البطريرك مر إسطفان الدويهي: العلاّمة العملاق

 المرجع:البطريرك مر إسطفان الدويهي: العلاّمة العملاق، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، 1999.
 

البطريرك الدويهي العملاق


إليكم أعضاء "رابطة ملاحقة دعوى تطويب البطريرك اسطفان الدويهي" شكري وتهانيّ: شكري، على اختياركم إيّاي مقدسًا ومحاضرًا في هذه المناسبة الدويهيّة العزيزة عليّ...

وتهانيّ، على اختياركم لي موضوع حديثي المنطبق تمامًا على صاحبه العملاق في المجالات الشتى...

تعلمون جميعكم أن الكلام والكتابة عن العلاّمة البطريرك اسطفانوس الدويهي، يفرضان على صاحبهما، متكلمًا أو كاتبًا، مسؤوليّة ذاتيّة تاريخيّة وقانونيّة، مسبقة ومخيفة. ليس إلاّ لأنّ علاّمتنا ملأ زمانه وشيخوخته بالعطاءات النادرة في زمانها، والموزّعة على مواضيع جمّة، غنية بموضوعيتها وشموليتها. فجاءت في حينه وفي ما بعده، منجمًا واسعًا لكنوز علميّة وإيمانيّة واجتماعيّة ثمينة للغاية. حتى أن من يقحم نفسه فيها لاقتناص حاجته منها، يظلّ، مهما اختزن، عاجزًا لوحده عن استيعابها بموضوعاتها كافة. لذلك أتواضع أمامكم وأمام هذه المسؤوليّة المخيفة علميًا وهدفيًا. وأقرّ مسبقًا بعجزي عن إيفائي عملاقنا في أيّ من موضوعاته، حقه. وأعتذر علنيًا وسلفيًا، إليه وإليكم... لأني أمام قامته العلميّة العملاقة، لأشبه بأصغر المتطفلين... ومع ذلك أحني رأسي، وأضع على صدري يديّ إجلالاً واحترامًا وقدرًا، لأرافقه هكذا:

العملاق

قاموسيًا: جسم ضخم، طولاً وعرضًا...

أدبيًا: متفوق فكريًا وإنتاجيًا...

إجتماعيًا: مميّز بين الجماعة بأمور كثيرة...

علميًا: مكتشف حقائق علميّة... صاحب مبادئ علميّة عالية... واضع نظريّات ثابتة أو مبتكرها...

جغرافيته

وددنا أن نعيّن ونصف واسعًا، الأطر الجغرافية التي عايشها "الدويهي العملاق". وما وددناه تفرضه المنهجيّة العلميّة الدقيقة. ومعلوم أن مثل هذا المودود، يتضمّن الجغرافيّة الطبيعيّة والجغرافيّة البشريّة. وانّ كلاً منهما يتضمّن أقسامًا وتفاصيل. ويتساويان مع البيئة بحيث يدخلنا في البيئة الطبعيّة، وفي البيئة البشريّة. ولكل منهما أقسامها وتفاصيلها. كما يلزمنا بلمحة عابرة تتناول المدارس المختلفة لهذه وتلك من الجغرافيتين البيئتين. ومن يؤثر بمن. وتتناول التفاعل بينهما، فعلاً وانفعالاً. من يفعل؟ ومن ينفعل؟ وتفرض التمييز الدقيق بين تفاعلاتها جميعها. معيدة إيّانا إلى فجر التاريخ البشري وامتداده حتى زمن عملاقنا العملاق. إلا أننا في ظرفنا الزماني والتجمّعي هذا، لا نتمكن من أن نلخص هذه الأطر كافة، ضمن صفحات معدودة، ودقائق محدودة، معيّنة لمحاضرة مناسبيّة.

لذلك، نحيل السامع والقارئ إلى مؤلفات الدويهي إياها. ونترك لآخر، فآخرين، التبسّط الكافي في ما لزم ويلزم من الجغرافيتين ومن البيئتين. وهو حق "عملاقنا" على أجيال الخلف. مكتفين نحن "به"، "له"، بما يلخص أجواء مارونيّة قامت عليها روحانيتنا العالية في القداسة الشخصيّة، فالمجتمعيّة، في كنيستنا الأنطاكية المارونية، منذ نشوئها، ولمّا تنقطع عنها حتى الجيل الحاضر، ونلمّ ببعض شخصيته العملاقة.

وإذا أردنا متعمّدين أن نكتفي من الجغرافية بإظهارنا حدود لبناننا ولبنان "عملاقنا" نقول "إنها حدود لبنان فخر الدين التي امتدّت شمالاًَ من سوريا الشمالية بما فيها حلب، والاسكندرون وجبل طوروس في تركيا. وجنوبًا، من الجليل وصفد وحوران والجولان وممّا جاورها، حتى عريش مصر. وشرقًا، من نهر الفرات وما جاور ضفتيه، بدمشق وتوابعها. وغربًا، إلى البحر الأبيض المتوسط بمداه المعترف به دوليًا حتى جزيرتي مالطا وقبرس. وإذ نكتفي من هذه الجغرافية بإظهارنا هذه الحدود الدولية، نسامحنا بتطويرنا للطبع محاضرتنا. لنسهم مكنتنا بإبرازنا ملامح جوهريّة في شخصيّة عملاقنا. نضيفها حيثما اقتضى. تكون إضافات قليلة. ما ألقيناها في المحاضرة بسبب الوقت المحدّد وعملاقنا يحق له أكثر بكثير. خاصة أن عملقته منتصبة عالية في غير أمر، وشأن وأثر. منها:

عملاق في اللاهوت


لا يمكننا في هذا الحديث القصير السريع أن نقيس قامة عملاقنا الدويهي العظيم، في علم اللاهوت، وفي روحانيّة هذا العلم ومعطياته. الذي يتطلّب، لوحده، جمهرة من اللاهوتيين المتخصّصين ينكبّون معًا، لزمن طويل، على درس مؤلفات عملاقنا الوفيرة والمشعبة والشاملة. منها على سبيل المثال: منارة الأقداس بجزئيها، أصل الموارنة، الشرح المختصر، وغيرها، وغيرها من مؤلفاته الناضحة فكره اللاهوتي الصافي والمستقيم، المشبع من روح الكنيسة الجامعة ومعتقداتها وتعاليمها المقدسة، والراسخ على بشارة الإنجيل الشاملة، وعلى رسالته المفتوحة دومًا وبتجديد إلى العصور والشعوب كافة.ومثله المنطبع بطابع الدفاع عن العقيدة المستقيمة، والنضال في سبيل إحقاقها، وإعلانها واعتناقها. والعيش الحياتي بالإيمان الحقيقي الكامل بها، وبغاياتها النهيوية قائدة الإنسان، كل إنسان. والمرتبطة به وبالأرض، أرض العالم أجمع. ولا سيما أرض كنيسته المحليّة الأنطاكيّة المارونيّة، كنيسة المعاناة والجهاد والألم. والمرتبطة أيضًا بالله غايتنا موضوع إيماننا ورجائنا ومحبتنا. الذي "... به كون كل شيء، ومن دونه لا شيء كائن مما كون..." (يو 1/3) هذا الإيمان بالله، هو محوري في حياة الدويهي، وفي لاهوته وكتاباته كافة.

