البطريرك إسطفان الدويهي المؤرّخ

 المرجع: كتيّب عنوانه: البطريرك إسطفان الدويهي المؤرّخ، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 1993.
 


البطريرك إسطفان الدويهي

المؤرّخ

ومن وسعت آفاق ثقافته وترامت أبعاد اهتماماته العلمية في التنقيب والتفتيش وتعمقت نظرته إلى الأوضاع الظرفية والتاريخية، وجرب أن يعطي الأمور قيمتها بعد تمحيصها، ويفند براهينها ويقتبس مما كتب قبله وفي أيامه أدلة واضحة وبراهين صادقة وقابل بين هذه وتلك من القرائن ولم يعط رأيه الخاص إلا بعد تلاقي الأدلة كلها (Principe de Convergence). يستخلص منها النتيجة التي تفرض ذاتها ويناقض بها ما أتى به سابقوه من المؤرخين لقلة اطلاعهم أو لنية بعيدة عن صدق التاريخ والطريقة العلمية، ذاك يدعى مؤرخًا، له منهجه وطريقته العلمية في تبيان الحقيقة، وإن لم يتوصل بعد علم التاريخ في عهده إلى سنّ أسس الطريقة المثلى لاستطلاع الأحداث على حقيقتها ولوضع الأمور في نصابها.

هذا هو البطريرك إسطفان الدويهي الذي بحدس المؤرخ الذي لا يشطح ولا يلعن بالتاريخ ما هو بعيد عن التاريخ الصحيح؛ هو الدويهي الذي بطريقته سبق مؤسسي وواضعي المنهج التاريخي في الجيل التاسع عشر كتارد (Tarde) مثلاً في فرنسا وغيره؛ هو الدويهي الذي شغف بالتنقيب عن أخصام القضية وعن المدافعين عنها، قضية شرف وكرامة كنيسته المارونية التي باستمرارية مثلى ثبتت على تعلقها بالسدة البطرسية. ومن فضل الدويهي انه سبق عصره بطريقته التاريخية ووضع للتاريخ الذي كتب، مراحل العلم والتنقيب وشرح القضية المختلف عليها وتلاقي القرائن. فنال هنا كما نال على صعد عديدة قضية السبق والنجاح تاركًا لمن لحقه أن يمحصوا أكثر فأكثر، إنما على الطريقة التي وضعها واتبعها والتي تشهد له بالعبقرية والتفوق.

* * *
إننا في هذه العجالة التي نخط سطورها بفرح واعتزاز نستند خاصة إلى كتاب الدويهي "الشرح المختصر" في جزئيه، وقد نشرها حضرة الأباتي بطرس فهد سنة 1974، علّنا نوضح ما سبق بأمثلة غزيرة نهتدي بها إلى كنه التفكير العميق الذي قاد الدويهي في عصره إلى إبراز الحقيقة في تاريخ الموارنة. إن هذه الطريقة وهذا المنهج قد وسع آفاقهما وطبق أصولهما على كل ما كتب من تواريخ، فكان ولما يزل المؤرخ الثقة لا المؤرخ الذي قادته النتائج نية شخصية أو مأرب شخصي أو أهداف ظرفية تأثر بها وخان الحقيقة التاريخية.

* * *
إن ما استند إليه الدويهي في تنقيباته التاريخية واضح: من المؤرخين الثقة الذين سبقوه والذين سنذكر أسماءهم في ما بعد، إلى شهادة الكتب وتسليمات الكنيسة وشهادة الأحبار الأعظمين. تبع كل هذه المراحل لسبر أغوار التاريخ المتعلق بكرامة الكنيسة المارونية التي لو حادت عن الإيمان الصحيح الصادق في تاريخها المديد، لكانت وثائق المكتبة الفاتيكانية حفظت خبر انزلاق أمة بأسرها، ولكانت هذه المكتبة عينها حفظت خبر عودة تلك الأمة المارونية إلى الإيمان المستقيم. وهذه الأمة ليست فردًا أو أفرادًا، إنما هي جماعة مؤمنين بما فيهم بطاركتها وأساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وشعبها المتمسك بأهداب الحقيقة وبالسدة البطرسية لدرجة أنه قيل عنه: لو ذهب الحبر الأعظم، لا سمح الله، إلى جهنم لتبعه الشعب الماروني بأسره، وذلك لما فطر عليه من صفاء وإيمان ومن تطلع إلى الصخرة التي بنيت عليها الكنيسة: "يا بطرس ثبت إخوتك في الإيمان".

