البطريرك إسطفان الدويهي: فيلسوف الروح

 المرجع: أطروحة لنيل الإجازة التعليمية في الفلسفة عنوانها: البطريرك إسطفان الدويهي: فيلسوف الروح، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 1993.
 


البطريرك إسطفان الدويهي

فيلسوف الروح


جامعة الروح القدس – الكسليك

كلية الفلسفة والعلوم الإنسانية

قسم الفلسفة

الأبعاد الفلسفية لفكر الدويهي

في "منارة الأقداس"

مذكرة بحث لنيل

الإجازة التعليمية في الفلسفة

إعداد: جانيت بولس الخواجه

إشراف: الدكتور طانيوس نجيم

الكسليك – لبنان

1993


فهرست


- شكر

- مدخل

- مقدمة

الفصل الأول – الله

       أ- تعريف الله

       ب- اسم الله

       ج- طبيعة الله

       د- صفات الله

           1- كمال الله

           2- قدرة الله وحكمته

           3- الله والحرية

الفصل الثاني – البراهين على إثبات وجود الله

       أ- النظام الطبيعي

       ب- العلة

       ج- الكمال

       د- البرهان الأدبي

الفصل الثالث - الله والكون والإنسان

       1- الكون

           أ- الخلق

           ب- الفصل بين العدم والوجود

           ج- النوار الإلهية والمادية

       2- الإنسان

الفصل الرابع

       أ- التاريخ

       ب- الليتورجيا

       ج- العمل

- خاتمة

- جدول المؤلفات


كلمة شكر

إلى الجامعة التي قامت على اسم الروح... جامعة الروح القدس – الكسليك...

إلى رئيس قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية الأب الدكتور جورج حبيقة.

إلى الدكتور طانيوس نجيم الذي بإشرافه تم هذا العمل.

إلى الأب الدكتور يوسف يمين الذي غمرني بإرشاداته الواسعة...

إلى رابطة البطريرك إسطفان الدويهي التي ربطتني بها أصالتها الزغرتاوية...

إلى كل هؤلاء أقدم شكري وفاء وعرفانًا بالجميل.


مدخل

القرن السابع عشر، هو القرن الذهبي، في تاريخ المارونية، من حيث الخصب، والانتاج، والاشعاع، في مجالات الفكر، واللغات، والفلسفة، واللاهوت، والروحانية، والقداسة، وكان البطريرك إسطفان الدويهي، خلاصة المارونية، التي تأسست على صخرة الإيمان، فكان معلمًا، وكاهنًا وأسقفًا، وأخيرًا بطريركًا يذود عن أمته باللسان والقلم، متحديًا الجهل والفقر والظلم. وقد انصرف طوال حياته، إلى التنقيب والتعليم والتأليف فضلاً عن الأعمال الرسولية والرعوية، فترك من الآثار العلمية، ما تعجز عنه مؤسسة بكاملها، فأغنى المكتبة العربية، بمؤلفاته المتنوعة، حتى عد بصواب من أعلم بطاركتنا المبرزين، وأشهر مؤرخينا المعروفين، وقد استحق لتواريخه الجليلة، أن يدعى أبا التاريخ الماروني واللبناني معًا، وقد وصفه أيضًا أحد معاصريه الحلبيين، في أحد كتبه، لبلاغة مواعظه، وتدفق كلامه الروحي، بالفيلسوف الروحاني، فم الذهب.

ولقد سعى الكثيرون، إلى كتابة سيرة حياة البطريرك إسطفان الدويهي، واستعراض مؤلفاته، أما أطروحتي هذه، فتحاول إبراز الأبعاد الفلسفية، لفكر الدويهي في "منارة الأقداس" الذي أبدع في درسه – الله – الكون – الإنسان - ... فكان بهذا، حتى اليوم رائدًا محلقًا.


مقدمة

من الناس، من يولد ويعيش، إلى أن يلفه الكفن، وكأن أحدًا لم يولد. ومنهم من يولد، فنشعر بوجوده، من غير أن يترك أثرًا، ومنهم من يولد، ليملأ كف الأرض، فتغص هذه به وتضج. فإذا هو ابن الأرض كلها، وأحد كبار آبائها، ومن هؤلاء من لا يرضى بالتراب، فيجعل نعليه في الأرض، ورأسه في هذا الكون اللامتناهي، في السماء، فيرتبط بين الاثنين، فتحار، وتمجد ربك لهذه العطية، التي تشترك في صوغها الاثنتان: الأرض والسماء، هكذا كان الإنسان البطريرك إسطفانوس الدويهي. اتقد الإيمان في نفسه، حتى رقي المراتب الدينية، لا حبًا بها، ولا بعظمتها الأرضية، بل تابع استجابة لذاك النداء الأسمى، فأصبح أسقفًا، ثم بطريركًا مارونيًا، كالأساقفة والبطاركة الباقين، إذ سبقهم بمجالات كثيرة.

وعن طريق النسك والصلاة والرسالة عاش القداسة، وعجائبه حيًا وميتًا تشهد له. ووراء كل هذا حقق الرسالة، وبالعمل الدؤوب جمع العلم، فكان رأس الإدارة والتأليف. أهم مؤلفاته:

1- تاريخ الأزمنة. 2- سلسلة بطاركة الطائفة المارونية. 3- البراءات البابوية. 4- سيرة حياة تلامذة المدرسة المارونية في روما. 5- تاريخ الطائفة المارونية. 6- منارة الأقداس. 7- كتاب الشرطونية. 8- كتاب تصحيح التكريسات. 9- رتبة لبس الإسكيم الرهباني. 10- النوافير. 11- كتاب التبريكات والرتب الكنسية. 12- كتاب الجنازات. 13- كتاب في الألحان السريانية. 14- مقالات عقائدية. 15- المحاورة اللاهوتية. 16- كتاب المواعظ. أما مرجعنا الرئيسي في هذا البحث، فهو كتاب منارة الأقداس.

إن مدرسة روما، كانت له المعين الأكبر. "كان للمدرسة المارونية فضل كبير، فقد جاءت الثمار الفلسفية، التي أعطتها على يد البطريرك الدويهي، الذي كان أول من سعى لتجديد المحاورات الفلسفية، التي انقطعت لمدة من الزمن، من المدارس المارونية".

ولم تكن سعة علمه، مبعثًا لحب المجد، بل تقرب به إلى الناس جميعهم، وصار في حقول اللاهوت، والليتورجيا، والوعظ، والتبشير، وكذا في الأدب والتاريخ، مرجع البحاثة الصادقين، الساعدين وراء الحقيقة.

لقد تأثر الدويهي بتوما الأكويني، "إن منطق مار توما الأكويني، الذي هو منطق أرسطو بذاته، أصبح الطريقة المتبعة، في معالجة أي موضوع عند الدويهي، والقاعدة التي اتخذها، في معالجة موضوع منارة الأقداس".

وما برهن لنا تأثره بمدرسة مار توما، هو معالجته المنطقية لكل الأمور، هذا المنطق المشعل، الذي يدل على الحقيقة بالبرهان، وليس بالعاطفة. ولقد حاول الدويهي، ربط الفلسفة باللاهوت، وسنرى هذا من خلال عمله، لندرك بعض ما أدركه هذا البطريرك العظيم، من غيرة وعلم وقداسة. في الفصل الثاني، نبرهن كيف استدل الدويهي على الله، من خلال العقل. أما في الفصل الثالث، فسنتطرق للعلاقة بين الله، من خلال العقل. أما في الفصل الثالث، فسنتطرق للعلاقة بين الله، والكون، والإنسان، فالله هنا هو الخالق والعلة معًا. وفي الفصل الرابع، نعالج آراء الدويهي الفلسفية، واللاهوتية، من خلال التاريخ، والليتورجيا، والعمل.


الفصل الأول


الله

كيف وجد هذا الكون لو لم يكن هناك موجد؟ وكيف علق على كل ما في هذا الكون الشاسع، وقد تسمر كل جرم، لو لم يكن هناك مهندس الروح. كل شيء وجد للإنسان. فمن الناس من آمنوا وارتاحوا، ومنهم من التهب الإلحاد في ذهنه.

قضية الله ووجوده، ليست من القضايا الصغيرة، التي تترك مفتوحة، أمام الاحتمالات، وأمام النفي والإثبات، إنها قضية كبيرة جدًا، والأدلة على إثبات وجود الله يجب أن تكون كبيرة، وضخمة جدًا، هذا ما دفع البطريرك الدويهي، إلى أن يثبت هذه القضية. ولكن قبل التطرق إى وجود الله، يقتضي التعريف به.

درج الفلاسفة على تعريف الله، بواجب الوجود، فمن يكون واجب الوجود هذا؟ كان مدار بحث عند الفلاسفة، كأفلاطون مثلاً "بحث الفيلسوف عن علة وجود الكينونة" وتساءل: "من هو الكائن الأزلي". أما مدار البحث هذا، عند اللاهوتيين، فكان في هذه الأسئلة: من هو الله؟ ما طبيعته؟ كيف يتكون؟

لكن البطريرك الدويهي، خرج عن هذين المدارين من الأسئلة، إذ جمع بين النظرة اللاهوتية، والأخرى الفلسفية، رابطًا بين الجدل العقلي واللاهوتي، فكان بالنسبة إليه، التعرف إلى الله، ليس فقط بالاهتداء إليه، من خلال العقل، بل بالتعرف الوجداني.

أ- تعريف الله

الله بالنسبة للدويهي، روح محض بسيط. مبتعد كل البعد عن التركيب. "هذا الإله يكون روحًا بسيطًا وأزليًا وعاليًا وقدوسًا، ورحومًا وينبوع جميع الخيرات". فالله إذًا هو العاقل والعارف والشامل غير المحدود، البسيط والأزلي، فهو لا يتركب من جوهر وعرض ولا يتألّف من مادة وصورة. وليس جنسًا أو نوعًا.

