البطريرك الدويهي... رجل إيمان

 المرجع: البطريرك الدويهي... رجل إيمان، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 1991.
 

الدويهي رجل إيمان

لا بد من تحديد "الإيمان" لننتقل إلى مظاهر الإيمان في شخصية البطريرك مار اسطفان الدويهي، فننتهي إلى التأكيد أن عظمة الدويهي الروحية والعلمية والرعوية تتفجّر من كونه رجل إيمان.

1- مفهوم الإيمان

لفظة إيمان العبرية في الكتاب المقدس تعني واقعين:

الأول، "أمان" ويوحي بالصلابة والاستقرار. أي ما يولّده الإيمان في النفس من يقين وثبات: "إن لم تؤمنوا لا ثبات لكم" (أشعيا). وينفي كلّ شك وخوف وتقلب: بطرس بالإيمان يمشي على المياه. وهكذا ينفتح الإيمان على الرجاء: "الإيمان هو أساس الأمور المرجوة" (عبرانيين 11/1).

من هذا المنطلق يحدد المجمع الفاتيكاني الثاني الإيمان بأنه "تسليم العقل والإرادة تسليمًا كاملاً وحرًا لما يوحي الله" (في الوحي الإلهي، عدد 2).

الثاني، "بطاح" ويوحي بالأمانة والثقة. أي ما يتطلبه الإيمان من ثقة وأمانة وتسليم: "البار من الإيمان يحيا" (عبرانيين 10/38). هنا ينفتح الإيمان على المحبة: "بالإيمان أطاع ابراهيم، حين دعي ليخرج إلى المكان الذي كان مزمعًا أن يرثه. فخرج وهو لا يدري إلى أين يذهب" (عبرانيين 11/8-9).

2- مظاهر الإيمان في شخصية الدويهي

2 -1 – الإيمان هو أساس الدين والحياة. فلا صلاح حيث لا إيمان. بدون إيمان، تكون مثل ربّان يقود سفينته بمهارة، ولكنه ضيّع وجهة سفره. إذ ذاك ماذا يفيده إن أمسك جيدًا بدفتها، ووجهها بحكمة، وجابه الأمواج بمقدمتهما، وحفظ التوازن لجانبيها؟ (القديس أغسطينوس). الإيمان كالأساس بالنسبة إلى البيت الفخم. لذلك كل ما ينطلق من الإيمان عظيم. والإيمان يولّد التواضع الذي هو أساس الحياة المسيحية ومبدأ كل الفضائل.

هذا هو سر الدويهي العظيم بشخصيته ومؤلفاته وأعماله وإنجازاته. وهي تشكّل صرحًا روحيًا وعلميًا ورعويًا كبيرًا. والكل مدين له.

2 – 2 – الإيمان عطية من الله. بيئة الدويهي، بيئة الإيمان والتقوى، سهّلت عليه السبل ليقدّس نفسه، ومن أوكلت إليه رعايتهم. والعطية الإلهية تستلزم طاعة الإيمان. آمن والتزم.

محيطه: كنائس تغص بالمؤمنين، وأديار تؤهّل بالرهبان، ومحابس تعمّر بالنسّاك. والوادي المقدس يزخر بالمتوحدين ويتناقل أخبار تقشفاتهم المذهلة، والعائلة الدويهية تزدان بالبطاركة والأساقفة، المطران يعقوب في دير مار سركيس رأس النهر (1503)، المطران قرياقوس مطران إهدن (1513)، المطران سركيس في دير مار سركيس (1565)، المطران جبرائيل في زغرتا (1519)، البطريرك جرجس عميره (1633)، المطران بولس مطران إهدن (1659)، المطران جبرائيل مطران صفد (1693).

تأثّر الدويهي بهذه البيئة التقوية، وراح يقتدي بالسلف الصالح منذ طفولته وعبر جميع مراحل حياته، حتى أنه أصبح "خلاصة الشعب الماروني". وفيه تجسّدت الفطرة المارونية بكل صفاتها الحسنة منذ صغره. ولما تسلّم المراتب العالية، أخذ من أمثال سلفائه الأبرار سبيلاً لممارسة الفضائل كلها، فأمسى مثل الرعاة الصالحين (المطران بطرس شبلي، اسطفانوس الدويهي، ص 211).

