قراءات وتأملات في عظات رجل الله العلاّمة البطريرك إسطفان الدويهي الإهدني

 المرجع: قراءات وتأملات في عظات رجل الله العلاّمة البطريرك إسطفان الدويهي الإهدني، وزّع خلال لقاء الإكليروس الإهدني الواقع فيه 3 أيلول 2005.
 

قراءات وتأملات
في عظات
رجل الله
العلاّمة البطريرك إسطفان الدويهي
الإهدني


لقاء الإكليروس الإهدني


إعداد
الأب الياس حنا
ر.م.ل.


إهدن03/09/2005


نص 1

حنان الله وعنايته


"بعض الناس يؤكّدوا بأنّ الله يدبّر هذا العالم بكامله بأقصى عناية، وبغاية التدبير.

والبعض يقولون بأنّ الله يسلك بمستوى السماء، ولا يرى أمورنا.

فكيف يمكن أن يكتمل تدبير، وترون بعض الناس مكفيين من كل شيء،

وآخرين ليس لهم موضعًا يتكئون إليه رؤوسهم؟

بعض الناس تقبل أراضيهم، ولا يعلمون أين يودعوا كثرة الأرزاق،

وآخرين مفترى عليهم من جميع الأقطار؟

بعض الناس تعثّ ثيابهم لقلّة لبسها،

وآخرين ليس لهم ما يكسي أجسادهم؟

البعض يمضون أوقاتهم في الولائم والسكر،

وترى غيرهم صائمين جياعًا مدنفين من قلّة الطعام؟

ترون بعض، وبدون تعب، يحفّ بهم الخدّام، ويقبل إليهم الناس،

وغيرهم، يفوقونهم ذكاء يتعبون ويقهرون، وليس لا تجارة ولا إقبال من الناس؟...

فمن قال أنّ هناك عناية وتدبير، يقال عنه غشيم!...

إنّ الله الآب هو الذي يدبّر كل شيء بعنايته.

غير أنّه أفاض عليك الخيرات، ولم يعطها لغيرك، لا تكاله عليك، بأنّك أنت تصنع هذه العناية، أنّك أنت تستخدم ما تحتاج إليه، وتفرّق ما تبقّى على المحتاجين..."

عظة1
في ولادة يوحنا
في الرحمة والحنيّة إلى الفقراء
عدد 2و3


نص 2

تطويب مريم


"طوباك يا مريم،

طوباك، يا ست النسا،

طوباك، يا سلوى المغمومين، يا معونة الملهوفين، يا ملجأ الخطأة، يا منقذة الضالين، يا نجدة الهالكين، يا ميناء الخلاص،أيتها المتوسّطة بين الله وجنس البشر.

طوبى لروحك المقدّسة،

طوبى لجسدك الطاهر،

طوبى لأحشائك التي أوت ربّ القدرة،

طوبى ليديك اللتين لفّتا ربّ العزّ،

طوبى لحضنك الذي احتضن النار الإلهية،

طوبى لركبتيك اللتين حملتا حامل السماء والأرض،

طوبى لثدييك اللذين أرضعتا مغيث كل حي،

طوبى لفمك الذي قبّل ابن الله،

طوبى لمسمعيك اللذين سمعا أقواله،

طوبى لأنفك الذي اشتمّ الرائحة الإلهية،

طوبى لعينيك اللتان نظرتا من يغطّي الكروبون وجوههم من رؤيته،

طوباك،

نعم إنّ الرسل يستحقون الطوبى،

الشهداء يستحقون الطوبى...

لكنّ تطويبك أفضل من كل طوبى."

عظة 3
في زيارة السيدة لأليشباع
عدد 18


نص 3

إلى الكهنة


"وأنتم أيّها الكهنة،

إلتزموا أن تختنوا نفوسكم لتحيدوا عن الشر وتعملوا الخير، لأنّكم تقومون على أقنوم المسيح...

على الكهنة أن يكونوا مختونين دائمًا في ذاتهم، وأن يختنوا سواهم عن الأعمال الرديئة...

على الكاهن أن يجعل نفسه كالخاطئ حتى يردّ الخاطئ،

أن يظهر لابسًا المسيح حتى يلبسه الشعب،

أن يواظب على الاعتراف حتى تتعلّم منه العامة،

أن يواظب على قراءة الكتب المقدّسة حتى يتعلم منه الجاهل،

أن يكون ضابطًا لسانه عن شجب سواه،

وعن الكلام "الزفر"، وعن "الرحمات" حتى يكون مثالاً للشعب،

ويثبت أنه لابس المسيح...