لم تغب عن البطريرك الدويهي، نظرة الفلاسفة إلى الله، بل هي قريبة من نظرته. يقول أفلاطون "انه أزلي، الله الدائم أبدًا، لا يتغير وهو أيضًا روح" يظهر الله على أنه الروح السامية، الفطنة، الفائقة، الصانع الماهر والقدير، ونستدل أيضًا على هذا، بقول الدويهي "اقتبس الفلاسفة معرفة الله، وتحققوا انه عقل واحد بسيط أزلي، غير متحول، بعيد عن الحس، ناج من كل عرض، بدء الأشياء بأسرها، لا يدركه العقل، ولا يصفه لسان، يستحق السجود والكرامة، من كافة الطبائع".

ما رأيناه عند أفلاطون، عن واجب الوجود، يؤكده الدويهي إذ قال: "وكذلك أفلاطون المعظم في الفلاسفة، عندما سئل من هو خالق الروح، وما اسمه، أجاب قائلاً: أعني واجب الوجود، الذي لا بدء له ولا نهاية، فأنه في الزمان كل شيء يتغير، والله يغير الأزمنة، وهو لا يتغير، إذ أنه يعم الكل، والكل به، والكل حاضر أمام وجهه، ماضيًا كان أو مزمعًا".

لقد وجدنا في حديث الدويهي عن الله، تقاربًا مع الفلاسفة، وكان أبرزهم أفلاطون. الله عند الدويهي، هو علة الوجود "الدافع الأول، والسبب اللازم، الكمال والغاية السامية لكل شيء". وعند أفلاطون: "إنه أب، وعلة كل ما هو موجود، السبب الممتاز المعقول، والقادر الذي يحكم الكون".

ب- اسم الله:

يقول الدويهي، ان لله عدة أسماء، نرى بعضها في الكتب المقدسة، وبعضها الآخر، أسماء يطلقها الفلاسفة "يسمى الله في الكتب المقدسة، بأسماء مختلفة، بعضها، يلحظ فيه إبداعه للبرايا، وبعضها، مراحمه وكرمه عليها، والبعض، أسماء أخرى، أما أفلاطون، فقد آثر تسميته بالكائن، أعني صاحب الوجود... ولأجل ذلك، عندما اصطفى موسى، وكلمه، ليخرج الشعب من عبودية مصر، قال له ذلك، يا سيدي من أنت؟ وما هو اسمك؟ فكان جوابه له: أنا هو الكائن، أعني أنا صاحب الوجود ولم أزل". إن الدويهي يؤيّد نظرية أفلاطون، وكذلك ما جاء في الكتب المقدسة، ويقول بأن الله هو الكائن، أي الذي كان، والموجود، أي الذي هو، والآتي، أي الذي لم يزل.

وحتى البطريرك الدويهي في تسميته لله لم يبتعد عن الفلاسفة. ففي الكتاب المقدس كانت تسميته بالكائن وكذلك "يفهم الفلاسفة بشكل عام الله ويصورونه على أنه الكائن السامي المطلق بمنتهى الاستقلالية، مصدر كل الخير، كائن حي وفعال".

ج- طبيعة الله:

يحاول البطريرك إسطفان الدويهي، إبراز الترابط بين الفلسفة واللاهوت، يرى الطبيعة الإلهية، من خلال الكتب المقدسة ويؤكد لنا هذه الطبيعة، مستندًا إلى البراهين الفلسفية.

الله، هو الذي يحوي الآب والابن والروح القدس، كلها معًا، تمثل إلهًا واحدًا، هو الله المعروف. فالجوهر الإلهي، يتضمن إذًا ثلاثة أقانيم "إن الله ذو ثلاثة أقانيم" وهذه بذاتها، تمثل طبيعة الله، وهي متساوية بالطبع والصورة، ولها نفس الفعل، وتملك العقل والقدرة على إيجاد الإنسان، أي قدرة الخلق. "متساوين بالطبع والصورة، ليكون الإنسان على شبههم وصورتهم... ذوي عقل وحياة، ليفيضوهما على الإنسان... وذوي إرادة واحدة وسلطان واحد، لئلا يعرف الخلف بينهم، وتبطل الخلقة" فطبيعة هذه الأقانيم، تمثل بمجموعها وحدة الله، أي الله الواحد، والأقانيم من حيث العدد ثلاثة، لا تنقسم في جوهر الله، فالآب والابن والروح، هم كائن سماوي واحد. جاء الوحي المسيحي بهذه الحقيقة، واستفاض في إبرازها علم اللاهوت. وجند الفلسفة والمنطق البشري لإيضاحها.

قد أكد لنا الدويهي هذه الحقيقة، فاستند إلى أرسطو والعلماء، دعمًا لنظرته اللاهوتية، في طبيعة الله "قال أرسطو: ليس كاملاً إلا الثالوث، وقال العلماء: إن الأشياء كلها محصورة في ثلاثة لا رابع".

من كل هذا، نستنتج أن الله هو الثالوث، هو الإله غير المولود، وهو العلة التي تبدأ بها الحياة، فهو الخالق، والضابط المحيي، والمقدس، وهو غير المدرك، وغير الموصوف، والثابت غير المتحول. أما صفاته فعديدة.

د- صفات الله:

1- كمال الله

إن لله صفات نعجز عن ذكرها كاملة، وذلك لضعف طبيعتنا البشرية، التي بها لا نستطيع نحن البشر، إدراكه، من هذه الصفات، أنه كامل، عادل، محب، كريم قادر، حكيم وحر. فهو ذخيرة الحكمة، والقدرة، وعنصر الحياة... "قد رأينا أن الصفات الفاضلة، لا تكون منقطعة عنه". وبواسطة الآب، نستطيع الوصول إلى الكمال. فالآب يتحكم بالوجود والبشرية، لأنه الكمال. ومهما حاول الإنسان، الوصول للكمال، فانه يظل عاجزًا. بالنسبة للدويهي، يعتقد الإنسان، انه بتقدمته القرابين للرب، يمكنه أن يصل لدرجة الكمال، لكن ذلك غير صحيح، لأن ما يقدمه الناس من ذبائح، مركب من مادة غير ثابتة في الحياة، ولا يمكنها أن تمنعهم من الفساد، فالقرابين كانت، عبر العهود، رمزًا لتقريب الناس من الله. أما الله فهو الكمال، وكل كمال موجود فيه". وأما الله فيجب أن نعتقد أن فيه مجموع الإحسان والكمال، وننفي عنه الحاجة والنقصان".

إن الإنسان غير كامل، وبما أنه غير كامل، فانه يدرك أن هناك ما ينقصه، هو الكمال. نراه يصبو إليه، ويطمح دائمًا للوصول إليه، لكن ذلك يكون دائمًا دون جدوى، بدون مساعدة الله، لأن الإنسان مركب، ومهما حاول الوصول، فانه لا يستطيع وحده، لأن الله فقط هو الكامل والمتحكم بالوجود "يحيا الإنسان في عطش دائم إلى الأفضل، وبالتالي إلى الكمال، الأمر الذي يحتم وجود قدرة كاملة، تهبه هذا العطش، وتعطيه الاكتفاء". وبما أن الله كامل، فهو يملك القدرة على خلق الكمال ويتبين ذلك في الكون وتكوينه، وطريقة خلقه من المادة، كالتراب والأفلاك والطبيعة، وصولاً إلى الإنسان، الذي يجسد أكمل ما خلق الله وكون.

إن الله يتمتع بالكثير من الصفات، فمهما قلنا لا يسعنا أن نذكر إلا القليل من صفاته، وقد رأينا أن الله يتمتع بالكمال، من يملك الكمال، يملك كل شيء، وكل الصفات، من يملك الكمال، فهو مطلق... الكمال، يساوي المطلق، يساوي الله.

2- قدرة الله وحكمته

عند التكلم على القدرة الإلهية، عند الدويهي، يجب في الوقت نفسه، أن نتكلم على الحكمة، لأنهما، عنده، متلازمتان مترابطتان. فالقدرة والحكمة، كلتاهما مكملتان واحدتهما الأخرى.

أ – قدرة الله:

نرى عند الدويهي، ان القدرة تظهر لنا، من خلال أمرين: من خلال الفلسفة، ومن خلال اللاهوت...

- من خلال الفلسفة:

إن توالد الكائنات، وتكوّن الطبيعة، يحثنا على التفكير، فمعجزة النظام الطبيعي، قد هندسته قوة خارقة، إذ لا يمكن أي إنسان، أن يكون سبب جعل الكائنات تتوالد، وأن يكون سبب امتداد تناسلها، فذلك يؤكد وجود قوة، حركت توالدها منذ البداية، لتتمكن من الاستمرار في الوجود، إذًا لا يمكن أيضًا أي إنسان، أن يقوم بتحقيق هذا، ولا أي مخلوق أرضي، لأن الإنسان لا يملك القدرة هذه، فالله وحده، هو الذي يملكها. وهذا ما يؤكده لنا الدويهي، بقوله في "منارة الأقداس":

"فمن أحسن التأمل في تغيير الأزمنة، وموافقتها ودوران الأفلاك، ومضادة العناصر والتحامها، ودوران الكواكب، وعداوة الطبائع واحتفاظها، وخضوع الخليقة السلفية للعالية، واستحبابها، لا بد أن يعبر بأن لها علة عاقلة، وقادرة تنيرها، لأن ما لا عقل له، لا يمكن أن يتدبر إلا بعقل غيره، كالسهم الذي لا يصيب المرمى، إن لم ترسله يد رجل عاقل".