وهو ديناميكيته الراسخة القوية والفاعلة في كل حين وكل أمر وشأن وحياة. فبالنسبة إليه، الله حاضر في كل كيان. وبالأولى، في كل حياة، وفكر، وفعل، وفي كل آن وأين. إذ انه، وحده الفاعل في الكون، في الإنسان، والتاريخ، والأبد فعله الخلاصي. هذا الفعل الناجم عن النعمة في هبّات الروح القدس حيثما شاء. (يو 3/8) ليفعل فعله الخلاصي باستمرار وشمول، يعمّ تاريخ الأمة مجتمعة، وتاريخ أفرادها موزعة، ليتمّ الخلاص بالمسيح الرب، حيث اللاهوت الحي إلى الأبد. هذا اللاهوت، عينه، جعل تصانيف علاّمتنا الدويهي العملاق، كلها، وفي كل شأن، تفصح عن اعتقاده القوي بحضور الله فيه، وفعل العناية الإلهيّة معه، وله، للخلاص. فلاهوتيّته هذه تتمحور إذن على هذا الحضور الإلهي الدائم والفاعل الدافع إلى الدفاع عن العقيدة المستقيمة، لا الانجذاب إلى طروحات لاهوتية جديدة أو إلى تحليل العقيدة حبًا للمنطق، أو العلم أو التفوّق والجاه، بل دفاعه عنها، إنفعالي صادق، من حياته. إنه يحيا اللاهوت في استحضاره الله فكرًا وقولاً، وفعلاً وكتابة. فلا تحيد غايته اللاهوتية عن الله الخالق الكون، خالق الإنسان وداعيه إلى أن يتّحد به وفق تعاليم الكنيسة المقدسة، ولا سيما وفق كل عقيدة تعلنها إيمانية. إن من يتعمّق في الفكر اللاهوتي الدويهي، تستقطبه منه علامات فارقة كثيرة، منها التخلّي الذاتي للحب الإلهي، بحيث تغدو حياة الدويهي اللاهوتي، فعل حب طويل، مداه اللانهاية، أي الله وحده... حب جسّده بمصنفاته المطبوعة والخطيّة على تنوّعاتها، وبعظاته، وخطبه، ومحاضراته، ومجادلاته وتعاليمه.

عملاق في التألّم


"... ليس تلميذ أفضل من معلّمه، ولا عبد من سيّده. حسب التلميذ أن يكون مثل معلّمه، والعبد مثل سيّده..." (متى 10/24 و25) "... وإن اضطهدوكم، فاعلموا أنهم قد اضطهدوني من قبلكم..." (يو 14/18) أو: إن كان العالم يبغضكم، فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم (مرجعه السابق).

إن المنطق السليم يرفض أن يتألم الرب المسيح المتجسّد، آلامًا مبرّحة حبًا للإنسان ولخلاصه بالتحديد، وأن يستعفي الإنسان من الألم حبًا لنفسه ولخلاصها. والمنطق، إياه، يفرض على الإنسان التشبه بمعلمه سيده الذي "... بذل نفسه عن أحبائه..." (متى 20/28- مر 10/45 -يو10/11) فتشبّهًا بالمعلّم الإلهي، ومشاركة له في آلامه الخلاصيّة، واحتمالاً لآلام شخصية مردودها لخير الجماعة، الأمة والكنيسة، قاسى الدويهي اضطهادات مريرة وكثيرة، اضطرته إلى الاختفاء في مغاور أيامًا وليالٍ طويلة. وإلى الهرب من مغارة إلى غيرها في وادي قديش=وادي القديسن، فإلى الإنتقال من منطقة إلى ثانية، فثالثة، كانتقاله من دير سيدة قنوبين إلى دير مار شليطا مقبس غوسطا بكسروان، فإلى مجدل المعوش، في الشوف، حيث تبعه مؤمنون كثيرون: منهم دويهيون أحفادهم باقون هناك حتى أيامنا هذه. إن من يتنقّل على محطّات الآلام الدويهيّة بمراحلها المفصّلة، ويطلع على أسبابها ويعرف مفتعليها، ينحني إجلالاً وقدرًا وإكبارًا أمام مقاسيها العملاق، وأمام روحانيّته المتألمة مع المسيح، وأمام "قداسته" النامية في المسيح. فالألم بالنسبة إليه، دعوة ربانيّة محرّرة ومطهِّرة. وباعتقاده أن كلّما اشتدت عليه الآلام، كلما ازداد منه الله قربًا. وكلما ابتلي شعبه وكنيسته بالرزايا والحروب والاضطهادات، عمر، هو، بالإيمان والرجاء والمحبة. وأرشد بني أمّته كنيسته على التسلح بهذه الفضائل الإلهيّة. وأشرك الكنيسة الواحدة بهذه الآلام، لتتمّ الوحدة بالمسيح، حتى في المصيبة والألم. فكتب يهنئ البابا اينوشنسيوس 12 (في الجيل السابع عشر) بانتخابه رأسًا للكنيسة الجامعة، خلفًا للرسول بطرس. وضمّن كتاب التهنئة بعض ما يقاسي شعبه الماروني من اضهادات. وممّا قال له: "... إن ضياعًا كثيرة هدمت وبعض الأديار احترقت والكنائس تهجّرت وانتقل شعب كثير. والباقي تفرّقوا بين الأمم القريبة بسبب تغيير الحكام وقساوتهم... وجاء القحط والغلاء فزادت الأسعار خمسة أضعاف عما كانت عليه أولاًُ. لكن أحكام الباري غير مدركة. ومهما يجينا من جانبه مقبول عالراس والعين..." (تعبير دارج عندنا للدلالة على الاحترام الكبير) استعمله الدويهي لا بالكلام المجامل، بل باستسلامه الكامل لمشيئة الله، على غرار استسلام القديسين الكبار... رزقنا الله شفاعة آلامه المبرِّرة، والمطهِّرة، والمقدِّسة... وألهم السلطات الكنيسية المختصة أن تنظر ببطولة فضائله وأن ترفعه إلى حيث يريد الله المبارك على الدوام بقديسيه! آمين.