على أساس الإيمان بنى، منذ وصوله إلى روما طالبًا إكليركيًا، وهو في الحادية عشرة من العمر، راح ينمو كالسوسن، جامعًا لطف الأخلاق، وطيب عرف الفضيلة وطهارة السيرة. ميزته عبادة حارة واجتهاد في الدرس دؤوب، وقد جعلاه يتفوق على رفاقه فكان يسبقهم على شبه النسر الذي يفوق كل الطيور بالطيران (البطريرك سمعان عواد). وفي كل ذلك، كان رقيق الطبع، وديعًا متضعًا، يستميل الناس ويجتذب محبة القلوب.

2 – 3- الإيمان تواضع. فضيلة تميّز بها الدويهي. وتجلّت في محطات عديدة من حياته: في عودته إلى إهدن، بعد أن أنهى دروسه الفلسفية واللاهوتية، رغم الإلحاح عليه بالبقاء في روما ليعلّم في جامعاتها، ويتبوأ مراكزها الرفيعة، وذلك تعلقًا منه بوطنه وكنيسته. في إهدن تفرّغ العلامة الكبير لتعليم الأولاد، وتدريب أبناء بلدته على أعمال البر، والعيش في عزلة وخلوة رهبانية طوعية، زاهدًا بمديح الناس ومغريات العلى. وتجلى تواضعه في هربه عندما علم أن المطارنة متفقون على انتخابه بطريركًا، وهو في الأربعين من العمر، سنة 1670. وفي انتقاله من قنوبين إلى دير مار شليطا مقبس في كسروان، لاسترضاء الشيخ نادر الخازن المعروف بأبي نوفل، وكان قد استاء من انتخاب البطريرك الجديد دون مشورته وحضوره. جاء البطريرك الدويهي إلى كسروان وأخمد بمشهد اتضاعه ورقته نفور الشيخ أبي نوفل وأحلافه. وبعد زمان قصير، أدى الشيخ أبي نوفل للبطريرك واجب الطاعة، وبالغ في إكرامه، لما شاهد فيه ذكاء العقل وعلامات القداسة. وتجلّى تواضعه في الكتابة إلى الخوري يوسف شمعون ليرجع من روما بدون براءة التثبيت، عندما عرف بأن نفرًا من الطائفة يطالب بعزله عن البطريركية تضامنًا مع الشيخ أبي نوفل.

2- 4- الإيمان صلابة واستقرار. ما كانت النوائب تهز الدويهي، ولا تزعزع عزمه وشجاعته. بل بالصبر تغلّب على جميع النكبات التي جرت في أيامه على الكرسي والكنيسة المارونية. فصمد بصلابة وعزم. وثبت شجاعًا بقوة احترامه لحقيقة التاريخ وتسليمه لإرادة الله، وهو الذي كان يقول: "البطريركية حمل ثقيل لا يعرفه غير الذي جرّب".

من مواقف صلابة الإيمان هذه:

أ- موقفه من بعض المطارنة، الذين طلبوا، متوسطين مشايخ آل الخازن، أن يسمح لهم ببعض العشور. فأجاب الدويهي، "الذي مراده منا رعية يطلع يسكن كجاري العادة في مزارع بريسات وبلوزا وكفرزينا وسرعل، ويقاتل عنا قدام المشايخ والحكام. وأما أنه ينقّر ويطير ويعمل له عشيرة وينقل رزق قنوبين إلى برّا، وأنا أبقى أتقلّى وحدي، هذا الشيء لا يكون ولا عاقل يقوله" (المطران بطرس شبلي: اسطفانوس الدويهي، ص 159-162).

