ترجمة أبينا المغبوط إسطفان الدويهي بطريرك أنطاكية

 

 المرجع: ترجمة أبينا المغبوط إسطفان الدويهي بطريرك أنطاكية، بيروت، 1913. أعاد طبعه المطران إغناطيوس زيادة، رئيس أساقفة بيروت، سنة 1970.
 

 

فهرست

 

صفحة

 


كلمة إلى القارئ............................................................ 5
مقدمة.......................................................................... 7
الفصل الأول: في نسب إسطفانس الدويهي وفي ذهابه
                   إلى مدرسة رومة إلى حين عودته منها
                   (1630 – 1655) ........................................... 9
الفصل الثاني: في رجوع إسطفان من رومة وتعليمه الأولاد في
                     إهدن ورسالته إلى حلب وتسقيفه على رعية قبرس
                    (1655 – 1670)............................................ 26
الفصل الثالث: في انتخابه بطريركًا وجلوسه على كرسي انطاكية
                     وفي ما عرض له من الصعوبات والمقاومات
                     (1670 – 1674) .......................................... 50
الفصل الرابع: في أهم ما جرى في أوائل بطريركية البطريرك إسطفان
                    (1670 – 1675) ........................................... 78
الفصل الخامس: تابع أخبار ما حدث في عهد بطريركية إسطفان
                        الدويهي (1676 – 1682) ............................ 93
الفصل السادس: تابع أخبار الحوادث التي جرت في عهد البطريريك
                         إسطفان (1683 – 1703) .......................... 113
الفصل السابع: في محاواة الدويهي عن حقوق الطائفة ورؤسائها
                     وغيرته على الطوائف الكاثوليكية ........................ 127
الفصل الثامن: في تدبيره الكرسي البطريركي وسياسته للطائفة .. 139
الفصل التاسع: في تأسيس الرهبنة اللبنانية .......................... 167
الفصل العاشر: في علم الدويهي وتآليفه ............................... 186
الفصل الحادي عشر: في قداسة حياته وطهارة سيرته ............. 209
الفصل الثاني عشر: في آخر حياة البطريرك إسطفان وانتقاله
                             السعيد ............................................. 225

 

كلمة إلى القارئ

 


وضعنا هذه الترجمة وأقدمنا على نشرها بالطبع. وفي النفس اعتقاد التقصير وفي العين انتقاد العمل. فإن وجدت الحوادث التي سردناها مما لا يعبأ به أو استغربت اننا ضمناها إلى بعضها لا يجمعها غير رابطة تعاقب الأزمنة فإنما فعلنا ذلك عن اضطرار وحرصًا على ما وصل إلينا من أخبارها ومثلنا مثل من تعذر عليه بناء هيكل فخيم مجسمة على جدرانه صور المخلوقات فنقشها بالألوان ورصعها بالفسيفساء. وأمنية العامل والكاتب أن يروق عملهما ويفيد وينال لهما المعذرة عن العجز والتقصير. والله ولي التوفيق.

 

مقدمة

 


مناسبة جميلة، يوبيل حبرين كبيرين، حملتنا على إعادة طبع كتاب "ترجمة البطريرك الدويهي" – مطبعة النهضة سنة 1913 – بقلم سلفنا المثلث الرحمة المطران بطرس شبلي، رئيس أساقفة بيروت.
في سنة 1670، انتخب إسطفان الدويهي بطريركًا على الطائفة.
وفي سنة 1870، أبصر النور خليل شبلي.
ولما بين الرجلين من وجه شبه، لم يتردد المطران شبلي في كتابة حياة البطريرك الكبير.
ذكاء حاد،
تقوى عميقة الجذور،
اطّلاع وتعمق في علم الفلسفة واللاهوت،
ميل إلى البحث والتنقيب، للتاريخ،
حبّ للطائفة وللبنيان، لا يفوقه سوى حبهما لله.

 

تلك كانت بعض الميزات التي تحلّى بها كلا الرجلين، فجاهدا، وضحّيا، واستشهدا.
سافر إسطفان الدويهي، وهو في الحادية عشرة من عمره، إلى روما، وانكبّ، مع الصلاة، على الدرس والتحصيل، فكان النجاح حليفه. تفوّق وحاز إعجاب معلميه ورفاقه، فعلّقوا عليه آمالاً كبيرة، ورغب إليه أكثر من واحد منهم في أن يبقى في أوروبا وأغروه بتوفّر الإمكانات لمن كان مثله هائمًا بالدرس والتأليف، كما عرض عليه آباء المجمع أن يدرّس الفلسفة واللاهوت، إلاّ أنّه آثر العودة إلى لبنان، يخدم أبناء بلدته وطائفته ووطنه.

 

وانتقل خليل شبلي وهو في الخامسة عشرة من عمره، من دفون إلى باريس، يتابع دروسه في معهد "سان سولبيس"، فأصاب نجاحًا كبيرًا، حتى تفوّق في كتابة الفرنسية على الافرنسيين أنفسهم! وفضلاً عن ذكائه، فقد امتاز بفضيلة التقوى والتجرّد. وبعد أن أتمّ دروسه الكهنوتية، أكبّ على درس الآثار القديمة والمخطوطات. فألحّ عليه أساتذته ليبقى في باريس مساعدًا لهم، فاعتذر وأبى إلاّ الرجوع إلى بلاده ليخدمها بعلمه وعمله.

 

وتفرّغ كلّ من الدويهي وشبلي، بعد عودتهما إلى الوطن، إلى عمل الرسالة أولاً، فبشّرا، وعلّما الأولاد التعليم الديني، وجادلا أصحاب البدع، وارسخا قواعد الدين في محيطهما، دون أن يهملا متابعة البحث والتأليف كلما سمحت لهما بذلك أوقاتهما ومهامّهما.

 

واصطافهما الرب "لملء الكهنوت" فحملا صليبهما، على مثال المخلّص، وتعرّضا للاضطهاد والعذاب في سبيل معتقدهما وبلادهما. اضطرّ الدويهي إلى الرهب من وجه الحكام الأتراك آنذاك، وترك كرسيّه في وادي قنوبين إلى كسروان فالشوف؛ ونال شبلي أيضًا من الآلام نصيبًا وافرًا، كان آخرها نفيه إلى الأناضول، حيث توفي في 20 آذار سنة 1917، وفي نفسه حنيني إلى أبرشيته ووطنه.

 

وجهان نبيلان أحببنا أن نحيي ذكراهما، بمناسبة يوبيلهما. انهما من ذاك الرعيل من البطاركة والأساقفة الذين أسهموا في بناء هذا الوطن وجاهدوا وضحوا واستشهدوا في سبيله؛ فكان من الواجب علينا إحياء تراثهما، منارة يضيء الطريق أمام الأجيال الصاعدة، متوخين، من عملنا هذا، خدمة الطائفة والتاريخ والوطن.

 

المطران اغناطيوس زياده

 

رئيس أساقفة بيروت

 

الفصل الأول

 

في نسب إسطفانوس الدويهي

 

وفي ذهابه إلى مدرسة روما إلى حين عودته منها

 

1630 – 1655

 

إن العائلة الدويهية من أقدم عيال إهدن ولها بقية إلى يومنا هذا في هذه القصبة ونزح أفراد منها إلى مجدل معوش وإلى بيروت (1) وإلى الذريب في عكار. قيل انها قدمت إلى إهدن في أوائل القرن الخامس عشر وربما قبل ذلك واستوطنت من قرى لبنان أشهرها موقعًا وأحسنها منظرًا وأطيبها هواء وأشدها شعبًا قرية منّ عليها الباري بنعم الأرض والسماء وأجرى فيها المياه الغزيرة حتى انه خيّل لكثيرين انها عدن أو الفردوس الأرضي وفيها قوم بواسل يهابهم القريب والغريب فطروا على التقى ونبغوا بالذكاء والعلم وخرج منهم بطاركة ورؤساء ورجال سياسة وقادة وأبطال وحسبهم شرفًا أن لا يذكر أحد قريتهم إلا وبادر إلى ذهنه اسم البطريرك إسطفان ويوسف كرم، كلاهما فخر لبنان والطائفة المارونية.

 

أما العائلة الدويهية فقد ولد منها أساقفة وبطاركة نذكر منهم المطران يعقوب الذي أقام في دير مار سركيس راس النهر (1503) والمطران قرياقس مطران إهدن (1513) والمطران سركيس الذي سكن أيضًا في مار سركيس (1565) والمطران جبرائيل في زغرتا (1519) والمطران جرجس عميرا الذي صار بطريركًا سنة 1633 (2) والمطران بولس مطران إهدن الذي يدعوه البطريرك إسطفان ابن عمه (1659) والمطران جبرائيل مطران صفد (1693) والبطريرك إسطفان والمطران إسطفان الثاني (1727) والثالث (1810).(3)

 

أما الحوادث التي طرأت على هذه العائلة فقد حفظ لنا ذكر بعضها في مخطوطات البطريرك إسطفان منها انه سنة 1350 رقي إلى المطرانية على إهدن برضا أهلها الراهب انطون ابن الحاج فرحات الحصروني لأن أمه كانت من الطائفة الدويهية وهو تربى عند أخواله في دير مار يعقوب وسكن في يدر مار سركيس رأس النهر (4) وكان يعرف العربية والتركية جيدًا فأرسله البطريرك موسى العكاري لتأدية واجب الخضوع للسلطان سليمان الثاني حين قدومه إلى مدينة حلب وبنى كنيسة السيدة في دير مار سركيس ولما تعدى أحد مطارنة الروم على حقوق بطريرك الموارنة وجمع العشور من المورانة في بلاد عرقا وعكار أقام عليه المطران انطون الدعوى وحكم على مطران الروم وأجبر على ترك عشور رعيته في تلك البلاد سبع سنوات إلى أن يأخذ مطران الموارنة ما ذهب من حقوقه.

 

وسنة 1572 استولى المسلمون على الأوقاف والأديار وجعلوا أرزاقها بكليكًا ولما خربت الأرزاق والأملاك ألزموا أصحابها بدفع ثمنها ليستفكوها ومن تعجّز عن ذلك أكرهوه على الدفع بالسيف عنوة كما جرى للدويهيين الذين كانوا متولين أوقاف دير مار سركيس ومار بطرس في إهدن وحكموا على القس موسى بن يوسف الدقيق أخ المطران سركيس بالموت على الخازوق ثم استفك دير مار سركيس بيت الجاموس قضاة طرابلس واشتروه من إدارة البكليك وبعد ذلك اشتراه الدويهيون. (5)

 

سنة 1577 كانت وفاة المطران سركيس الدويهي قال عنه البطريرك إسطفان: كان ركنًا حصينًا وراعيًا ذكيًا واعتنى بإرشاد النفوس وبناء الكنائس والأديرة. استمر في الرياسة اثنتي عشرة سنة إلا شهر واحد. وخلف قبل الأسقفية خمسة بنين ما عدا البنات وكلهم خدموا البيعة وأفادوا المؤمنين وهم الخوري عبيد والخوري جرجس ولاقس يعقوب والحاج إسطفان الراهب والحاج ابرهيم.

 

أما القس يعقوب الدويهي خال البطريرك جرجس عميرا فكان ساكنًا في يدر مار يعقوب واشتهر بتعليم الأولاد وتلمذ نحو مائة كاهن منهم البطريرك يوحنا الصفراوي والبطريرك جرجس، السابق ذكره، قال عنه الدويهي: أعطاه الرب أناة الروح والخيرات فأعطى من ماله لدير قنوبين أربعة آلاف قرش فضة. اهـ.

 

أما إسطفانس الدويهي فهو ابن الشدياق مخائيل ابن القس موسى ابن يوسف الدقيق ابن القس موسى ابن الخوري يعقوب ابن الحاج ابراهيم الدويهي. ولد في قرية إهدن في اليوم الثاني من شهر آب سنة 1630 يوم تذكار إسطفانس رئيس الشمامسة وأول اشهداء. فدعاه والداه باسم هذا القديس كعادة كثيرين من المسيحيين الذين يختارون شفيعًا لأولادهم أحد القديسين الذين تكرمهم الكنيسة يوم ولادتهم. واسم أمه الحاجة مريم وكانت من العائلة الدويهية أيضًا. وكان له أخ واحد يعرف بالحاج موسى، رزق ثلاثة بنين وهم الخوري مخائيل والقس يوسف والحاج قرياقس.

 

كانت ولادة إسطفان الدويهي في أيام الأمير فخر الدين المعني الذي نشر على الجبل اعلام الأمن والراحة وسهل للموارنة الإقامة في كسروان والمقاطعات الجنوبية وبناء الأديار فيها. وكان إسطفان ابن ثلاث سنوات لما توفي أبوه مخائيل الدويهي سنة 1633 وتركه يتيمًا. لكن الرب ظلله بجناحيه واعتنى به كالأم الحنون لأنه أعده ليكون إناء مختارًا ويحمل اسمه بين الشعوب.

 

وفي السابع والعشرين من السنة المذكورة جلس على الكرسي الانطاكي البطريرك جرجس عميرا. وصار ضيق عظيم واضطهاد على الكرسي البطريركي على أثر الحروب التي وقعت آوانئذ بين الأمير فخر الدين وآل سيفا. وسنة 1638 نهب الأمير عساف منصور ابن سيفا دير قزحيا وسلب كل ما وجد فيه وأذاق المطارين والرهبان أمرّ العذابات البربرية.

 

أما إسطفان فمنذ نعومة أظفاره أرسلته أمه إلى مدرسة القرية لاكتساب العلم والأدب وكان التدريس في ذلك العصر مقصورًا على معرفة اللغة السريانية وأصولها وإتقان الكتابة بحروفها وعلى معرفة مبادي الديانة وطقوس كنيستنا المارونية وقد تذكرناه حين زرنا إهدن وشاهدنا أولادها في دار كنيسة مار ماما يصيحون مترنمين على هجاء اللغة العربية والسريانية في ظل الأشجار وفي حمى ذلك الهيكل القديم.

 

قال البطريرك عن نفسه: منذ الصبا سلمنا والدنا إلى القراءة السريانية. ا. هـ.

 

فسبق أقرانه وأظهر سمو عقله مذ ذاك الوقت ومال كل الميل إلى العلم. وكان انصبابه على الدرس مشفوعًا بالتقوى كأنه أدرك من صغره ان العلم ليس بشيء بدون خوف الله. وعشق العلوم حسب قول مؤرخ حياته البطريرك سمعان عواد فاختاره البطريرك جرجس عميرا الإهدني وأرسله إلى مدرسة الطائفة في رومة العظمى.

 

ولا بد هنا من التلميح إلى مناقب هذا البطريرك الغيور المفضل على علامتنا الدويهي فانه كان ابن مخائيل بن عميرا من إهدن وأمه الحاجة بسطا بنت سركيس القس موسى الدويهي (6) تهذب في مدرسة رومة وصنف اغرمطيقًا مطولاً للسرياينة وبرهن عن أقدمية هذه اللغة على سائر اللغات واشتهر اسمه في رومة وتعين له معاش سنوي إلى آخر حياته وبعد رجوعه إلى بلاده ارتقى إلى رياسة الكهنوت وجلس على كرسي إهدن ثلاثًا وثلاثين سنة واقتنى له أرزاقًا وكان يرشد شعبه في طريق البرّ ويعول الأيتام. ثم ترجم للأمير فخر الدين المعني كتاب هندسة في بناء الأبراج فعفى الأمير المومأ إليه أرزاق كرسيه من دفع الخراج القانوني. وبعد أن جلس على السدة البطريركية نحو عشر سنوات توفاه الله بشيخوخة صالحة سنة 1644 (7) وروى الدويهي انه لما توفي البطريرك يوحنا الصفراوي وأتوا بجثته ليدفنوها في مغارة القديسة مارينا شوهد جسد البطريرك جرجس محفوظًا بغير فساد لا ينقصه سوى الروح والنطق دليلاً على طهارة سيرته ونسك حياته.