عملاق في الإيمان والقداسة


إن العملاق في التألّم، ما كان ليستطيع هذه العملقة المتألمة، لولم يلتمع في وجدانه وفي كل كيانه، نور الإيمان الإلهي، ونور القداسة - الرجاء، ونور المحبة الإلهيّة، هبة الروح القدس باستحقاقات الفداء! فالإيمان ينفتح على الرجاء، ومن الإيمان والرجاء تنبثق المحبة. هذه الثلاثة المعروفة عندنا بالفضائل الإلهيّة، هي رئيسة في حياة بطريركنا العظيم. في روحانيته وسلوكيّاته. وانه في كل منها عملاق بامتياز، يستحق أن نقدمه فيها. إلاّ اننا في سردنا العام، نخضع لرئاستها لنزين بكل منها شخصيّة عملاقنا القائمة باستمرار عليها جميعها. وبقولنا عملاق في الإيمان والقداسة، لا ننفي عملقته في الرجاء والمحبة. وأفضل الثلاثة المحبة (1 كور 13/13) بل ندخل إليها جميعها من بابها الرئيسي: الإيمان، الذي هو هبة من الله.

فالإيمان، "... هو الإيقان بالأمور المرجوّة..." (عبر 11/1).

والإيمان، بحسب الفاتيكاني الثاني، عدد2، في الوحي الإلهي: هو "تسليم العقل والإرادة تسليمًا كاملاً وحرًا لما يوحيه الله " ويأتينا عن طريق الكنيسة المقدسة.

هذا الإيمان، هو صخرة دويهيّنا ومعتصمه ونوره حتى انطفأ النظر.

وإنّ نور الإيمان ونور القداسة، غمرا التلميذ الناشئ الدارس في روما. وميّزاه عن أقرانه بصفات عديدة منها: اجتهاده وفضيلته وإيمانه حتى غدا إن قرع على الأرض، تفتح له السماء. وإن طلب على الأرض، تعطه السماء. والدليل: انه بسبب سهره ليليًا يقرأ ويدرس على بصيص من نور سراج، شحّ نظره. وكاد يفقد بصره بالكامل. فأجبر على ملازمة البيت في روما، منقطعًا عن الدروس زمنًا، ومستعيضًا عن حضورها بلجوئه إلى رفاقه ليقرأوا عليه ما حصّلوا وكتبوا في المدرسة. وقد شعر يومًا بأنّ رئيسها سيعيده إلى بلاده بسبب وجع العينين وفقدانه البصر. فحزن جدًا، وأسرع إلى الكنيسة، وارتمى أمام أيقونة أمه العذراء البتول القديسة، المتعبّد لها كثيرًا، باستمرار وإخلاص. وتوسّل إليها بالحرارة والإيمان والبنوة البرّة، لأن تشفي عينيه فيبصر من جديد. وعزّز هذا التوسل بنذر إلزامي شديد، أبقاه سرًا، يفيه فور شفائه. فللحال زال عنه وجع العينين. وعاد إليه البصر بنقاء وقوة وإبصار أفضل بكثير ممّا كان عليه أيام شبابه. وظلّ على هذا النظر الثاقب السليم حتى طوال شيخوخته المليئة بالتنقيب والتمحيص والدراسة والكتابة:

"... وكان يقرأ عند شيخوخته الخط الرفيع ولم يستعمل العوينات:" (عواد ص 15).

لا نظنّه حصل على هذه النعمة الإلهيّة والمعجزة، لو لم يكن عملاقًا في دنيا الإيمان والقداسة المشهود له فيها منذ زمن المدرسة: حيث "... كان معلمه يحبّه لأجل طهارته وقداسة حياته..." (عواد ص 14-15) بالإضافة إلى تفوّقه في الدروس والفهم: "... وغاية درسه كانت تحصيل الفضائل واكتساب الأعمال الصالحة والابتعاد عن كل خطيئة. حتى ان الكاهن معرّفه كان يقول: انه لم يجد بعض الأوقات في اعترافات الدويهي، مادة ليحلّه من خطاياه..." وهذا القول ردّده فيما بعد الكهنة معرّفو الدويهي، كل تبعًا للسنة التي كان خلالها معلّم اعترافه.

وقد كان يردّد ما ردّد دائمًا قدامانا الموارنة: "أمانتي، أمانة الكنيسة الجامعة... نبارك ما تباركه أمنا الكنيسة المقدّسة، ونلعن ما تلعنه... إيماني، على إيمان بطرس... حيثما يكون بطرس، فهناك المسيح..."

إن مثل هذه المردّدات، إن دلّت على شيء، فعلى بعض من معتقدات الأبطال في القداسة وفي آلام الفداء، وفي وحدة الإيمان المستقيم، أمثال عملاقنا البطريرك اسطفانوس الدويهي...

عملاق في صنع العجائب والمعجزات الإلهيّة


لقد نشأ البطريرك العلاّمة "القديس" في بيئة مؤمنة. فعائلته، أعطت ثلاثة بطاركة و17 أسقفًا ولفيفًا كبيرًا من الرهبان والراهبات... وأهل بلدته إهدن - زغرتا كانوا مؤمنين أتقياء. كنائسهم تغصّ بالمصلّين ليلاً ونهارًا. فمن الطبيعي أن يكون هو على شاكلة بيئته وأكثر، لكونه المثقف واللاهوتي، والبطريرك، رجل صلوة وتأمل وانخطاف... إنه في صلوة متواصلة، مع القربان الأقدس، ومع أمّنا السيدة العذراء، شفيعة الموارنة الخاصة كما اعتبروها هم. يقضي أوقاته الحرّة كلّها في الكنيسة، سواء تحرّر للصلوة في النهار أو في الليل. وقد جعل غرفة نومه قرب الكنيسة وفتح بينهما بابًا ليدلج سرًا إلى متخّتها فيقضي وقتًا بصلوة الله، ولا سيما في أزمنة الشدّة والاضطهادات، حيث يستلهم الروح القدس والأم العذراء الحلول المناسبة. فبهذه الصلوات الطويلة المؤمنة، غدا باتّحاد كلّي مع الثالوث الأقدس، ومع العذراء مريم وأم الله وأمه الحنونة. لذلك عجائب ومعجزات كثيرة أجراها الله على يد عبده مر اسطفانوس الدويهي، سواء أيام حياته، أو بعد "... انتقاله من الموت إلى الحياة..." (يو 5/24) وقد اختصرها خلفه البطريرك جبرائيل بهذا القول الجميل: "... قد يبس السوسن وذبلت الوردة. وانتهت التعاليم وكملت القداسة. والرب الإله، الذي ما تخلى عن عبده اسطفانوس وهو في الحياة، لن يتخلى عنه بعد الممات. فالمسقومون يأخذون حاليًا من تراب قبره في مارينا ومن العشب الذي ينبت عليه، ويتباركون منه، فيشفون للوقت من أمراضهم كافة. ومن أنكر ذلك في أيامنا هذه، فكأنّه أنكر الشمس في وضح النهار..." "...ولئلا يشك أحد بقداسة هذا الأب الفاضل، فليكن عالمًا أن لا النصارى فقط، بل والدروز والمسلمين أيضًا، (لا يصدقون أحدًا حتى في أمورهم الضروريّة)، ما لم يحلف لهم بصلوات البطريرك مر اسطفانوس..." (عواد ص 41).