وإذا ما الدويهي قد سنّ لنفسه أن يتبع المراحل التي نوهنا عنها، فانه كان يستند مجددًا إلى ما حرره أكابر العلماء ويقابله بما كتبه علماء الكنيسة وبما حفظته سجلات الأحبار الأعظمين في روما. ولكنه لم يكتف بهذا، بل راح يوسع آفاقه جاهدًا لاستطلاع مضمون القوانين المسلمة عند الشرقيين والكتابات التي ادعى المرسلون انهم وقفوا عليها، ومن هناك إلى مضمون الكتب البيعية المختصة بالأمة المارونية وما خط في هوامشها من أخبار تاريخية.

وكما جاب الدويهي المكتبات في روما، هكذا صنع في حلب الثرية بالمخطوطات القديمة وبالوثائق القيمة، وكأني به ذو حدس كبير لاكتشاف ما يريد اكتشافه. فجمع من المخطوطات ما طاب له لما كان يجد فيها من الالماح إلى الموارنة وعقيدتهم واستمرارية تعلقهم بالإيمان المستقيم. وهذا كله كان للدويهي مصدر فرح المنقّب العالم. إذ كان يزيد يومًا بعد يوم على معلوماته ما يبرئ كنيسته من التهم العدائية التي ألصقت بها وما يقيها من وصمة الهرطقة. وكان يرتاح إلى ما قاله الأقدمون في مدح كنيسته المارونية التي ثبتت على إيمانها منذ القدم، مع ما عانته من اضطرابات واضطهادات وسفك الدم في سبيل إيمانها الصحيح. وهاكم الوصف الذي وصفه به أحد معاصري الدويهي: "كمل هذا الكتاب، وذلك أيام رئاسة رأس الرؤساء والأبهات، المتوج بأعلام الشرف والكرامات، المعلم الفاضل والعالم العامل، الفيلسوف الروحاني، فم الذهب الثاني، الراشد لرعيته غاية الإرشاد والمناضل في سبيل الحق والسداد، السريع بالجواب في معرفة الجدال، الوارد لمتمنيه أوراد الرجال والأبطال، الهادم منازل أفكار الضالين، بواضح المقاييس والبراهين، الذي تعليمه جوهر محيي النفوس، السعيد بالله البطريرك الأنطاكي مار إسطفانوس السالك في آثار القديسين، المقيم بالدير المعروف بقنوبين... ولم يسمع عندنا قبل كرزه التالي بشروح البيعة السعيدة، الحاوية لمثل هذا الكرز الحافظ للكتب العتيقة والجديدة... وأظهر لهم بينات يأمن فيها الخائف من الخائف، ولوح بتلويحات بها أذرف عيون الخطأة وأبكاها، وصرح بتصريحات أدمى بها قلوب العصاة وأنكاها..." (من مقدمة الشرح المختصر – الجزء الأول – ص XVI).