- من خلال اللاهوت

يستفيض اللاهوت في ذكر الأمثلة، على قدرة الله، وحسبنا مثلاً، يستقيه الدويهي من الإيمان المسيحي، بقوله أن الخبز والخمر يستحيلان بالقدرة الإلهية، إلى جسد الرب ودمه. "يستحيل جوهر الخبز إلى جسد الرب، وجوهر الخمر إلى دمه" هنا يظهر لنا الله العلي القدرة، فلو لم يكن كلي القدرة، لما استطاع أن يحول الخبز إلى جسد، والخمر إلى دم. فالكائنات البشرية جميعها عاجزة عن القيام بمثل هذا، لكنها، بالعكس، تبرهن على قدرة الله، في توالدها وتناسلها. وقد رأينا، أن معرفة قدرة الله أمر معجزة، لأنه يملك قدرة لا محدودة، باتت في قدرته على الخلق، إذ ظهرت لنا، في خلق الكائنات، وقد ظهرت أيضًا، في خلقه الإنسان، حين ربط الروح بالجسد، بطبع واحد.

ب- حكمة الله:

للحكمة الإلهية وجهان: فلسفي ولاهوتي.

- الوجه الفلسفي

إن كل ما فعله الله، مصوغ بحكمة، فهندسته الكون، وإعطاء كل من الخلائق فعلاً وميزة، كل هذا يظهر لنا جليًا هذه الحكمة "عن أعمال الله ليست متشوشة، وعديمة النظام، ولكنها ترتبط بعضها مع بعض بغاية الحكمة" فالله بحكمته، يرى الأشياء الماضية كالحاضرة أمامه، فهو يفهم الأشياء بالكمال، لأنه هو الذي أوجدها، ويدركها دون أن يغيب شيء من أمام عينيه. الله هو حضور مطلق، ليس فيه ماض ولا مستقبل... أما تقسيم الزمان، إلى ماض وحاضر ومستقبل، فهو من عالم الإنسان...

- الوجه اللاهوتي

من جهة أخرى، عندما أراد المسيح، أن ينتقل إلى الآب، لم يتركنا، بل صعد إلى الآب بجسده، وترك لنا أيضًا جسده، الذي نتناوله في سر الافخارستيا، وقد تركه لنا، بحكمة لا توصف ولا تدرك. "في سر القربان تظهر لنا حكمة الله غير المدركة".


ج- اتحاد القدرة والحكمة:

نستدل على حكمة الله من قدرته، فانه من غير تعب أو تكليف، ويفعل ما يشاء، فانه يخلق الوجود من العدم، وأعظم المتفقهين، يعجز من إدراك قدرته هذه.

والحكمة والقدرة ثنائي لا ينفصل "فمقدرته وحكمته غير منقطعتين عن جوهر ألوهته، غير المحصور وغير المدرك" "وإذا بنوع لا يدرك ولا يوصف، يتحول الخبز إلى جسد الرب، والخمر إلى دمه". إن هذه الجملة تدل، بنوع خاص، على قدرة الآب وحكمته. فان الإنسان وحده، يعجز عن سلوكه درب الخلاص، وعن فعل أي شيء، لأن الله وحده، هو الذي يملك القدرة والحكمة، والإنسان ليس سوى مخلوق من مخلوقاته. وهكذا، فالله قادر على كل شيء، يملك قدرة غير محدودة، وحكمة أزلية وهما متحدتان.

3- الله والحرية

إن الله حرية مطلقة، ليس عنده قيد خارج عنه، أو يؤثر عليه، فالحرية هذه لا حدود لها، لا بداية ولا نهاية، فإن لله الحرية، في الخلق، يمكنه خلق الكائنات، ساعة يشاء، ويمكنه كذلك عدم الخلق، فليس هناك، من خارجه، ما يؤثر، لأنه هو الكل، أما الإنسان فحريته نسبية، وجزئية لكن له، رغم ذلك حرية يتمتع بها. "ومما لا شك فيه أن الإنسان، في حاجة إلى الله، ليصنع سعادته، كما أنه في حاجة إلى الله ليوجد، لكنه يظل حرًا في رفض سعادته".

وبالنسبة إلى البطريرك الدويهي، كذلك، أعطانا الله الحرية، فجعلنا أحرارًا، ووهبنا قدرة التمييز بين الخير والشر. أعطانا الله حرية العيش، وحرية الاختيار، وحيث يكون هو موجودًا، تكن الحرية، ويكن العدل. الرب هو الذي يؤمن لنا الحرية "وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية" هذه الحرية، هي التي تقودنا لمعرفة الله وللاتكال عليه في جميع الأمور الدنيوية. يمكننا الاستنتاج، أن الله يملك حرية لا متناهية، أما الإنسان، فحريته جزئية، ونسبية، والله وحده هو الذي يهبه هذه الحرية. الله هو الروح الأزلي، الذي لا يتغير، ذو طبيعة واحدة، تتألّف من الثالوث، فالله كامل، ويملك الكثير من الصفات، فكل هذه الصفات، ستدفعنا إلى إثبات وجوده، وهذا ما سنراه في الفصل المقبل.


الفصل الثاني

البراهين على إثبات وجود الله


حاول الدويهي في "منارة الأقداس"، أن يبرز بعض المواضيع الماورائية، وأبرزها كان فكرة الله، وقد رأينا كيف نظر فيها الدويهي، لاهوتيًا وفلسفيًا. حاول الرد على الملحدين، لإثبات وجود الله، فاعتمد أربعة براهين عقلية، تبين لنا تأثره بتوما الأكويني، الذي اعتمد خمس براهين، لإثبات وجود الله، فالبرهان الأول، عن طريق الحركة، والثاني، عن طريق العلة الفاعلة، والثالث، عن طريق الإمكان والوجوب، والرابع، عن طريق درجات الكمال، والخامس، عن طريق تدبير الكون. لكن الدويهي كان يتمتع بطريقة خاصة في معالجة المواضيع، "الطريقة التي يتبعها الدويهي، خلقت عنده حسًا خاصًا، قاده إلى نوع من الموضوعية النسبية.

إن الإنسان يحاول دائمًا معرفة خالقه، لهذا كانت الفلسفة، تسعى إلى معرفة العلة، التي حركت الكون، واللاهوتيون يسعون إلى معرفته، من خلال الكتب المقدسة. وبالرغم من محاولة معرفة الله، فقد وجب إثبات ذلك، وعمل الفلاسفة واللاهوتيين، لا يمكن أن يتناقض، لأنهم مشدودون معًا، نحو هدف واحد، لا تناقض فيه، على الرغم من إلحاد بعض الفلاسفة. ولهذا يمكن أن يبرهن عن وجود الله، من خلال وجود الكائنات الحسية، التي هي من نتائج خلقه، من خلال العالم المادي، نستطيع أن نصل إلى الله، وهذه طريقة مار توما، من المرئي إلى اللامرئي، واللافت عند الدويهي، تأثره الكامل به، هذا ما يتّضح من المقابلات في الأفكار، بين الدويهي وتوما الأكويني.

البراهين الفلسفية على وجود الله الحي:

أ- النظام الطبيعي:

ينطلق العقل البشري من المخلوقات، من الأشياء، من الطبيعة، ويصل إلى الله المصدر، من خلال مراحل متصاعدة. السبب الأول المبدع، المهندس والمنظم. والعالم بدوره، بمخلوقاته وأنظمته مخلوق، هو أيضًا، كي يصل بنا، يقودنا كي يرفعنا، إلى صانعه وخالقه ومنظمه.

يقول الدويهي، كما رأينا في الفصل السابق، "فمن أحسن التأمل في تغير الأزمنة وموافقتها، وخضوع الخليقة السفلية للعالية واستحبابها، لا بد انه يقر بأن لها علة عاقلة قادرة تدبرها، لأن ما لا عقل له، لا يمكن أن يتدبر بعقل غيره، كالسهم الذي لا يصيب المرمى، ان لم ترسله يد رجل عاقل. فلا يعقل قول الناس، بأن العالم وجد بنفسه دون فنان. نستدل بالخليقة، على وجود الخالق، وعلى طبيعته. فمعجزة هذا النظام الطبيعي، لا يمكن أن تكون قد هندستها، إلا قوة خارقة. لننطلق من نظام الكون الخارجي. فهناك الكون، والطبيعة، والأجرام السماوية، والأرض، وجميع المخلوقات التي عليها، كل هذا النظام، يفرض وجود منظم، هذا المنظم هو الله العلة العاقلة. فالعقل لا يقبل إطلاقًا، أن يكون نظام هذا الكون كله، دون منظم. يقول الدويهي، بأن الفلاسفة، من التأمل في هذا الكون والخلائق، اقتبس الفلاسفة معرفة الله.

إن الفيلسوف العربي ابن رشد، يتحدث أيضًا عن نظامية الكون، وهذه النظامية، هي كفيلة بأن تكون دليلاً، للبرهان على وجود الله، "يرى ابن رشد أن العالم بجميع ما فيه، خاضع لنظام لا يمكن أن يوجد أتقن منه، ولا أتم منه، فإذا رأيت حجرًا موجودًا على الأرض، فوجدت الشكل، وكذلك الأمر في العالم كله، فان ما فيه من الموجودات المختلفة، كالشمس والقمر والكواكب وسائر الأشياء على الأرض، تدل على أن هناك نظامًا، لو اختلّ شيء منه، لاختل وجود المخلوقات كلها، فكأن كل شيء وجد لمنفعة الإنسان، وليس يمكن أن تكون جميع أجزاء العالم، موافقة للإنسان والحيوان والنبات، بالاتفاق، بل يجب أن يكون ذلك، في قاصد قصده، أو مريد اراده، وهو الله" هذه العلة المسببة للعالم، أطلق عليها أفلاطون، ما ترجمته "اسم الصانع والخالق، هو الذي يوجد الطبيعة المادية، على طريقة فنان، عيونه مرتكزة على مثال".