وإذا استهزأ بالاعتراف...، وأطلق لسانه على العامّة، ولم يكن مختونًا... فإنّ جسد المسيح الذي يتناوله، والمسيح الذي لبسه يكونان له سببًا للاحتراق ومأكلاً للنار."

عظة 5
في عيد الختان
في ختان القلب
عدد7


نص 4

الله مرآة بلا عيب


"أما رأيتم أبدًا مرآة؟

تقولون: نعم.

فكما أنتم بالنسبة لها، هي تكون أيضًا بالنسبة لكم.

فإذا نظرت فيها أيها الإنسان، فإنّها لا تريك إلاّ صورتك:

فإن ضحكت عليها، ضحكت عليك؛

إن بكيت أمامها، تبكي أمامك؛

إن مددت لها يدك، مدّت لك يدها؛

إن أردت أن تمسكها، ترغب هي أن تمسكك؛

إن بعدت عنها، بعدت عنك؛

إن اقتربت منها، دنت منك؛...

بكلمة واحدة، كما أنّ المرآة تروي ما تصنع إليها،

كذلك الله يصنع إليك ما أنت صانع معه، إذ هو مرآة بلا عيب...

... إنّ الله بار مع البار، وعفيف مع العفيف، ومختار مع المختار، وملتو مع الملتوي، وفي الكيل الذي تكيلون له فيه يكيل هو لكم أيضًا...

من هو الفقير الذي يقول لك: أعطني حسنة إلا الله؟ من هو العطشان الذي يطلب ماء؟ من هو الغريب الذي يطلب مأوى؟ من هو العريان الذي يطلب ثيابًا؟ من هو الأسير الذي يطلب أن تستفكه؟ المريض الذي يطلب أن تزوره؟ الميت الذي يجب دفنه؟ الغشيم الذي يطلب أن تعلّمه، إلاّ المسيح؟...

لماذا أنت يا رب هكذا "ثقيل الدم"، تطلب ليل نهار؟ من كل واحد تشحذ، من واحد تطلب المال، من آخر الكسوة، من هذا العقل ليؤمن بك، من هذا الإرادة ليحبّك، من هذا اللسان ليمجّدك؟

يقول يوحنا الذهبي الفم: إنه هو يريد أولاً أن يقبل الهبة والإحسان، لئلاّ يبان أنه يعطينا مجانًا."

عظة 6
عيد الغطاس
عدد 10،15 و16


نص 5

إكرام الوالدين


"يسأل أحدهم: "يا أبونا، كيف نكرمهما (أي الوالدين)؟

يجيب الروح القدس: "أن نكرمهما في العمل والقول". (سيراخ 3 ،8).

أولا، بالعمل، تخضع لهما كما نقرأ أن يسوع كان خاضعًا لوالديه (أنظر لوقا 2، 51). تنهض واقفًا، وتجلسهما في المقام الأول... تنظر إليهما بوجه بشوش، وليس بوجه معبّس ومتكرّه، وبعينين متكرّهتين...

ثم يأمرنا الروح القدس أن نكرمهما أيضًا بالقول. نحضر دائمًا أمامهما، ونقرئهما السلام بقلب خاضع في الصباح والمساء؛ ونسمع أقوالهما، ونسرّ في عشرتهما...

كما يأمرنا الروح القدس أن نكرمهما في كافة الأحوال، أعني أن نكرمهما إذا كانا ضريرين، ولا نحقّرهما إذا كانا فقيرين، ولا نحزنهما إذا كانا شيخين، ولا نرذلهما إذا كانا خرفانين او جاهلين...

في أيامنا هذه، قولوا لي كيف تكرمون والديكم؟ قولوا لي كيف تقومون بواجبكم نحوهم، وكيف تكرموهم؟

بعض الناس، نزعوا نعمة الله عنهم حتى أنّهم لا يتعرّفون على والديهم إلاّ كالغرباء؛ بعض الأولاد "منزوعين" إلى حدّ أنّهم لا يطيقون أن يروهما؛ بعض الأولاد مرذولين إلى حدّ أنّهم لا "يستنظفوا" أن "يصبحوهم بالخير"؛ وآخرين بعدوا عن الله إلى حدّ أنّهم لا يستطيعون أن يعاشروا والديهم.