وبالفعل إنّ سجل العجائب التي أجراها الله على يد عبده الدويهي، لو دوّنت فيه كلّها، لظهر أجزاء بأجزاء. وبما أنّ تعدادها هنا، يطيل عليكم الحديث، نشير بالاطلاع عليها عند مؤرخي عملاقنا، أمثال البطريرك سمعان عواد، والمطران بطرس شبلي، وغيرهما، ولا سيما منشورات "رابطة الدويهي الثقافية" التي ظهرت تباعًا، ولما تزل تظهر.

إنّ هذه المعجزات، ما هي إلا ثمرة الصلوة المتواصلة، والاتحاد الدائم بالله. فالمشعوذون لا يستطيعون صنع العجائب، حتى ولو تظاهروا بالصلوة، وتمتموا ألفاظًا مألوفة نصليها. فالله لا يستجيب لهم، بل للأنقياء، أنقياء القلوب، طاهري الضمائر الذين يصلّون ولا يملّون (لو 18/1 وتيم 5/17) أمثال البطريرك مر اسطفانوس "القديس" العظيم.

عملاق في التاريخ


قبل إرساء المنهجيّة العلميّة الحديثة في التعامل مع التاريخ، من حيث سرد الأحداث والأفعال والأشخاص والعقائديّات، ومن دون التخصّص في علم التاريخ كمفهومنا المعاصر، ابتكر علاّمتنا العملاق منهجيّته العلميّة، وطريقته الدقيقة والمثلى في التعاطي مع شؤون التاريخ، تقنيًا وبحثًا، درسًا ومقارنة، تفنيدًا ودحضًا وصدقًا فكتابة. وفي كلّها ظلّت شخصيته العلميّة أمينة للحقيقة. مجرّدة تمام التجرّد عن شخصيتي، الباحث والمبحوث عنه، من حيث الرغائب والمزاج والانتماء والبيئة والعقيدة وملتزمة فقط بالحقيقة إياها وفق ذاتيتها الأكثر وضوحًا وأمانًا، والمعطيات الراشحة تأكيدًا نسبيًا لهذه الذات، الصعب توفيره غالبًا وبسهولة، طالبًا حبًا لها، ولإحقاق الحق لخير العلم والجماعة والأمة والوطن، ولا سيما في ذلك الزمان المعدوم وسائل النقل والتنقل للاستقصاء ولريادة المكتبات البعيدة.

لقد أجمع المؤرخون الثقاة على أنّ البطريرك الدويهي فرض ذاته بآثاره القيّمة والشاملة، أبا التاريخ اللبناني عامة، والماروني بخاصة... إليكم نماذج عن منهجيّته في تعامله مع التاريخ:

- عرضه الحال والأحداث والأمور ثم الاستنتاج الطبيعي أو المنطقي منها.

- لجؤوه إلى البرهان القاطع: ابن الأمة والبيئة أدرى بتاريخها، من غريب عليها وعلى تاريخها:

"... إن الذين كتبوا في الموارنة أمرهم واضح. إنهم لا قشعوا ولا سمعوا. فلا دخلوا بلادهم وحكموا على على لغات كتبهم ولا نادموا أحدًا عن علمائهم ولا من عاشرهم ولا تطلع على أسرارهم ولا الأمور حدثت في زمانهم ولا في البلدان التي في جيرتهم. إذن كيف تكون شهادتهم؟ أو كيف يمكن الإنسان أن يذعن لأقوالهم؟ فبدل ما يقودوا الناس إلى معرفة الحق في الأخبار التي رقموها بكتبهم ساقوهم في طريق التيه إلى حفرات الكذب".

(أ. القطار، أثر الغرب في منهجية وفكر الدويهي، المنارة، السنة 25، عدد 1 و2 ص 137).

الصدق لا ينكشف إلا للذين يمارسونه.

القرائن المجمّعة الداعمة الواحدة الأخرى.

البراهين القياسية...إذا كان كذا، يكون كذا.

البراهين المستنتجة بعد مقارعة الحجة بالحجة.

- لجوؤه إلى مصادر ثقة، يدققها ويمحصها، ثم يوردها بأمانة، منبهًا في حينه إلى نهاية المصدر.

- لجؤوه إلى مصادر الخصوم، يدحض أقوالهم بأدب وحضارة، بعد أن يكون مدحهم وقدّر أتعابهم... وغالبًا ما عذرهم بتهذيب، على نقلهم أقوال غيرهم من دون أن يعنّوا نفوسهم بالبحث والتدقيق الكافيين.

عملاق في الحياة الرهبانية


إن الأمة - الكنيسة الأنطاكية المارونية رهبانية بحياتها، وطقوسها، وسلطاتها، وشعبها ومعتقدها المستقيم، منذ أيام شفيعها الأنبا مر مارون، فمؤسسها وبطريركها الأنطاكي الأول، مر يوحنا - مارون، حتى أيامنا الحاضرة. وإن الحياة الرهبانية، في هذه الأمة - الكنيسة، "ظهرت بظهور النصرانية في لبنان، وسوريا، وصعيد مصر، حيث النسّاك والمتوحدون حوّلوا بصوامعهم ومناسكهم هذه الديار بجبالها ووديانها فردوسًا أرضيًا يعيشون فيه كالملائكة السماويين، يرتلون (من) دون انقطاع ويخبرون بعجائب الرب..." (شبلي ص 167) حتى بطاركتهم وأساقفتهم عايشوا هذه الحياة النسكية بالعموم، والرهبانية بالخصوص. وقد شهد لهم، بها، شرقيون وغربيون كثيرون... "جميع الأحبار الموارنة يعيشون حياة غاية في الانتظام والتقشّف. يعتاشون من عمل أيديهم في أرضهم، ومما يدخله لهم إنتاجها... لباسهم وضيع فقير... لكنه نظيف... الأبهة غريبة عنهم. الفضيلة زينتهم... لا الذهب والفضة... عصيهم من خشب... أما قلوبهم فمن ذهب..." (لوران دارفيو Darvieux).