ب- العلة الأولى والمحرك الأول:

يرى الدويهي في الله، علة قد أوجدت في الكون، ونظمته تنظيمًا، يستحيل على أي كائن، أن يكون سببًا في تكوينه، ثم ينتقل من قوله، ان الله علة الوجود، إلى القول، انه هو العلة الأولى، كقول أرسطو وتوما الأكويني: "فمعترف بحكم العقل، وجود علة فاعلة أولى هي الله". فمن خلال المحسوسات، يقول الدويهي، نستطيع أن نصل إلى العلة الأولى، التي هي محرك الكون. "خلق لنا هذا العالم محسوسًا، كي نهتدي مما، نرى فيه من حسن الانتظام وتوافق التخالف، إلى الإيمان، والتصديق بالعلة الأولى، التي تربطه وتحركه" ويرى أفلاطون أيضًا "انه من المستحيل، أن يولد أيًا يكن، من غير سبب". في الكون، إذًا، حركة دائمة وتسلسل، فتوالد الكائنات مثلاً، يؤكد تسلسل بعضها من بعضها الآخر، وبهذا هناك قوة، حركت توالدها هذا منذ البداية، لكي لا تفنى، ونحن ندرك، أن ذلك يستحيل أن يكون من أي فعل أرضي، "نرى أن الأشياء ذوات حياة، في حركة وتغيير دائمين، النبات من البذور، والبذور من النبات. الطيور من البيض، والبيض من الطيور، وكذلك البشر، يتناسلون أحدهم من الآخر، من غير أن أحدًا منهم يخلد على الأرض، إذ لا بد أن سلسلة هذا التناسل، لها بدء أولي، يحركها ولا يتحرك". إن كل هذا يبرهن على وجود علة واحدة، فالكون سلسلة أحداث في العالم المادي:

هناك علة، تأتي من علة سابقة.

في العالم النباتي علة، تأتي من علة سابقة.

وفي العالم الحيواني علة، تأتي من علة سابقة.

وفي العالم الإنساني الاجتماعي علة، تأتي من علة سابقة.

رأينا حتى الآن، ان الكون هو هذه السلسلة من الأحداث، وان كل حادث، هو من قبل مفعول، ويفترض فاعلاً، وعندما نرى، أن كل مفعول يفترض فاعله، ندرك أن هناك فاعلاً أول، لأننا إذ ننفي وجود هذا الفاعل الأول، سننفي وجود الفاعل والمفعول، وسننفي وجود كل شيء، لأن الفاعل الأول، هو الذي أوجدها، وهذا بكل وضوح ظاهر في الخلائق، فلا يمكننا أن ننكر، توالد الكائنات وتسلسلها من بعض، فان لها علة أولى فاعلة، تنبع منها كل هذه العلل، وهي الله، انه العلة الأولى والمحرك الأول.

وأخيرًا يمكننا القول، انه بغض النظر عن كل إطار لاهوتي، فان العقل البشري، في مقدوره أن يحلل، ويدرس عالم المحسوسات، مع حركته ونظاميته، فيصل إلى السبب الأول، والمنظم الأول.

والسبب الأول، هو أن للعالم المنظم، معنى ومغزى، والعقل هو الذي بالتساؤل أولاً، ثم بالبحث والتحليل ثانيًا، يصل إلى الإقرار بوجود منظم، لهذا العالم، وهذا المنظم، هو الذي وضع المعنى والمغزى لهذا العالم، ويعني هذا أيضًا، ان العالم يعمل فيه، في نظاميته وقوانينه وسننه وقواعده وتطوره... يحمل المغزى الذي حمله خالقه ومنظمه. فان هناك ضرورة عقلية، ووجودية، وحياتية، لفهم الكون، تتطلب جوابًا يلبي حاجة العقل وضرورة الفهم.

والتاريخ بدوره، والتطور الشامل لجميع الكائنات، والحركة التصاعدية نحو المستقبل والكمال، ان كل هذه تتطلب فهمًا وشرحًا من قبل العقل البشري، فبدون الله المنظم للتاريخ، لا هدف للتاريخ، وبدون الله مهندس التطور الكوني، لا هدف للتطور، وبدون الله، الذي يستقطب الحركة التصاعدية نحو المستقبل والكمال، لا معنى لهذه الحركة، ولا لتصاعدها نحو الكمال..

هناك خالق منظم، مهندس كل هذه الطاقات الكونية، وهذا الخالق هو السبب الأول، العلة الأولى. لا شيء قبلها هي البداية المطلقة، وهي في أساس كل تطورات التاريخ الصاعدة نحو الكمال.

ج – الكمال:

في الفصل السابق، قد تحدثت عن الكمال، كصفة ملازمة لله، أما الآن، فأتحدث عن توق الإنسان إلى الكمال، عن هذا العطش، الذي لا يرويه إلا الله وحده.

الذات البشرية، تطلب الله من خلال الشوق إليه، والارتفاع إليه، والقلب البشري، لا يرتاح في الخلائق وفي الأنانية، بل في الله وحده، الشوق الكياني الذي يلازم الذات البشرية. والعقل البشري مثلاً، المعرفة والقلب البشري مثلاً، الحب لا يرويه الكون ولا الكائنات ولا الذات البشرية نفسها، لا يرويه إلا الله، والله وحده. هنا يمكننا أن نقابل بين الدويهي والقديس اوغسطينوس. فالدويهي يقول: "إن نفس الإنسان، التي خلقها الله على مثاله، لا يمكن أن تجد بدونه، راحة في أمور الدنيا"، والقديس أوغسطينوس يقول: "لقد خلقتنا لك يا رب، وسوف يبقى قلبنا قلقًا... إلى أن يرتاح بك وحدك".

يحيا الإنسان، في عطش دائم إلى الأفضل، وان الأفضل هو الكمال، هذا يحتم وجود قوة متكاملة، قادرة، تهبه هذا العطش وتكفيه، عطش الكائن غير الكامل إلى الكمال، يوجب عليه الاعتقاد بوجود كائن كامل، لا يستطيع الإنسان أن يدرك عدم كماله، ما لم يكن لديه وعيًا صحيحًا لوجوب الكمال. وفي قول الدويهي "وضعف الإنسان واضح، انه كلما ازداد فهمًا وحكمة ومالاً، وحكمًا لا يستريح قلبه، بل يزداد عطشًا وطلبًا، إلى أزيد مما معه. إذًا لا بد أن يوجد طبع آخر، أشرف وأفضل منه، يروي عطشه، ويكفيه، ويكون هو مكتفيًا بذاته، وغير مفتقر لغيره". يقول الأكويني "بأن جميع الأشياء، تشترك في شتى الكمالات، لكن الشيء لا يستغرق الكمال كله، وبالتالي ليس أي كمال في أي شيء على هذا الكون فالشيء الكامل الوحيد هو الله".

ونحن، حتى في محدوديتنا كخلائق، ننشد الكمال، كما ننشد المطلق، والسعادة، وننشد الله. وبالتالي لا يمكن هذا التوق إلى الكمال، أن يأتي من المحدود، بل من المطلق، الذي يجذب المحدود إليه. إن اللامحدود يستقطب المحدود ويشده إليه، ويرفقه إليه، ويرويه ويحقق له كماله. إن الله الخالق وحده يفسر وجود هذا العطش إلى الكمال، الموجود في قلب الكائن المخلوق، الجزئي الناقص والمحدود. إن في الكون كمالاً، ولكن ليس كل الكمال، فينبغي أن يكون ثمة من يملك كل الكمال، وهو الله، لكن هذا الوصول إلى الارتواء والارتقاء، لا يحصل على هذه الأرض، انه يبدأ على الأرض ويتحقق في السماء.

د- برهان أدبي ثانوي

وآخر البراهين، التي يمكننا أن نذكرها عند الدويهي، هو برهان أدبي ثانوي، يقول الدويهي: "ثم ان كل واحد منا، يقر ان عمل الخير، أفضل وأمدح من عمل الشر، وان القوم الأشرار، يزدرون ويظلمون في أغلب الأوقات، الفاضلين المستقيمين الأفعال، إذًا يجب أن يوجد أحد، ينصف بينهم، ويجازي كل إنسان على قدر ما يستحق، هذا هو الله، الذي تستغيث به جميع الأمم في أوان الضيق، ومنه يترجون المخافة، ويستمدون النجدة على الذين يغتصبونهم".

يدلنا هذا البرهان الأدبي على وجود الله، الذي يتجلى في ضرورة وجود عدالة شاملة في العالم، وجود نظام أخلاقي، يردع الشر ويكافئ الخير. والله هو واضع هذا النظام الأخلاقي.

يقول الفيلسوف كانط، القريب بنظرته إلى نظرة الدويهي: "إن الكائنات الحرة، التي هي الكائنات البشرية، تعمل في عالم، لا يخلقوه هم... وحده، سبب من هذا العالم، هو الذي يمثل القانون الأدبي للكائنات العاقلة، والمبدأ الذي يوجه إرادتها، بغية الوصول إلى كمالها. وها السبب عينه، هو الذي يشكل للعقل الخير الأسمى، الذي يسعى ويتوق إليه..." أي ان المبادئ الأخلاقية، التي تجعل العقل والإرادة، يوصلان الإنسان إلى الكمال والسعادة، هذه المبادئ، هي في هذا الكون الذي خلقه الله، ولم يخلقه الإنسان، المشرع الأخلاقي، هو نفسه خالق هذا الكون.