يا دودة الأرض، أتظنّ أنّ الله يرضى عليك، إذ كان أبوك غير راضٍ؟ أتظنّ أنّ الله يحبّك إذا كرهت أمّك؟ أتظنّ أنّ الله يغفر خطاياك إذا لم ترض أباك الأرضي؟ أتظنّ أنّ الله يسمع صلواتك ويقبل صومك ويسرّ بأعمالك إذا كان أبوك غير راضٍ؟...".

عظة 11
عن الابن الشاطر وكرامة
الوالدين عدد 9


نص 6

يوسف الملك والكاهن والنبيّ


"إذا كان اسم يوسف أفضل من أسماء القديسين جميعًا، فعلينا أن نقول أنّه كان أفضل وأشرف منهم جميعًا بالطهارة والفضائل...

يتبين ذلك بوضوح من خلال الآباء الذين سبقوا التجسّد. فالعظماء بينهم كانوا ملوكًا أو كهنة أو أنبياء، والقديس يوسف حوى كلّ هذه في آن معًا.

أولاً، كان ملكًا، لأنّه من أصل داوود الملك... وكان أيضًا، أفضل من الملوك، لأنّ أولئك لم يحكموا إلاّ أناسًا مثلهم، أمّا يوسف فحكم ملك الملوك الرب يسوع، الذي شهد الإنجيل أنّه كان يخضع لهما، أعني لأمّه وليوسف (أنظر لوقا 2، 51)...

ثانيًا، إن البار يوسف كان طاهرًا في الجسد، وكان بارًا في الروح، ليس مثل ملكيصادق الجسدي، بل مثل عظيم الأحبار الروحاني غير المرتبط بالجسد وبشهوات البدن. وكان أيضًا أفضل من أحبار الناموس، لأن أولئك كانوا يخدمون بيت المقدس، وهذا كان يخدم ربّ المقدس؛ أولئك كانوا يخدمون بيتًا من خشب، وهذا البيت الناطق، مريم التي كانت حاملة الحياة وخبز السماء؛ أولئك كانوا يقدّمون الخبز الذي كانوا يأكلونه، ويوسف كان يقدّم الخبز لمريم لتأكل هي وتقيت أيضًا ابنها الإلهي؛ أولئك كانوا يقدّمون بواكير ماديّة، ويوسف كان يقدّم صلوات وابتهالات غير ماديّة للرب يسوع؛ أولئك كانوا يقدّمون لمن لم ينظروا ولم يعرفوا، أما يوسف فكان يقدّم الطلبات للذي كان يحمله في حضنه، للذي كان يقبّله في عينيه... من ينكر، إذن، بأن يوسف لم يكن عظيم الكهنة ورأس الأحبار؟

... وحقًا، يا إخوتي، إن يوسف لم يكن نبيًا فقط، بل أعظم من كل الأنبياء. لأنّ ذاك الذي تنبّى عنه الأنبياء من بعيد، تنبّأ عنه يوسف عن قرب بحيث كان يحصي الأيام والساعات لخطيبته كي تلده؛ أولئك اشتهوا أن يبصروه، أمّا يوسف فأبصره قبل الجميع، وقبله، وقبّله قبل كل الناس.

وهكذا، فهو أفضل من جميع الذين سبقوا التجسّد.

عظة 12
في عيد مار يوسف
عدد 3-8

نص 7

صورة الله في الإنسان


حين خلق الله الإنسان، يشهد الكتاب الطاهر، أنّه خلقه على صورته كمثاله ليمجّده ويسبّحه (أنظر تكوين 1، 26-27).

- وبماذا يشبه الإنسان الله؟

بأمور كثيرة، لكن بالذات والخواص خاصة. فكما أنّ الله عزّ وجلّ، موحّد في الذات ومثلّث في الصفات، كذلك جعل روح الإنسان موحّدة في الذات، ومثلّثة في القوى. موحّدة في الذات، لأنّ كل واحد منّا له روح واحدة لا غير، ولهذه الروح خواص ثلاث، أعني العقل والإرادة والذاكرة. فالعقل ليس الإرادة، ولا الإرادة الذاكرة، ولا الذاكرة العقل.
وهذه الثلاثة موجودة في روح واحدة، وهي غير مجزّأة، وغير منفصلة.

- ما هي أفعال هذه القوى الثلاث؟

العقل عين الروح (يرى) الأمور الغريبة والبعيدة عنها خيرًا كانت أم شرًا، لتتمسّك بالخير وتبتعد عن الشرّ.

وأمّا الإرادة فخلقها الله في الروح حتى تبتعد عن الشر وتصنع الخير.