فالبطريرك مر اسطفانوس الدويهي، عايش هذه الحياة الرهبانية على حقيقتها وموجباتها كافة. التزم بخياره النسك، والتقشّف، والتواضع، والصبر، والإهانة، والاضطهاد، والهرب، والجوع، وسائر الاماتات الاختيارية، ليبقى أمينًا لتراث أمته - كنيسته الأنطاكية، ولإرث بطاركتها العظام، وشعبها الراسخ على إيمان بطرس، الوارث من الرسول بولس أن لا شدة، ولا ضيق، ولا جوع، ولا عري، ولا اضطهاد، ولا خطر، ولا سيف، لا كلها، ولا أي منها، يفصله عن محبة المسيح! (راجع رو 8/31 حتى آخره) وقد جسّد هذا الإرث في حياته كلّها، في نمط عيشه، في إدارته، في الكتابة التاريخية، والليتورجية، واللاهوتية. وشجّع النسّاك، والعباد، والمتوحدين. وظلّت غيرته على خير الكنيسة تتآكله شوقًا ليرى في الأمة – الكنيسة الأنطاكية المارونية، رهبانية نظامية بكل معنى الكلمة. ولا سيما بالمعنى الروحي والقانوني، حتى حضر إليه يومًا، شبّان موارنة ثلاثة من حلب، وعرضوا عليه رغبتهم في اعتناق الحالة الرهبانية القانونية الحقة، ذي القانون الواحد، والحياة الديرية المشتركة الواحدة. هم: جبرائيل حوا، وعبد الله قراعلي، ويوسف البتن. فارتاح إليهم. وسرّه عرضهم. وشجّعهم وأعطاهم دير مرت مورا، ليختبروا فيه الحياة الرهبانية، ويقوننوها ويعرضوا عليه مشروع قانونهم الخاص...

قيل عن هؤلاء الشبان الثلاثة إنهم مؤسّسو الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة. وقلت، أنا، في غير مقام وغير مجلة، ومنها السنابل، انهم مصلحو الحياة الرهبانية في الأمة – الكنيسة الأنطاكية المارونية. واعتبرت العاشر من شهر تشرين الثاني سنة 1695، تاريخًا لبدء الإصلاح الرهباني في هذه الكنيسة الفريدة بتأسيسها، وأمتها، وحياتها، وطقوسها، لا تاريخًا لتأسيس! (لا مجال هنا لشرح النظرية...) في هذا التاريخ، أي العاشر من تشرين المذكور، ألبس البطريرك الدويهي الشبّان الثلاثة المذكورين، الإسكيم الملائكي. وفي 19 حزيران سنة 1700، ثبّت لهم قانونهم الرهباني الذي أثبته لهم في ما بعد، البابا اكليمنضوس الثاني عشر، سنة 1732. فانطلق المصلحون في حياة رهبانية مثلى وكاملة. فاح منها عرف الفضيلة، والقداسة، والعمل، والعلم، والطباعة والرسالة. فانضمّ إليهم من الرهبان العباد مع أديارهم... وازدهرت هذه الرهبانية وقدمت للكنيسة خدمات كبيرة وكثيرة في كل مجال احتاجتها إليه. وجاءت عمودًا جديدًا في الكنيسة رفعه فيها الدويهي العظيم الذي نعتبره أبا الحياة الرهبانية في الكنيسة اللبنانية وكنيستنا بالعموم، وأبا رهبانيتنا بالتخصيص لأن الرهبانيات التي تأسست بعد رهبانيتنا، أخذت بأكثريتها، قوانينها عن قانون رهبانيتنا، ذي الأساس المتين، والبركة الدويهية الممتازة. على سبيل المثال: جاء دير مر انطونيوس - جزحي سنة 1708، شابان من طائفة الأرمن الكاثوليك، يعقوب ويوحنا "...ليتمرّنا على الحياة النسكية والعيشة المشتركة ويتعلّما السير الرهباني وتهذيبه ليتسنّى لهما أن ينشأ (ينشئا) رهبنة لطائفتهما ومكثا في الدير المرقوم عشر سنوات أي إلى سنة 1718 ثم انضم إليهما اثنان آخران وهما ميناس وابراهيم... فأسسوا رهبانية الأرمن في دير المخلص الكريم. وتبعوا قوانين وفرائض رهبانيتنا اللبنانية إلى اليوم".

إنّ هذا البطريرك العظيم ما اكتفى بالتشجيع على اعتناق الحياة الرهبانية فقط، بل سار السيرة الرهبانية الصالحة. "... وكان يتفرّغ لشأن ولخدمة الله كمن ليس له رعية يهتم بتدبيرها. وكان يهتم بالآخرين كمن ليس له انشغال بذاته وبالله. وكان يسعى في أن يغني غيره. يا لها من ديار سعيدة أخذت الجزية من رئيسها بدلاً من أن تدفعها لولي أمرها..." (عواد ص 21) وأسس أديارًا وجدّد أديارًا، ورمّم غيرها. إليكم منها النماذج التالية:

- مر عبدا المشمر، على ضفاف نهر الكلب، بين كسروان والمتن...

- مر شليطا مقبس، في خراج غوسطا...

- مري سركيس وباخوس، راس النهر، إهدن. (جدّد بنيانه سنة 1690)

- مرت مورا – إهدن. (بناه سنة 1691).

- سيدة حوقا (أصلح حائطه).

- مري سركيس وباخوس – زغرتا. (حرّر له أراضيه بدفعه من ماله الخاص، مبلغًا، إلى بيت عميرا المدعين ملكية بساتين الدير، شبلي، ص 169).

- مر انطونيوس – جزحي ومر مخايل شاريا. (كرّس كنيستيهما سنة 1697) (شبلي، ص 170).

- مر يوحنا ريشمي. (رشميا) شجّع على بنيانه (شبلي، ص 170).

- مر انطونيوس – عين ورقة. كرّس كنيسته يوم عيد الصليب، 14 أيلول سنة 1698 (شبلي، ص 171) وشجّع على بنيان أديرة كثيرة، منها ديري مر جرجس – الروميه، مري سركيس وباخوس – ريفون... على ان هذا البطريرك "القديس" ما عمل على بنيان الدير الحجر، إلاّ بعد أن عمل على بنيانه بالبشر... وإن آثاره في الكنائس والأديار والرهبان والراهبات، أكثر من أن تحصى في هذه المحاضرة. إنّها تفيدنا لتفصح لنا عن مجال آخر جاء فيه عملاقًا تاريخيًا للدين وللوطن... وبفضله ازدهرت الحياة الرهبانية في لبنان، وبفضله كان قانون رهبانيتنا، نكرر: الذي أخذت عنه، في ما بعد، سائر الرهبانيات، الكثير لقوانينها...