إن الفلسفة ليست بحثًا عن ما قاله الناس، أو ما قيل، بل هي بحث عن الحقيقة والحق، معتمدة على الثبات. فإثبات علة العلل، كان أمرًا محتمًا لكل فيلسوف. من خلال ما تقدم، نرى بوضوح، ان الدويهي الفيلسوف، أثبت وجود الله، مستدلاً على ذلك بالبراهين، التي يمكننا استخدامها، للرد على الملحدين. فكان الله، العلة الأولى، التي أوجدت الكون، ووضعت نظاميته، أكان في الطبيعة، من حيث تعاقب الفصول، ودوران الأرض، ونظامية الأجرام السماوية.. أو حتى في الإنسان.

كأن كل ما في الكون من كائنات، دليلاً ثابتًا على إثبات وجود الله. هو الوحيد، الذي يمكنه أن يهبنا الكمال، وهو الواضع أيضًا، النظام الأخلاقي في هذا الكون.

هذه البراهين، أثبتت وجود الله، بذلك، أصبح من الممكن لنا، أن نتحدث عن الكون، والإنسان، اللذين هما من صنيعة الله.


الفصل الثالث

الله والكون والإنسان


في الفصل السابق، كنا قد رأينا كيف ان الدويهي، حاول إثبات وجود الله. ومن خلال الله، سنستدل إلى معرفة الكون والإنسان، ومن الضروري أن نذكر، انه كان من الواضح، أن يعالج الدويهي هذه المواضيع، لأنه كان أحد تلامذة المدرسة المارونية، التي كانت ترى الفلسفة من خلال اللاهوت، وتعالج المواضيع الماورائية.

"الهوية الروحية للمارونية، تظهر في رؤية متكاملة للعالم، (الكون)... فليسوا غير مبالين بالقضايا الميتافيزيقية... بل أنهم تساءلوا، وبحثوا في أسرار الإنسان، والكون، والله...".

في "منارة الأقداس" نرى الدويهي، يصل بين الله والإنسان والكون، وقد رأينا عنده، أن الله هو روح أبدي كامل، يتمتع بحرية الخلق، قادر على أن يخلق أو لا يخلق، فخلق الكون أولاً، ثم الإنسان، الذي كان آخر مخلوقاته. خلق الله الكون من العدم، فكان الكون فعلاً من أفعاله، وتمهيدًا لتكوين الإنسان، فهذا الكون، هو البيت الإطار لخدمة الإنسان، وهو يظهر قدرة الله.

ومن ثم، كان الإنسان أسمى المخلوقات، التي أوجدها الله في الكون، روحًا في جسد، ومنحه العقل والمعرفة، ليدرك الله، ويعرف الكون، فيسيطر عليه.

والآن نرى الله خالقًا، فمن الله، تأكد صوغ الكون والإنسان، ونلمح، في ما بعد، أبعد من ذلك، الخط التصاعدي، الذي يتوجه فيه الإنسان إلى الله، بعد أن كان معاكسًا.

1- الله والكون

إن الكون، هو إحدى صنائع الله، وقد تأكدنا، من قبل، من انه ساعدنا على إثبات وجوده، لأن الله يثبت من خلال مخلوقاته، فقد خلق هذا الكون من المادة. وتبرز لنا علاقة الله بالكون، هي العلاقة بين الخالق والمخلوق، وفي "منارة الأقداس" تبرز لنا هذه العلاقة واضحة، ونظرة الدويهي هذه، مقاربة كثيرًا للفيلسوف المسيحي: توما الأكويني. وهذه العلاقة منبعثة من ثلاث أفكار، أولها، فكرة الخلق، وثانيتها، الفصل بين العدم والوجود، والثالثة، الأنوار الإلهية والمادية.

أ- الخلق:

يرى الدويهي في الخلق، برهانًا على قدرة الله، الموجود من تلقاء ذاته، وإلى الأبد. إن هذه الفكرة، نلمحها أيضًا، عند توما الأكويني، الذي كان أحد أبرز الذين تأثر بهم الدويهي، القائل كذلك، بأن الله بقدرته الخلاقة، حاضر وسط شعبه "إن قدرة الله قد حلت في عملية الخلق". وهنا ندرك، إن للدويهي نظريتين، الأولى، وهي من الكتاب المقدس، يسانده فيها توما الأكويني، ألا وهي: الله الخالق، والثانية فلسفية، كتلك التي يقول بها أرسطو، وهي أن الله هو علة الوجود. إن عملية الخلق، هي فعل من أفعال الله، والدويهي يبرهن ذلك، مستندًا إلى ما يملي عليه قلبه وعقله، وهذا ما سيتضح لنا.

كيف تتم عملية الخلق عند الدويهي؟

إن عملية الخلق عنده، مشابهة لتلك التي نراها في التوراة: في اليوم الأول خلق السماوات، وفي اليوم الثاني أنبت عشبًا وشجرًا مثمرًا، وفي اليوم الثالث خلق المياه، وفي اليوم الرابع خلق النيّر الأكبر لحكم النهار، والنير الأصغر لحكم الليل، وفي اليوم الخامس خلق الحيوانات، وفي السادس خلق الإنسان، أما في اليوم السابع فقد استراح، "وفي أول الأيام خلق الله السماء والأرض... في يوم الاثنين خلق الله الرقيع... في يوم الثلاثاء خلق النبات والأشجار... وفي يوم الأربعاء خلق النيرات في السماء... يوم الخميس خلق الحيوانات والذبابات وطير السماء... يوم الجمعة خلق أبونا آدم... يوم السبت فرغ واستراح من خلقة العالم".

وهكذا نستنتج، عند الدويهي، أن الله هو خالق الكون، إذ لا يمكن الأشياء، أن تكون سببًا لوجودها، فمن المستحيل، أن تصنع المادة نفسها، فالشمس، والتراب مثلاً، لا يمكنهما أن يخلقا نفسهما، أو أن يكونا من ذاتهما. يقول الدويهي: "لن يستطيع شيء، أن يصير من ذاته".

والله، لم يكتف بخلق الكون، بل جمله بما خلق فيه، فكانت الطبيعة، وجعل على رأس هذا الكون، الإنسان على صورته ومثاله، مزينًا هذا الكوكب البديع بالأجناس البشرية "إن الله جمل السماء والأرض، بما أبدع فيها من النيرات والنبات والحيوانات".

خلق الله الكون، بروية ودقة لا متناهيتين. فقد بدأ من أصغر الأشياء، وصولاً إلى الإنسان، الذي خلق من التراب، ومن الروح معًا "إن الله، جعل الإنسان سيدًا على الطبيعة كلها، وجعل كل ما هو موزع على البرية مجتمعًا فيه، بنوع أسمى وأشرف".

وفي ما يخص الخلق عند توما الأكويني، نظرة قريبة، لتلك التي يراها الدويهي. الدويهي، هو أحد أكثر الذين أتبعوا منطق الأكويني. فالأكويني أيضًا، حاول أن يبرهن عن وجود الله، من خلال العالم المادي، أي الكون، فإذا قرأنا "منارة الأقداس" نرى الأفكار المشابهة، مثلاً، الفكرة القائلة، بأن الكون فعل من أفعال الله، يقول الدويهي "بتدبير الله، ثبت الكل، ومن الله، ما كل شيء على الأرض، ليس شيء على الأرض بلا رأس، لأن بدء الكل هو الله". والفكرة ذاتها، موجودة عند الأكويني: "إن الله هو مجمل هذا الوجود... كل ما يوجد، إنما يوجد بكلمته". حتى هنا، كانت النظرة المسيحية وهي: الله الخالق.

وننتقل الآن إلى الفلسفة. يقول الدويهي كما رأينا، بأن الله علة الوجود، وبأن الكائنات، تؤهلنا لإدراك العلة، فكثيرون من الفلاسفة، قد تحدثوا عن ذلك، وأبرزهم كان أرسطو. يقول الدويهي: "وخلق لنا هذا العالم محسوسًا، لكي نهتدي مما نرى فيه، من حسن الانتظام، وتوافق التخالف، إلى الإيمان والتصديق بالعلة الأولى، التي تحركه وتضبطه" وتوما الأكويني، الذي تأثر بأرسطو يقول: إن الكائنات مرتبطة بوجودها بكائنات أخرى، هي علتها، لكن علة الوجود الأولى، التي أوجدته من العدم، هي الله، فالحياة الحيوانية مثلاً، مرتبطة بالأرض والشمس.

هناك علة أولى لا علة لها... هي علة الوجود وسبينوزا أيضًا، يعتنق هذه الفكرة، يقول "الله علة، لكن العلة هي السبب الذي يجعلنا نتعقل أن المعلول هو علة فاعلية، علة الماهيات، علة حرة غير مؤثرة إلا بذاتها". إن الدويهي في قوله: الله الخالق، تقارب مع توما الأكويني الذي ساعده، بدوره، في التقرب من أرسطو القائل: الله علة الوجود الأولى.

فالله الخالق الكون، عند الدويهي، هو عنده أيضًا، علته وعلة الكائنات التي هي في حاجة دائمة إليه، فالشمس تحوي النور، مثلاً، لكنها في حاجة إلى الله ليثبتها.

هكذا نكون قد رأينا عند الدويهي، حتى الآن، وفي "منارة الأقداس"، أن الكون مؤلف من المادة، ومن الأشكال الخارجية، فهو يؤلفها في وحدة متكاملة. ويمكننا أن نستنتج من خلال ما تقدّم، أن الدويهي يرى أن عمل الله الخالق، عمل رائع متكامل، يعبر بوضوح، عن ارتباط الكون بالله، وعن بسط سلطته عليه.