 

ومن الذين خبروا إسطفانس وسعوا بتسفيره إلى رومة المطران الياس الإهدني ويسميه البطريرك سمعان عواد عمه وهو المطران الياس بن يوحنا من عائلة الصراصرة من إهدن أقيم مطرانًا على كرسي إهدن سنة 1638 بعد وفاة المطران عبد الله الإهدني وهو الذي فتح سوق القلعة الشرقي بقرية زغرتا وضمه إلى الكنيسة وكانت وفاته سنة 1659 وخلفه في إهدن القس بولس ابن القس بولس عبيد ابن الأسقف سركيس الدويهي (8) فسافر إلى رومة برفقة القس سمعان التولوني (9) والشماس يوسف فتيان الحصروني وكلاهما من تلامذة المدرسة الرومانية ومع ثلاثة تلاميذ آخرين أي يوسف الرامي من رام البترون الذي عرف برومة بالسم بولس التولوني وأخيه بطرس وهما ابنا أخت القس سمعان المذكور وبطرس ابن القس ابرهيم من بيت اميه من إهدن وهو ابن عم إسطفان الدويهي . (10)

 

وكان وصولهم إلى رومة في شهر حزيران سنة 1641. وكانت المدرسة زاهرة محترمة لدى أهل العلم في البلاد الغربية لأجل الخدمة التي قام بها تلامذتها منذ تأسيسها وقد أنشأها البابا غريغوريوس الثالث عشر ذو الذكر الصالح الذي أبدى للشرقيين عمومًا ولطائفتنا المارونية بالخصوص انعطافًا أبويًا. وإذ علم حاجة كنيستنا إلى كهنة متفقهين ورؤساء غيورين أمر أن تقام لنا مدرسة في عاصمة الكثلكة تحت رعاية وحماية الأحبار الرومانيين خلفاء زعيم الرسل وكان ذلك سنة 1584 وكان مساعدًا له في هذا المشروع الخيري الكردينال انطونيوس كرافا الذي له من الفضل والمآثر لا يمحو ذكره كرور الأجيال وكان يحب المدرسة المارونية حبًا جزيلاً حتى انه وقف عليها جميع متروكاته. فأتت هذه الحديقة المقدسة بأثمار صالحة وبرز من هذا المعهد رجال اشتهروا بسعة العلم وعظم الفضيلة نخض منهم بالذكر اسحق الشدراوي ويوحنا الحصروني وجبرائيل الصهيوني الإهدني ونصر الله شلق العاقوري وجرجس عميرا وابرهيم جرجس الحلبي اليسوعي الذي مات شهيدًا واربهيم الحاقلي ومرهج نمرون الباني ما عدا الملافنة الفطاحل الذين خرجوا منها بعد الدويهي. وأمر البابا غريغوريوس المذكور بطبع الكتب اللازمة لخدمة الجلال الإلهي ولفائدة المؤمنين منها كتاب القداس والشبية والمزامير. الخ. وقد لمحنا إلى أعماله الخطيرة وان أبعد من ذلك عن موضوع كلامنا لاعتقادنا ان الاعتراف بجميل المحسنين أمر واجب وهو من الفضائل المرضية لله والممدوحة من الناس. وأعمال هذا الحبر المغبوط أوشكت أن تنسى وهي جديرة بأن تكتب بأحرف ذهبية على صفحات قلوبنا لنردد ذكرها مدى الأحقاب.

 

هذه هي المدرسة التي قدم إليها إسطفانوس وكان ابن إحدى عشرة سنة ولا ريب انه وضع نصب عينيه مثال من سلفه من التلامذة الكجتهدين فحذا حذوهم في ممارسة الفضيلة والكد باقتباس العلوم. وقبله فيها الأب ترويلس بسكويتوس الروماني اليسوعي (11) الذي كان وقتئذ رئيس المدرسة (12) وأدخله بين التلاميذ وهوّن عليه صعوبات الغربة وسهّل له السلوك في عوائد كان يجهلها وقوانين لم يألفها في مدرسة إهدن. فنجع فيه اعتناء الرؤساء وعكف على الدرس بكل ما فطر عليه من الحماسة الإهدنية وسبق رفاقه وفاقهم وبالحق قال عنه سمعان عواد في ترجمة حياته انه سبقهم "على شبه النسر الذي يفوق كل الطيور بالطيران... وكان يلالي بين أولاد المدارس كالشمس بين الكواكب". وكان اجتهاده في الدرس مقرونًا بعبادة حارة زادها العلم رونقًا وصار لها العقل أساسًا وسراجًا. وكان إسطفانس لين العريكة رقيق الطبع وديعًا متصفًا بكل ما يستميل الناس ويجتذب محبة القلوب. فهذه السجايا الحميدة هي هبة من الله للمصطفين تأخذ كمالها من كمال العمر وترسخ في النفس مع نمو الفضايل المسيحية فيها وهي التي جعلت إسطفانس معتبرًا محبوبًا من الجميع فحسبه إخوته كالكبير بينهم معترفين بسمو عقله مكرمين فضائله لا يقاومه أحد منهم ولا يعارضه معارض. قال أحد مؤرخي حياته انه كان ينمو كالسوسن جامعًا لطف الأخلاق وطيب عرف الفضيلة وطهارة السيرة والسريرة.

 

أما معلموه وبمقدمتهم الأب ترويلس المنوه به فبعد أن اختبروه وعرفوه بنوا عليه آمالاً كبيرة لاطلاعهم على باطنه وظاهره. وأتقن إسطفانس درس اللغة اللاتينية وأحكم الفصاحة والعلوم المنطقية والرياضية بيد أن كدّه واجتهاده في سبيل العلم والمعارف سبب له مرضًا أوقفه عن الدرس ولما تعافى عاد إلى ما كان عليه قبلاً من الاجتهاد. قال سمعان عواد: ذكر لنا هو نفسه انه كان يواظب الدرس والعلم في كل آن وفي كل مكان حتى في الأماكن العامة – يريد بها الأسواق وشوارع المدينة – وفي وقت اللعب والتنزه. وكان يقوم في الليل وينوّر سراجه ويقرأ بعض الأوقات ساعة أو ساعتين أو ثلاث أو أربع. وما زال يفعل هكذا حتى عدم بصره. ا هـ. فحزن معلمه البادري ترويلس لما شاهده في هذه الحالة لا يقدر يطالع ولا يكتب ملازمًا غرفته. وطال المرض كثيرًا فاحتمل إسطفانس كل ذلك بصبر وفرح ولم يشق عليه سوى شيء واحد وهو اضطراره إلى الانقطاع عن الدرس والقراءة فاحتال على المرض بهذه الحيلة وهي انه كان يستدعي بعض رفاقه ويكلفهم أن يتلوا عليه ما ألقي على مسامعهم وبهذه الواسطة لم يخشر شيئًا ولم يفته قضية مما كانوا يسمعون بل كان يفسر لهم ما غمض وما أشكل عليهم. وفي غضون ذلك كان المرض يقوى دون أمل شفاء قريب. فلما رأى ذلك رئيس المدرسة همّ بإرجاعه إلى لبنان فعلم إسطفان بقصده هذا واعتراه غمّ لا يوصف كجندي جرح في بدء المعمعة وأمسى عاجزًا عن خدمة وطنه أو كرجل يرى بغتة خيبة آمال كبيرة لعلة لا دواء لها ولا مناص منها. ولما درى أن العلاجات والوسائط البشرية لم تنج التجأ إلى تلك التي لا يعسر أمر على شفاعتها القديرة ولساعته نزل إلى الكنيسة وخرّ أمام أيقونة العذراء مريم وابتهل إليها من صميم فؤاده ونذر لها نذرًا ألزم ذاته به إن التمست له الشفاء من ابنها المجيد. وفي الحال بعد أن فاه بنذره رجع نظره إليه وصار أحسن مما كان قبل ابتلائه بالمرض المذكور. ومنذ ذلك اليوم لم يفقد شيئًا من حدة نظره طول حياته رغمًا عن اكبابه على الدرس والتأليف إلى آخر أيامه وشهد بعض من عرفه أنه في شيخوخته كان يقرأ الخطوط الدقيقة دون نظارات. وكان لشفائه فرح عظيم عند الجميع وقدموا معه الشكر لله تعالى ولتلك التي استجابت دعاه كالأم الشفوق. أما النذر الذي أوجبه على ذاته فلم يخبر أحدًا به. وطلب إليه كثيرون من أصدقائه فيما بعد أن يكشفه لهم فأبى وكان يقول انه شيء يسير وكان يظهر الانذهال كيف أن البتول قبلته ومنت عليه بالشفاء لأجله.

 

هذا حدث إذ كان إسطفانس في منتصف مدة دروسه ي لما كان في صف الفلسفة. ولما أتم درس الفلسفة سعى بإقامة محاورات كما هي العادة في المدارس الرومانية. وقد أخبرنا البطريرك نفسه في رسالة أنفذها سنة 1701 إلى الأب بطرس مبارك الشهير (13) عن هذه المحاورات انها كانت انقطعت في مدرستنا فأخذ يسعى بتجديد عادتها لما فيها من فوائد للطلبة ومن حسن السمعة في الخارج وطلب ذلك بإلحاح من المعلمين ومن الجنرال أي رئيس الرهبنة اليسوعية العام. وجعل الاجتماعات المشار إليها تحت حماية السيدة الطاهرة. وأخذ التلاميذ يجتمعون في أوقات معلومة ويعطى لبعضهم أو لكل منهم موضوع ينشئه ليلقيه على مسامع الحاضرين ويرد على المعترضين مدافعًا عن رأيه لكي يعتادوا بهذه الطريقة إبراز تصوراتهم وأفكارهم بالكلام الصحيح الفصيح والوقوف في محضر الناس ناهيك عما يرافق هذه الحفلات من الراحة والتنشيط للأولاد.

 

ولما أتم الدروس الفلسفية سنة 1650 جرى عليه الفحص على الطريقة المألوفة في الكليات أي ان التلميذ يثبت قضية ما وبعد إثباتها يعترض عليه المعلمون ومن شاء من الحاضرين وهو يرد اعتراضهم فان نجح حاز الإكليل ومأذونية التعليم وإلاّ فلا. وإسطفان يخبرنا انه قام بهذه المحاورة على اسم الكردينال كابون يعني بذلك أنها جرت تحت حماية الكردينال المذكور وربما برئاسته والقضية التي وضعها إسطفان في هذه المناسبة حظيت باستحسان الحضور وأمر الكردينال المومأ إليه أن تنشر بالطبع (14) ومن هذه المناقشة المدرسية عرف كثيرون ما كان عليه إسطفان من الذكاء والنباهة وذاع صيته في البلاد الإيطالية وأثنى عليه كل من سمعه وسمع به حتى قيل انه لم يكن له شبيه في إيطالية وان الله لم يمنّ على أحد من أقرانه بما منّ عليه به من العقل وانه أدرك من المعارف ما لم يدركه أحد منهم. فحصل من ذلك للمدرسة شرف عاطر وطارت سمعتها بين أهل العلم. وقد أثبتنا هذا كله مستندين على شهادة البطريرك سمعان عواد غير مبالين بما قد يكون فيها من الغلو.

 

إن سياق الدروس في المعاهد الأوروبية يجعل الفلسفة إكليل العلوم الأدبية وأساس العلوم الإلهية وبعد أن يضعوا الأساس العقلي يشرعون ببناء برج الوحي الحصين فيكون الشاب ألف الاقيسة المنطقية وأدرك قوة البراهين العقلية وصواب الاستنتاجات منها فلا تزعزعه أرياح الصعوبات ولا تخدعه آراء الضلال ومذاهب المفسدين. ولما تقدم إسطفانس لدرس الإلهيات كان عقله مسلحًا ومهيأ بكلما يوطد آمال النجاح وكان قلبه مزدانًا بتلك الفضيلة التي أعطي بها للإنسان أن يعاين الله ويدرك أسراره الخفية ولم يلق اتكاله على المواهب الطبيعية التي كانت فيه بل على الكد والاجتهاد فصار مثالاً لمن يغوص في بحور العلوم طالبًا جواهرها النفيسة. ولم يمض سوى يسير من الزمان حتى أدهش الجميع بذخائر حكمته وكنوز مداركه وكان البادري اسبارسا معلمه الذي تعاطى التدريس في معاهد عديدة وفي كثير من مدن أوربا يقول انه لم يتلمذ له أحد نظير إسطفانس وكثيرًا ما كان يفوض إليه إقامة المحاورات في المحافل التي تصير في المدارس. أما نمط هذه المحاورات فهو الآتي: على أحد الطلبة أن يثبت أولاً ببراهين وجيزة قضية ما فيقوم بعض السامعين ويدحض رأيه بما أمكن من الحجج ويعترض عليه بما يفحمه أو يقنعه. فيطلب من المدافع أن يكون سريع الخاطر لئلا تفوته الصعوبة والاسترسال في الجواب لئلا يقع في إشراك خصمه. ولا يخلو موقفه من حرج خصوصًا إذا عارضه الأساتذة أو تحاملوا عليه رغبة في إعلان براعته أو إخجاله. وأحيانًا يأخذ المعلم بناصر التلميذ ويسهل له إدراك المشكل أو وجود الجواب عليه. قال البطريرك سمعان عواد الذي نشأ في رومة وعرف عوائد مدارسها: إن معلمي إسطفانس لم يضطروا قط إلى الأخذ بناصره لما كان يجادل بل كانوا يتركونه وشأنه يجاوب الأساتذة الفقهاء وكانوا يفتخرون بانتصاره عليه وبرد اعتراضاتهم وبمدافعته عن رأيه وكل من حضر هذه المحاورات كان يعجب من ذكاء إسطفانس ويمجد موزع العقول والمواهب. وكان كل مرة نوى إنشاء محاورة علمية يشيع خبره ويتناقله الرومانيون كما يتناقلون أخبار حفلات الأعياد التي تصير في معابدهم الكثيرة. وبعضهم كانوا يتركون أشغالهم ليسمعوه ويشهدوا بسعة معارفه. وقد أخبرنا البطريرك إسطفان أنه لما أتم درس الإلهيات سعى بإقامة محاورة كما كان فعل في منتهى الدروس الفلسفية واختار لهذه الحفلة رئيسًا شرفيًا البطريرك يوحنا الصفراوي (15) بطريرك الطائفة وقتئذ مظهرًا بذلك تعلقه بالطائفة ورؤسائها.

 

ولما أنهى الدروس القانونية لم يسافر حالاً إلى لبنان لكنه تأخر نصف سنة إلى أن وجد رفيقًا للسفر وفي هذه الفرصة أخذ يطوف مدارس رومة ومكاتبها ويفتش على كل ما فيه ذكر للموارنة من تآليف الأقدمين وكتب الحديثين وكان شرع بهذا العمل وهو تلميذ إذ كان يتردد على المكاتب أيام العطلة بدلاً من الذهاب مع الآخرين إلى المنتزهات والجنات وكان في المدرسة مجموع كتب خطية ثمينة قديمة العهد أهداها إلى المدرسة رؤساء الطائفة السالفين أو قدمها لها التلامذة بعد خروجهم منها شهادة على تعلقها بها وطمعًا بأنها تصان في رومة بحرص لم يألفه سكان لبنان وأدياره. (16)

 

أما إسطفانس فلم يترك مؤلفًا إلاّ وطالعه ولا مصحفًا إلاّ وتصفّحه ليجد فيه ذكرًا للموارنة وكان ينسخ كلما عثر عليه من الفوائد. وعلى هذه المخطوطات المتنوعة وغيرها كان اعتماد البطريرك إسطفان في كتابة تواريخ الطائفة ودفاعه عنها وفي رد تهم الأخصام بغيرة كغيرة إيليا وتدقيق لم يفقه به أحد.