ب- موقفه من مشايخ آل الخازن، الذين تدخلوا بشؤون الطائفة الروحية، ومن الإكليركيين الذين اعتمدوا، بواسطة آل الخازن، السيمونية أي دفع المال، لاختلاس الدرجات المقدسة ولا سيما الأسقفية. ولهذا السبب غادر البطريرك الدويهي مقره في مار شليطا مقبس سنة 1683 إلى مجدل المعوش حيث أقام سنتين. ومن هناك وجّه رسائل رعائية هي بمثابة تعليم للجهال، وتنبيه للمتغفلين، وتهديد للعصاة. قال: "نحن السالكين في أثر الرسل والآباء القديسين، واؤتمنا من الله تدبير شعبه وإرشاده، ننذركم يا أولادنا، ونأمركم بأمر الطاعة أن تتجنبوا كل برطيل في الرسامات إن كانت لذاتكم أم لغيركم... كل من لا يريد أن يعتبر يكون محرومًا ومسخوطًا من الله، ومن الرسل الأطهار، ومن المجامع المقدسة، ومن حقارتنا، ويكون دم المسيح خصمه ونحن أبرياء من "خطيئة" (المرجع نفسه، ص 163-165).

ج- موقفه من مشايخ آل حمادة، كثرت شرور آل حمادة ومضايقتهم على الموارنة. فنشروا روح القتل والنهب. وقد كتب الدويهي بهذا الخصوص إلى البابا اينوشتسيوس الحادي عشر في 8 أيلول 1679: "لقد رأى الشعب الماروني، في هذه السنوات الثلاث، من المحن والمشقات ما لم يره شعب إسرائيل من الفراعنة. فان ضياعًا كثيرة خلت، وبعض الأديار احترقت، والكنائس انهجرت، وقتل شعب كثير، والباقون تفرّقوا بين الأمم الغريبة من قساوة الحكام. ثم دخلت هذه السنة بالجرد والزحاف، ثم تبعهم القحط والغلاء". ويعلن البطريرك موقفه من كل هذه المأساة: "لكن أحكام الباري غير مدركة، ومهما يجينا من جانبه مقبول على الرأس والعين".

وعندما تفاقمت مضايقات آل حمادة المتاولة ومظالمهم، ولم يدعوا البطريرك وأبناءه في مناطق البترون والجبة وجبيل وفتوح كسروان، في راحة وطمأنينة، غادر الدويهي قنوبين سنة 1675 إلى دير مار شليطا مقبس في كسروان. وراح، بعزم وثبات، يعزّي المحزونين من أبنائه، والمتألمين، ويساعد المتضايقين، ويصلي لأجل المظلومين ولأجل الظالمين.

ثم عاد البطريرك في أواسط 1685 إلى قنوبين، بعد أن أرسل المشايخ الحماديون رجالاً حمّلوهم إلى الدويهي رسائل ندامة على سوء معاملتهم له، وأبدوا استعدادًا للتعويض عما صدر عنهم من مساوئ، كما يخبر في تاريخ الأزمنة.

ولكن آل حمادة نكثوا بالعهود، فتعدّوا على خدام الكرسي في قنوبين، وجاروا على البطريرك نفسه بدفع الأموال الأميرية ظلمًا، فهرب الدويهي من جورهم سنة 1695 إلى مار شليطا مقبس. ورفع أمره إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر، برسالة في 20 آذار 1700، ليتوسط لدى الباب العالي في سبيل رفع التعديات عن البطريركية والطائفة المارونية. ففعل الملك، كما يبدو من رسالته إلى البطريرك بتاريخ 10 آب 1701 (أنظر نص الرسالة في كتاب الخوري يوحنا يشوع الخوري: البطريرك اسطفان الدويهي، 1958، ص 16).