ب- الفصل بين العدم والوجود

في رأي الدويهي "ان الله، عندما أراد أن يخلق الكائنات، خلق أولاً النور، ليفصل بين النور والظلام، أعني بين العدم والوجود، ورأى ذلك أنه حسن". فبخلق الله النور، تضمحل الظلمة، فالله هو منبع هذا النور، فالنور، هو الذي أعطى المادة أشكالها، وبالتالي هو الذي ميز الأشياء بعضها عن بعض، وعندئذ ولدت الحياة. ومع تميز الأشياء يصبح في الإمكان، تسميتها بأسماء، لأن كل ما لا يسمى ليس موجودًا. فمع خلق الكائنات وخلق النور، قد ملك الإنسان نور المعرفة، فالنور أساس الوجود "أنا نور العالم، من يتبعني لا يمشي في الظلام"، فالله نور. وبعض هذا التشبيه، نراه عند أفلاطون في أسطورة الكهف: عندما يخرج الناس من الكهف يرون النور، ويصبح في إمكانهم، رؤية الأشياء على حقيقتها، بعد أن كانوا في الظلام.

وعند الدويهي فكرة أخرى، تتحدث عن الوجود من العدم Ex NIHILO، حيث يقول: ان الله هو الذي خلقنا من العدم، إذ لم نكن من قبل موجودين "فلا يحق السجود، إلا لمن أوجدنا من العدم"، وهذه الفكرة، هي أيضًا عند القديس أونسليم في قوله في: "ان الكائن، هو الله الخالق من العدم".

ج- الأنوار المادية والإلهية:

"إن السماء تحوي أنوارًا إلهية، في الباطن، ومادية في الظاهر"، هذا ما يقوله الدويهي في خلق الله الكون. نرى هنا أن الأنوار المادية، هي الأنوار الخارجية الظاهرة، التي تظهر الأشياء من الخارج. وهذه الفكرة، تقارب فكرة أفلاطون، في حديثه عن عالم الظواهر، ومن جهة أخرى نرى الأنوار الإلهية، التي هي نور داخلي، لأن العالم المادي، يعكس صورة العالم الباطني. وهذه فكرة أفلاطونية.

من كل ما تقدم، نستنتج أن الله هو علة الكون وخالقه، والإنسان، كان آخر ما خلق وأكمل. فكان في عملية الخلق، تدرج تصاعدي، من المادة وصولاً إلى الإنسان. كيف يرى الدويهي هذا الإنسان؟

2- الإنسان.

نظرة الدويهي للإنسان مسيحية. تستند إلى توما الأكويني. فالإنسان عنده مهم جدًا، لأنه على صورة الله "الله خلق الإنسان على صورته" كذلك عند الفيلسوف جان سكوت اوريجين القائل: إن الإنسان، "هو الكائن المجبول من الطين، والكائن المخلوق على صورة الله في آن معًا". والإنسان، في نظر الدويهي، مؤلف من جسد وروح وهو واحد: "الإنسان هو كائن واحد، من حيث خلقه وتكوينه، فلا يمكن أن نختصره ونرده إلى طبيعة جسدية، أو إلى طبيعة روحية".

من خلال قول الدويهي، نرى أن للإنسان طبيعتين: جسدية وروحية. فالجسدية تتألف من القلب، وفيه الإحساس والشعور... ومن الحركة، والتوالد ومن الغذاء، والطبيعة الجسدية، هي أيضًا على علاقة بالمرئيات وبالحس. أما الروحية، فهي على علاقة بالباطن والداخل. من أعمال الروح، كان البحث عن المصدر الأول. وبذلك، إن الطبيعتين تؤلفان وحدة الإنسان. فالدويهي، لا يركز على طبيعة دون أخرى، وليس هناك من ثنائية، بل الإنسان هو واحد.

وعندما يتحدث الدويهي عن الإنسان الواحد، فكأنه توما الأكويني في قوله "الإنسان مركب من مادة ومن صورة، ولكن الجسد والنفس، لا يكونان كيانين منفصلين، أو شيئين منفصلين".

ويؤكد أرسطو وحدانية الإنسان، من خلال ترابط الجسد والروح، بقوله: "فليست النفس عنده كما عند أفلاطون، فليس لها موضوع خاص ومنفصل، بل هي مرتبطة بالجسد، كارتباط النظر بالعين".

النفس البشرية، لم يخلقها الله لتبقى وحدها، بل لكي تتحد بجسد. وأيضًا جسد الإنسان، لم يخلقه الله، ليبقى لوحده كائن واحد، بل ليتحد بالروح، فهناك عنصر روحي وعنصر جسدي، انهما متمايزان، لكنهما متحدان.

فالنفس والجسد، ليسا بجوهرين مستقلين، فباتحادهما يتكون الإنسان، يقول الدويهي في "منارة الأقداس": زعم جماعة من أشياع البدع، ان الله، لما كان روحًا، لا يشاء أن نخدمه إلا بالروح، وقال آخرون، لا يجب أن نخدم الله ونقدسه إلا بالجسد، وما قصدوا ذلك، إلا أن يبطلوا ما رسمته المجامع المقدسة... لكن الله جلت حكمته، لما كان قد خلقنا من روح وجسد، وشاء أن تكون تقدمة عهده الجديد، جسدية وروحية معًا". وقد كنا رأينا، أن الإنسان ذو طبيعتين، جسدية وروحية، وبذلك يقول الدويهي، انه وجب علينا أن نخدم الله بهاتين الطبيعتين، لأنه خلقنا بالاثنين معًا، فيجب أن نخدمه بهما.

وبهذا، لا يمكننا أن نجزئ هذه الوحدة، التي تربط الروح بالجسد، فالله أراد أن نخدمه بالاثنين معًا. وسنرى، من خلال ذلك، الأهمية التي يعطيها الدويهي للجسد، هي كتلك التي يعطيها للنفس، فإن الدويهي، يرى في الجسد، أداة تعبير عما في النفس التي تحتمي به نجمع اليدين لنجمع قوى النفس، وحواس الجسد في خدمة الله". ونرى هذا، كذلك، عند أرسطو، في حديثه عن النفس، عندما يقول: بأن اليدين هما أداتا الروح: "لما كانتا تقومان بتأدية أكثر الحركات البدنية، أمكن أن نستدل منهما، على المعاني المحتجبة في القوة الباطنة" فبواسطة الجسد، تمكن الإنسان من الوصول إلى بواطن النفس البشرية، وقد أعطى بعض الفلاسفة أيضًا، أهمية للجسد، للتعبير عما في النفس والتفكير. وفي أهمية اليدين، يقول توما الأكويني: "من دون يديه، نادرًا ما نستطيع أن نرى كيف يعبر الإنسان عن فكره" وأكّد القديس توما، "بأنه لا يوجد فكر، إذا لم يشارك الجسد في صنيع هذا الفكر".

وكذلك يقول الدويهي: "أراد الله، أن يجعلنا مركبين من روح وجسد، أحدهما خفي، والآخر ظاهر، لكي نرتشد من حركات الجسد، إلى معرفة الروح". بهذا نكون، قد رأينا أهمية الجسد، للوصول إلى ما هو خفي ومحجوب: "إن التعبير الرمزي الخاص بحركات الإنسان، يضفي على الجسد البشري، أهمية رئيسية، تكوينية، ووجودية... ويظهر أن الدويهي، يجعل الجسد البشري، يشترك في عملية ترقي الإنسان نحو الروح، وهكذا، وبدل أن يترك الجسد ويهمل، فانه عندما يكون ظاهرًا، يرفع النفس في حركة تصاعدية نحو الله...".

وبهذا يكون الدويهي، قد أشرك الجسد، في الوصول إلى الروحانيات، وقد أكد هذا أيضًا بقوله: "إن الإنسان، هو مؤلف من روح وجسد، بالروح والجسد يجب أن يخدم الرب، ويبادر إلى خلاص نفسه... فإصغاء الروح، ثلاث درجات، أدناها أن يسمع الكلام، وثانيها، أن يفهم معانيها، وأعلاها، أن يرفع ذهنه وقلبه إلى التأمل في هذه الأسرار، ويحمد الله على غزير خيوره، التي يفيضها علينا. هذا هو الذي تقصده البيعة، حين تأمرنا، أن نقول للشعب، لنرفع عقولنا وأذهاننا إلى الله، فيجاوبون، أنها مرتفعة بخوف، أعني أنها مبتعدة عن هموم العالم، وأصناف الضجر... فإنها مجردة عن الأرضيات، مرتفعة إلى الإلهيات". يخدم الإنسان الله، بالروح والجسد، بالرغم من أهمية الجسد التي رأيناها، فهو يشكل عقبة بالنسبة للنفس.

يقول الدويهي، بقول أفلاطون، ان الجسد يصبح سجن النفس. قال أفلاطون "يشكل الجسد عقبة للفكر" يقول الدويهي: "إن نفس الإنسان، التي خلقها الله على شبهه وصورته، لا يمكن أن تجد بدونه، راحة في أمور الدنيا كلها، ولأجل ذلك، ما دامت مرتبطة في سجن هذا الجسد، لا يزال القلب عطشانًا، والفكرة ملتهية بخيور العالم، وكل حين، ترى الإنسان يغير إرادته، ويبدل مشوراته، فيبني جديدًا، أو يخرب عتيقًا، وما خربه، يرجع فيبنيه... نفس الإنسان، لا يمكن أن تحظى براحة. كل حين، تنتقل من فكر إلى فكر، ومن رأي إلى غيره، ومن شهوة إلى شهوة أخرى، وان يخضع لها العالم بأسره، تكون شبه النار، كلما زدتها حطبًا، زادت اشتعالاً واضطرابًا وقوة".

نجد في الدويهي، في حديثه عن النفس، تقاربًا بينه وبين أفلاطون، وقد اتّضح لنا ذلك، وهنا المقارنة.