 

وبعد أن ضمّ سلعته هذه وجمع تلك الكنوز الأدبية همّ بالرجوع إلى الوطن. وقبل أن يبارح أم المدائن عيّنه المجمع المقدّس مرسلاً رسوليًا وخصّص له معاشًا وصار ذلك بعناية ذاك الماروني الهمام ابرهيم الحاقلي الشهير. وكان سفر إسطفانس في الثالث من نيسان سنة 1655. إلا أن كثيرين من الذين عرفوه وأحبوه وتعلّقوا به طفقوا يرغبونه في أن يبقى في أوربا ويغرونه بتوفر الوسائط هناك لمن كان مثله هائمًا بالدرس والتأليف لأنّ خزائن مكاتب الغرب كانت محشوة كتبًا شرقية لم تنشر ولم يوجد باحث عنها وكان بعض الموارنة المتقدمين كالحاقلي والصهيوني والحصروني اقتطفوا من حدائقها مقالات شتى وكتبًا نفيسة مفيدة فلم تغرّه كنوز هذا المعدن بل فضل الاجتهاد في خلاص بني جبلته على فخر العلم وشرف التأليف وتكريم الناس. وروى سمعان عواد أن بعض الرهبان كانوا يتنازعون إدخاله في رهبنتهم. وقال أحد مؤرخي حياته أن الآباء اليسوعيين بذلوا الجهد ليربحوه فلم يحصلوا على نتيجة. ولينا نورد هذه الأخبار على سبيل اللوم والانتقاد بل إيضاحًا لما كان عليه إسطفانس من رفيع المنزلة في عين الجميع. وزد على ذلك ان آباء المجمع المقدس طلبوا أن يبقى عندهم بصفة معلم الفلسفة والإلهيات. وان أحد كبار الرومانيين سأله أن يمكث عنده ويأخذ لقاء أتعابه مبلغ أربعين قرشًا كل شهر فلم يلتفت إلى كل ذلك ولو صنع لفاق السماعنة شهرة وحاز اعتبارًا لا نقدر نصفه. لكننا نقول مع أحد مؤرخي حياته: ان كل هؤلاء لم يعلموا إلى ما كان الله يدعوه. فلو لم يأت ويسوس طائفتنا ويجمع تواريخنا ويحفظ طقوسنا وينقح كتب بيعتنا ويخبرنا كيف كنا في القرون الغابرة ويردّ على الذين ادّعوا انّا خرجنا عن الإيمان الصحيح وعن الحظيرة الكاثوليكية لكنا أتعس الناس أمة نجهل ماضينا وأصلنا ومعتقدنا القديم وتقلبات الدهر علينا. فسقيًا لك يا من وصلت الماضي بالحاضر واختطفت من أيدي النسيان والدمار تاريخ أمتك الكريمة وأفحمت الأعداء برد كل ما اتهموها به من الأضاليل فانك اخترت المشقة مع شعب الله وفضلتها على الراحة والإكرام واعتبرت عار المسيح غنى أعظم من كنوز مصر لأنك كنت تنظر إلى الثواب الدائم (17) وإلى عمل الخير الذي فيه مجد الله الأعظم. أما في هذه الدنيا فثوابك شكرنا ومحبة قلوبنا واستمطار غيوث الرحمة على عظامك وعلى الأحشاء التي حملتك وعلى كل من تعب وسعى لتكون ما كنت.

 

وقبل رجوعه من رومة صنف كتابًا في الفردوس الأرضي في اللاتينية وقد شرع بتأليفه لما كان تلميذًا وكان يخطر على باله وطنه وبلدته وكل ما جملها الله من سوابغ الخير وسعة العيش والراحة فوهمه قلبه انها هي عدن أي الفردوس وان الأنهر الأربعة التي خلقها الباري لتسقي الجنة الرضية هي مياه تلك الينابيع العذبة التي تنحدر من أعالي لبنان وتجعل أرض الجبة خصبة طيبة المناخ وان الأرز الذي عزّ وجوده خارجًا عنها انما هو بقية الأشجار التي نصبتها يد الرب كما قال أحد الأنبياء.

 

المراجع:

 

(1) سمعنا أنّ بيت أبي قاسم الروم الكاثوليك منها. وبيت قشوع وغيرهم.

 

(2) كانت أمّ البطريرك جرجس بنت المطران سركيس الدويهي (1565).

 

(3) وقد عثرت على بعض إفادات عن الدويهيين علقها على كتاب قداس خطه بيده المطران اسطفان "الثاني" الدويهي (في مدرسة ريفون) وهذا نصها بالحرف:
سنة 1704 في 3 أيار انتقل إلى رحمة الله البطريرك اسطفان وكان انتقاله في دير قنوبين الكرسي.
سنة 1705 توفي والد الخوري يوسف "اظنه ابن أخي البطرك" أول كانون الأول في عندقت في بلاد عكار.
سنة 1706 في 21 تشرين الثاني ارتسمت كاهن من يد المطران جرجس الكاروز (وتسمى يوسف باسم أبيه وأصل اسمه صالح).
سنة 1709 في 30 حزيران توفي أخي شماس فرنسيس في كفرحي في بلاد البترون.
سنة 1712 في 29 آذار قبلت وظيفة البرديوطية على كنيسة مار مخائيل طرابلس من يد المطران جبرائيل.
سنة 1723 في 25 تموز توفي أخي خوري وهبه وكانت وفاته في طرابلس.
سنة 1727 في 9 شباط توفيت بنتي هيلانه في مدينة طرابلس.
سنة 1728 في 20 تشرين الأول ارتقيت إلى درجة المطرانية في دير مار شليطا على كرسي البترون من يد قدس السيد النبيل البطرك يعقوب عواد الحصروني.
انتقلت إلى الله والدتنا في زغرتا.
انتقل إلى رحمة الله أخي خوري عبدالله.
انتقلت إلى رحمة الله بنت بنتنا غاليه في 5 تموز سنة 1753.
انتقل إلى رحمة الله ابن أخينا شدياق جرجس.
انتقل إلى رحمة الله أخي تادرس في 10 أيار سنة 1758 وكان انتقال في دير ريفون في كسروان. اهـ.
(والمطران إسطفان المذكور توفي في دير ريفون في تلك الآونة).

 

(4) هذا الدير من الأديار القديمة في لبنان وأظن أنّ الوقف المثبت في فهرس المكتبة المديشية لإسطفان عواد السمعاني ص 34 يشير إليه سنة 1509 يونانية (1198 م).

 

(5) وفي سجل الدويهي بخط يده ص 761: في السنة المذكورة (980 هجرية) في اليوم العاشر من جمادى الآخر ناصر الدين غلبي بن كرامة بالوكالة عن علي غلبي افندي صاحب الولاية الشامية اشترى من الشيخ شهاب الدين خطيب البرطاسية وقف كنيسة رأس النهر في قرية إهدن بخمسة عشر سلطاني وسنة 1602 أقيم المطران مخائيل من بيت عبيد ابن أخت المطران يوحنا على دير مرت مورا وأراد أن يمكث مع خاله في دير مار سركيس فلم تقبل بذلك العائلة الدويهية فحرق صك الدير الذي كان عند خاله فنزلوا إلى طرابلس إلى المفتي ابن الجاموس وكتبوا صكًا آخر عن رزنامة المدينة.

 

(6) وبيت عميرا انقطعت سلالتهم من إهدن وقيل أنّ بعضهم نزح إلى مجدل معوش.

 

(7) عن الدويهي.

 

(8) عن تاريخ الأزمنة.

 

(9) كان من رهبان مار أنطونيوس وعنه يقول الياس الغزيري في النرجلية التي وضعها لتلاميذ مدرسة رومة:
قسيس سمعان تولاني، كان قديس بالرهباني، أريده يطلب من شاني، حتى أنجو حتى أنجو من الخطية قبره في بشعله موجود، في لزق الحائط ممدود، في كنيسة العذرا أم الجود، يشفي وجع البردية قبره يقصده الأعوام، والموجوع فوق منه ينام، يومًا واحدًا من الأيام، يشفي من كل بلية قبل موته في يوم واحد، انباه الله على واكد، كهنة هل ضيعه تشهد، ومعهم أكابر مسمية وهو كان معروف من سيرته، ومن اتضاعه ومن غيرته، حافظ قانون رهبنته، الطهاره والعفية وقد ذكرته مجلة المشرق في العدد 17 (ص 770) سنة 1903 وأثبتت رسمه فراجعها.

 

(10) يوسف الرامي بعد أن درس سنتين الفلسفة حكم عليه الأطباء بالرجوع إلى بلاده فبرح رومة في أوائل الخريف سنة 1649 ولبس إسكيم مار أنطونيوس ورقي إلى درجة الكهنوت وعلم الأحداث في عشقوت وبسكنتا وقبرص وبيت شباب وبنى دير مار جرجس بحردق في أرض بيت شباب وأقيم بردوطًا عليه وفيه توفي في أوائل عام 1702. وأخوه بطرس تزوج في بيت شباب ومات فيها. أمّا بطرس ابن القس ابرهيم الإهدني فكان عمره عشر سنوات لما ذهب إلى رومة وبعد أن درس الفلسفة واللاهوت الأدبي عاد إلى بلاده بأمر الأطباء واقتبل الكهنوت المقدس وسكن دير مار قبريانوس في إهدن وكان ذا خط جميل في الحرف العربي والسرياني والافرنجي ولذلك عينه البطريرك إسطفان كاتبًا عنده ثمّ رقاه في 21 تموز سنة 1680 إلى مطرانية صيدا بحضور ومعاونة المطران جرجس حبقوق البشعلاني والمطران يوسف شمعون الحصروني وسلك بكلّ تقوى ونشاط ثمّ مرض في البهلولية من أعمال اللاذقية حيث كان منفذًا من البطريرك لزيارة الرعية فحملوه إلى وادي صفرا حيث مات في اليوم السادس من أيار 1683.

 

(11) إنّ المدرسة كانت تحت تدبير آباء الرهبنة اليسوعية الأفاضل وكلّ ما نتج عنها من الخير كان بسعيهم المتواصل وعنايتهم النيرة.

 

(12) ترأس إدارة المدرسة من سنة 1638 إلى سنة 1644.

 

(13) كتب هذه الرسالة سنة 1701 ليأخذ منها مختصر ترجمة الدويهي ويصدر بها تآليفه التي التي كان نقلها إلى اللاتينية وعزم على نشرها بالطبع. وسنأتي بذكرها كثيرًا.

 

(14) هذا عنوان الكريريسة:
Conclusiones philosophicæ EE. Principi Aloysio S.R.E. Cardinale Capponio a Stephano edenensi… dicatæ. Romæ, 1650.

 

(15) البطريرك يوحنا من بيت البواب من قرية الصفرا من الفتوح.

 

(16) ولهذا عز وجود المخطوطات القديمة في بلادنا من كتب الطقس والتواريخ وما كنا لنأسف على ذلك لو بقيت مدرستنا الرومانية وسلمت كنوزها. إلاّ أنّه لما تلاشت في عهد دخول نابليون بونابرتي إلى رومية أي سنة 1798 تشتت شمل مصاحفها وتفرقت كنوزها وقيل أنّ معظمها محفوظ إلى اليوم في خزائن البروباكندا أي مدرسة مجمع نشر الإيمان وفي المكتبة الواتيكانية. والله اعلم.

 

(17) عبرانيين 11/25- 26.

 

الفصل الثاني

 

في رجوع إسطفان من رومة وتعليمه الأولاد في إهدن

 

ورسالته إلى حلب وتسقيفه على رعية قبرس

 

1655 – 1670

 

كان سفر إسطفان الدويهي من رومة العظمى في ربيع سنة 1655 في اليوم الثالث من شهر نيسان. وقبل أن يبرح لبنان كان قبل رتبة قص الشعر التي بها يجحد الإكليركي كل تعلق بالعالم ويتخذ الله نصيبًا وميراثًا في الدنيا والآخرة. ثم اقتبل في رومة الدرجات الصغار نعني بها درجة المرتل والقاري والايبودياقن. وفي السنة الثانية بعد قدومه إلى لبنان أي سنة 1656 في الخامس والعشرين من آذار يوم عيد البشارة رقاه البطريرك يوحنا الصفراوي إلى ردجة القسوسية على مذبح دير مار سركيس راس النهر. وللحال بعد وضع اليد عليه شرع يتاجر بالوزنات التي سلمه إياها مولاه غير مدع بعلم ولا متطلب عالي المراتب والوظائف التي خدعت أبناء هذا العصر خصوصًا الكهنة حتى أضحى كثيرون يحسبون خدمة النفوس انحطاطًا عن منزلتهم ولا يذكرون ان ابن الله نزل من علو مجده ولاشى ذاته وظهر بصورة العبد وقاسى الإهانات والأتعاب طلبًا للنعجة وانه علم تلاميذه أن يكون كبيرهم خادمًا للآخرين وأرسلهم للعالم ليحملوا الأموال ولا ليدعوا من الناس أربابًا بل ليعلموا ويعمدوا ويرشدوا الأمم إلى سبيل الخلاص. أما إسطفانس فانه اتبع هذا المنهاج منذ البدء وأخذ يعلم الأولاد في إهدن ويدرجهم في مبادئ القراءة. وقد تصورته جالسًا على الحجارة أمام إحدى كنائس القرية يحيط به جمهور الأطفال على شبه ذلك الذي كان يدعو الصغار إليه. وهو يسقي ابكار عقولهم بغيث معارفه ويفسر لهم الأشياء البسيطة بالوداعة وأناة الروح كأنه جهل ذاته أو نسي مقامه في أعين الناس وتمسك بقول الاقتداء: احبب أن تجهل واتبع اتضاع الفادي هاتفًا معه، دعوا الأطفال يأتوا إليّ.

 

وفي غضون ذلك شرع بتأليف كتاب في سر القربان المقدس وهذا التأليف صار بعدئذ كتاب المنائر العشر جمع فيه شتات العلوم الكنسية وأظهر به سمو عقله وعمق تقواه.

 

وفي تلك الأيام حدث أمر ذو شأن عظيم في الكنيسة السريانية يسرنا أن نبسط الكلام عنه في هذه الترجمة. نريد بذلك ارتقاء اندراوس اخيجان إلى الأسقفية وترأسه في كرسي حلب على السريان المرتدين إلى حضن أمنا الكنيسة الكاثوليكية.

 

ولد عبد الغال اخيجان في مردين (1) من أبوين تابعين ضلال البرادعي وساويرا فاختاره الله ليكون زعيم الحق بين أبناء ملته ويقودهم بكلامه ومثله إلى الوحدة الكاثوليكية وإلى حظيرة الخلاص وكان رجوعه آية من آيات والدة إلهنا الطاهرة وجرت هذه الآية على يد أحد الآباء اليسوعيين اسمه البادري اماتوس. وكان اخيجان فصيح اللسان حسن الخط في العربية والسريانية. وبعد جحد ضلال آبائه أتى إلى جبل لبنان لدى البطريرك الماروني يوسف حليب العاقوري .(2) وسنة 1646 أرسله البطريرك المذكور إلى رومة ليتثبت في الإيمان (3) فأقام في المدرسة سنتين رقيبًا على التلامذة وكان يدرس الناموس الأدبي على الخوري جرجس بن عبد الله الحاقلي (4) وبعد ذلك رجع اخيجان إلى لبنان واقتبل درجة الكهنوت من يد البطريرك يوحنا الصفراوي وذهب إلى حلب.