وكما صنع الدويهي في روما وفي حلب هكذا صنع في قبرص باحثًا ومدققًا في المخطوطات التاريخية والطقسية، فنقل منها ما هو ضروري لإيضاح قضية الموارنة وقابله بما كان في حوزته واضطلع بعد ذلك بمهمة واسعة أن يجوب المدن والدساكر في لبنان ويطلع على مخطوطات كنائسها وما كتب على هوامشها، وعلى الوثائق التي كانت تحتفظ بها الكنائس والأديرة. ولم يترك، قبل أن يبدأ بخط مراحل تاريخه وإيضاح أهدافه، طريقًا توصله إلى كشف أسرار ما توخاه من تنقيبات، وإن كان ذلك يزيد في تعبه ومعاناته العلمية إذ المطلوب هو أهل لهذا الجد والتعب والسهر المضني. ولهذا قال فيه أحد الآباء اليسوعيين (الأب مارتان) واضع تاريخ لبنان، ان الدويهي أصبح من هذه الناحية (الدقة والحرص على سلامة النقل) "أب التاريخي اللبناني الماروني" و"أعلم مؤرخي الطائفة المارونية" (طالع فهد، الجزء الأول، ص XIX).

من صفات المؤرخ الدويهي انه لا يتكبر في جمع معلوماته على خصمه فيسحقه في إعطاء آرائه التاريخية. فانه بصدق تام وبصيغة علمية يعرض القضية بحذافيرها ومن كل جوانبها وبكل عناصرها ويجيب على الحجة بالحجة تاريخيًا وانتسابيًا ويعلل معرفته بالعودة إلى من سبقه من ثقاة الباحثين كابن سياط وابن جرير والمسعودي وابن الحريري والكاردينال يارونيوس وغيرهم كثيرون (راجع فهد، الجزء الثاني، ص 2 وما يتبع وص 318 وما يتبع). وإذا وقف عند رأي هذا أو ذاك فانه يشرح بإسهاب لماذا اختاره ولماذا أولاه ثقته. فإما أن يكون قد قضى الأيام والليالي في البحث والتنقيب، وإما أن يكون قد عانى من الأخصام ما عاناه من تعذيب وإهانات جعلته لا ينطق إلا بالحقيقة. وهذا قوله مثلاً في الشرح المختصر، الجزء الثاني، ص 206: "فشهادة هذا المطران كالذي كان من جملة المأسورين، هي أصدق من الكل". وهذا يذكر بما سيقوله الفيلسوف باسكال: "أؤمن بحقيقة يستشهد من أجلها صاحبها". والمطران المذكور هو المطران يعقوب الذي كان شاهدًا لأمور وأحداث عديدة فاضطهد وأسر. ولذلك فشهادته أولى بأن تعتبر وبأن يعطيها المؤرخ ثقته.

وباستطاعتنا أن نقول هنا، في سياق كلامنا عن المؤرخ الدويهي: انه كان رجل الحقيقة لأنه كان رجل إيمان، وكان رجل الحقيقة لأنه كان رجل محبة. وأخيرًا كان رجل الحقيقة لأنه كان رجل الألم. إذ كثيرًا ما احتمل وكثيرًا ما اضطر إلى الهرب من قنوبين إلى مار شليطا مقبس وإلى مجدل المعوش إلخ. واختفى في المغاور والوديان...

