تاريخ سوريا

 المرجع: تاريخ سوريا، مج 7، بيروت، 1902.
 

 


العلاّمة البطريرك اسطفانوس الدويهي

 


نعتمد في ترجمة هذا العلاّمة على ما كتبه عن نفسه في رسالة أنفذها إلى القس بطرس مبارك أحد تلاميذ مدرسة الموارنة بروما، فهذا أرسل كتابًا للبطريرك يسأله به أن يلخص له ترجمته ليثبتها في مقدمة كتاب كان يريد طبعه، فأجابه البطريرك برسالته المذكورة التي وُجدت في خزانة أوراق الكرسي البطريركي. وإليك نص هذه الرسالة بحروفها:

 

"البركة والنعمة وحلول الروح القدس تكون حالة على ولدنا القس بطرس المكرم الخ. أشرت لنا حتى نكتب لك عن سيرتنا لتقطتف منه الذي يحسن برأيك وتجعله في مدخل الكتاب على جاري العادة بين الافرنج في طبع الكتب . يا ولدنا نحن نقرّ أنّا أخطأ الناس وأرذلهم بالنسبة إلى النعمة التي تفضل بها الله علينا، لكن لأجل خاطرك نذكر لك إننا من طائفة الدويهية المشهورة بين جماعتنا (الموارنة) في التقوى والعلم وسياسة الشعب، قد خرج منها في الجيلين الماضيين ثمانية مطارين وبطركين وكان مولدنا (سنة 1630م) في 2 شهر آب نهار تذكار مار اسطفانوس، وسمينا على اسمه ومنذ الصبا سلمونا والدينا إلى القراءة السريانية. وفي سنة (1641م) أرسلنا المرحوم البطريرك جرجس بن عميره التي أمه كانت من الطائفة (الدويهية) إلى روما بصحبة القس سمعان (التولاوي) ويوسف فتيان (الحصروني). وفي مقامنا في المدرسة سعينا في إقامة المجمع (جمعية أو أخوية) باسم السيدة الطاهرة وكانت قبلنا انقطعت المجادلات (أي المباحث العامة الحافلة) فعملنا جهدًا كليًّا عند معلمي المدارس وعند الجنرال حتى جددنا العادة التي انقطعت، وعملنا مجادلة الفلسفة على اسم الكردينال كابون، وتمام علم اللاهوت على اسم المرحوم البطرك حنا الصفراوي. وسنة 1655م كانت عودتنا إلى البلاد وكرم علينا مجمع انتشار الإيمان أن نكون من جملة المرسلين وفي ترددنا في البلاد اعتنينا على علم الأولاد وعلى الوعظ وتهذيب الشعب بدرجة الكهنوت. وعندما طلبوا جماعتنا (الموارنة) الحلبية من المرحوم بطريرك جرجس (السبعلي) أن نكرز عليهم ثبتنا عندهم نكرز عليهم ونعلّم أولادهم ونتعاطى في أمورهم مدة ست سنين وعندما في سنة 1668م توجهنا من عندهم إلى زيارة المواضع المقدّسة في العودة مسكنا البطريرك المرحوم وقدمنا إلى درجة المطرانية على أسقفية قبرص فزرناهم وتعبنا فيهم جهدنا. وفي السنة الثانية عندما انتقل البطريرك جرجس ابن الحاج رزق الله إلى رحمة خالقه ألزمونا رؤساء الكهنة ورؤساء الشعب في درجة البطركية. وفي كل هذه المدة احتملنا مشقات واضطهاد لا يوصف من جور العصاة. حتى أننا طفرنا إلى بلاد كسروان وإلى بلاد الشوف، ولأجل هذه الديورة والكنائس والنصارى التزمنا نرجع لأجل حفظهم، وإلاّ كانوا شرّدوا ولله الحمد قائمين وفي عمار الكرسي والطائفة. وفي كل هذه المدة تعبنا تعبًا بليغًا حتى جمعنا غالب رتبها كما هو (هنا كلمة غير مقروءة).