 

وقد استخدم الله لتنفيذ مشيئته رجلاً افرنسيًا اسمه فرنسيس بيكات (5) قنصل الملة الافرنسية في الشهباء كان قرض شمعون بطريرك اليعاقبة مبلغًا وافرًا من الدراهم ولما خرج البطريرك المذكور لزيارة رعيته ولجمع نقود يفي بها ما كان عليه من الدين وجد امره متعسرًا والرعية نافرة من تصرفاته فطلب إليه القنصل أن يرقي اخيجان إلى المطرنية ويجعله وكيله مدة غيابه عن الكرسي فوعد البطريرك بذلك ثم اخلف وخرج. فأخذ بيكات يراسل البطريرك يوحنا الصفراوي ويطلب منه بإلحاح تسقيف اخيجان فلم يستجب طلبه. قال الدويهي: إن بيكات أرسل عشر كتابات إلى البطريرك يوحنا ولم يتنازل هذا إلى إجابة طلبه حتى دخل هو بينهما لأنه كان عرف اخيجان في رومة واطلع على ما طوي عليه من الفضيلة وصالح المقاصد فلاشى الصعوبات وأزال تردد البطريرك وأقنعه بمنح الأسقفية لاخيجان (6) فقلده الرياسة على كنيسة السيدة بحلب واشترط عليه ألا يتعرض لأمور الموارنة في المدينة المذكورة وألا يدخل كنيستهم. فأذعن اخيجان وتوجّه إلى حلب الا أنه لم يلبث طويلاً حتى عاد إلى لبنان لأسباب نجهلها تمامًا. فأخذ الدويهي يستنهضه ويشعه على اقتحام الصعوبات مهما كانت وتوجه بنفسه معه إلى حلب وكان ذلك في مدخل الصوم سنة 1657 ومكث هناك ثمانية أشهر يسند المطران المذكور برأيه ويعظ السريان المرتدين ويثبتهم في حقائق الإيمان الكاثوليكي المقدس. ولم يتخلّ أيضًا في تلك المدة عن ملتنا الحلبية بل كان يعلم في كنيسة النبي الياس ويرشد ويوزع كنوز الكلمة ونعم الأسرار.

 

ولما توفي البطريرك اغناطيوس شمعون في دمشق الشام حملت الغيرة المسيحية القنصل بيكات السابق ذكره على طلب خط شريف من السلطان محمد الرابع يعرف به اخيجان بطريركًا على طائفة السريان دون غيره وبذل لنيل هذه الغاية جانبًا من الدراهم إلا أن الحلبيين السريان أبوا الإقرار بالبطريرك الجديد لأنه اعتقد معتقد الكنيسة الرومانية واشترطوا عليه أن يفي الدين الذي عقبه شمعون على كنيستهم ويستفك آنيتها المرهونة ولا يكلفهم شيئًا على الفرمان الشاهاني ولا يطلب منهم شيئًا لمعاشه. فأخذ القنصل بيكات الغيور تلك الشروط على عهدته وارتقى اندراوس اخيجان السدة البطريركية (7) وسمي اغناطيوس اندراوس وهو أول بطريرك انطاكي على السريان الكاثوليك. ثمّ أقام أخاه روحيجان بهنم خلفًا له على كرسي مطرانية حلب ودعاه باسم دينيسيوس. إلا انه وقع نفور بينه وبين الموارنة في حلب لما شاع انه اقتبل رتبة البرطيركية من يد البطريرك الملكي. وأخذ يجاهد ويعلم ويؤنب واحتمل كثيرًا من أخيه اصلان ومن اليعاقبة المعاندين. ورد كثيرين إلى الإيمان المستقيم إلى أن رقد بالرب في التاسع والعشرين من شهر تموز سنة 1677 وانتقل من الحياة الزائلة ليقبل مجازاة تعبه في دار البقاء الراهنة. قال عنه الدويهي في مسودة تاريخ الأزمنة (8): كان مستقيم الإيمان وذا غيرة جزيلة فربح نفوسًا كثيرة للملكوت ووفى الديون التي كانت على الكنيسة من عهد البطريرك شمعون واستفك جميع آنية الكنيسة وكتبها التي كانت مرهونة وجدد غيرها وترك في الكنيسة اثنين وخمسين قنديلاً من الفضة وصندوقًا مملوءًا من الصلبان. وفي مدة بطريركيته لا بلص جماعته ولا كلفهم نورية (9) كعادة الذين سلفوه ولا جمع صينية ولا رسم شيئًا على توزيع الأسرار... وعندما سلم الروح حزنت عليه سائر الطوائف وأقاموا له جنازة حافلة (10) ا هـ.

 

أما الدويهي فبعد رجوعه من حلب سكن في دير مار يعقوب الأحباش في أرض إهدن وهذا الدير استوطنه قديمًا قس حبشي اسمه يعقوب وبعد أن مكث فيه بعض سنوات انكشف أمره لأنه كان يعقوبيًا فطرده أهالي إهدن فذهب مع رفقائه إلى دير مار جرجس حدشيت وطرد منه أيضًا. ولم يبق لهم هناك سوى الاسم أثرًا لخيبة مساعيهم. وكان الدير خرابًا فرممه إسطفان وأقام فيه نحو خمس سنوات مع الخوري موسى ابن الحاج يوسف وكان يدرّس الأولاد ويخدم النفوس (11) والله وحده يعلم جهاد عبده في تلك المدة وربما خطر بباله ذاك المقام الذي عرض عليه في رومة وتصورت له في الأحلام عاصمة العالم الكاثوليكي فقابلها بقرية إهدن ومدرسة البروباكندا الشهيرة بدير مار يعقوب الأحباش ومنابر الكليات التي عرضت عليه ورفضها بتلك الدكة الحقيرة أو تلك الحجارة الباردة التي كان يجلس عليها ليعلم أولاد قريته وما وعد به من طيب الشهرة وصيت يتناقله صدى المغرب والمشرق بصدى جدران عارية لا يجاوبها صدى. ولا مرية بأن هذه الأفكار تفتت كبد الإنسان إذا أصغى إلى اللحم والدم وتحرقه بنار الحسرة والأسف إن لم يكن فيه روح الله الذي يجعله يحسب كل شيء كالزبل لأجل ربح المسيح ويملأ فؤاده عزاء لا يعرفه العالم ولا يستطيع أن يهبه لمحبيه. وقلب إسطفانس كان مملوًا من روح الرب فجعله يتخفى قانعًا بعمل الخير وتثقيف الأحداث شاغلاً ما افترضه من الزمان بالتأليف والدرس والتأمل في حقائق الدين المسيحي المقدس راضيًا برضى الله تعالى عنه.

 

وفي سنة 1658 في اليوم الثالث والعشرين من كانون الآخر انتقل إلى رحمة مولاه البطريرك يوحنا ابن البواب الصفراوي. روى عنه الدويهي انه كان طاهرًا بارًا تربى منذ صباه بالتقوى والنسك وارتقى إلى أعلى المراتب بتواضعه وكان قنوعًا طويل الروح لا يشوش صفاء أخلاقه أمر وكان يقضي ساعات النهار بالصلوة والابتهال ويصوم الاربعا والجمعة كل أيام حياته. عاش بطريركًا تسع سنوات وأسقفًا اثنتي عشر سنة وكانت أيام رياسته بالراحة والهدو في عهد الأمير ملحم المعني المشهور بعدله. وروى الدويهي أيضًا انه لما كان البطرك يوحنا في ساحل علما في دار الشيخ ابي ياغي حبيش دخل عليه مرهج نمرون الباني وغيره فوجدوه ملقى على الأرض والنور يتدفق من وجهه. وعندما قربت ساعة وفاته وهو في قنوبين طلب من الرب أن يحفظ رعيته وأشرق من محياه نور سماوي باهر حتى ان خادمه المدعو أبا راشد من غباله ظنه يحترق فأخذ ماء ورش عليه فانتبه وهرب الخادم المذكور من الخوف. وفي اليوم التاسع بعد وفاته انتخب الرؤساء والأعيان المطران جرجس حبقوق البشعلاني وهذا الحبر كان راهبًا رقاه إلى الأسقفية البطريرك يوسف حليب العاقوري على كرسي العاقورا وسكن في دير قنوبين وكان رجلاً غيورًا حكيمًا ولما دعي إلى خلافة البطرك يوحنا كما قلنا رفض بكل قوته وهرب ولم يرجع حتى أقيم غيره لشدة تواضعه واحترامه سمو هذا المقام. وكان انه بعد وقوع الانتخاب عليه اختبأ في قلاية أحد الرهبان فذهب الشعب إليه وكسروا الباب وحملوه عنوة من أسفل الدير إلى دهليز الكنيسة وهو يضرب بيديه ويمانع بكل قوته، فلما دنوا من باب الكنيسة تظاره بالرضوخ لطلبهم وسألهم أن يدعوه يستريح فدخل الغرفة التي قبال مار بطرس (12) وعندما انصرف الناس انسلّ من الدير يصحبه أخوه فقط واختفى في الوادي ولم يتمكن أحد أن يقف له على أثر. حينئذ أقاموا بطريركًا المطران جرجس بن الحاج رزق الله من قرية بسبعل في الزاوية(13).

 

وفي سنة 1663 طلب أبناء طائفتنا في حلب من البطريرك جرجس المنوه به أن يرسل إليهم كاروزًا أي واعظًا يرشدهم في سبيل الخلاص ويعلمهم كيف يجاوبون المشاقين والأراطقة في ما يخص حقائق الإيمان. أما الموارنة في حلب فانهم قديمو العهد وقد هاجر كثير من اللبنانيين في أوائل القرن السابع عشر وذلك على أثر الحروب التي وقعت بين الأمير فخر الدين المعني ويوسف باشا ابن سيفا فان يوسف باشا المرقوم تسلم طرابلس سنة 1621 وجار على العباد لما أعوزته الأموال بسبب الحروب فأمر بعدّ الأشجار في جبة بشري (14) وأوقع الضيم بأهلها فهاجر كثيرون إلى الشام وحلب وغيرها من المدن بأمر السلطان سليم. وسنة 1638 نال الموارنة من السلطان مراد الإذن بتجديد كنيسة النبي الياس في الشهباء وبجدهم واجتهادهم أمسوا في أواخر القرن المذكور في مقدمة الطوائف المسيحية ونجحوا ماديًا وأدبيًا (15) وكان أفراد الموارنة متصفين بالتقى والعبادة فقام منهم عدد من الكتبة البارعين ومن مؤسسي رهبنات أفاضل كجرمانوس فرحات وعبد الله قرألي وجبرائيل حوا ويوسف بن جرجس القس ويعقوب بن نعمة الله أبي الغيث الدبسي وغيرهم. وقد زين الله الحلبيين بظرافة الحديث وسعة الرواية. فإلى قوم هذه صفاتهم أرسل الله إسطفانس الدويهي ودعاه من قمم لبنان من مرابض الأسود من جبال النمور (16) ليقوم خطيبًا ومعلمًا في دار الحضارة السورية وفي مدينة الفقهاء والظرفاء. وكان الحلبيون سمعوا إسطفانس لما كان بينهم مع اندراوس اخيجان وعرفوا قدره وتعلقوا به فطلبوه من البطريرك جرجس الذي لبى طلبهم لعلمه بحسن استعداد هذا الكاهن الفاضل وبغيرته ومعارفه فرقاه إلى البرديوطية التي تخول صاحبها أمر زيارة الرعية وتفقد شؤونها. فنهض إسطفانس مطيعًا وتأهب للسفر حالاً ولم يخش ما في الطريق من الأخطار والأكدار وكان ذلك سنة 1663 لا كما روى البطريرك سمعان عواد في ترجمة الدويهي حيث قال انه مكث في حلب نحو عشر سنوات لأن البطريرك إسطفان صرّح بذلك غير مرة فقال في كتابته للأب بطرس مبارك التي سبق ذكرها: "ثبتنا عندهم نكرز عليهم ونعلم أولادهم ونتعاطى أمورهم مدة ست سنيني" وفي مسودّة تاريخ الأزمنة بخط يده يقول انه بقي في حلب خمس سنين. وفي نبذة تاريخ تلاميذ المدرسة الرومانية التي وجدناها بخط يده أيضًا يقول انه ثبت عندهم خمس سنوات كما تقدم شرحه.

 

وعند وصوله قبله الحلبيون بفرح وأخذ يعلم ويعظ ويثقف الأحداث بخوف الله ويسوس تلك الرعية بعناية وحكمة وكانت كنيسة حلب حديثة العهد ولذلك لا نجد عليها أساقفة مارونيين قبل المطران يوسف البلوزاني (17) ثم خلفه على هذا الكرسي المطران جبرائيل البلوزاني (18) سنة 1663 التي فيها توجّه الدويهي إلى الشهباء. وكانت النفوس في اشتياق واحتياج إلى راعي يدبرها ويرشدها ويسهر على نموها الروحي بمقتضى الشرائع الإنجيلية. فقام إسطفانس بأعباء وكالته أحسن قيام وجذب بفصاحة لسانه ودقة معانيه ورقة أساليبه ودماثة أخلاقه قلوب الجميع وقرّب من الكنيسة الذين كانوا بعيدين عن الله وعن حظيرة الخلاص فشاع خبره وطار صيته وفاحت روائح قداسته وانتشر عرف فضائله في حلب وسائر البلاد الشامية وصار كالمصباح في بيعة الله. وأراد الله أن يستخدم عبده إسطفانس لرد كثيرين إلى طريق الخلاص في حضن الكنيسة الكاثوليكية من روم ويعقوبيين ونسطوريين وأرمن وغيرهم وصار لبعضهم أو أكثرهم أبًا روحيًا فقادهم بحكمة وكشف لهم أسرار العبادة الحقيقية فكنت تراه تارة معلم أولاد وديعًا وتارة واعظًا فصيحًا تتدفق الغيرة والتقوى من فمه وقلبه المتوقد وطورًا أبًا رحومًا آخذًا على عاتقه حاجات القريب وهمومه مجهدًا النفس في ما يؤول إلى خيره ونجاحه. وإليك ما كتب عنه أحد الحلبيين بعد أن برح مدينتهم وارتقى السدة البطريركية أي سنة 1671 نقلاً عن كتاب محفوظ في خزانة الكرسي الأسقفي الماروني في الشهباء:

 

"تم وكمل هذا الكتاب (19) .. بأيام رياسة رأس الرؤساء والابهات المتوج باعلام الشرف والكرامات المعلم الفاضل. والعالم العامل. الفيلسوف الروحاني. فم الذهب الثاني. الراشد لرعيته غاية الإرشاد. المناضل في سبيل الحق والسداد. السريع بالجواب في معرفة الجدال. الوارد لممتحنيه اوراد الرجال الأبطال. الهادم منازل أفكار الضالين. بواضح المقاييس ولابراهين. الذي تعاليمه جوهره تحيي النفوس. السعيد بالله البطريرك الانطاكي مار اسطفانس. السالك في آثار الآباء القديسين. المقيم بالدير المعمور المعروف بقنوبين. كان سابقًا كاهنًا بهذه الكنيسة يكرز وينهي عن الأضرار. للخطأة العذاب المؤبد. وجنة الخلد للأبرار. ولم يسمع عندنا مثل كرزه التالي لشروح كتب البيعة السعيدة الحاوية لمثل هذا الكنز الحافظ لكتب العتيقة والجديدة. فانه شخصها بالآراء المقبولة عند جميع الطوائف. وأظهر لهم بينات يأمن فيها الخائف من الحائف. ولوّح بتلويحات بها أذرف عيون الخطأة وأبكاها. وصرّح بتصريحات أدمى بها قلوب العصاة وأنكاها. وبذر حبات المحبة الإلهية في أراضي القلوب. وبيّن أنها تستر العيوب وتغفر الذنوب. فيا لمعجزات وعظه كم أحيت من نفوس كان الحوب قد أماتها. ولآيات خطبه كم فكت قلوبًا من أسر ذنوبها بأصوات نغماتها. ويا لعجائب تعليمه كم جذبت إليها عقولاً بدقائق جذباتها. ويا لغرائب تقويمه كم ردت اعوجاج طبائع إلى مطبوعاتها. فانه لم ير نصًا إلا وشرحه ولا مشكلة إلا وأوضحه. ولا معنى مقفلاً إلا فتحه. فطوباه من امامٍ لم يدع عيوبًا تلحق برعيته إلا وبادر بإزالتها من أذهانهم. وهنيئًا له من راعٍ صالح لم يدع ذرة من الفضيلة إلا ألزمتهم تعاليمه باكتسابها. ولا غادر صغيرة من الرذيلة إلا منعتهم مواعظه من ارتكابها. فنسأل السيد المسيح الموصوف بالأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس أن يديم علينا رئاسته وينعم علينا بفهم معاني ما أورده والعمل بما ذكره. آمين."