* * *
فالدويهي خاض ساحات تنقيب واسعة الأرجاء بكل ما أوتي من الله من قوة بحث وتدقيق، من سعة ثقافة وإرادة قعساء في التدليل على الحقيقة وفي الدفاع عنها، وخاصة عندما يكون موضوع تنقيباته هو أمته المارونية وتاريخها المجيد. إنما هذا الحب لأمته وهذه العاطفة تجاه شعب مؤمن خضته الاضطرابات وسفك الدم غزيرًا في سبيل الدفاع عن مقومات إيمانه وأخلاقه فأصبح منارة لمن يريد أن يستنير من سائر الطوائف والمذاهب في هذا الشرق، شرق النور والعطاء؛ هذا الحب لم يقده إلى الشطح وإلى معاكسة التاريخ وإخضاع المنهج التاريخي إلى ميول دفاعية غير صائبة. مراد الدويهي الحقيقة. مراده أن يرفع البرقع عن وثائق وأخبار غطاها غبار الأيام وخبأ حقائق على المؤرخ أن يكتشفها وأن يعطيها لعالم العلم واضحة لا تشوبها شائبة في الاستشهادات العلمية الصريحة. ولكي يتوصل إلى الهدف الذي سنّه لنفسه لم يكن ضنينًا بوقته يعطيه للتنقيب إلى أن يصل إلى ساحة نور فيها يرتاح إلى القرائن المختلفة وينسقها ويستنتج منها صورة واضحة عما خبأه التاريخ واتضح بعد الدرس الطويل. ولهذا بقي الدويهي ستة أشهر في روما يفتش وينقب في مكتبات مدارسها ومكتباتها وخاصة المكتبة الفاتيكانية العظيمة ويتحرى في مخطوطاتها ووثائقها كل ما قيل وكتب عن الموارنة من تصانيف الأقدمين يقابلها بما جمعه من وثائق ويجرب أن يقف عن يقين على الحقيقة المتوخاة. ولم يخف من تعب أو من جهد. حياته كلها قدمها للحقيقة إن على صعيد الإيمان وإن على صعيد التاريخ وإن في كل علم طرقه وأجاد فيه وليس له من هدف إلا هدف واحد إعلاء شأن كنيسته المارونية والدفاع عنها والزود، ضد أخصامه، عن ثباتها في العقيدة الصحيحة وإعطاء الحقيقة عن كل شاردة وواردة تمت بصلة لموضوعه الأساسي.

* * *
ومن صفات المؤرخ الدويهي أنه عندما لم تتسنّ له الظروف لوجود الوثائق التي تدعم رأيه كان بكل بساطة علمية وصدق المؤرخ يعلن عن نقصان هذه البينات: "... إن الذين كانوا بدرجة البطركية مثل البطرك لوقا من بنهران والبطرك جبرايل من حجولا ونظيرهما بتلك السنين ما استطعنا أن نتوقع لهم على خبر في كتاب، ولا نعرف بأية سنة كانوا، لعدم الكتابة واشتغالات الناس بغيرها (من الحروب والتقتيل والتشريد وما إلى ذلك من النكبات والأيام السود) (الشرح المختصر، الجزء الثاني ص 194).

وكان الدويهي لا يخلط في استعمال مصادره. يعيد إلى كل منهم حقه. وانه، مثلاً على ذلك، بعد أن يأخذ من ابن القلاعي ما يتلمح على البطرك إرميا العمشيتي، ينهي كلامه قائلاً: "إلى ها هنا قول ابن القلاعي". ويكمل والكردينال بارونيوس في تواريخ سنة 1183 في خطابه عن الموارنة هكذا يقول: "إن بطركهم في عصر البابا قزحيا الثالث قدم إلى المجمع في لاتران وهناك اختبر كفؤًا عن الأشياء التي تخص الأمانة القاتوليقية وعوائدها المقدسة. وآثر بأن يكونوا جماعته متمسكين بها، ولم يزالوا إلى هذا الآن مستمرين على الأمانة المقدسة". (المصدر ذاته، ص 184).

وأخيرًا لا آخرًا لم يتسرع الدويهي المؤرخ أبدًا في إعطاء رأيه إلا بعد أن يكون قد عرض الشهادات التي في يده لكي تكون النتيجة مثبتة ولا يظل فيها أي شك فيقول: "والنتيجة مما شرحنا في أبواب على قول البرتينوس وويلامو استبان واضحًا أن الموارنة لا انحرفوا البتة في مجمع قونسطنسا ولا صار لهم به ذكرًا. ولا كان زعمها هذا أهلاً للجواب إلا ليكون القارئ على وثيقة من الصواب. وكذلك ان الاضطهاد على رؤساء الكهنة الذي خبر عنه ابن القلاعي ما صدر من بطرك أبدًا ولا من مطران، بل ان الملك الأشرف ونوب البلدان (كما رأينا)". (الشرح المختصر، الجزء الثاني، ص 208).