في ما يتعلق بالقول، إن الجسد سجن النفس، يقول الدويهي: "ليس لائقًا بالنفس، أن تنقطع عن التفكير بالإلهيات، لأجل البدن، الذي هو شبه البهيمة، معدومة العقل". وفي هذا نجد قول أفلاطون: "وإذا تركت لوحدها، فانها تحن وتتوق إلى الواقع... انه لأمر معروف تمامًا لدى العارفين، والمفكرين، ان النفس هي مقايضة تمامًا بالجسد، ومرتبطة به، لدرجة انه يشكل لها نوعًا من السجن".

وقد رأينا قول الدويهي في النفس، أنها دائمة الحركة، فهي المبدأ الذي يحرك المادة، وهي لا تحظى براحة، ويقول أفلاطون: "إن الحركة والحياة، صفتان جوهريتان في النفس". وفي خلود النفس، نجد أيضًا تقاربًا، فيقول الدويهي، في خلود النفس بعد الموت. "إن الإنسان، من حيث انه مركب من نفس وجسد، ففي وقت الموت، تفارق النفس جسدها، فالجسد يحمل إلى القبر، والنفس تأخذها الملائكة". وقول أفلاطون "ليس أن تكون النفس فانية كالجسد... انه من الواجب، أن تظل نفوس الموتى، حية في مكان ما".

وفي الرد على الملحدين، يثبت الدويهي ببرهانه، ان الروح مخلوقة، فهو يقول بأن هناك مخلوقًا ومصنوعًا، فالمصنوع، إنما هو من صنيع المادة، أما المخلوق، فيخلق من العدم، والله صنع الجسد من التراب، لكنه خلق الروح. "المصنوع يصنع من شيء آخر، سابق وجوده، والمأخوذ يؤخذ من العدم... فالجسد، بما أنه مأخوذ من التراب، يدعى مصنوعًا، أما الروح، فلأنها لم تؤخذ من مادة أخرى، لا تدعى إلا مخلوقة". من كل هذا، يرى الدويهي، في بحثه عن (الله والكون والإنسان) ان الله، هو العلة التي أوجدت الكون، وأوجد الكون من العدم، فيخلق الإنسان الواحد، المتألق من روح وجسد، إذًا لا يمكن للروح، أن تكون من دون الجسد، ولا يمكن للجسد، أن يكون من دون الروح، لكن عندما يموت الجسد، تنتقل هذه الروح، وتعود إلى الله. وفي نظرته هذه، وهو المسيحي، قد التقى ببعض الفلاسفة الوثنيين، كأرسطو وأفلاطون، في بعض الأمور، ولكنه رسا على العقل، منبعًا استقى منه كل هذا، بالإضافة إلى الكتاب المقدس، الذي كان منبعًا له أيضًا.


الفصل الرابع

إلى هنا، أظهرنا العلاقة بين الواجب والوجود، بين الله، وهذا الكون المثير للدهشة، ولم يخرج الإنسان عن هذه العلاقة، هذا الإنسان، الذي ترك له الله، كل ما في السماء والأرض، فكان له التاريخ، ماضيًا وحاضرًا، كما كان له الليتورجيا والعمل. وهكذا عظم شأنه، فنتحدث، بادئ ذي بدء عن التاريخ.

أ- التاريخ:

إن التاريخ بالنسبة للدويهي، ليس مجرد أحداث تتوالى في الزمن، دون هدف، بل هو تعبير عن إرادة الله، وبما أن الدويهي، قد نفذ إلى عمق الأحداث التاريخية، وقد التقى في هذا العمق بالله، ولا عجب وهو أبو التاريخ اللبناني، فالتاريخ عنده هو المكان الأنسب، لإتمام ما أقر به الله، الذي دعا كل شيء إلى الوجود، ثم إلى الاستمرار والمتابعة فيه، فالتاريخ، في نظره، يدون تحت أنظار الله، ولخدمة مقاصده الإلهية، وهو هنا، يأخذ العامل الديني في نظرته إلى التاريخ، فيقول مثلاً في تاريخ الأزمنة "كان الفرنج في شدة عظيمة من الجوع والعطش والعازة، وفي خوف شديد من النجدة، لكن الله نظر إليهم بعين الرحمة" وفي قول له آخر، نراه أيضًا، يؤكد حضور الله، "ثم تضمحلت قواتهم، حتى في اليوم الثالث عشر من دخولهم إلى المدينة، اتفقوا على الخروج لمقاتلة كريوغا، فانقسموا إلى اثني عشر قسمًا، وعندما اعترفوا، وتناولوا جسد الرب، وألقوا رجاهم عليه، خرجوا من المدينة، ليقاتلوا العدو".

ويرى الدويهي كذلك، أن الله حاضر في التاريخ الماروني، وهو يواكب مسيرته "أراد الشيطان... يخرب البنيان، الذي ينوه الآباء، على بيعة الله في جبل لبنان، حتى انه، لو ما كان سندها في يمنه وعنايته، لكانت هدمت إلى الأبد".

وفي كتابه (الوجدان التاريخي الماروني بين القديم والجديد) يؤكد حميد موراني، ما قاله الدويهي أنه "في ذلك، دليل على عظم الأحداث، التي فاجأت الموارنة في تاريخهم، وعلى القوة غير العادية، التي يستندون إليها، في مواجهة مثل هذه الأحداث" من كل هذا، تتجلى الحقيقة، التي رآها الدويهي وهي "ان الهوية المارونية، تنبع من الدين، فالموارنة هم شعب مارون" وحين يقول الدويهي "شعب مارون" يقترب من هيجل بحديثه عن "الجوهر". فانما يعني، ان الموارنة ينتسبون إلى "مارون"، مارون هو الجوهر، يجمع في شخصه الأفراد الموارنة عبر العصور. وهذا كما يؤكد هيجل مبينًا: "ان التاريخ، يقوم وراء الوجدان الفردي كجوهر".

ب- الليتورجيا:

للدويهي، في "منارة الأقداس" خطان كبيران: الأول خط عامودي انحداري، من الله إلى المادة، مرورًا بالإنسان فالحيوان فالنبات فالجماد، فالله خلق الكون، وكان سببًا في وجود الكائنات، وصولاًَ للإنسان. أما الخط الثاني، فهو عامودي تصاعدي، ينطلق من المادة، من الأشياء المحسوسة، من الإنسان إلى الله، فمن خلال ممارسة الليتورجيا، هناك توق وارتفاع إلى الله "لنرفع عقولنا وقلوبنا إلى الله".

والخطان المميزان هذان، يؤلفان حقيقة واحدة. فنحن نرى نظامًا تصاعديًا وانحداريًا معًا، متكاملين.

هناك نظام هندسي حياتي، إنساني روحاني، كنائسي وإلهي، والهندسة الروحية الإلهية، تختصر في مكنوناتها، جميع هندسات العالم الخارجي، في هذا البناء الهندسي، نجد التناسق في الأشكال والألوان، والأحجام، والخطوط، والقياسات تصاعدية شبه روحانية، فبناء الكنيسة، يرمز إلى بناء السماء، أورشليم السماوية، إلى بناء الكون، إلى بناء الأرض، التي هي مختصر الكون.

إن الدويهي، قد استعمل في "منارة الأقداس"، للتعبير عن بناء هذا الكون، الكثير من الرموز، فكان للأواني والملابس والقماش ألوانه وأشكاله: رموز، وقد فسر هندسة هذه الكنائس، بطريقة رائعة، دالاً على أنها من خلال الرموز، رمز لأمر هو "التعالي الإلهي" "Transcendance divine" وقد جاء في "منارة الأقداس"، أمثلة على هذا، كثيرة، أحدها، يشار بفتح الأبواب، إلى ارتياح الله لخلاصنا، وتوقه لإقبال جميع الناس إلى معرفته. ولهذا تفتح أبواب الكنيسة عند قراءة الكتب". وقد رأينا أن "منارة الأقداس"، غنية بالليتورجيا، فقد كانت الرموز في الكنيسة، قد مكنتنا من معرفة الله، وقد كانت فكرة فلسفية لمعرفة وجود الله، عن طريق العقل. وهذا يؤكده لنا الدويهي بقوله "أخيرًا وعدنا بنعيم لا يزول، وخيور لا تفنى في السماء. وأخفاها عنا، وأذن لنا في الدخول إلى هيكل مجده، لكي بواسطة حضوره على المذبح، وتلاوة الكتب المقدسة، وإقبال الكهنة والشعب على تسبيحه، وصور القديسين، وحفظ ذخائرهم، وإيقاد المصابيح، وانتشار عرف البخور، نرتفع ببصيرة العقل، إلى نظر النعيم الإلهي، والمجد غير المنعوت، الذي من مشاهدة وجه الحق سبحانه وتعالى، يفيض على مواكب الأطهار، الذين يملكون معه، في هيكل مجده إلى أبد الآبدين.

إن الليتورجيا، التي هي ممارسة الطقوس، والشعائر الدينية، هي أيضًا عمل. لذا ننتقل إلى نظرة الدويهي، في العمل عند النساك.

ج- العمل:

للنساك، عند الدويهي، دور هام جدًا، لأنهم كانوا، أحد شروط الاستمرار الماروني، وكتابه (تاريخ الأزمنة) يشهد بهذا، ومن خلال النسك، نستقي أهم معالم العمل. ولنا مثل على هذا، ما يلي: العمل الفكري المتجلي في نسخ الكتب الكنسية، كما عند بعض النساك، كجبرايل الهدناني، "الذي كلف، بملازمة نسخ الكتب الكنسية" وكذلك العمل اليدوي، إذ كان الناسك منقطعًا لله، وينصرف إلى العمل في الحقل. والعمل الحرفي اليدوي، الذي شجع الموارنة عليه كثيرًا، فنتج عن ذلك، تعداد الفلاحين وأصحاب الحرف اليدوية.