 

ولا حاجة إلى زيادة شيء على قول المعاصرين أو إلى إرداف هذا الثناء العاطر بغيره. وإن كانت آثار إقامته في حلب عزيزة ولم يحفظ لنا ذكر أعماله ومساعيه الكثيرة. قال سمعان عواد انه في مدة وجوده في حلب وعكفه على التعليم في المنابر صنف كتابي مواعظ وسنتكلم عن هذا التأليف في المستقبل إن شاء الله (20).

 

واعتقادنا انه لم يكفف عن البحث في كل ما يخص تاريخ الطائفة وتاريخ حلب وسورية عمومًا وكانت مواظبته هذه صادرة عن ولعه بأساطير الأجيال السالفة وغيرته على الطائفة وهيامه بكل ما يتعلق بها.

 

وقد وجدنا في كنيسة زوق مصبح كتابين من الكتب البيعية وهبها لكنيسة القرية المذكورة اسطفانس الدويهي وكان اقتناها أثناء إقامته في الشهباء.

 

وفي سنة 1668 (21) بعد العيد الكبير خرج من حلب تصحبه قلوب أبنائه الروحيين وتتفتت لفراقه أكباد الذين عرفوه وخالطوه وارتشدوا بتعاليمه ووردوا موارد حكمته وأتى لزيارة الأماكن المقدسة التي وطأتها أقدام المخلص المجيد. وكان برفقته والدته وأخوه الحاج موسي (22) وبعد أن سجد على الأرض التي تردد فيها الفادي وعفّر جبينه في ثرى تلك المعابد الجليلة التي تمّ فيها سر خلاصنا وأشرق عليها مجد ابن الله وذلّ ناسوته وشوهدت فيها آيات قوته وضعفه الاختياري ومعجزاته واتضاعه الذي يفوق الإدراك عاد إلى مدينة طرابلس. وعند قدومه ونزوله إلى البر طار خبره إلى أقربائه وأنسبائه في إهدن فقاموا للحال مسرعين إلى لقائه وقبلوه بغاية الاحتفاء والسرور لأن تغرّبه عنهم رفع في أعينهم قدره ومنزلته شأن كل امرء في وطنه. وبعد صعوده إلى إهدن مثل بين أيدي البطريرك جرجس البسبعلي في دير قنوبين. فطلب أهالي إهدن من البطريرك المذكور أن يرقيه إلى درجة الأسقفية جزاء لأتعابه في وجه الطائفة والدين اعتبارًا لمناقبه الحميدة وعلمه. فأجاب طلبهم لأنه كان قدّر كثيرًا أعمال اسطفانس واجتهاده منذ دخوله المدرسة التي شرفها وزينها وأراد أن يجازي كده وإخلاصه في جميع الأشغال التي انتدبه إليها وأن يضع على منارة البيعة هذا الراعي الغيور الذي أذهل الجميع بسهره ونشاطه وقداسته وفطنته وترك حلب صوتًا واحدًا صوت الشعب الناطق بالحق وصوت المديح والثناء. ولا جرم ان هذا الفكر لم يخالج قط ضمير إسطفان وانما تاجر بالوزنات التي سلمها إليه سيده طمعًا بالدخول إلى اخدار الافراح الثابتة ليس إلا. وأظن انه ما ليقبل على منكبيه هذا الحمل الثقيل لو لم يلزمه به رئيسه ويلح عليه بالقبول أبناء وطنه ناهيك عما كان عليه من الأهلية لهذه الدرجة المقدسة التي لم يكن في لبنان أحد أجدر بها منه.

 

وكانت جزيرة قبرس مترملة من نحو أربع وثلاثين سنة (23) أي منذ وفاة المطران جرجس بن مارون الإهدني سنة 1634. ولا بد هنا من تلخيص تاريخ الموارنة في قبرس فنقول أن الموارنة دخلوا هذه الجزيرة منذ القديم ونعرف من التاريخ انه كان لهم أديار ورهبان فيها في أوائل القرن الثاني عشر وانهم كانوا كثيري العدد فيها في القرن التالي وذلك بعد أن اشترى الملك غويدو ديلوسينيان الافرنجي ملك القدس الجزيرة المذكورة من ريكاردو ملك انكلتره فاستدعى إليه النصارى من بلاد انطاكية واعمال طرابلس وارمينية وغيرها فقدم كثيرون إلى المملكة الجديدة طمعًا بالراحة في ظل عرش مسيحي وهربًا من الحروب التي لم يكن لسعيرها خمود على البرّ. ثم بعد ذلك استولى المسلمون على سائر الديار السورية وبيت المقدس وانطاكية وانهزم الافرنج من كل هاته البلاد إلا أن أسرة لوسينيان استمرت في ملك قبرس ورحل إليها كثير من السوريين الذين جذبهم إلى الافرنج رابط الدين والخوف من الاضطهاد. فعظم عدد الموارنة هناك وقيل انهم استوطنوا نيفًا وستين قرية. ولما انتقلت قبرس إلى حكام البندقية لم تزل مهربًا يلجأ إليه الموارنة أيام الضيق ويثبت ذلك ما وجد على بعض الكتب الطقسية القديمة التي كانت في قبرس حيث تقرأ أسماء أناس من كور ورام وترتج (24) وأحدهم يقول: "كتبت هذه الأحرف... على يد يعقوب من بلاد صوريا الشام من معاملة البترون من قرية رام جار عليه الزمان وجاء إلى قبرس وسكن في مارينا..." (25) وكان عدد الموارنة كثيرًا في الجزيرة وقسم منهم هاجر إليها لما غزا المتاولة مقاطعة جبيل وبترون واستولوا عليها ولنا دليل على ذلك ما ذكره الدويهي في تواريخ سنة 1510 قال: انه لأجل الضنك والضيق الذي صار في بلاد الشام هاجر كثيرون ودخلوا بلادًا بعيدة وانه في مركب واحد دخل من بلاد جبيل إلى قبرس ماية وعشرون نفسًا من ترتج ولحفد وغيرهما وبنوا كنائس في كليبيني ومطوشي وكان بينهم الحاج مخائيل اللحفدي أخو المطران جبرائيل القلاعي الذي سكن في قرية طالا (26). وكان للموارنة في الجزيرة كرسي أسقفي وكان صاحب هذا الكرسي يسكن ما بين رعيته إلى أن دخل الأتراك الجزيرة سنة 1570 – 1571 وقتلوا حاميتها وجيوشها وذبحوا عددًا من المسيحيين وقيل انه قتل من الموارنة خمسة عشر ألفًا وفي رواية أخرى ثلاثون ألفًا (27) ومذ ذاك الوقت صارت الجزيرة في يد الدولة العثمانية وتشوشت الأحوال فيها فعاد كثيرون من الموارنة إلى لبنان والبعض انتقلوا مع البندقيين إلى مالطة. وجعل بعد ذلك أساقفة قبرس الموارنة إقامتهم في لبنان وكانوا يذهبون حينًا بعد آخر لزيارة رعيتهم المنقطعة عن بقية الطائفة. أما الأساقفة الذين جلسوا على كرسي قبرس بعد سنة 1570 المشار إليها فهم: المطران يوسف (28) الذي توفي سنة 1588 والمطران يوحنا ابن اسكيلا المعلم في الكيزفاني وتوفي سنة 1599. والمطران موسى العنيسي العاقوري ثم تنزل عن هذا الكرسي واستلم رعية العاقورا. والمطران جرجس بن مارون الإهدني وتوفي سنة 1634. وفرغ الكرسي أربع وثلاثين إلى قيام المطران إسطفان الدويهي وكان وقتئذ عدد الموارنة في الجزيرة ثلاثة آلاف نفس وما دون.

 

وقبل الدويهي درجة الأسقفية المقدسة من يد البطريرك جرجس البسبعلي في اليوم الثامن من تموز سنة 1668. وكانت ترقيته في دير قنوبين المبارك. وكانت حالة أساقفة طائفتنا ومطارينها في تلك الأيام غير ما هي اليوم وذلك لأن البلاد لم تكن بعد قسمت إلى أبرشيات معروفة بحدودها منفصلة عن بعضها ومستقلة لسبب الفقر وقلة الأمن في سائر الجهات وجريًا على قديم العوائد. وكان الأساقفة يأخذون اسم الكراسي ولا يرتبطون بخدمة الأبرشية التابعة الاسم ولا يعقدون مع كنيستهم ذاك الاقتران الروحي المرموز عنه بالخاتم وما كان سكنهم في وسط رعيتهم وشعبهم ولا كانوا يعنون بسياسته وتدبيره. بل كانوا يقيمون في أحد الأديار أو في الكرسي البطريركي وكان السيد البطريرك يوجههم كل سنة إلى الرعايا ويسلمهم منشور البركة ويفوض إليهم أمر الزيارة القانونية وتثبيت الأحداث وجمع النورية أي العشور. ولم يجر بخلاف هذه العادة سوى مطارنة قبرس الذين جعلوا إقامتهم في الأبرشية حتى أواخر القرن السادس عشر. ولما عقد المجمع اللبناني قسّمت إلى ثمان أبرشيات وفصلت بحدود ثابتة وأمر المجمع الرعاة أن يستلموا ويتولوا تدبيرها ويقيموا ضمن حدودها. ومع كل هذا التشديد والإلحاح لم تتلاش الصعوبات ولم تنفذ رسوم المجمع المذكور التي ما برح الكرسي الرسولي ساهرًا على تتميمها إلى أيام المطوب الذكر البطريرك يوسف حبيش ذي الهمة العالية فأزال ما كان باقيًا من الصعوبات وشاهد قبل موته النظام الذي نحن عليه الآن.

 

وأما المطران اسطفانس فبعد قبوله درجة كمال الكهنوت وتسقيفه على كرسي لفقوسية (29) أو نيقوسية لم يهتم بوجود دير لسكناه ولا بجمع مال ينفقه في تكريم مقامه وتعزيزه تجاه عيون العالم بل نهض حالاً كالعبد الأمين الصالح للمتاجرة بوزنات سيده وذهب منفذًا من قبل البطريرك لزيارة أبنا الطائفة وأخذ يتجوّل بين رعايا الجبة والزاوية وعكار مجتهدًا في أمر خلاصهم. ثم أبحر إلى قبرس (30) رعيته الخصوصية وشرع بتوزيع الأسرار المقدسة وبتعليم الشعب وبإصلاح ما لزم إصلاحه بكل الغيرة والنشاط اللذين فطر عليهما. ومكث في قبرس إلى سنة 1670 مقتفيًا آثار رسول الأمم لا يضن بنفسه لأجل خير أبنائه. ولا يستصعب تعبًا في سبيل الغير. وقد أسعد الله كاتب هذه الترجمة بأن يتقفى آثار الدويهي في قبرس عام 1902 ويعثر على بعض كتابات سطرتها يده الطاهرة على الكتب البيعية ذكرًا للخلف واحتفاظًا ببعض الأعمال المبرورة التي أتى بها في تلك الآونة. وكان محرر هذه الأحرف يترقب جميع الفرص ويسأل كل من قابله ويخفق قلبه فرحًا عند وجود شيء من هذه الآثار ومنها كتابة بخط يد المطران إسطفان على شحيم قديم محفوظ الآن في لفقوسية عند حضرة الخورفسقوفوس يوحنا شيرللي النائب الأسقفي وهذا الكتاب كان سابقًا في كنيسة مار رومانوس في قرية فونو في الجزيرة وسكان هذه القرية كانوا كلهم موارنة أما الآن فانهم من طائفة الروم وليس للموارنة في المحل المنوه به سوى الكنيسة وبعض أوقاف تتبعها. والكتاب المذكور أوقفه على كنيسة مار رومانوس ابرهيم ابن الخوري جرجس الترتجي من قرية كليبيني تلميذ مدرسة راونّا ورومية أرسله بواسطة رفيقه الياس بن حنا بن الياس من بيت مبارك من بطحا في كسروان (31) الذي درس معه في راونّا ولما اقفلت مدرسة راونّا سنة 1664 انتقل كلاهما إلى رومة. وابرهيم هذا عاد إلى قبرس سنة 1669 وسيم قسيسًا من يد المطران إسطفان الدويهي في السابع من شهر أيار من السنة المذكورة على مذبح القديس رومانس المشار إليه ورقد بالرب في الشهر عينه سنة 1693. وكتب ابرهيم بيده بالايطاليانية على الشحيم السابق ذكره تاريخ سيامته من يد المطران إسطفان وينعته بمجد الطائفة المارونية (32). وفي آخر الشحيم الأسطر الآتية بخط يد صاحب هذه الترجمة.

 

ملاحظة: كتابة سريانية

 

فلما كانت سنة 1669 ربانية أنا الحقير بين الرؤساء أتيت إلى زيارة هذه الجزيرة المحروسة التي اؤتمنا عليها وفي شهر آذار المبارك ثبتنا أهل قرية بولوس (33) محبة المسيح. وفي هيكل مار رومانس رسمنا شمامسة بالترتيل والبوابية شماس حنا بن مركو وجرجس ولد خرسطفوس الله يباركهم وينشيهم في ربح الوزنة التي اقتبلوها. ولله المجد دائمًا أبدًا.

 

ولما زرنا قرية غمبلين (34) وهي على بعد ساعة من دير مار الياس مطوشي وسكانها مسلمون بعد أن كانوا كلهم موارنة في القديم وجدنا في كنيستها المهجورة طبليتًا كرسه المرطان إسطفان أثناء زيارته لهذه الرعية في شهر آذار سنة 1669 وحملناه كذخيرة ثمينة قدّممناها لغبطة أبينا وسيدنا البطريرك الياس الحويك كأثر فاخر من أحد سلفائه العظام. وعثرنا على كتابة أخرى لصاحب الترجمة وهذا نصّها: في سنة 1669م حضرت أنا الحقير في المطارنة المطران إسطفان الدويهي الهدناني مطران جزيرة قبرس لزيارة أولاد رعيتي الموارنة الكائنين في جزيرة قبرس وإلى أهالي قرية اصوماتو في اليوم الثالث عشر من آذار المبارك من السنة المرقومة المحروسين من الله وثبتناهم في ميرون الخلاص والله يثبتهم في أمانته. ورسمنا عيسى ولد مخائيل شماسًا مرتل وبواب والمولى ينور عقله ويرشده إلى الدرجات العالية لبنيان بيعته.