وأمّا الذاكرة فيقدّم لها العقل الأمور الماضية حتى إذا فهمتها تقدّمها للإرادة لتقبل ما تريد وترذل (ما لا تريد).

... عندما خلق الله الإنسان... كان العقل مضاء بالعلوم والحكم... وكان صافيًا، صاحيًا، ومصغيًا؛ وكانت الإرادة ميّالة بكليّتها إلى الخير إذ لم تكن قد عرفت خطأ أبدًا؛ وأمّا الذاكرة فقد كانت هي أيضًا متفوّقة، حيّة بحيث أن كلّ ما كانت تدركه ولو لمرّة واحدة لم تكن لتنساه أبدًا. وهكذا كان الإنسان مكللاً بالنعمة، مستقيمًا في أعماله، لأنّ جميع الحيوانات كانت خاضعة للجسد، وما كان شيء من المخلوقات يلحق به ضررًا. والجسد كان خاضعًا بكليّته للروح، ولا يخالفها بشيء أبدًا، وأمّا الروح فكانت مكلّلة بالنعمة وجميع قواها وخواصها مستقيمة.

ولمّا خطى أبونا آدم "تخربط كلّ جزله، وتعوكر كل صفاوته"، لأنّه كما نلاحظ بأنّ كل الحيوانات وتحوّلات الزمن صارت تخالف الجسد، وتلحق به الضرر، وبأنّ الجسد صار يخالف الروح ويؤذيها بثقله، كذلك أيضًا العقل والإرادة والذاكرة الذين كانوا في البدء مستقيمين "تعوكروا" كلّهم بسبب المعصية:

لأن العقل الذي كان في البدء منوّرًا ومستضيئًا، أظلمته الخطيئة، وبدل أن يدلّ الرّوح على الخير، صار يدلّه، بسبب "عكاره" على الشر أكثر من الخير. وهكذا وقع في الجهل "والغشم".

وأمّا الإرادة التي كانت مجلّلة بالنعمة والخيرات، ولم تكن لتشتهي إلاّ الخير والفضائل، وقعت في الخطيئة وصارت تروم الشر على الخير، والرذائل على الفضائل، والفانيات على الباقيات.

كذلك الذاكرة التي كانت حية ومتفوّقة، فقد ألمّ بها المرض والعطب، وبسبب ثقل أمور الدنيا نسيت الله وخلاص النفس.

والجسد الذي كان خاضعًا للروح في كل شيء، اعتراه "الرجفة والفزع والحزن والشهوة"، حتى راح يجذب الروح إلى الهلاك.

عظة 14
أحد الأعمى
عن عمى الخطيئة
أعداد 3-5

نص 8

صلاة الأبانا


ونحن في عصرنا...
أليس البغض والعداوة في قلوب بعض الناس سوى عمًى؟

فكل يوم يتفوّهون قائلين:
"أبانا الذي في السماوات"، وليس لهم أب سوى الشيطان، يعملون مرضاته.

كل يوم يقولون: "ليتقدّس اسمك"، وهم يدنّسوه بأفعالهم الرديئة وحلفهم الكاذب، ويمرمرونه في سبياهم "وتحريقهم" ويدعونه إلى النقمة.

كل يوم يقولون: "ليأت ملكوتك"، ولا يطلبون إلاّ أمور الدّنيا، ولا يبحثون إلاّ عن الأمور الفانية.

كل يوم نقول له: "لتكن مشيئتك"، ولا نعمل بشيء من مشيئته، ولا نتمسّك بشيء من وصاياه، بل نعمل ما يرضينا.

كل يوم نقول له: "أعطنا خبزنا"، ونحن لا نرغب في تحصيله إلاّ بالسرقة وبالطرق المحرّمة.

كل يوم نقول له: "أغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن خطئ وأساء إلينا"، ونحن لا نغفر لعدوّنا، ولا نغفر لإخوتنا، فكيف يمكنه أن يغفر لنا؟

كل يوم نقول له: "لا تدخلنا في التجارب"، ونحن نلقي بأنفسنا، من تلقاء أنفسنا، في التجارب، بالرفقة الرديئة التي لم نقلع عنها، بالكلام "الزفر" الذي لم نعبر عنه، بالاتهام والكذب ونافل الكلام... .

كلّ يوم نقول له: "نجّنا من الشرير"، ولا شر فينا إلاّ إرادتنا الشريرة، وعاداتنا الخبيثة.