ومن جديد عاد المشايخ الحماديون يتوسطون لدى أعيان البلاد حتى يقنعوا البطريرك ورعاياه بالرجوع إلى قنوبين. فكتب إليه ارسلان باشا بهذا الخصوص، وتعهد له بمنع كل أذى ودفع كل تعدي من جباة الأموال الأميرية. ووعده بالخير والعدل والأمان. فعاد الدويهي إلى قنوبين. ولكن، كالعادة، ومن جديد تعدّى آل حماده على البطريرك. فجاؤوا قنوبين بمعية كبيرهم الشيخ عيسى حماده، وطلبوا من الدويهي مبلغًا من المال ظلمًا، فلم يجبهم إلى طلبهم. حينئذ غضب عيسى المذكور ولطم البطريرك الشيخ وهو في الرابعة والسبعين على وجهه، فرمى عمامته من على رأسه، وألقاه أرضًا، وأوسعه شتمًا وإهانة. فاحتمل البطريرك كل ذلك بصبر، ولم يتفوّه بكلمة. ثم كتب إلى الشيخ حصن الخازن وأخبره بما جرى. وهكذا غادر الدويهي من جديد دير قنوبين برفقة مشايخ آل الخازن في 24 كانون الثاني 1704 إلى غزير، وحل في دار مشايخ آل حبيش. ثم توجه إلى دير مار شليطا مقبس وأقام فيه أربعة أشهر تقريبًا.

ومن جديد أيضًا، كتب إليه كل من والي طرابلس، والأمير بشير الأول شهاب، مستنكرين ما أنزل به الشيخ عيسى، وواعدين بما يلزم من ضمانات. فغادر الدويهي كسروان في 19 نيسان 1704، ووصل إلى قنوبين في 26 منه. ولكن، من عناء التعب والألم الحسي والمعنوي، وافته المنية في 3 أيار 1704 (أنظر كتاب الخوري يوحنا يشوع الخوري المذكور أعلاه، ص 21-24).

إن كل ذلك عبرة لنا وللتاريخ. وهكذا الدويهي، بصلابة الإيمان والصبر والتسليم لإرادة الله، ثبت وصمد. وارتضى أن ينتقل تسع مرات مغادرًا قنوبين وعائدًا إليها خلال أربع وثلاثين سنة من بطريركته.

2 – 5 – الإيمان غيرة ومحبة.كتب البطريرك سمعان عواد عن الدويهي: "كان يحب طائفته حبًا يفوق كل حد، حتى أنه ما كان كان يبالي بحياته لأجلها، وكان مستعدًا في كل وقت أن يقدم عنقه للسيف إذا اقتضت مصلحتها وخيرها".

أجل، دافع الدويهي عن حقوق الكنيسة المارونية الزمنية منها والكنسية والروحية.

أ – أما حقوقها الزمنية، فدافع عنها ضد الحكام وبعض الطامعين، كما رأينا.

ب – وأما حقوقها الكنسية، فدافع عنها بوجه رهبان القديس فرنسيس في القدس. هؤلاء أرادوا إخراج المسيحيين الشرقيين، ومن بينهم الموارنة، من طاعة بطاركتهم إلى طاعة الرئيس اللاتيني في القدس، بالانتقال إلى الطقس اللاتيني، لقاء خدمتهم المجانية واستخدام بعضهم في مصالح ينتفعون بها.

فدافع البطريرك عن حقوق أبنائه المضطهدين. وربح الشكوى التي رفعها الرهبان الفرنسيسكان إلى المجمع المقدس، في تموز 1689. وراحت التعديات على الموارنة تتجدد عام 1696 و1697 في عهد كل رئيس جديد. عندما أوفد الدويهي إلى القدس سنة 1699 المطران يوسف الشامي وأمين سره الخوري الياس الحصروني، وبيّن للرئيس آنذاك أن أعماله مخالفة للعدل الإلهي ولتاريخ الكنيسة المارونية.

وإذا بنتيجة عجيبة تحصل: إذ اضطر اللاتين قسرًا أن يلقبوا كل كاثوليكي أقبل إليهم بلقب "ماروني"، لأن الأمة المارونية من جملة رعايا سلطان المسلمين، فأخذ القاضي بيدهم وقيد في السجل أنهم موارنة حتمًا. كتب الدويهي بهذا الخصوص: "لنتأمل كيف أن الافرنج، لما أرادوا أن ينزعوا هذه التسمية عن أهلها، أجبروا أن يدخلوا تحتها من ليس منها، واعترفوا بأن أمة الموارنة هي لهم سند عظيم ولجميع الكثلكة في جهات القدس وغيرها من بلاد الشرق" (تاريخ الطائفة المارونية للدويهي، نشره رشيد الشرتوني – بيروت 1890، ص 464).