 

ومما يدل على نزاهة إسطفانس وفضيلته انه لم يترك لنا ذكرًا لرسالته إلى حلب ولا لأعماله في قبرس ذاته كقول الإنجيل عبدًا بطالاً رغمًا عن احتمال المشقات الجسيمة والأخطار. وفي غضون جولانه في لبنان وحلب وقبرس ما كان يغفل دقيقة عن البحث في تواريخ البلاد وخصوصًا في تواريخ الطائفة وعن فحص الكتب الكنائسية وغيرها طمعًا بما تخبئ بطون الأوراق وزوايا المصاحف القديمة. وقد عثرنا في قبرس على مخطوطات تاريخية قديمة أثبتها في كتبه بحروفها حبًا بالتدقيق. لأنه شرع من ذلك الوقت بجمع التواريخ المشهورة عند كل من يهمه معرفة أحوال هذه البلاد في الأيام الغابرة.

 

ومن حين ارتقائه إلى الدرجة الأسقفية أخذ يكتب بيده الطاهرة رتب الشرطونية معتمدًا على النسخ القديمة الصحيحة اقتداء بالأحبار القديسين والآباء الأبرار خوفًا من أن يلمّ من استعماله كتبًا غير منقحة أو غير مضبوطة الاستخفاف بالدرجات المقدّسة. وأراد أيضًا أن يملأ قلبه من معاني الرتب النفيسة ليفيضها في قلوب الذين ينتدبهم الله على يده إلى الدرجات المقدسة وأن يعرف قدر السلطان الرهيب الذي صار به خليفة الرسل وقهرمان المسيح وخادم الروح القدس وراعي رعاة شعب الله المختار. وهذا الكتاب محفوظ على اليوم في الخزانة البطريركية. وهو بقطع الثمن وفي صدره السطر الآتية: "هذه شرطونية المعلم الفريد والراعي السعيد المشهور بالعلم والعمل الصالح ذكره البطريرك إسطفانس بطرس الانطاكي بركة صلواته تحفظنا".

 

وعلى الصفحات التي في أول الكتاب أسماء الذين قبلوا الدرجات المقدّسة من يد البطريرك إسطفانس الدويهي من شهر أيار سنة 1669 إلى 5 نيسان 1704 أي من زمن ذهابه إلى قبرس إلى بعض أيام قبل وفاته (35).

 

وفي مصحف قديم نسخة كسبر الغريب القبرسي أول تلامذة المدرسة الرومانية وأحضره الدويهي من قبرس وأتى بذكره كثيرًا في كتاب الاحتجاج (36) ثلاث رسالات بخط يد المطران إسطفانس الدويهي بالحرف السرياني الواحدة من البابا ادريانس السادس إلى البطريرك شمعون تاريخها 1522 والثانية من البابا بولس الثاني إلى البطريرك بطرس ابن حسان بتاريخ 1469 والثالثة من البطريرك موسى إلى البابا بيوس الرابع بتاريخ 1564 وفي آخر هذه الرسالة علق الدويهي هذه العبارة: "هذه الثلاث رسالات وجدتهم أنا لاحقير مطران إسطفان سنة 1669 ربانية في شهر آذار بقرية مريين (37) في كتاب نسخه الخوري لوقا القبرسي قاصد سيدنا البطرك على عند حضرة بابا رومة سنة ربانية 1568" وعلى كتاب صلوات كان سابقًا في كنيسة قرباصيا أو قرباشا (38) وجدت هذه الكلمات: "قرأ في هذا الكتاب الحقير في الرؤساء إسطفان الدويهي من إهدن مطران قبرس سنة 1669 مسيحية في 26 من شهر شباط المبارك في أيام سيدنا البطرك جرجس."

 

هذا ما وفقنا الله إلى الوقوف عليه من آثار أسقفية الدويهي على لفقوسية. أما علامتنا فلم يشر إلى ذلك في رسالته إلى الأب بطرس مبارك سوى بهذه العبارة الوجيزة: "في العودة (من زيارة الأماكن المقدسة) مسكنا البطرك المرحوم وقدنا إلى درجة المطرنية على افقسية (39) قبرس فزرناهم وتعبنا فيهم جهدنا."

 

في اليوم الثاني عشر من نيسان سنة 1670 يوم سبت الحواريين وعشية الأحد الجديد انتقل إلى جوار الرب البطريرك جرجس ابن الحاج رزق الله البسبعلي بعد أن قاسى مشقات عظيمة وعذابات أليمة من جور الحكام غير المؤمنين وفرّ هاربًا من الاضطهاد وقطن في يدر مار شليطا مقبس فوق قرية درعون. وحدث في تلك اليام وباء ثقيل يسميه البض داء الجذام وغيرهم الطاعون فشا في البلاد منذ 1668 وانتشر في ايالة طرابلس والشام وحلب وقيل انه أمات في حلب ماية وأربعين ألفًا وفي الشام خمسة وسبعينم ألفًا وعددًا كبيرًا في طرابلس ولبنان (40) فسمح الله أن يكون البطريرك المذكور من جملة المصابين وبعد أن احتمل أمرّ الأوجاع وتطهّرت نفسه بنار الأمراض الزمنية والمحن وقضى أجله في الدير المذكور. ولسبب المرض الذي ابتلاه الله به خاف سكان الدير أن يدفنوه داخل كنيستهم فوضعوه في قبر قديم مصنوع في صخرة بجانب الكنيسة المرقومة إلى جهة الغرب والقبر باقٍ إلى يومنا هذا. وكان البطريرك جرجس رجلاً مهابًا شجاعًا كريم النفس عالمًا حكيمًا وروى الدويهي انه كان ماهرًا في اللغة العربية والسريانية والتركية. وكانت مدة رياسته على الكرسي الانطاكي اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر واثني عشر يومًا إلا أن جور أعدائه سلب منه الراحة واضطره إلى الهرب من بلد إلى آخر وتكبد لذلك خسائر كبيرة ومصارفات فوق طاقته فترك على الكرسي ديونًا غير قليلة كما قال الدويهي الذي خلفه في البطريركية.

 

وقد أمر الدويهي أن يحفر على قبره هذا التاريخ إحياء لذكره عند الحلف وإكرامًا للمكان الذي رقدت فيه عظام أب الطائفة ورئيس أحبارها:

 

ملاحظة: كتابة سريانية

 

المجد لله. تنيح بهذا القبر جرجس بطرس بطريرك انطاكية الماروني من بسبعل سنة 1670 مسيحية في اليوم الثاني عشر من نيسان.

 

المراجع:

 

(1) راجع كتاب الكردينال ماي: Maï. Script. Veter, Nova Collect., t. IV, p. 309.

 

(2) أقيم بطريركًا في 5 آب سنة 1644 وساس الطائفة إلى وفاته في 3 تشرين الثاني سنة 1648 ودفن في كنيسة مار بطرس في العاقورا.

 

(3) ووجه برفقته إلى المدرسة الرومانية موسى بن أيوب البشراني الذي مات في قنوبين برائحة القداسة وانطونيوس بن سركيس ابن الرز من قرية بان الذي سيأتي ذكره فيما بعد وحنا بن عويضه الغزيري وصافي ابن القديسي من شننعير الذي خدم قرية دلبتا ثم استدعاه الشيخ ابو نوفل الخازن ليخدم عجلتون. ويكون ترجمانًا بينه وبين الافرنج في بيروت.

 

(4) وجرجس هذا دخل المدرسة سنة 1639 وبعد رجوعه إلى لبنان سامه قسيسًا البطريرك يوسف العاقوري ثمّ انفذه إلى رومة لقضاء بعض مصالح وبعد عودته ثانية خدم أبناء الطائفة في القدس الشريف واضطهده رهبان القديس وجاهد جهاد القديسين ومات سنة 1669.

 

(5) راجع مجلة المشرق سنة 1903 ص 971 وما يليها. وسنة 1904 ص 438.

 

(6) عن رسالة الدويهي للأب بطرس مبارك.

 

(7) قيل أنّ رسامته صارت على يد أخيه المطران دينيسيوس ومكاريوس بطريرك الروم الملكيين.

 

(8) محفوظة في البطريركية المارونية.

 

(9) عشور.

 

(10) وخلفه اغناطيوس بطرس غريغوريوس الذي مات بمكيدة من جرجس بطريرك اليعاقبة سنة 1701 ولم يقم بعد ذلك بطريرك على السريان الكاثوليك إلى انتخاب دينيسيوس مخائيل جروه سنة 1783. وفي رواية أخرى: وبعد وفاته بشهرين خلفه في البطريركية عبد المسيح المارديني فأثار الاضطهاد على الذين تبعوا اخيجان وفرض عليهم ضرائب والزم الرهبان بدفع الخراج وحط عن درجة الكهنوت الذين قبلوها من يد سالفه فهرب كثيرون إلى بلاد بعيدة. ثمّ أخرج أمرًا ضدّ رهبان الافرنج ومنعهم عن الدخول إلى بيوت أبناء طائفته (الدويهي) – راجع المكتبة الشرقية مجلد 3 والدويهي في تاريخه الكبير وفي النبذة التي وضعها لتلاميذ رومة. ومرهج نمرون في مقالته عن اسم الموارنة وأصلهم الخ.

 

(11) موقع هذا الدير تحت قرية إهدن ولم يبق منه إلى اليوم سوى كنيسة متزعزعة.

 

(12) وهي قلاية البطريرك موسى العكاري وموقعها أمام مدخل الكنيسة الكبيرة وجعلوها بعد وفاة البطريرك المذكور معبدًا على اسم هامة الرسل احترامًا لذكر من سكن فيها.

 

(13) لا سبعل كما يظن البعض وبسبعل قرية صغيرة بالقرب من كفرزينا وعرجس في الزاوية.

 

(14) بلغ عدد أشجار إهدن 50165 شجرة.

 

(15) راجع مجلة المشرق سنة 1903 عدد 1 نيسان ص 361.

 

(16) نشيد 8:4.

 

(17) لم نجد تاريخ تسقيفه.

 

(18) روى لكيان (المشرق المسيحي مجلد 81:3) أنّه أول أسقف ماروني على حلب.

 

(19) كتاب صلوات كنائسية. راجع المشرق سنة 1902 - ص 687.

 

(20) وذكر المشرق (1 أيار سنة 1904) شهادة سلمها الدويهي للأب بسون اليسوعي سنة 1663 إذ كان خوريًا في حلب أثبت فيها تمسك بني ملته بعقيدة براءة البتول مريم من كل دنس خطيئة – وفي مكتبة باريس الكبيرة (المخطوطات السريانية عدد 334) كتابة أخرى عن اعتقاد الكنيسة المارونية بسر القربان واستحالة الأشكال المادية إلى جسد المسيح ودمه. وهذه الشهادة موقعة ومختومة باسم إسطفان الهدناني خوري وكاروز الطائفة ومرسل من المجمع المقدس لنشر الإيمان. وتاريخها 9 آب سنة 1666.

 

(21) وقرأت بخط المؤلف: 1669 وهذا طغيان من القلم.

 

(22) وقد وجدنا عند الآباء الفرنسيسكانيين في القدس في السجل الذي يحتوي على أسماء الزوار ذكر قدوم صاحب الترجمة إلى المدينة المقدسة بهذه العبارة: (سنة 1668) في 28 أيار. الأب المحترم إسطفان الدويهي كاهن ماروني ولاهوتي.
الأب المحترم جبرائيل ابرهيم الكاهن الماروني.
الرجل المعتبر موسى الدويهي الماروني.
الشاب المكرم باخوس الدويهي الماروني.
مريم الراهبة المارونية (ولا غرو انها ام البطرك).

 

(23) كان البطريرك جرجس البسبعلي أقام المطران سركيس الجمري الإهدني على قبرس لما تعين من دون سابوديا 300 ريال ذهبي لمطران المورانة في قبرس إلاّ أنّ هذا المطران لم يدخل الجزيرة ومات في مرسيليا أثناء أحد أسفاره إلى أوربا سنة 1668.

 

(24) قرى في مقاطعة جبيل وبترون.

 

(25) قرية في قبرس وهي الآن مارونية وقيل أنّ الموارنة قدموا إليها من وادي قنوبين ونقلوا معهم ذكر القديسة مارينا وعبادتها.

 

(26) طالا أو دالي وفيها دير للروم وكان للموارنة. ومطوشي وكليبيني اسما قريتين.

 

(27) لا تخلو الرواية من الغلو. كما اني لا أظن أنّ الموارنة بلغوا قط مائة ألف في الجزيرة كما يتوهم بعض المؤرخين.

 

(28) جاء ذكره في المجمع الذي عقد بحضور الأب اليان اليسوعي سنة 1578.

 

(29) لفقوسية أي البيضاء (والافقسية غلط) وتعرف أيضًا باسم نيقوسية والأتراك أطلقوا عليها اسم الشاهر أي المدينة.

 

(30) لم نجد تاريخ سفره إلى قبرس.

 

(31) ويوحنا والد الياس المذكور ذهب إلى رومة مع الأب جوان باطشتاكرتي اليسوعي سنة 1639 ولم يثبت في الدعوة الإكليركية بل خرج من المدرسة واستوطن البندقية وتزوج فيها.

 

(32) Splendore della Nazione maronita.

 

(33) كذا. والصحيح فونو كما سبق – أرجح أنّ الدويهي كان يجهل اليونانية أو أنّه لم يتقن درسها.

 

(34) وهي: كمبيلي أو غمبيلي.

 

(35) وهذا الكتاب كلّه بخط يده كما يتّح من الصفحة 18 حيث كتب:
(كتابة سريانية)
تعريبه: فليصل القاري لأجل اسطفانس الحقير الذي سطر حسب معرفته. ومن الصفحة 269 حيث يقول:
(كتابة سريانية)
أي: كملت رتبة شرطونية الأساقفة كما وجدناها وكان ذلك في 24 تشرين الأول سنة 1668 مسيحية على يد الحقير إسطفانس مطران جزيرة قبرس." ومن الصفحة 323 حيث يقرا:
(كتابة سريانية)
تعريبه: كمل بعون الرب ولله المجد. في سنة ألف وستمائة وسبعين من ميلاد الرب بالجسد في شهر آذار في اليوم الثامن عشر منه. صلوا لأجل إسطفانس الخاطي ابن المرحوم مخائيل الدويهي الإهدني".

 

(36) يشتمل هذا السجل على الكتابات المنفذة من الكرسي الرسولي إلى الموارنة وأجوبة بعض البطاركة وغير ذلك.

 

(37) لعله يريد مرين وهي قرية قديمة غربي دير مار الياس مطوشي هجرها الموارنة وخربت. أو مركين (والقبرسيون يسقطون الكاف للتخفيف) وهي مزرعة باقية حتى اليوم في حوزة الموارنة وملكهم وهي على مسافة نصف ساعة من اصوماتو.

 

(38) قرية صغيرة مارونية بقرب اصوماتو أيضًا.

 

(39) راجع ص 42 حاشية 1.

 

(40) راجع تاريخ الأزمنة في السنين المشار إليها.

 

الفصل الثالث

 

في انتخابه بطريركًا وجلوسه على كرسي انطاكية

 

وفي ما عرض له من الصعوبات والمقاومات

 

1670 – 1674

 

كان انتقال البطريرك جرجس من حياة الرجا إلى عالم الحق في غيبة المطران إسطفان وليس بيدنا دليل على أنه بلغه خبر وفاته في قبرس. واتفق ان شدة وطأة الطاعون منعت مطارين الطائفة وأساقفتها وأعيانها عن الاجتماع لانتخاب خلف له في البطريركية وكان في غضون ذلك ان المطران إسطفان أتمّ رسالته في قبرس وزيارة الرعية وبرح الجزيرة عائدًا إلى لبنان فنزل في قوف أي مركب وقدم إلى طرابلس (1) فصادف في المدينة عند نزوله مكاري الكرسي فسلمه أمتعته وتوجّه توًا إلى قنوبين فوجد هناك المطران جرجس حبقوق البشعلاني والمطران جبرائيل البلوزاني والمطران بولس الدويهي وجمعًا حافلاً من الأوجه والأعيان فبلغوه خبر وفاة راس الطائفة وكان بلغه هذا النبأ بالتواتر عند نزوله إلى البر إلا انهم لم يجتمعوا بحسب الرسوم لانتخاب بطريرك جديد حتى توفي القس انطونيوس الرزي الذي كان وكيل دير قنوبين (2) وقد أعاقهم عن الاجتماع بوقته خوفهم من وطأة الوباء لأن القس انطونيوس المذكور أصيب به.