 

1 (كتاب الشرطونية وأظنّ أنّ المراد جمعه هذا الكتاب وترتيبه) 2 (قبل هذه الكلمة كلمة مخزوقة فكأنها نظام أو قانون الرهبان) 3 (رسم البيعة وأثاثها) 4 (كتاب الصلوات) وبعثناه الى روما. 5 كتاب النوافير (وهو غير كتاب منارة الأقدس الذي عدّد به النوافير بل كتاب برأسه عدد فيه النوافير وعني بترجمة مؤلفيها وذكر صورة كلام التقديس في كل منها، وضمّ إليه نافور رسم الكأس. وهذا الكتاب كان في دير مار شليطا مقبس فنُقل حديثًا إلى مكتبة البطريركية) 6 (أسرار البيعة) 7 (أعياد) كل السنة (وهو كتاب جمع فيه رتب الموارنة على مدار السنة بالسريانية عدد صفحاته 379 كرتبة تبريك الماء يوم عيد الغطاس، ورتبة أحد الشعانين وغيرها. وهذا الكتاب الآن في مكتبة البطريركية منقولاً إليها من مكتبة مار شليطا) 8 سجلات الباباوية ومكاتيب البطاركة وأرباب الدولة وحجج وقوفات الدير ومن غير (وما عدا) الكتب البيعية التي جمعناه. وذكرنا إننا عاملون متعبين على كتاب الجنازة وغيره، ثم إننا شرحنا عن كتاب الشرطونية. وفي كتاب آخر عن تكريس البيعة وأوانيها. وفي كتاب آخر عن تفسير القداس والمنائر، وأيضًا في قصص الأباء أصحاب النوافير المقبولة وأيضًا عن سلسلة بطاركة الملّة المارونية، وأيضًا على أصل الملّة المارونية ودوام اتّحادها مع الكنيسة الرومانية وهي التي عندك. وأيضًا في التواريخ من بدء الهجرة إلى وقتنا هذا بل الذي تعبنا عليه بزيادة من قدوم الفرنج إلى هذه البلاد. وأيضًا جمعنا رؤوس الأبيات السريانية وفككناها على موجب وزن الشعر ونعمل متعبين بسبب مدرسة الموارنة بروما ونفعها ونشر تلاميذها. ومن غير تعبنا مع طائفتنا ما تأخرنا أيضًا عن نفع الطوائف التي بجيرتنا لأنّ المرحوم القنصل بيكت، كان بعث عشر مكاتيب للمرحوم البطريرك حنا من صفرا حتى يسم القس اندراوس أخيخان فما تنازل معه حتى دخلت أنا بينهم وأزحت عن بال البطرك الصعوبات التي كانت تمانعه. وبعد أن ارتسم مطرانًا صار أنه طفر (فرّ) إلى جبل لبنان لأجل خاطر القنصل وسيطه إلى الرجوع، ورحت أنا بنفسي معه وكنت أساعده في المقدرة وفي كتابة الكرز الذي كنت أعطيه. وكذلك طفر لعندنا القس اسحق (السرياني) وأنا بطريرك مسكته عندنا سنتين ورتبته ورسمته أيضًا، وعندما طفر بعده إلى عندنا بطرس بطريرك السريان (نظنه اغناطيوس بطرس الذي خلف أخيخان في البطريركية على السريان الذي توفي في السجن بأدنه بمكيدة بطريرك اليعاقبة) ثبت عندنا مدة من الزمان بكل إعزاز وإكرام، ثم بعد المذكورين التجا إلينا الخوري نعمة والقس سبيمان السريان من جور بطريركهم الضال، وكذلك مطران الأرمن على مرعش عندما التجا الينا قبلناه بكل كرامة وأمرنا جماعتنا بحلب ليقبلوا جميع المرتدين من اليعاقبة والأرمن والنساطرة وغيرهم ويتلمذونهم ويقضون مصالحهم. حُرر في أول شهر أيار سنة 1701 ربانية". وقد طبع المعلم رشيد الشرتوني من تآليف الدويهي شرح الشرطونية والتكريسات، وشرح المنائر العشر وسلسلة بطاركة الموارنة مع إضافات. وأخذ من كتابه في أصل الموارنة ودوام اتّحادهم بالكنيسة الرومانية. ومن التاريخ كتابه المعروف بتاريخ الطائفة المارونية وطبعه سنة 1890م.