ج – أما حقوق الكنيسة المارونية الروحية، فدافع عنها الدويهي بسلاح القلم. فلما نظر إلى الأمة المارونية ورآها متصلة بالمسيح والرسل، وثابتة على صخرة بطرس رغم الإضطهادات. ولما رأى من جهة ثانية أن الكثيرين من الحساد، مواطنين وأجانب، يتهجمون عليها ويلقون الشبهات على أصلها وإيمانها، كتب دفاعًا سمي بـ"المحاماة عن الطائفة المارونية"، وضمّنه في ثلاثة كتب أو أجزاء:

الأول، أصل الموارنة، وفيه يبرز شخصية القديس مارون، مراحله وقداسته، ويتكلم عن الرهبان والناس الذين تبعوه.

الثاني، رد التهم، ودفع الشبهات التي أتى بها المعترضون طعنًا في قداسة مارون وصحة إيمان أتباعه. وينهي الدويهي كتابه بشهادة الكاردينال نرلي سنة 1685 في الذكرى المئوية الأولى لتأسيس المدرسة المارونية في روما: "إن البابا غريغوريوس الثالث عشر، لشدة غيرته على نمو الديانة والعلوم، أنشأ في كل مكان مدارس كثيرة منها مدرسة الموارنة برومية، إلا أن التي أنشاها لسائر الطوائف كانت ليجذبهم ويردهم إلى طاعة رومية. وأما التي أقامها للموارنة فقد أقامها مكافأة لإيمانهم وطاعتهم التي استمروا عليها دائمًا لجهة الكرسي الروماني، لأن الأمة المارونية نشأت منذ بدء الكثلكة، والديانة المسيحية التي تشربتها أولاً منذ نشأتها، ما زالت متمسكة بها ومحافظة عليها إلى وقتنا هذا".

الثالث، الاحتجاج عن الملّة المارونية: عن الأضاليل والبدع التي نسبت للموارنة، وعددها إثنتا عشرة قضية أو مقالة، وهي احتجاجات عن أهم حقائق الإيمان، أعني عن الأسرار السبعة، عن الخليقة المنسوبة للآب، عن الدينونة، عن السيد المسيح والروح القدس، عن الكتب المقدسة، وعن بعض عوايد وأمور مختلفة.
من يطالع هذه الكتب يرى أن الدويهي، في جدله لا يفوه البتة بكلمة تمس أخصامه مهما كانوا أو تدل على الاحتيال في الرد أو الالتجاء إلى التهكم، بل انه لم يخرج قط عن دائرة الآداب والاحترام، ولم يستند إلا على قوة البرهان، فتأخذك من مطالعة كتابه الهيبة والوقار.

2 – 6 – الإيمان ينبوع الصلاة وثمرتها. والدويهي المؤمن رجل صلاة، اعتاد عليها منذ صغره وحافظ عليها طوال حياته. في قنوبين فتح من غرفته الصغيرة بابًا ينفذ منه إلى متخّت الكنيسة، حيث كان يقضي الساعات الطوال في الصلاة ليلاً ونهارًا، لاجئًا إلى القربان المقدس كل ما اعتاص عليه فهم قضية أو صعب عليه حل مشكلة.

وعندما فقد بصره، وهو طالب في الفلسفة في روما وهمّ رئيسه بإرجاعه إلى لبنان، التجأ إلى الصلاة فتوجّه إلى الكنيسة وخرّ أمام أيقونة الطوباوية مريم العذراء، التي اعتاد اللجوء إليها، وكان قد أسّس أخوية على إسمها. ابتهل إليها من صميم قلبه، ونذر لها نذرًا ألزم ذاته به، راجيًا أن تلتمس له الشفاء من ابنها المجيد، وفي الحال رجع نظره إليه وصار في حالة أفضل مما قبل المرض.