وفي موضع آخر يقول: "فمن هذه الشهادات دون التي جزنا عن ذكرها تستدل على أن البطرك كان يتسما يوحنا، ويتسما داوود يوحنا، وان أمانته كانت مستقيمة، ورؤساء الكهنة كانوا متشكرين منه، فلو انه جحد أمانة الكنيسة المارونية، ما يمكن أن المطران قوريللوس والمطران يعقوب حررا كتبهما باسمه، ولا أن يتخذانه بمنزلة أبيهما ومعلمهما وسيدهما، ولا قال في حقه المطران يعقوب، انه بار ومنتخب لله ومؤيد بالمسيح، ولا طلب من الرب يرحمه في بركة صلواته المقدسة، ولا جاب ذكره دون الافترى في كتاب الناموس الذي كتبه لاستعمال المطران داوود ابن جوسلين، وإذا كان البطرك داوود حظي بكل هذا الثناء والشكران من هؤلاء المطارنة المحترفين الذين كانوا أهل زمانه وعمدة ديوانه، فمن يتخيل بباله انه يكون جحد ديانته؟ أم أنه يكون طابق على قتالهم وسفك دماهم"؟ (الشرح المختصر – الجزء الثاني، ص 205 و 206).


القسم الثاني
في الجزء الأول من الشرح المختصر وفي بدء المقدمة بالذات يعرض الدويهي طريقته في التنقيب التاريخي وفي المنهج الذي سيتبعه في تمحيصاته فيقول:

أ- "لكون قال البعض منهم ان الموارنة ما دخلوا تحت طاعة الكنيسة إلا في سنة ألف وماية واثنتين وثمانين على يد أوماريكو الفرنجي بطرك انطاكية... وآخرون: في سنة ألف ومايتين وخمسة عشر في مجمع لاتران الذي عقده البابا زخيا الثالث... والبعض قالوا... وآخرون: في الأربعة والستين بعد الألف وأربعماية على يد فراغريفون... البعض ثبتوا أن صار ذلك في سنة خمسة وستين على يد جبرايل ابن القلاعي... وآخرون في سنة ألف وخمسماية وثمانين على يد جوان باطشتا اليان الأيسوعي... إلخ".

فبعد أن توضحت تمامًا عند القارئ صورة المناوئين لاستمرارية الموارنة في الإيمان المستقيم، وبعد أن أكثر من سرد عدد كبير من هؤلاء لكي لا يكون مجحفًا بحقهم وكأني بضمير الدويهي العلمي أصبح مرتاحًا للعرض السابق من كل جوانبه، يجيب مستخلصًا النتيجة وضاربًا عرض الحائط بما قيل كي يضع براهينه في مستوى الظافر من خلال تعداد القرائن والبراهين فيقول:

"فلإزالة هذا لخطر الجسيم، قد كتب فيتعطف الكاهن الفارسي في مصدر شرحه عن الفرس قائلاً: "إن الذين يؤثرون الشرح عن تواريخ الزمان لم يحق لهم تحرير الأخبار من السمع وحده، ولا على الزعم والظن، لئلا يضلوا نفوسهم، ويخدعون غيرهم، على شبه الروم التايهين في كل سبيل".

وكذلك لسبيوس في تارخيه عن أصل إيطاليا، يقول في خصوص أصل الشعوب وأقدميتهم: "يجب التصديق لتلك الأمة ولجيرانها والذين يوافقونها على أصلها وسيرة بلادها أكثر من جميع الآخرين، ولو كانوا ذوي كل حكمة ومعرفة في غير ذلك. لأنه لم تجد قبيلة إلا ولها تواريخ وعفوناما (مستندات) وأخبار تخصها. وإذا كان المصنف من جمهور تلك الملة كان أصح، لأن لم يكشف عن صحة الأشياء إلا الذي يمارسها".

ويتابع الدويهي: "وعلى مقتضى ذلك الكردينال بارونيوس في سنكسار الشهداء، في السادس والعشرين من نيسان أن فيما يخص الكنيسة الرومانية الذين تربوا فيها يتخذ كلامهم إلى الصدق أكثر من غيرهم".