فللعمل عند الدويهي، عدة فضائل أهمها:

1- إبعاد العمل إيانا عن الرذائل، لكسب قوتنا شريفًا، بعرق جباهنا. "نطلب خبزنا، لنقتصد الحلال، الذي نربحه بالتعب، والاستحقاق، لا الأشياء المحرمة، التي هي من السرقة والرياء".

2- استمرار الموارنة من خلال العمل: لأنه مفروض من الله، إذا كان العمل عندهم مباركًا "لو ما بارك الله في مغل الجبال، لكانت هلكت الخلائق كلها".

3- العمل، يحرر الإنسان من الفقر، ومن كل ما يغيظ الله، وهكذا نتطور نحن البشر به، وفكرة التحرير هذه عند (ماركس)، وكذلك عند (هيجل)، في قوله "التحديد الأول للإنسان، هو كونه عامل وتقني، والإنسان بعمله، يتوصل إلى إلغاء الشكل الطبيعي، الذي يقابله ويعارضه، والعمل يوفر له المادة الأولى للحرية الحقيقية". بالعمل يتحرر الإنسان، ويسمو على غرائزه، وحاجاته، وأنانيته.


خاتمة


من خلال دراستنا، رأينا أن الدويهي، عبر بعض الأمور، تطرق إلى الفلسفة، وخصوصًا من خلال اللاهوت، ولا يمكننا أن ننسى، انه تتلمذ في المدرسة المارونية، فكان من الواضح، ان يعالج الأمور الماورائية. لقد عرف لنا الله، الذي هو روح، وغير مركب من جنس، ولون ولا من مادة، وصورة، والذي كان وجوده غير حادث، وغير متحول، وقد رأينا فيه، مجموع الإحسان والحياة والحكمة، وكل الصفات الفاضلة، هي غير منفصلة عنه، لكن الله عند الدويهي، لم يبق مجرد فكرة، وقد برهن عليه بالعقل، بل الله عنده أوجد الكون والإنسان، أوجد المادة وصولاً إلى أفضل ما خلق، إلى الإنسان، لأن جميع الخلائق حادثة، وهي في محل النقص، مركبة، مفتقرة إلى امتلاك الوجود والحياة.

إننا نرى الله في كل الأمور، نراه من خلال التاريخ عند الدويهي، فمن خلال سرد الأحداث التاريخية، نرى الله حاضرًا في هذا التاريخ، كما هو حاضر، في كل صفحة من كتاب "منارة الأقداس". والعمل عند الدويهي مبارك، يباركه الله. وأخيرًا، قد مكنتنا الليتورجيا، من معرفة الله، ومعرفة وجوده، عن طريق العقل.

وقد قيل في الدويهي انه أبو التاريخ، والمدافع الأكبر عن الموارنة، وتطرق له كثيرون. فشرحوه من الناحية اللاهوتية فقط، دون النظر في فلسفته، رغم ان له فكرًا فلسفيًا هامًا، تجلى خصوصًا في كتابه "منارة الأقداس" فكان كتابه هذا عندهم، نبعًا ليتورجيا فقط. وفي دراستي هذه، وجدت فيه الفيلسوف والعالم كذلك، الأمر الذي دفعني لإظهار شخصيته، غير منقوصة، فتبين لي، انه قد تأثر، لاهوتيًا وفلسفيًا، بأكبر فلاسفة الكنيسة، مثل توما الأكويني، كذلك بالفلاسفة اليونانيين، أمثال أفلاطون وأرسطو، لكنه أنجز خلاصة شخصية.

وحقيقي، ان الدويهي لم يكن له نظام فلسفي كالأنظمة التي عرفها الناس، عند بقية الفلاسفة، لكننا لا نستطيع، أن ننكر بذوره الفلسفية، التي ربطها باللاهوت، وقد كان كتابه "منارة الأقداس" الشاهد على ذلك.

واني لو تقفيت فلسفة الدويهي، في بقية كتبه، لوجدت أيضًا، لمحات منها كثيرة، لكن دراستي هذه، تضيق بها كلها، منها على سبيل المثال، فلسفته السياسية، فرغم تأثره ببعضهم، بقيت له نظرته الفلسفية الخاصة به، والتي لم تنتم لأحد ممن سبقوه، فعمله كان اجتهادًا خاصًا. فقد انطلق من الكتاب المقدس، ولم يكتف به، إذ كانت له نظرة فلسفية، لم يحلل الأمور، من كونه رجل دين، مسؤولاً فقط، بل أعمل المنطق والعقل.

يتصف الدويهي بالانفراد، فقد انفرد عمن سبقوه، بنظراته، التي عالجنا فيها هذا الموضوع، وبسعة اطلاعه، كان وما يزال هذا الروحاني، الذي يشهد له الدارسون بثقة، على ما هو عنده. أجل، هو فيلسوف الروح، وقد أعمل المنطق في كل ما آمن به، من كتب، او في أصحابها، فجاء جليًا في كل ما كتب.

ولم يتجنب عمل العقل، من هذا، كان واقعيًا بعيدًا عن التعقيد. وشخصيته المنفردة، بارزة حق البروز، وقد ظهر في كل هذا، بعظاته، التي رد بها أناسًا كثيرين عن الضياع، عن ضياع الله الكلي القدرة، بالإلحاد الذي عملوا له، فهم قد صغرت عقولهم وتحقرت، إذ حاولت بالبراهين، العزوف عن إثبات وجود الخالق، فكانت بحوثهم غير مجدية، وظل المؤمنون، أضعاف أضعاف الملحدين، فكان الدويهي، سبب ثبات الإيمان عند هؤلاء، من بني قومه، إن لم يكونوا جميعًا، فهم الأكثرية. وإليك ما كتب عنه أحد الحلبيين "المعلم الفاضل، والعالم العامل والفيلسوف الروحاني، فم الذهب الثاني".

من كل هذا، يمكنني القول بثقة، ان الدويهي، كان فيلسوفًا روحانيًا. "ذاك هو الرجل، الذي فتش عنه، في شوارع اثينا، الفيلسوف اليوناني ديوجين، وهو حامل مصباحه المضاء، في وضح النهار، وذاك هو الرجل، الذي فتش عنه، في شوارع أورشليم، النبي إرميا".


جدول المؤلفات

مؤلفات الدويهي


- الدويهي البطريرك إسطفانوس – منارة الأقداس – جزءان. عني بطبعه رشيد الخوري الشرتوني – المطبعة الكاثوليكية في بيروت 1896.

- الدويهي البطريرك إسطفانوس – تاريخ الأزمنة – نظر فيها وحقّقها الأباتي بطرس فهد – منشورات دار لحد خاطر بيروت – لبنان 1983.


المؤلفات الأخرى


- يوحنا سليم سعادة – الفكر الماروني في التاريخ نشأته وتطوره – الطبعة الأولى 4 حزيران 1985.

- بطرس شلفون – أثر المدرسة المارونية في تجديد الليتورجيا من خلال منارة الأقداس – بيروت الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم 10 صفحات مصورة 1984.

- الأب يوسف طنوس – البطريرك العلامة إسطفانوس الدويهي في باقة من ألحان سريانية– جامعة الروح القدس.

- المطران بطرس شبلي – إسطفانوس الدويهي بطريرك انطاكية 1630.

- 1704 – منشورات الحكمة 1970 Melanges et Documents II.

- كتاب صلوات بيعية – نسخ سنة 1671 ونشره الأب إبراهيم حرفوش – مجلة المشرق العدد 15.

- الخوري ناصر الجميل – البطريرك إسطفان الدويهي حياته ومؤلفاته – بيروت 1991.

- غسان خالد - محاضرة عن البطريرك إسطفان الدويهي 1989 – 1990.

- مخائيل ضوميط – توما الأكويني – سلسلة قادة الفكر – بيروت دار الشرق 1983.

- اغناطيوس ديك – الفكر المسيحي بين الأمس واليوم – ثلاثة أجزاء منشورات المكتبة البولسية.

- اميل برهييه – تاريخ الفلسفة – ترجمة جورج طرابيشي بيروت – الطليعة – الجزء الأول والثاني 1982 والثالث 1983.

- أحمد شمس الدين – الاعلام في الفلسفة – أفلاطون سيرته وحياته – دار الكتب العلمية – بيروت لبنان الطبعة الأولى.

- حميد موراني – الوجدان التاريخي الماروني بين القديم والجديد– بيروت 1981.

- الأب الدكتور يوسف يمين – الدويهي ذاكرة الموارنة – منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي 1990.


المؤلفات بالفرنسية


- Encyclopedia Universalis – Volume 9 KANT.

- Platon, Phédon, texte et traduction, édition établi et traduit par Leon Robin tome IV 1ère partie 1965 Paris édition les belles lettres.

- Platon, Timée, texte et traduction, établi et traduit par Albert Rivaud tome X, 1963 Paris, édition les belles lettres.

- Augustin, Confession – traduit du Latin par Louis de Mondadon – Edition Pierre Horay.

- Dictionnaire de spiritualité Ascétique et Mystique et histoire fondée par M. Veiller. F. Cavallera – Paris, 12 Juin 1953.

- Cours de Jean Maroun Maghames – Philosophes Latins. USEK 1989 – 1990.

- Tanios Njeim. La Maronité ches Estéfan Duwayhi. 3 t, l'Université Saint-Esprit – Kaslik Liban 1991.

- Emile Bréchier – Histoire de la philosphie – 3 tomes collection quadrige P U F 1981 – 1983.

- Hegel, phénoménologie de l'Esprit, tome I, Aubier, Montaigne Paris 1939.

- J. Souillé. La philosophie religieuse de Platon, Archives de philosophie XXVI Avril – Juin 1963 cahier 2.