هذه هي الصلاة التي علّمناها الرب، وهي التي أمرنا أن نحفظها ونتلوها، تلك هي التي نصلّيها كل يوم. قولوا لي: ماذا حفظتم؟ وبما أنتم متمسّكين... فهل من عميان أمثالكم؟

عظة 14
أحد الأعمى: عن عمى الخطيئة
عدد 22

نص 9

محبّة الله للإنسان

(نشيد المحبة)


ظهرت محبة الله لنا أعظم من محبته لابنه...

أولاً، إن الآب أضاف إلى محبته لنا أن أرسل ابنه الطبيعي إلى أولاده في النعمة... والله أرسل ابنه إلى طبيعتنا، فبانت محبّته لنا أعظم من محبته لابنه.

ثانيًا، إنّ الآب أحبّ الابن، لأنّ الابن يحب الآب، لكنّه أحبّنا نحن رغم أنّنا كنا أعداء له.

ثالثًا، .... إنّ الابن أحبّنا محبة وافرة إلى حدّ أنّه لما رأى أنّ صورته قد فسدت آثر أن يحييها آخذًا صورتنا وجسدنا...

أعطانا (الابن) صورته لنحبّه. وهو أخذ صورة جسدنا، وأخفى صورته، آخذًا صورة العبد لنحبّه نحن.

إنّ محبة الله لجنس البشر هي إلى هذا الحد جزيلة، وواسعة، وعميقة، وعميمة، حتى أن لا مقياس ولا مكيال يستطيعان أن يصفا اليسير منها: عالية هي السماوات، لكن محبة الله لنا هي أعلى منها؛ عميق هو الجحيم، لكنّ محبة الله أعمق منه؛ واسعة هي الأقطار الأربعة، لكن محبة الله للبشر أوسع منها؛ نعم، إن (الله) أخضع وحوش الأرض وطيور السماء وسمك البحر (للإنسان)، لكن هذا كان دليلاً يسيرًا على عظم محبته؛ نعم، إنه أنعم عليه بنيّرات السماء، أن تخدمه الشمس بأنوارها في النهار، والقمر والنجوم في الليل، لكنّ ذلك هو علامة بسيطة (عن محبته)؛ نعم، إن الله خلق السماء والأرض وما فيهما لأجل حبّه للإنسان، لكن هذا (أيضًا) قليل؛ نعم، إنّه جعل له ملائكة النور والروح خدامًا وحراسًا، لكن هذا قليل؛ نعم، إنّه من شدّة محبّته (له) جبله بيديه، ونفخ فيه من روحه، لكن هذا قليل؛ إنه أقامه سيدًا ورب بيت على كل خلائقه، لكن هذا قليل؛ إنّه حوى فيه ما وجد على الأرض من ماديّات، وجميع ما في السماء من غير الماديات حتى لقّبه العلماء بالميكروكوسموس، أعني بعالم مصغّر، لأنه وجد فيه مختصرًا جميع ما في شخص العالم مفرّقًا، لكن هذا أيضًا هو إشارة يسيرة (على حبّه).

أحبّ الله طبيعتنا البشرية محبة هكذا عظيمة حتى أنّه شهد هو بنفسه أنّه صنعه على صورته كمثاله (أنظر تكوين 1، 26-27)، أعني كما أنّه هو أعظم الكلّ وأشرفهم وأفضلهم، كذلك جعل الإنسان أعظم الخلائق وأشرفها وأفضلها. وكما أنّ الإنسان لا يحبّ شيئًا مثل نفسه، كذلك ما أحبّ خليقة وسرّ بها كما أحبّ الإنسان، صورته.

أيّها الآباء، لماذا تحبّون أولادكم إلاّ لأنّهم على صورتكم؟

أيّها الأبناء، لماذا تحبّون آباءكم إلاّ لأنّكم على صورتهم؟

أيّها الرجال، لماذا تحبّون نساءكم، وأنتنّ أيتها النساء لماذا تحببن رجالكنّ إلاّ لأنّكم أشباه بعضكم البعض، وأعضاء بعضكم البعض؟

فإن كان ليس على الأرض حنان إلاّ من شبه الدم، ولا محبة إلاّ بالشبه والمماثلة، فماذا نقول عن محبة الله لنا، هو الذي صنعنا، بقدرته ومحبته، على صورته كمثاله؟ (أنظر المرجع السابق).

أقول لكم، ولن أكذب:

إنّه، ولو نطقت كلّ ألسنة البشر وجميع الملائكة عن عظمة هذه المحبة، لما استطاعت أن تصف من البحر قطرة واحدة.