وعندما صارت الخصومة... "ان الصدق لم ينكشف إلا من الذين يمارسون الأشياء لأن شهادتهم معتمدة على ما سمعوا وقشعوا". (ص 4 – 9).

إلى ما هنالك من المؤرخين الثقة الذين أعطوا المبادئ التي اتّخذها الدويهي هديًا في طريقته الشخصية ونورًا للمستندات التي وقف عليها. الرائي هو أصدق من غيره في إعطاء الأحداث وتصويرها أكثر ممن من السمع يقرون الأمور.

في ما سبق مثل لتلاقي القرائن تدعم الواحدة الأخرى ويستخلص القارئ منها ما يوجهه إلى صحة ما يتوخاه. وهكذا في كل قضية يعرضها المؤرخ الدويهي، يعطيها ما يريد الأخصام لتثبيتها، وبعد ذلك يدحض القضية عينها بغزارة البراهين والقرائن. وبهذه الطريقة توصل الدويهي إلى إعطاء منهج علمي، عليه ارتكز في تمحيصاته والوصول إلى الهدف والمبتغى.

ب- ومن عناصر طريقة الدويهي التاريخية القياس فيقول: "فإذا كان صاحب الكرسي الروماني يستقر ان مجد أهالي لبنان لم يجف البتة، ولو كانوا من كل جهة محتاطين من الغير مؤمنين ومن ذوي البدع والانشقاق أم (ما) يزالوا بشبه جبل صهيون يزدرون العواصف التي تقبل إليهم من الأعداء، بل يأدوا (يؤدون) الخضوع والطاعة لبطرس الرسول إلى الأبد. إذن باطل يقول ويلامو انهم كانوا مزعزعين عن الاتحاد ومفترقين عن الكنيسة الجامعة". (الجزء الثاني، ص 316).

ج- لا يكتفي الدويهي بعرض البراهين والقرائن. كان يستنتج من عرضها ما يؤول إلى حقيقة موقفه دونما تحد أو استعطاف فيقول: "يبان معلنًا مما شرحنا في احتجاج هذا الكتاب الثاني ان التهمات التي أوجبوها أصحاب القصص والتواريخ على الموارنة هي هي كلها زور (وبهتان)، وتحررت عليهم من باب الغرض والاختيال، وإما من نقص المعرفة".

"فمن جهة الذي كتبه فيهم سعيد ابن بطريق انه كان في دولة موريق ملك الروم... كشفنا بينًا أنه لست (ليس) فقط زورًا بل ومكرًا منه ليخدع غيره لكون مارون الراهب الذي بنوا عليه أهالي حماة الدير، سبق موريف بمائتي سنة. وما كان مارق من الديانة أبدًا بل محمود السيرة والسريرة على رأي سائر الكنائس شرقًا وغربًا". (الجزء الثاني، ص 317 و318).

وفي استنتاجاته يروح الدويهي أيضًا على تلاقي البراهين والأدلة فيعدد كل من يساند توجيهه بصورة مقنعة ومثبتة (راجع الصفحات 156 و239 و277 و286 و234 و224 إلخ).

مراجع خاصة الصفحة 177 من الجزء الثاني حيث يقول: "ومن البراهين التي حررناها في الفصول المتقدمة ان ما من أحد رد الموارنة من هرطقة، ولا من انشقاق، بل ان موارنة القدس وجبل لبنان، مثلما بيننا، حلفوا الطاعة لصاحب الكرسي الروماني على يد ايماريكو البطريرك في الإلهام الإلهي. لذلك ها هنا البابا زخيا شهد في رسالته أن أهل جبل لبنان رحبوا في إلهام الرب إلى راعيهم. وانهم من ذات خاطرهم قبلوا اليمين أن يكونوا له طائعين على يد بطرس الكردينال، وان البطرك ارميا بعدما استقر في سائر الأسرار المستمرة عليها كنيسة الله، وبعث جملة مكاتيب بطلب التثبيت، حمل المشقة ودخل بنفسه إلى نفس رومية أم المدائن فاستقبله قدسه (البابا) واستمضى له جميع النعم والعوائد التي كانت له ولسلفائه في كنيسة انطاكية".