 

إن التاخر في الشؤون الكبيرة يفتح أبواب الخلاف والنزاع والمناظرات التي لا طائل تحتها. ولا نعلم تمامًا ما حدث في تلك الآونة بعد فروغ الكرسي البطريركي انما الذي نعرفه هو ان بعض الحكام الزمنيين أرسلوا كتابات للمطارين والرهبان ووجهائ الطائفة يبدون لهم بها استعدادهم للمحافظة على عوائدهم القديمة المقدسة ويستنهضوهم إلى انتخاب خلف للبطريرك جرجس دون خوف من محذور. فكتب الباشا حاكم طرابلس ما نصه:

 

اعلام إلى سائر المشايخ والأعيان بناحية جبة بشري بوجه العموم. هو انه بلغنا انتقال البطرك جرجس بدير قنوبين (3) فيلزم إلى بطرك مكانه. بوصول هذا المرسوم إليكم تنظروا إلى رجل من أهل الدين ويكون أهل علم عندكم معتمدًا عليه والذي تفهمه اختياريتكم (4) ويقع عليه الاتفاق في ما بين ربة (5) دينكم ويكون له أهلية تامة لذلك تقيموه بطركًا ويعمل استمالة وطيبان خاطر إلى سائر الرعايا ويطيب خاطرهم من العمار والإصلاح كما جرت العوائد القديمة وتكونوا طيبين الخاطر من سائر الوجوه وتعلمون ذلك وتعتمدونه غاية الاعتماد. حرر سنة واحد وثمانين وألف في 2 محرم".

 

وهذا مكتوب آخر من رجل لم نعرف سوى اسمه.

 

بعد السلام على المطارنة والقسوس وسائر أعيان جمعية الموارنة بناحية الجبة وفقهم الله تعالى.

 

وبعده الذي نخبركم به ان رهبان دير قنوبين بناحيتكم أرسلوا يذكرون لنا ان بطركهم ومرادهم عليهم يتوقف لأجل اصطلاح ديرهم بطرك كجاري عادتهم وطلبوا منا أن نحرر لكم مكتوبنا هذا بخصوص ذلك فالمراد انكم تقيمون على الدير المذكور من تعتمدون عليه بربة دينكم كجاري عوائدكم القديمة وتكونون طيبين الخاطر من سائر الوجوه ما عنكم ولا عن الدير تخلي بكل ما يلزم. تعلمون ذلك والسلام.

 

الفقير
محمد جاويش
ومهما كان من مسبب لهذه الكتابات فبعد انتقال القس انطونيوس المشار إليه سابقًا اجتمع المطارنة والأعيان وغب المداولة والابتهال إلى الله قرروا انهم لا يقيمون بطريركًا عليهم غير المطران إسطفانس فلما درى بذلك هبت في نفسه شعائر القديسين وتمثلت لعينيه صورة الأحبار الفضلاء الذين رسموا أقوال الإنجيل بأعمالهم الطاهرة وظهروا كالكواكب النيرة في سماء بيعة المسيح. وتذكر الآباء الذين حسبوا كل شيء كالزبل ليربحوا ربهم وفروا إلى البراري ليربحوا ربهم وفروا إلى البراري هربًا من مجد العالم الغرور. فهرب المطران إسطفانس واحتجب عن أعين الناس. غير انه لم ينل أمنيته واضطر إلى قبول البطريركية ووظيفة راعي الرعاة. وانتشر الخبر فملأ القلوب فرحًا وهلل الشعب تهليلاً وكان يوم انتخابه وجلوسه من أبهج الأعياد وأبهاها.

 

إلا ان الفرح لم يكن بدون كدر ولا ذلك اليوم البهب بدون غيوم وسبب هذه الأكدار هو انه كانت العادة من قديم الأيام ان وجوه الطائفة يحضرن انتخاب البطاركة كما انه كان لهم يد في تعيين الأساقفة والمطارين وهذه العادة تسلمها الموارنة من أجدادهم والقاري لا يجهل انها كانت مأنوسة ليس فقط عند الطوائف الشرقية بل أيضًا في الغرب عند الأمم المسيحية جميعها الا انها ألغيت عندهم قديمًا وحافظ عليها الشرقيون وإلى اليوم يجري عليها بعض مواطنينا. أما في طائفتنا فقد أبطلها المجمع اللبناني وحفظ حقوق الانتخابات المذكورة للرؤساء الروحيين أيي البطاركة والمطارنة والأساقفة الذين وضعهم الروح القدس في البيعة ليدبروها ويسوسوها وهذا هو عين الصواب. والعادة المشار إليها كانت مستحسنة في الاعصار الأولى لما كانت الشعوب ذات غيرة على الدين ثم اضحت سببًا للخصام والنزاع لما دبت المآرب البشرية والروح العالمي في نفوس المسيحيين فصار تدخل أهل العلم وأصحاب القوة في أمور الكنيسة تعديًا على سلطان غيرهم ومبدأ شرور كثيرة كما خبر ذلك غيرنا في أوقات شتى. فلأجل هذه الأسباب وخلافها حكم الأحبار الرومانيون بإبطال العادة المنوه بها فأطعنا أمرهم ورضخنا لإرشاداتهم.

 

وكان في الأيام التي كلامنا فيها مقدم الطائفة ووجهها وعينها الشيخ نادر الخازن المعروف بأبي نوفل الذي لأجل إحساناته العميمة وغيرته على الدين كتب إليه البابا اسكندر السابع رسالة فخيمة مدح فيها أعماله وتقواه (6) ومنحه لقبًا شرفيًا وسماه كولير رومانيًا سنة 1656. ثم أنعم عليه ملك فرنسة لويس الرابع عشر بفرمان شريف ووكل إليه القنصلية في بيروت وجرى ذلك سنة 1659 على يد المطران اسحق الشدراوي العالم الشهير الذي ترك لنا خبر سفرته إلى فرنسة في كتاب المعلم والتلميذ (7) وصادقت الدولة العليا على وظيفة أبي نوفل المنوه بها بفرمان شاهاني تعطف به عليه السلطان محمد الرابع بتايخ 1074 هجرية. وكان أبو نوفل متفردًا بالذكاء والفطنة. ولأجل منزلته الرفيعة وغيرته في سبيل الصالح العام استاء من إقامة البطريرك الجديد دون مشورته وحضوره. ولو عرف مناقب البطريرك المنتخب لما برّأه تمسكه بالعوائد القديمة مهما كانت من لوح المؤرخ. لكنه بعد زمان يسير أدّى له واجب الطاعة وبالغ في إكرامه لما شاهد فيه ذكاء العقل وعلامات القداسة وروى البعض (8) ان البطريرك إسطفان قدم إليه إلى كسروان واكتسب رضاه برقته واتضاعه.

 

إن وداعة البطريرك إسطفانس أخفت عن معرفتنا خبر ما وقع بعد انتخابه فقال البعض انه حصل على رضا أبي نوفل حالاً وانه وجه قاصده إلى رومية في أواخر فصل الصيف سنة 1670. والصحيح ان البطريرك إسطفانس أتى إلى كسروان وأخمد بمشهد فضائله نفور الشيخ نادر وأحلافه ودليل ذلك تاريخ الرسالة التي كتبها الدويهي للبابا إقليمس العاشر بطلب التثبيت والباليوم وهي محفوظة في السجل الذي جمعه ورتبه الدويهي نفسه فهذه الكتابة صادرة عن دير مار شليطا مقبس في شهر آب سنة 1671. ويستدل أيضًا ان سفر القس يوسف شمعون الحصروني إلى رومة كان سنة 1671. ويستدل أيضًا ان سفر القس يوسف شمعون الحصروني إلى رومة كان سنة 1671 من كتابة ورديان القدس (9) التي سنوردها إن شاء الله.

 

وكان انتخاب إسطفانس إلى البطريركية في اليوم العشرين من شهر أيار المبارك سنة 1670 وفي اليوم الثاني والعشرين صارت حفلة ترقيته في كنيسة دير قنوبين. وبعد ارتقائه السدة البطريركية الانطاكية على ما ذكرنا استدعى الشماس يوسف بن بربور الحصروني (10) وسامه قسيسًا وأرسله إلى رومة ليقدم باسمه الطاعة للكرسي الرسولي ويلتمس من رئيس الأحبار التثبيت ودرع لارياسة جريًا على عادة سلفائه المغبوطين. وسلمه مطارين الطائفة وأعيانها أوراق الانتخاب والتماس التثبيت كما هي العادة إلى يومنا هذا. ولم يتمكن البطريرك الجديد من إرسال قاصده حالاً بعد ارتقائه لأنه اضطر أن يأتي كسروان أولاً هربًا من جور الحكام الذين كانوا في الجبة وثانيًا لأجل الوقوف على خاطر ورضا الذين كانوا اجهروا عدم قبوله لهذا المنصب السامي. وبعد أن بلغ أمنيته وفاز بالمقصود همّ بإجراء المقتضيات الرسمية مع الكرسي الرسولي كما يستدل من تاريخ الكتابات الآتية. وسلم إلى القس يوسف شمعون رسالة باسمه للاب الأقدس جمع فيها درر المعاني وأفصح بالتعبير عن تعلقه بالسدة الرسولية وهذه هي بحروفها كما دوّنها في السجل المعروف باسمه وهنا يرى القاري كيف أن الفصاحة تقوم بصدق شعائر القلب وارتفاع المعاني لا بسبك الكلام ورنة الألفاظ:

 

"إلى جانب الأقدس في الكملاء والمطوب في الفضلاء أب الآباء ورئيس الرؤساء سيدنا وتاج روسنا الحبر الأعظم ومدبر يبيعة الله الفخم مار إقليمس العاشر (11) الجالس على الكرسي الروماني الطاهر. خليفة بطرس السليح (12) ونائب على الأرض للسيد المسيح. إسطفانس الهدناني بطرس المنتخب بطريركًا على مدينة الله انطاكية وما يليها. ألوف تقبيلات وافيات وتسليمات صافيات.

 

من أراد يكسر عطشه فليقصد ينبوع الماء الجارية. ومن اشتهى يريح سفينته من العواصف فليرسيها في مدينة الراحة. والله سبحانه وتعالى قد اثر منذ البدء بكرسي رومية دون غيره في سائر الآفاق ليكون عنده ينبوع حكمة الخلاص لكل مضطرم إذ هو بنفسه طلب لجل ان لا ينقص إيمانه وشيد أركان بيعته على الصفا الثابتة لتكون بيت ملجأ لكل تائه. فإلى هذا نبع الحكمة الكائن برومية العظمى يجي ان يسرع كل عطشان. وفي هذا مينا الأمان يستريح كل مسافر فيجدا لنفسهما حياة وخلاصًا. يقول أيوب الصديق (13) : الذهب والفضة لهما معادن ومسابك يؤخذان منها والحجارة الكريمة لها أمكن توجد فيها. وأما الحكمة أين توجد وأين هو مستقرّ المعرفة. كأنه يقول أن الحكمة الطبيعية لها أرباب والقضايا البشرية لها سادات. أما حكمة الله ومعرفة بيعته التي هي أساس الحق وعاموده أين توجد. زعم أريوس أن حكمة الله عنده وكذلك نسطور وديسقورس وبيروس وسائر شيع الأراطقة الملحدين ان معرفة الحق في كنائسهم لكن كذّبهم النبي (14) جميعًا لأن الغمر قال ليست فيّ ونطق البحر انها ما هي معي. بل ان الله علم طريقها وهو يعرف مكانها. يريد أن ما أحد من البرايا استدلّ على معرفة الحق إلاّ الذي اهتدى من الله. فلما سأل السيد المخلص تلاميذه (15): ماذا يقول الناس عني أنا ابن البشر. فجاوبوه: قال البعض إنّك إرميا والبعض إيليا أم واحد من الأنبياء ولم يستدل أحد منهم على الصواب إلا سمعان الصفا الذي قبل الرؤيا من العلا ونادى قائلاّ: أنت هو المسيح ابن الله الحي. لموضع ذلك بعد ما طوبه قال له: أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. قد حنق عدو جنسنا وأخرج من أبواب الجحيم ضد كنيسة بطرس ملوك الكافرين وشيع اليهود وجنود الغير مؤمنين وجوقات المبدعين فلاطموها لكن لأن أساسها على الصخر لاثابت لم يقووا عليها بل هلكوا الريوسيون وفنوا الديسقوريون ودثرت جميع الشيع المضادة. وكنيسة بطرس لم تتزعزع. فاض بحر النفاق واستعبد بموجه كل من كان خارج سفينة بطرس. وأما هي فوحدها وصلت إلى مينا الخلاص. بسبب ذلك الملة المارونية منذ بدء الكنيسة لم تزل طائعة لكرسي قداستكم الطاهر. ومن حين قبلت علامات الإيمان من الرسل القديسين لم تزل في وسط الكفار والمبدعين خاضعة طائعة لسننكم. وهم بشبه الخراف الإنجيلية (16) صاغيين آذان قلوبهم ليسمعوا صوت الراعي الصالح ويتبعونكم. فيجب على عناية وحلم قدسكم ان مثل راس الرعاة تحولوا وجه حنيتكم إليها. وإذ هي مشتتة من الذئاب الكاسرة ومبددة بين سياجات المبدعين تنادوها بصوتكم الكريم وتدعوها باسمها فلم تزل تقتفي أثركم.

 

ومن جهتنا نحن تلميذ قدسكم وتربية كرسيكم نعلم ابويتكم المطوبة ان سالفنا البطريرك جرجس بطرس الانطاكي انتقل بالوفاة إلى رحمة الله الدائم فاجتمعوا إخوتنا المطارين المكركين وأولاكم رؤساء الديورة وأعيان شعبكم الماروني والزمونا إذ نحن غير مستحقين ان نتخلف عليه في كرسي انطاكية المقدّس كما هو واضح من رسالتهم وختوماتهم الواصلة إلى بين أيادي قدسكم. فالآن أيها الآب الأقدس هوذا نحن قائمين بين أيادي شرفكم وناصتين لكلامكم وطالبين تعاليمكم. فنسأل قدسكم انه كما أمركم رب الرعاة قائلاص لكم بأقنوم بطرس الطوبان: فأنت عاود ثبت إخوتك (17) يكون حسن نظركم علينا وتشرفونا بإرسال البركة مع التثبيت والردع الحبري كما جرت العادة بين سلفائكم وسلفائنا الذين انتقلوا إلى رحمة الله. وكان في خاطرنا ان نجي نحن بأقنومنا نتشرف بنظركم الكريم ونقبل أيديكم الطاهرة ونتبارك من فم قدسكم لكن أحاطت بنا قوة الظالمين وشتتوا رعايانا وطردونا من مواطنا. بسبب ذلك بعثنا ولدكم القس يوسف الحصروني حتى يرمي لكم الطاعة باسمنا. أملنا بقدسكم جزيل الرحمة أن تشملوه بحنيتكم ولا يدع حلمكم انه يحتاج لأحد وترسلوه عاجلاً إلينا لأننا في استنظاره ومهما عملتم معه ومع هذا الكرسي الانطاكي ومع ملتكم المارونية من الخير هو لكم عند الله سبحانه وتعالى. ولم نزل طالبين من كرم الباري أن يمد في أيام قداستكم ويؤيد دولتكم ويحفظ في الأمان والسلام تحت أجنحة رحمته وتحت كنف عنايتكم ويحفظ في الأمان والسلام تحت أجنحة رحمته وتحت كنف عنايتكم الكنيسة الرومانية وأولادها سائر الكنائس التي في أربع افاقات العالم. وبعد رمي المطانيات نقبل أياديكم المقدسة.