عملاق في الألحان السريانية للكنيسة الأنطاكية المارونية


إنّ دراسة عملاقنا في هذا الموضوع، تستوجب منا صفحات كثيرة، لأوقات طويلة، لأن الموضوع فني من جهة، وتاريخي من جهة ثالثة، وطقسي من ثالثة، ولاهوتي من رابعة، وكتابي من خامسة، ولأنه، معها كلّها، يحافظ على ذاتيته التقنية: "... إنّ البيعة المقدسة - يقول علاّمتنا - منذ أوائل نشوئها قد ألزمت بنيها بتقدمة الدعاء والشكر إلى الرب الذي فداها بدمه الكريم، في التراتيل والتسابيح... (الأشقر – الدويهي ص 135) ثم يعدّد ويسرد أنواع المزامير والتسابيح والكرازات والصوات، وما إليها، ليقول عنها: "... ولما لم تنادي جهرًا عن الثالوث الكلي قدسه، ولا عن العهد الجديد، ولا عن الخلاص الذي استفدناه من موت الرب وقيامته، ولا عن أسرار البيعة، ولا عن إحسان والدة الخلاص، وشفاعة القديسين بدل الأحياء والأموات، فلأجل ذلك الآباء المتوشحون بالله، عندما استراحوا من اضطهاد الكفار، وتجرّدوا لخدمة الباري بالأديرة والمحابس، جدّدوا الرتبة القديمة، لتكون كاملة ومشتملة على جميع ما يخصّ خلاصنا..." (الأشقر- الدويهي، ص 136).

ثم يعطينا طريقة هذا التجديد، بقسمته الصلوات إلى أقسامها المعروفة وفق الهيكلية التقليدية المعهودة حتى أواخر الستينات من جيلنا. فيقول: "... وحتى الشعب لا يضجر من الطولة والإكليروس من مداومة التراتيل، فرض الآباء المجيدون ان الأصوات تدخل بين المراميت وان تضاف إليها (إلى الأصوات) المزامير التي رسم بترتيلها الرسل الأطهار..." (الأشقر- الدويهي، ص 136) إلى هذه الخطة البدججية المتقدمة على عصرها ذاك، التي تراعي حالات الفرد والجماعة، النفسية، والارتياح العام، لإقامة صلوة واعية وحارة، يضيف علاّمتنا عرض الصلوات بتقاسيمها، وتفاصيلها، وتقنياتها الوصفية، مظهرًا قصده من عمله الجليل، الذي لولاه، لما كنا - على ما نظن - استطعنا أن ننعم اليوم بتراثنا السرياني الأنطاكي العريق الذي عاند وقاوم أجيالاً وأجيالاً، محتفظًا بروحانيتّه وعقائديّته، وجماليّته، ورونقه، ونغماته بخصائصها وأوزانها ومازوراتها، ببسطاتها وبغناها التعبيري والتقوي الممكن أن يرشحا بجود ونبل وإيمان، من هذه البساطة الغنية، المؤداة بحضور وإتقان. (حبًا للاختصار في هذا الموضوع الجليل والمهم، وإراحة لكل من السامع أو القارئ، نشير بمراجعة: الأب يوسف الخوري، الألحان السريانية للكنيسة الأنطاكية المارونية، مقارنة، منشورات التراث، جامعة الروح القدس الكسليك: خصائص الألحان السريانية المارونية... هيكلية الصلوات... المزمرة... المازوره... الريتم... التقليد... السلّم... المشكلة... التتركردات أو المدات المارونية إلخ... كلها من الصفحة 14 حتى 69).

نعم! لقد عاند وقاوم هذا التراث العريق حتى أواخر الستينات من جيلنا، حيث تمكنت هجمة عرب - مارونية من أن تقلّصه شيئًا فشيئًا، ثم تغيّبه سهوًا، أو عمدًا، أو قسرًا، أو انجرافًا، أو من باب ضيعان الذاتية الفردية المستدرجة غيرها، فالقاطعة علاقاتها بذاتيها المجتمع - كنيسية، التاريخية...

ألا سامحهم الله، بشفاعة عملاقنا في الألحان السريانية المارونية. وأرشدهم إلى الأصالة الحقيقية ليجدّوا في اكتشافهم هذه الذاتية المجيدة العملاقة عبر التاريخ الماضي، الذليلة المضطهدة الضائعة في الآنية العابرة. ويجدّدوا إرادتهم أولاً ثم يجدّدوا على ضوء تلك ومعطياتها، كل هيكلية ليتورجية ينشرونها بكتاب جديد...

عملاق في الليتورجية الأنطاكية المارونية


كثيرون من قارئي هذا العنوان، قد تحضرهم منارة الأقداس كمرجعية وحيدة لعملاقنا في الليتورجية الأنطاكية المارونية. نحن لا نشكّ بأهليتها لأن تكون هذه المرجعية، بل إنها ليست الوحيدة عنده ولا هو أوقفها على الليتورجية فقط، لأنها بمحتواها، تفرض ذاتها علينا وعلى العلم والتاريخ، منجمًا واسعًا وغنيًا بكل شؤون الإيمان والعبادة والخلاص. ففيها الليتورجية، كل الليتورجية الأنطاكية المارونية، وفيها الكثير من الفلسفة واللاهوت والكتاب المقدس والتاريخ والدفاع عن العقيدة وعن التقليد الماروني في دينه ودنياه. وإذا لم تبد للبعض هذه الشؤون واضحة في "المنارة"، فمعناه أنها تدعوه إليها، لقراءة ثانية وأكثر، بكثير من الحضور، والوعي، والتأمل، والحفظ... وربما إلى قراءة بين السطور وبين النقط. قلنا إنها ليست المرجعية الطقسية الوحيدة عنده، لأنه أغنانا، أولاً، بتوريثنا تقليدًا ليتورجيًا، ظلّ حيًا معايشًا حتى أدركنا، نحن، منه، بواسطة شيوخنا في الضيعة وفي الدير، فالأديار، ولا سيما أديار النشء في رهبانيتنا، على زماننا... ثم أغنانا بمؤلفاته التي نوردها بالتسلسل الأبجدي، من دون التعليق عليها:

الأسرار والرتب،

الجنازات،

الألحان السريانية المارونية،

لبس الإسكيم الماروني،

منارة الأقداس،

النوافير،

الشرطونية،

شرح التكريسات والشرطونية.