* * *
د- ولكن الدويهي الصادق في طريقته التاريخية وفي المنهج الذي خطه لنفسه لم يكن ليستنتج إلا بعد أن يقارع الحجة بالحجة ويستند إلى آراء مختلفة وأسباب مختلفة فيأتي الاستنتاج وافيًا مستوفيًا شروط العلم: (الجواب على الاعتراض)... يعطي أسباب أربعة لهذا الجواب وينهي بقوله: "مما ذكرناه يبان كفؤًا ان الأسقف الياس وتلميذه القس اسحاق وسائر الموارنة الذين كانوا قاطنين بقبرس كانوا مستقيمين الإيمان، وسليمين النية، وسالكين في طاعة بطركهم الانطاكي، ومتحدين مع الكنيسة الرومانية...". (ص 221 – 225).

* * *
هـ- وعندما يستند الدويهي إلى مصدر ما، لا يستطيع في ذكره وكأن المقولة منه وله، بل ينبه القارئ ان كلام المصدر انتهى وانه يكمل توسيع فكرته مما أخذه، لا حرفيًا، ولكن توجيهًا إلى الهدف: "إلى ها هنا غليلموس. ومن كلامه يبان أولاً ان مارون كان على رأي مشية واحدة. ثانيًا: إن الموارنة تبعوا رزيته وتكنوا باسمه... (الجزء الثاني ص 152)... نجاوب ثانيًا: لو يصدق قول غليلموس في مارون انه كان هرطيقي وان الموارنة تبعوه في الرزية وتكنوا باسمه لست (ليس) بمدة خمسماية سنة بل بمدة سنة واحدة، أم بساعة واحدة لا غير، لكان يجب أن لما رحبوا إلى معرفة الحق، ورفضوا بدعته، (ان) يرفضوا عنهم أيضًا اسمه الذي انصبغوا به...". (الموضع عينه، ص 154).

* * *
و – وبينا يمدح الدويهي مصادره الثقة كأنه لا يتورع من انتقاد أخصامه بعد أن يكون دحض أقوالهم ومزاعمهم فيقول: "وأما المؤرخين (خون) الذين تخلفوا بعد سعيد وكتبوا عن الموارنة دون الصواب لم تنتسب شهادتهم إلا لنقص المعرفة، لكونهم انجزوا (بالنقل عن سعيد) ما كتب سعيد ابن البطريق، وإما إلى الإهمال عن طلب الصدق ليتحفظوا بالمدحة الباطلة". (الموضع نفسه، ص 318).

* * *
ز- ولم يكن الدويهي ليصل إلى هذه الدقة لو لم يتبسط قضية الخصم ليجاوب عليها نقطة نقطة ويعطيها البراهين الوافية تدعم موقفه فيقول: "يبان أولاً... نجاوب ثانيًا... نجاوب ثالثًا... نجاوب رابعًا... إلخ. (الموضع نفسه، ص 152 – 156). وبعد ذلك يستنتج: فمن هذه الأسباب وغيرها يبان معلننا ان ايمار يكرس...". (ص 156).

* * *

خاتمة

هذا شيء مما أردنا أن نقوله في البطريرك الدويهي المؤرخ. وكان علينا أن نطالع كل كتبه التاريخية لنصف بصورة وافية منهج علمه التاريخي وطريقته هنا وهناك في طرح القضايا وتفنيدها. انما اكتفينا بكتابه "المختصر المفيد" لأننا رأينا فيه لا مختصر تاريخ الموارنة فحسب بل مختصر نظرية الدويهي في بسط الأمور التاريخية. ولمقال آخر يكتبه غيرنا أو نحن بعد الاطلاع الوافي على سائر كتب الدويهي التاريخية. وفي ما عرضناه كفاية لمن يريد لمحة خاطفة عن "البطريرك الدويهي المؤرخ".

المطران عبده خليفه

بيروت في 1 شباط 1993