 

إنّ البطريرك سمعان عواد الطيب الذكر قد وضع ترجمة العلامة الدويهي آخذًا عنه وعن ثقاة من معاصريه. وهذه الترجمة أثبتها المعلم رشيد الشرتوني في فاتحة تاريخ الموارنة للدويهي الذي طبعه ببيروت سنة 1890م فنقتطف منها ما يلزم لتتمة الترجمة. وبيانها أنّ والد الدويهي يسمى مخايل واسم أمه مريم وهي من آل الدويهي أيضًا، وأرسله إلى روما عمه المطران الياس الدويهي على يد البطريرك جرجس عميره. وقد قال عن نفسه أنه كان يقضي وقت التنزه وهو في المدرسة في القراءة والدرس، وكثيرًا ما كان يقوم عن فراشه ليلاً فيصلّي ويدرس على نور المصباح الساعتين والثلاث حتى أصيب ببصره، فكان يطلب إلى رفقائه أن يقرأوا على مسمعه الدروس اليومية، ثم شفي بشفاعة العذراء. وكان أستاذه في اللاهوت الأب سبرسا اليسوعي. يقول مرات علّمت في بلاد كثيرة ولم أرَ مثل إسطفان علمًا وعملاً. وشهد عارفوه أنهم لم يكونوا يجدون عليه خطيئة توجب الحلّ. وألّف بعد إنجاز دروسه كتابًا ضخمًا باللاتينية في الفردوس الأرضي. وبعد رجوعه إلى وطنه رُقِّي إلى درجة الكهنوت وأنشأ مدرسة في إهدن وأخذ يعلّم الأولاد ويعظ الشعب إلى أن أرسله البطريرك جرجس السبعلي إلى حلب واعظًا ومرسلاً. واهتدى على يده كثير من الملكية والنساطرة واليعاقبة. وصنّف في تلك الأثناء مؤلفًا في الوعظ والإرشاد في مجلدين. وقد جرى انتخابه بطريركًا سنة 1670م بغير مشورة الشيخ أبي نوفل الخازن، فاستاء فأتى البطريرك إلى داره بكسروان فأجلّ الشيخ قدره واستغفره عما فرط منه. وأرسل إلى روما القس يوسف شمعون الحصروني (الذي صار بعدًا أسقفًا) في 10 تشرين الثاني سنة 1670م فثبته البابا اكليمنضوس العاشر (في 8 آب سنة 1672م).

 

وبعد بطريركيته أخذ يطوف جميع الأبرشيات ويختار كهنة من ذوي العلم والتقوى ويفحص الكتب البيعية ويصلح ما أوقعه النساخ أو أصحاب الأغراض من الخطأ فيها. وكان معتنيًا برد العوائد القديمة، ورتب الطقوس. وذكر له البطريرك سمعان عواد بعض الكتب التي ذكرها هو في ترجمة نفسه وما قرظه به العلماء من طائفته كمرهج بن نيرون الباني والمطران يوسف شمعون الحصروني والبطريرك يعقوب عواد. ومن غير طائفته نخص بالذكر منهم الكردينال نرلى في كتابه في مشاهير المدرسة المارونية بروما. ولما علم البطريرك كيرليس الحلبي بطريرك الروم الانطاكي أنّ الخبز والخمر لا يستحيلان إلى جسد المسيح ودمه بقوّة كلام التقديس وحده بل بدعوة الروح القدس أيضًا. فاعترضه ورد زعمه بنصوص الكتاب والمجامع والآباء. ولما اطلع بطريرك الروم على حججه أحب أن يجادله وحضر لجداله ومعه أربعة مطارين، وكان الجدال بحضرة أمير الشوف في دير القمر. فأفحم الدويهي بطريرك الروم وأساقفته حتى أوجب عليهم الأمير والحاضرون أن يذعنوا لتعليم الدويهي. وكان هذا سببًا لاعتناقهم الدين الكاثوليكي، وقد قاومه بعض أساقفته لأنه تشدد عليهم بعمل واجباتهم فأرسل لهم رسالة يؤنبهم بها ويهددهم فخجلوا وتسارعوا إليه يستغفرونه عما فرط منهم. وهمّ أن يتنازل عن البطريركية فمنعه أبناء الطائفة. وكان شديد الغيرة على مدرسة الطائفة في روما وعلى نشاط تلامذتها وتقدمهم بالتقوى والعلم. وله رسالتان إليهم (مثبتتان في ترجمته المعلّقة على تاريخ الموارنة) يتبيّن منهما كم كان له من العناية بهم والهيام في نجاح هذه المدرسة . وقد أنبأنا صاحب ترجمته بآيات كثيرة صنعها الله على يده في حياته وبعد وفاته.