نوجز قائلين: باستثناء منارة الأقداس التي اعتبرناها منجمًا واسعًا وغنيًا...، فكل من عناوين مؤلفاته المذكورة، يفصح عن مضمون كتابه، ويعفينا من تقديمه، هنا، تاركينه لمراجعة من يريد في الاطلاع استزادة لنشير إلى أن عملاقنا في الليتورجية الأنطاكية المارونية، عانى الكثير من الأتعاب والأسفار والمسح والتحليل والتدقيق، والقراءة "حتى الممحي" والكتابة بخط يده، أيامًا وليالٍ طويلة، ومن دون إنارة مقبولة كما في أيامنا، ليبقي لنا وللأجيال الآتية، كمًا ونوعًا، ما أدركه، هو. وما أبقاه لم يحوره على هواه، بل ظل فيه أمينًا لإرثه العريق. ولم يحاول أن يبتكر، وهو قادر على الإبتكار ليتورجية على ذوقه، ولا قام بإصلاح ليتورجي مزاجي، أي طبق مزاج الدويهي، بل صبّ عنايته وجهده ليحافظ على الأصالة في أعماله الطقسية كلها. وربما تنازل، بقصده هذا الهدف، عن بعض شخصيته العلمية الخلاّقة. وفضّل على الخلق والابتكار أن يجدّد الحياة في الليتورجية المعيوشة حقًا وفعلاً، في كنيسته الأنطاكية لتبقى على الأزمان شاهدة على تقوى بنيها وعبادتهم الرب بالروح والحق والجسد، بالإيمان والرجاء والمحبة.

وليُسمح لنا، ونحن نشير إلى الإصلاح الليتورجي عند الدويهي، أن نفتح قوسين وسيعين فنقول: إنّ الموارنة تشوّقوا في جيلنا إلى إصلاح ليتورجي سليم. ومنذ أوائل الخمسينات بدأ بعضهم بإعداد مشاريع لإصلاح القداس الماروني. وفي سنة 1955، ظهرت مبادرة غير رسمية، قامت بها الرابطة الكهنوتية، فاختارت أعضاء كلجنة طقسية، كنا منها، تجتمع في خورنية مر يوحنا – رعية البوشرية – برئاسة الخوري مارون مطر ومعه الخوري حنا كوكباني كأمين سرّ اللجنة. وبعد اجتماعات دامت ثلاث سنوات، بمعدّل اجتماع في الشهر، رفع رئيس اللجنة وأمين سرّها أعمالها إلى السلطات المختصّة. فنامت الأعمال على غير رجاء القيامة. ثم تتالت المبادرات غير الرسمية على فشل أكبر. ثم بدأت مشاريع لإصلاح القداس الماروني، أعدّها أفراد وجماعات، أكثر أصحابها قدّموها لنا للاطلاع وإبداء الرأي. فتجمّع عندنا حوالى الأربعين مشروعًا. أبدينا لأصحابها رأينا. واحتفظنا بنسخة منها وما زلنا، كأثر لمجهود أصحابها ولغيرتهم على تمجيد الله بأفضل ما عندهم، مع أنهم غير معنيين رسميًا من أية مرجعية صالحة، وكدليل على احترامنا ثقتهم بنا، ونيتهم الطيبة في الإسهام، استطاعتهم، في إصلاح ليتورجية قداسنا الماروني. نترحّم على نفوس الذين ماتوا منهم، وندعو بالعافية وطول العمر للباقين أحياء، معلنين أنّ أكثريّة هذه المشاريع، ولو لم تعتمد، تبقى أفضل بكثير من القداس المطبوع سنة 1992، المقال عنه سريًا، قد اعتمد لخمس سنوات اختبارية!

تبقى أفضل منه، لأنه أفقر ليتورجية القداس والخوروس عندنا، باعتماده للاثنين نصًا واحدًا للمناسبة الواحدة، في كتاب القداس المذكور، مأخوذًا من كتب صلوات الكسليك للمناسبة ذاتها. بينما المشاريع تلك، قد أبقت على غنى ليتورجيتها، بإبقائها كل نص في مكانه لمناسبته، واستعارت من مخطوطاتنا الغنيّة غيره، حيثما لزم. كما أن معرباتها جاءت أكثر أمانة لأصلها، وأبقت على غنى النصوص السريانية من حيث الروحانية والعقيدة والكتاب ألخ، غير آبهة بوزن شعري وقافية، يأتيان على فراغ من الروحانية والعقيدة ألخ. ويساندهما تعريب، غالبًا، غريب لا علاقة له بأصله المطبوع قبالته في صفحة الكتاب ذاتها! إن هذا الفشل الكبير ثمرة سنين طويلة، وعمل لجان متعددة ومتعاقبة. أحد الكهنة من أعضاء اللجنة الأخيرة التي ظهر على يدها هذا الإصلاح، كان يزورنا ويأخذ رأينا، إلا أن غيره لم يأخذ برأيه. أعطيناه الرأي بإعداد القرابين من دون قرن، وبنقلها، وبزياح الإنجيل، و.و. وظلّ متابعًا زيارتنا مشكورًا. وبدأ يطلعنا على مسودات مطبعيّة مشدّدًا علينا أن نعطيه رأينا. قلت له لا يمكنك أن تقاوم تيارًا جارفًا، دعهم يسيرون إلى حيث يشاؤون. كلّ ما أطلب منك أن تسهروا على اللغة أكثر. ويمكنك أن تطلب منهم احترام حرف العطف كما هي وظيفته، على الأقل. فإن قال الكاهن: "السلام لجميعكم"، فليكن الجواب: "ولروحك."، وإن قال: "السلام معكم أو مع جميعكم"، فليكن الجواب: "ومع روحك..." آجرك الله... أرجوك أن تعفيني من كلّ حديث حول قداسكم. فأنا قد اتبعت الطقس البيزنطي. وسأحرق قريبًا جدًا كل تآليفي الطقسية غير المطبوعة. وهي تغطّي السنة الطقسية بكاملها، بدوراتها وأعيادها القمريّة، ودوراتها وأعيادها الشمسية. يضاف إليها: الأسرار والرتب... الجنازات... صلوة المائدة، قبل الأكل، وبعده. وضعناها بنصوص تقليديّة عديدة، عيناها بألحانها لكلّ من الدورات الطقسيّة، بحيث يكون لكلّ دورة نص ولحن خاصين...

الزياحات: القربان الأقدس... السيدة العذراء... سيدة الكرمل أو التوب... أبينا الأنبا مر مارون... أبينا مر يوحنا - مارون... مر يوسف... لكلّ من الزياحات لحنه الخاص التابع لألحان الدورة الطقسيّة الواقع فيها. وهكذا كان نصيب الزياحات الخاصة بكلّ من القديسين والقديسات طبق طقسنا الأنطاكي السرياني الماروني، كما تضاف ألحان روحية – إجتماعية، خارج الكنيسة، لأعياد دينية وأعياد وطنية، وغيرها مناسبية مفتوحة لكلّ ظرف يدعو إلى الفرح بالرب... وغيرها الكثير من الألحان ذي الطابع الشمولي...