وقرن الصلاة بالتقشف والاماتة. فأخذ على نفسه بالشدة، ولم يأكل اللحم إلا إذا مرض أو أوجبه عليه مرشده الروحي، متقيدًا بأوامر مجمع حراش (1644): "كل من يصي مطرنًا أو بطريركًا لا يعود يقدر أن يتزفر" (باب وصايا الكنيسة، بند 7). ويخبر معاصروه أنه لم ينهض مرة عن الطعام شبعانًا، ولم يأكل فاكهة جديدة، وكان يتخلى عن كل ما يشتهيه.

ويقينا منه أن الصلاة هي قاعدة الإيمان، بحيث أن الشعب يؤمن كما يصلي، فقد أولى الدويهي الشؤون الطقسية اهتمامًا بالغًا، فمنذ انتخابه بطريركًا، أخذ يطوف في كل رعيته، وينقي الكتب من البدع والهرطقات وينقحها لئلا يكون في معانيها أو عباراتها شيء يشوب الحقيقة الكاثوليكية.

فبدأ بالشرطونية، وهي كتاب السيامات، أصلحها وردها إلى رونقها الأصلي، ووضع لها شرحًا جميلاً وصف به جميع الدرجات ومعانيها المقدسة. ثم جمع في مجلد واحد رتبة تكريس الكنائس وآنيتها، وصححها، وأبرز فائدة كل تكريس. ثم نقّح رتبة لبس الاسكيم الرهباني وتكريس الرهبان والراهبات لخدمة الله، باذلاً جهده في أن تكون الرتبة المصححة مطابقة لما وضعه النساك والمتعبدون منذ الأزمنة القديمة. وراح يجمع نوافير القداس المقبولة في الكنيسة المارونية، ونقححها وصححها وردها إلى أصلها. وذلك لما لكتاب القداس من شأن عظيم ومنزلة كبرى في الطقوس، لأنه يشتمل على الألفاظ المقدسة في الكنيسة التي بها تتهم ذبيحة ابن الله وتقدمة جسده ودمه للآب السماوي. ومن أهم كتبه الطقسية كتاب منارة الأقداس أو "المنائر العشر" التي تكلم فيها عن كل ما يتعلق بخدمة سر الافخارستيا. وترك الدويهي مؤلفات طقسية أخرى تناولت على التوالى الألحان السريانية، والجنازات، والرتب الكنسية.

وكان الدويهي، في كل ذلك، ينطلق من مبدأ القديس أغسطينوس: "الإيمان يفيض صلاة، والصلاة تقوي الإيمان". وهذا دليل على سهر الراعي على رعيته، وعلى حرص الرئيس على رونق كنيسته، لتكون طقوسها محفوظة على ما وضعها الآباء الأطهار، وليكون إيمانها مطابقًا إيمان الكنيسة المقدسة.

3- خاتمة:

إن أفضل ما نختم هو كلمة المطران شبلي: "كل ما ينطلق من الإيمان عظيم. والإيمان كالأساس بالنسبة للبيت الفخم. فالدويهي لم يقم في الشرق كثيرون مثله ولا نستسصغره عن أكبر الملافنة.

فبالتاريخ ضاهى ابن العبري، وبالكلام عن الأسرار المقدسة والغوامض الإلهية شابه يوحنا الدمشقي، وبالغيرة على الدين الكاثوليكي والمناضلة عن أبناء الكنيسة عامة وعن طائفته خاصة، فانه فاق الجميع، وصار بتواريخه مبدع تاريخنا، وبمنائره منارة اعتقادنا، وبجهاده ونزاهته مثال الرؤساء وفخر المرؤوسين. وبعد التأمل بأعماله وتآليفه واعتبار الظروف التي تقلب فيها نقول: إنه أعظم ماروني علمًا وعملاً. أعظم من العمشيتي، أعظم من الحاقلاني، أعظم من ابن القلاعي، أعظم من ابن نمرون، أعظم من السمعاني نفسه. لقد أخبرنا من أي صخر قطعنا، فأضرم في قلوبنا محبة من سلفونا وتقدمونا في الإيمان، ونشطنا على الثبات في الدين" (اسطفانوس الدويهي، طبعة 1970، ص 208).