني بل ظلّ راسخًا رسوخ هذه الجبال المطلة علينا لما وجدنا غير بطريرك الاسكندرية العظيم القديس اثناسيوس. فانه كان وحده البرج المنيع الذي سقطت عنده قوات الاريوسية. ورغم منفاه المتواصل المتعدّد وتألب الشرق والغرب عليه ظلّ ثابتًا مناضلاً ومدافعًا عن المعتقد الكاثوليكي. وهكذا بطريرك انطاكية اسطفانوس فإنّه لم يتزعزع إيمانه ولم يجبن له قلب رغم ما يحدق به من الهرطقات والبدع والكفر ورغم ما أصابه من اضطهاد ونفي وعذاب حتى تمكّن أن يحفظ الوديعة سليمة بل زاد في مجدها وعزّها بإرجاعه إلى حضن الكنيسة عددًا غفيرًا كانوا ابتعدوا عنها. وإنّنا نشاطر رأي واضع حياته المطران بطرس شبلي بقوله: انه أعظم ماروني علمًا وعملاً: "لم يقم في الشرق كثيرون مثله ولا تستصغره عن أكبر الملافنة فبالتاريخ ضاهى ابن العبري وبالكلام عن الأسرار المقدّسة والغوامض الإلهية شابه الدمشقي ولو انه عاش في القرون الأولى لاعتبره الأئمة كأحد آباء الكنيسة لكن بالغيرة على الدين الكاثوليكي والمناضلة عن أبناء الكنيسة عمومًا وعن طائفته خصوصًا فانه فاق الجميع فصار بتواريخه مبدع تواريخنا وبمنائره منارة اعتقادنا وبجهاده ونزاهته مثال الرؤساء وفخر المرؤوسين وبعد التأمل بأعماله وتآليفه واعتبار الظروف التي تقلّب فيها نقول انه أعظم ماروني علمًا وعملاً وقداسة"...