هذه كلّها، حرقناها ورقة ورقة، وضببنا صفوتها لنعرضها للتاريخ الآتي، قاصدينها أمثولة صامتة للآتين بعدنا، من أصحاب القرارات في المواضيع المارونيّة العامة، ولا سيما الكنيسية منها. وقد دام الاحتفال بالحريق طوال الأشهر: تموز، آب، أيلول، سنة 1992، في دير مر شربل – حريصا.

كثيرون قصدونا إلى هذا المكان، منهم أساتذة في الجامعة اللبنانية، زارونا مرارًا وتكرارًا، ليمنعونا عمّا نفعل، مبرهنين لنا بحسب القوانين المدنيّة والكنيسيّة، وباسم التراث و.و. أحدهم قال: "لقد تفوّقت على أبو حيان التوحيدي، بما فعلت..." نوقف هنا مدى القوسين. وما يزيد، ينتج عن زيارة الصفوة... في النورث ليبانون كولدج، قضاء زغرتا – الزاوية... حيث يجد على المعروضات عناوين "ترانيمنا"-"الصفوة..." وما كنّا لنفتح هذين القوسين العارضين، إلاّ لندلّل على أنّ الإصلاح الليتورجي لا يثبت إذا جاء استنسابيًا – مزاجيًا. وعلى أنّ الثابت ويثبت هو الإصلاح الذي قام به عملاقنا الدويهي الفريد العظيم...

وفي الختام، يجمل بنا القول عاليًا: إنّ علاّمتنا البطريرك اسطفان الدويهي، مهما عملقناه، يبقى عملاقًا بشمول كبير ووسيع أكثر من عناوينا المسطّرة أعلاه. وقولنا مؤسس على:

إنتاجه في شؤون أمته - كنيسته ووطنه...

إنتاجه في الدين والعقيدة، وفي الدفاع عنهما...

تعامله مع الحق والعدل والحقيقة والإنسان...

إلتزامه بالله وبالإنسان، وبالقداسة، قداسة النفس وقداسة القريب، وقداسة الكنيسة...

أنّ كلاً من إنتاجه، وتعامله، والتزامه، استحقّ أن يقال له فيه إنّه:

أبو التاريخ اللبناني بالعموم، الماروني بالتخصيص...

ونستطيع القول إنّه:

أبو إثبات الإيمان الماروني المستقيم، وتمسّكهم بالسّدة البطرسيّة من دون انقطاع...

أبو المعترفين دومًا أنّه "حيثما يكن بطرس، فهناك المسيح." "إيماني إيمان الكنيسة الجامعة".

أبو الليتورجية المارونية، جامع تراثاتها وروحانياتها.

أبو الألحان السريانية المارونية، جامع نصوصها لمنسباتها الطقسيّة بكاملها.

أبو دحض الهرطقات والانشقاقات، وجمع المنشقّين الشرقيين إلى المسيح الواحد، والإنجيل الواحد، في الكنيسة الواحدة.

أبو الرهبانية اللبنانية المارونية بفرعيها، اللبناني والحلبي (مؤخرًا، المريمي) وتثبيت قوانينها التأسيسية.

أبو اللاهوت الأدبي واللاهوت النظري لزمانه، في الكنيسة الأنطاكية المارونية، وفي المتعاملة معها من سائر الكنائس.

أبو أبطال القداسة في المارونية، الراسم خطوطها بحياته الشخصيّة، لسلوكهم الحي بالحضور الإلهي، جاذبهم إلى الإتحاد بالرب.

أبو ألقاب كثيرة، وأقوال فيه وفيرة، منها:

"... إذا سلّمنا بوجود رجل عالم فاهم في كلّ المسكونة، فلم يكن إلاّ اسطفان الدويهي..." (مرهج بن نمرون الباني الماروني، نشره عواد ص 20)

"الأب الفاضل والمعلّم الكامل" (يوسف شمعون السمعاني – عواد ص 20)

"قبّة الحكمة"

معلّم الشرق"

"أبو الآباء ورئيس الرؤساء":

"العادل، مجازي المستحقين ومؤدب المذنبين"

"وحيد عصره وفريد دهره في العلم والقداسة"

حتى قيل فيه:

"...ليس من مديح يوفي هذا الحبر حقّه لأنّه يفوق كلّ ثناء. رقّي إلى الملك فوجد أعلى من هذا المقام. واجتهد في أن يفوق ما سواه، لا بالعظمة بل بالصلاح والفضيلة. كتب تواريخ أمّته، ووطنه وطقوسهما، فاستحقّ بذلك المدحة. فلتذع إذن مناقبه ليس الأجيال الحاضرة وحدها بل العصور السالفة والمستقبليّة أيضًا... سار سيرة رهبانيّة رفيعة. تفرّغ لشأن الله وخدمته كمن ليس له رعية يهتم بتدبيرها. واهتمّ بالآخرين كمن ليس له انشغال بذاته وبالله. وقد سعى دومًا إلى أن يغني غيره. يا لها من ديار سعيدة أخذت الجزية من رئيسها بدلاً من أن تدفعها لولي أمرها..." (الكردينال نرلي – عواد ص 21).

"...لقد فاق الجميع فصار بتواريخه مبدع تواريخنا وبمنائره منارة اعتقادنا، وبجهاده ونزاهته مثال الرؤساء وفخر المرؤوسين: إنّه أعظم ماروني علمًا وعملاً..." (المطران شبلي ص 208)

إنّه البطريرك مر اسطفان الدويهي العظيم، العلاّمة العملاق، المعروف شعبيًا ومنذ القدم، بالبطريرك "القديس". ألا شفع عند الرب لنا، ولكنيسته، وأمّته، ووطنه...، وشفع خاصة للمختصين بالتثبّت من قداسة الحياة الشخصية، وللمعنيين بإعلان قداسة القديسين... آمين!

الأب يوسف الخوري

ر.ل.م.

أستنجد بمريم

للأب الدكتور سمعان بطيش

خادم رعيّة غوسطا


تلميذ شاطر بالمدينة الخالدي       ولأمّ الله وإبنها عمرو ندر

راح النظر، ما خاف، عالمعبد غدي   استنجد بمريم، ردّت لعينو النظر


أفضالك كثيرة علينا طايفه             والطايفة ببركتك مش خايفه

قضّيت عمرك تكتب تصلّي تصوم     كرمال رفع كنيستك والطايفه


بطرك تقي ومتعلّم وملفان            وعالكنيسة وشعبها سهران

صلّى وصام تعذّب تحمّل               واهتم بالحملان والقطعان

بالمسيح ومريم ترسمل               الدويهي بطرك اسطيفان

بالسما وأسرارها تأمّل                 وتقبّل التشريد والطغيان

وبالفضيلة والتقى تجمّل               وزار الرعايا يوطّد الإيمان

وعنّا بغوسطا رسالتو كمّل            وكرّس كنايس أربعه للدين

وبارك ديوره خالدي بلبنان

14/9/1998