 

وقد أهانه قبل وفاته الشيخ عيسى حماده إذ جاء مع بعض أقاربه إلى قنوبين طالبين منه مبلغًا من المال، فكتب إلى الشيخ حصن الخازن عما جرى له فجهز رجالاً من كسروان مع أخيه الشيخ ضرغام (هو الذي صير بعدًا بطريركًا) إلى قنوبين، ولما علم بذلك الشيخ عيسى أتى متواقعًا متذللاً أمام البطريرك ليغفر له ويعدل عن السفر إلى كسروان، وأراد المشايخ الخوازنة أن يبطشوا به فنهاهم البطريرك عن ذلك وسار معهم إلى كسروان فالتقاه الأهلون بالتجلّة والاحتفاء وأقام بدير مار شليطا مقبس نحوًا من أربعة أشهر، ثم وردت له رسائل من والي طرابلس على يد الخواجه طربيه ترجمان قنصلية فرنسة أن يعود إلى كرسيه آمنًا فعاد في 19 من نيسان سنة 1704م يوم السبت وفي صباح الأحد أقام قداسًا حافلاً ومنح غفرانًا كاملاً لجميع الحاضرين . وفي غد الاثنين ودعه من كانوا قد رافقوه من كسروان فشيّعهم إلى باب الدير وأراد أن يرجع إلى غرفته فتعذر عليه أن يخطو فحمله شماسه إلى فراشه، وعلم أن قد دنا أجله وأنّ الله استجاب طلبته أن لا يميته خارجًا عن كرسيه، وأخذته حمى شديدة لم تمنعه عن التسبيح لله ومباركة شعبه وتناول الأسرار المقدّسة إلى أن توفاه الله ونقله إلى راحة الأبرار صحبة القديسين الملافنة باسيليوس واثناسيوس وفم الذهب نهار السبت في الساعة الثالثة من النهار في 3 من أيار سنة 1704م وعمره أربع وسبعون سنة.
وقد حفظ لنا دي لاروك في كتاب رحلته إلى سورية ولبنان رسالة أنفذها لويس الرابع عشر ملك فرنسة الى هذا البطريرك هذه ترجمتها:

 

"أيها البطريرك اسطفانوس بطرس الانطاكي"

 


أيها السيد الأجلّ، قد رفع إليّ الخوري الياس كاتب سركم الرسالة التي كتبتموها اليّ في 20 من آذار سنة 1700م وعلمت منها متأسفًا المحن التي يقاسيها الكاثوليكيون أبناء ملّتكم المارونية في جبل لبنان وشدة الضنك الذي تقاسونه لوقاية شخصكم من الإهانات التي ينزلها البعض بكم. ولما كنت مستعدًا أن أبذل دائمًا كل ما بوسعي من العناية بتأييد الدين الكاثوليكي الرسولي الروماني في كل مكان ولا سيما في أرجاء بطريركيتكم حيث تعاظمت المحن، قد سلمت إلى كاتب سركم رسالة جددت بها الأمر الذي أصدرته قبلاً إلى سفيري بالقسطنطينية أن يصرف عنايته واهتمامه لينال من الباب العثماني كل ما يمكن من الأمور العائدة بالنفع للدين الكاثوليكي في بلاد الموارنة ليجعلكم تشعرون بمفاعيل حمايتنا وإجلالنا لكم خاصةً. وأسأله تعالى أيها السيد الأجلّ أن يحفظكم بحراسته المقدّسة. كُتب في مارلي في 10 أب سنة 1701م التوقيع لويس. وفي أسفل الصحيفة كولبر".