إنّه، ولو صارت كلّ أوراق الشجر، ونجوم السماء، ورمل البحر ألسنة فصيحة، لما استطاعت أن تصف قيراطًا واحدًا (من هذه المحبة).

إنّه، ولو جعل الله كلّ أشعة الشمس، وكل ظواهر الفضاء، وكل مقاييس الأزمنة، والأطباع كافة ألسنة ناطقة، لما استطاعت أن تصف لنا دقيقة (واحدة) من عظمة محبة الله الذي صنعنا على صورته كمثاله (أنظر المرجع السابق).

عظة 16
بدون عنوان
أعداد 1، 2 و4

نص 10

آلام المسيح


إسمعوا، يا خطأة، ما أثقل خطاياكم،

إسمعوا، يا عميان، ما أشدّ جهالاتكم،

حتى أن ابن الله ما استطاع أن يحملها.

فحزنت نفسه، وخارت قوّته، وارتخت مفاصله، وشارفت نفسه على الموت. من جسده خرج العجز دمًا، ومن كثرة ضعفه صاح ثلاث مرّات: "يا أبتاه، جز عني هذه الكأس (أنظر متى 26، 36-46؛ مرقس 14، 32-42؛ لوقا 22، 40-46).

من أين تأتي آلام شديدة إلى هذا الحدّ، ومن أين المخاض القاسي أيضًا إلى هذا الحدّ إلاّ بسبب خطايانا؟ لقد كان يودّ لو يحمل كلّ آلام الشهداء، وكل عذابات المتوحّدين، وكل أحزان المسجونين، وكل أتعاب الميسورين، من أن يرزح تحت هذا الحمل الثقيل. كان يرغب لو تصيبه كل مشاغبات الدنيا، وكل سهام الجنود، وكل رماح العرب، وكل رصاصات العساكر، من أن ينوء تحت هذا الحمل الثقيل. كان يرغب لو تشتعل كل النيران في جسده، وكل "الزواعق" في صدره، وكلّ الأمراض في بدنه، وأن تقوم كل الطبيعة ضدّه، من أن يرزح تحت هذا الحمل الثقيل. كان "أفرج عليه" أن يحتمل كل أوجاع الناس، وأن يحتمل كل عذابات المطهر، ويصبر على نيران الجحيم، من أن يحمل هذا الحمل الثقيل.

وما أقوله لكم هو كلام، لكنّه حق وصدق.

فقد أثبت جميع العلماء بأنه لو تعذّب الإنسان طوال أيّام حياته لما استطاع أن يوفي لعدل الله عن خطيئة واحدة؛ ولو أنّ جميع القديسين والملائكة قدّموا آلامهم واستحقاقاتهم وطلباتهم جزءًا عن خطيئة واحدة لما استطاعوا أن يكافأوا عنها؛ ولو أنّنا احتملنا كل عذابات الدنيا لمكافاة خطيئة واحدة لما تمكنّا من التكفير عنها؛ ولو أنّ الله طرد جميع الناس الذين خلقوا والمزمعين أن يخلقوا إلى عذابات الجحيم ليوفوا عن خطيئة واحدة لما أمكنهم، يقول العلماء وقولهم صادق، أن يوازوا ثقل الخطيئة؛ لأنّ الإنسان، دودة الأرض، بالخطيئة يعصى على الله، ويحقّر ذلك الذي له الكلّ، والذي يستحق منّا الثناء والشكر. فلو احتمل جميع الناس كلّ العذابات حتى عذابات الجحيم لما أمكنهم أن يوازوا ثقل خطيئة واحدة. فماذا نقول عن ثقل عذابات المسيح الذي، بجسده وبحقّ وعدل، وازى عدل الله.

بلا شك، فإنّنا كما ذكرنا عن محبّته لنا، كذلك نقول عن آلامه من أجلنا. فإنّه ولو صارت جميع الخلائق ألسنة لما أمكنها وصف قيراط من عظمة آلامه وثقل عذاباته. لذلك، يقول الكتاب أنّه اكتأب حقًا، وحزنت نفسه حتى الموت (أنظر متى 26، 38)، وخرج من جسده فيض من الدم (أنظر لوقا 22، 44)، وكان يطلب من فمه من الآب أن يجيز عنه كأس الموت (أنظر متى 26، 39 و42؛ مرقس 14، 36؛ لوقا 22، 42)، ولو لم يسانده اللاهوت، لمات ألف مرّة.

عظة 17
عن الآلام
عددان 8 و9