 

حرر في دير مار شليطا مقبس في بلاد كسروان في أربعة وعشرين خلت من شهر آب سنة 1671 ربانية".

 

وبينا صورة تحرير من رئيس رهبان القديس افرنسيس في القدس الشريف إلى البابا إقليمس العاشر ومن التاريخ الذي في آخره يستدل أيضًا كما سبق القول ان معتمد البطريرك إسطفانس لم يتوجّه إلى رومة لطلب التثبيت إلا سنة 1671. وهذه صورة الكتابة المشار إليها نقلاً عن أصله اللاتيني المحفوظ بخط الدويهي في ورقة بالية.

 

"إلى الطوباوي الأقدس أبينا بالمسيح وسيدنا الحبر الأعظم إقليمس العاشر. من الحقير الخ ثيوفيلس نولا ورديان جبل صهيون المقدس.

 

اننا في هذه الأنحاء المشرقية المنتشر عليها ظلام الضلال والارتقات لسنا نعرف نحن عبيد قداستكم اللاتينيين أمة أخرى (غير الشعب الماروني) أختنا بالإيمان وشريكتنا بالطاعة وناصرتنا بالعمل. وامتثالاً لقول الذي أوصانا أن نحب الجميع ولكن بالخصوص بني الإيمان قد تعلقنا بالأمة المارونية من صميم فؤادنا حتى صرنا نفرح بإقبالها كما لو كان لنا ونحزن لبلاياها. وجعلنا تعزيتنا وسلوانا في عرض مصائبنا لأب الجميع ورئيس الكل. انه قد بلغني في العام المنصرم ان بطريرك هذه الطائفة بعد أن قاسى أهوالاً خارقة العادة ومظالم شتى واضطهادًا لا يطاق اضطر أن يهرب من لبنان (18) إلى مقاطعة كسروان البعيدة وقضى أجله في وسط الشدائد. إلا أن بشرى ما جرى بعد ذلك خفّف علينا ثقل الحزن وهو أن مطران قبرس إسطفانس الإهدني الذي قدم سابقًا إلى زيارة الأماكن المقدّسة وكان قدوة الزائرين وكثيرون من إخوتنا عرفوه وشهدوا بما ألفوا فيه من سعة المعارف وطهارة السيرة وإصابة الرأي قد انتخبه عموم الطائفة ورفعوه إلى المقام البطريركي السامي. وكنت أرجو أن يأتيه التثبيت من قداستكم بوقت قريب. غير انه ورث من سلفه الاضطهاد ومشقاته مع الدرجة البطريركية العالية. لا بل ان حمله ثقل من الديون المتروكة على الكرسي وشدة الظلم جعلته أن يهرب إلى حيث كان سالفه ويترك شعبه. فصار بنو رعيته تائهين في البلاد كالغنم بين الذئاب الخاطفة. وقد علمت وتمزقت كبدي من هذا الخبر ان البطريرك المذكور باقٍ في المنفى في وسط ضيقات كبيرة وانه لم يرسل أحدًا بعد لطلب التثبيت من قداستكم لكنه مستعد أن يوفد قصادًا بفرصة قريبة. وإذ انه ليس بوسعي أن أرافقكم بذاتي اصحبتهم برسالتي هذه مقبلاً بكل خشوع أقدامكم المقدسة ويا ليتني أتمكن من المثول بذاتي بين أيديكم. فأترجى حلمكم أن تتكرموا بالتعزية وتمدوا يد المساعدة إلى خادم مثل هذا مخلص الطاعة للكرسي الرسولي المقدس وقد رضع في صباه لبان العلوم والإيمان من الينبوع الروماني. وتشفقوا على هذه الررعية الكاثوليكية لأن انكسار شوكتها مضرّ جدًا بشرف اسم الكنيسة الرومانية.

 

تحرر في دير المخلص المجيد (19) في ثالث يوم من آذار سنة 1671".

 

من هذه الكتابة النفيسة يتضح جليًا ان البطريرك إسطفانس حال ارتقائه إلى السدة البطريركية لقي مع الديون الباهظة التي تركها سلفه المتفي صعوبات من قبل الحكام وأبناء الطائفة نفسهم: هذا كان ميراثه في البطريركية شأن كل الذين تعطى لهم المقامات العالية في البيعة. وإلى بعض ذلك تشير كتابة منصرف طرابلس التي أثبتناها قبلاً. ثم عظمت البواعث انه اضطر أن يهرب إلى كسروان وكان وقتئذ كبلاد غريبة في عين الموارنة لأنهم بعد أن سكنوه في القديم (20) وحُرق ونهب استوطنه المسلمون وبعد ذلك أخذ النصارى يرجعون إليه رويدًا ويشغلون أراضيه الجدباء لما اعتراهم الضيق والاضطهاد في وطنهم الحقيقي الذي هو إلى شمال نهر ابرهيم. ومن جهة أخرى تيسر لإسطفانس المجيء عند الشيخ أبي نوفل الخازن لإزالة ما كان حصل له من الغيظ بعد انتخاب البطريرك الجديدي. ووقوع هذا المجي اثر تعيين الشيخ المذكور من السلطان سليم العثماني حاكمًا على مقاطعة كسروان ومزارعها (21). وترقية الشيخ أبي نوفل إلى مثل هذا المنصب دليل لنا على ان كل ما كان يلحق الموارنة من الاضطهاد والضيق انما كان بغير علم الدولة العلية ولا يسوغ أن ينسبه المتأخرون إلا إلى أشخاص فطروا على الظلم وسفك الدما وارتكاب جميع المنكرات بحسب ما تسوقهم أهواؤهم وتولوا تدبير الرعايا بلا أهلية ولا فضل. وسنتعرض في موضع آخر لذكر شيء من مآثرهم السمجة لا حبًا بالتنديد بالماضي بل خدمةً للحق وإيضاحًا لحالة هذه الديار اللبنانية في تلك الأيام الغابرة التي نتمنّى من صميم القلب أن لا تعود إليها.

 

وإذا سأل سائل لماذا كتب ورديان الأماكن المقدّسة الرسالة المثبتة آنفًا نجيب أن رئيس أديار القديس افرنسيس في الأرض المقدّسة استمرّ طويلاً وسيط رؤساء الطائفة المارونية في المراسلة مع الكرسي الروماني المقدّس وكان الأحبار الرومانيون بناء على التماس بطاركتنا أرموه قديمًا أن يوجه في كل فرصة بعض رهبانه الغيورين إلى لبنان ليحملوا للموارنة عربون البركات الرسولية ويرشدوهم ويعلموهم حقائق الإيمان ويثبتوهم في الدين القويم الكاثوليكي. وكان مقر رئيس رهبان مار افرنسيس وجنسه ولغته تمكنه من مقابلة الزائرين من الافرنج وتجارهم وسفر رهبانه إلى أوربا ومجيء غيرهم إلى المشرق كان طريقة أمينة لإيصال المكاتبات إلى مرجعها. ومن الأسباب التي حملت الرهبان اللاتينيين على الاهتمام بهذه الطائفة وقضاء مصالحم رابطة الدين ومشاطرة المصائب وقد كنا وقتئذ في كل المشرق الطائفة الوحيدة الطائعة لكرسي رومة والمتحدة مع الغربيين باتحاد الدين المشدد. إلى غير ذلك من الأسباب.

 

وبعد أن أعدت الكتابات السابق ذكرها توجه الخوري يوسف شمعون قاصدًا رومة العظمى وكان سفره في أواخر الصيف سنة 1671. ودخل أم المدائن في اليوم العاشر من شهر تشرين الآخر من السنة المذكورة. وغب وصوله شرع في المخابرات بخصوص تثبيت البطريرك واخذ الباليوم. وإذ كان على ذلك ورد من لبنان كتابات ووشايات إعاقته وأبعدت اجل الرجوع. ولا جرم ان عدو البشر ومبغض الخير لما رأى فضائل إسطفانس وقدّر الحسنات التي كانت مزمعة أن تجري على يده والنفوس التي كانت مزمعة أن تخلص بعنايته حرّك ضده بعض الحسودين وحملهم على المعارضة في انتخابه وطلب إنزاله من المقام البطريركي. ولعمر الحق ان الذنب كله ليس على الشيطان بل على مطاوعيه وهم كثيرون في العالم وأكثر من سائر الأمكنة في هذه الديار التعيسة فإن الذل حصل فيها من الاستعباد. والذل يلد الضعف. والحسد نتيجة الضعف في النفوس. لذلك ترى ضعف الخلاق وقلة المروءة عند الكثيرين وترانا حسودين لا نطيق الخير إذا صنعه غيرنا وعاد عليه الثناء وحسن السمعة. هذه الخلال برهان سديد على ضعف العقل والإرادة لأن العاقل إذا شاهد الصلاح اعترف به ولو كان في ألدّ أعدائه وإذا رأى الحسنات اجتهد أن يعملها ويضاهي الآخرين بأعماله ولا يحزن لخير القريب حتى ولو حلّ الثواب والمدح على غير أهله. أما نحن الشرقيين فقد حسبنا الحكمة أمثالاً نوردها ونهذّ بمعانيها وجعلنا الفضل في النجاح واكتفينا من الشرف بالمراتب. فلم نهتم بإدراك الخصال الحميدة وامتلاك الصفات الجوهرية والمناقب الخفية التي بها يتميز الالماس من الزجاج والدر من الصدف والعلم الحقيقي من الثرثرة والفضيلة من التظاهر بها. وفطرنا على المؤامرة والدسائس واجزنا الوسايط اية كانت إذا ما أوصلت إلى الغاية. فبئس التربية وبئس الأخلاق. وهذه العوائد الذميمة لم تنحصر برجال العالم بل ولجت قدس الأقداس واستولت على كثيرين من الذين اتخذوا الاحتقار شرفًا والاتضاع رتبة وخدمة الله وحده غاية فلا يستغرب القاري ان لم نتمالك عن بث هذه الخواطر إذ رأينا أناسًا لم يحفل بأسمائهم التاريخ ولم يحفظها قاموا على جهبذٍ كالدويهي وأرادوا أن يضعوا تحت المكيال سراجًا لا بل كوكبًا أنار الشرق بأشعة نوره الساطع ولسنا ندري ما كانت حجتهم عليه هل وجدوا أفضل منه قداسةً أو أوسع منه معرفة أو أشد منه غيرة ونشاطًا.

 

وليست هذه التهمة رواية وهمية. قال سمعان عواد: إن البعض من المطارنة والأعيان اجتمعوا واعترضوا على رسامته وأحدثوا سجسًا عظيمًا في الطائفة كلها ومن جراء ذلك اقتضى ان القس يوسف الحصروني يمكث في رومة مدة طويلة من الزمان. ولما اطلع الدويهي على ذلك ارتاب في دعوته وظن ان الله لا يريده في هذا المنصب السامي واكتفى بهذه الإشارة والمقاومة ليضحي بذاته مظهرًا لله وللناس نبالة مقاصده وقداسة رغائبه ووداعة روحه الطاهرة. فكتب لقاصده أن يرجع دون التثبيت. ولا شك انه وطد العزيمة على التنزل عن البطريركية. وما كان الأمر سوى امتحان من الله كتجربة ابرهيم أو بطرس الرسول لما أوشك أن يغرق في الأمواج التي أمره المسيح أن يمشي عليها. لأنه لما أراد أن يختم رسالته لم تطبع صورة الخاتم ولم يلصق الحبر بالقرطاس. فحاول ذلك ثلاثًا ولم ينجح فحسب الأمر آية ان ارتقاءه كان من قبل الله وطأطأ رأسه مطيعًا. وروت بعض النسخ أنه أرسل كتابه خير مختوم. وبعد أن امتحنه الله وأظهر للجميع نزاهته وسمو فضائله أنعم عليه البابا إقليمس العاشر ببراءة التثبيت وكان ذلك بتاريخ 8 آب سنة 1672.

 

وإليك تعريب البراءة الرسولية المحفوظة في أصلها إلى اليوم في خزانة الكرسي البطريركي.

 

"إقليمس الأسقف عبد عبيد الله

 

إلى الأخ المحترم إسطفانس الإهدني مطران نيقوسية سابقًا المنتخب بطريركًا انطاكيًا على الطائفة المارونية السلام والبركة الرسولية.

 

إذ اننا بتدبير نعمة الله الذي بعنايته الغير المدركة يرتب سائر الأمور رفعنا إلى هذه الدرجة الرسولية دون استحقاق يؤهلنا إليها ننظر إلى سائر كنائس العالم ونبذل انعطافنا الأبوي في أمر سياستها كان من اللائق أن ننظر خصوصًا في أمر الكنائس التي لا راعي لها لنكل تدبيرها إلى رعاة أكفاء كما يشتهي قلبنا كي يقودوا في طريق الخلاص الشعوب الموكولة إليهم بكل تيقظ وبكل عناية وسهر ويرشدوهم ويحسنوا سياسة ما يخص هذه الكنائس من الخيرات الزمنية ويزيدوها ما أمكنهم. فالكنيسة البطريركية الانطاكية المارونية كان يرأسها ما دام حيًا الطيب الذكر البطريرك جرجس من بسبعل الذي وفى حق الطبيعة المائتة وانتق من هذه الحيوة خارجًا عن البلاط الروماني. وقد فقدت بموته راعيها ومعزيها. فاجتمع حضرة إخوتنا المطارين والأساقفة وأولادنا العزاء إكليروس الطائفة المارونية وأنت أرسلت ملتمسًا أن نتنازل ونثبت الانتخاب أو الترشيح الواقع على شخصك. وبما أنك توليت سابقًا تدبير كنيسة نيقوسية وقمت بها خير مقام أملنا أن الرب يعطيك المعرفة والإرادة والقدرة لتدبر في سبيل الخلاص كنيسة البطريركية وتحسن سياستها. ونحن بقوة أسطرنا هذه نحلك ونريد أن تكون معتوقًا في المستقبل من كل حرم ورباط ومن سائر الأحكام الكنسية والتأديبات والقصاصات إذا كنت تحت طائلة شيء منها. سواء كانت صادرة من الشرع أو من شخص ولأي علة كانت بموجب أمرنا الذي أصدره مجمع نشر الإيمان الذي كلفناه بفحص عريضتك. وبكتابنا هذه بعد استشارة إخوتنا المحترمين كرادلة الكنيسة الرومانية المقدسة قد ثبتنا بالسلطان الرسولي الانتخاب أو الترشيح الواقع على شخصك كما تقدمنا وأقمناك بطريركًا وراعيًا للكنيسة البطريركية الانطاكية الآنف ذكرها. وسلمناك تدبير وإدارة الكنيسة البطريركية الانطاكية المذكورة بكمالها في الروحيات والزمنيات. ونرجو من معطي النعم وموزع الجزاء أن يرشدك في جميع أعمالك إلى أن تصون الكنيسة البطريركية الانطاكية من المضرات بسهرك واجتهادك وتحميها من الأعداء فتنمو في الروحيات والزمنيات. فاقبل على عاتقك نير الرب بنشاط واجتهد في التدبير والسياسة بغيرة وأمانة وحكمة لتفرح الكنيسة البطريركية إذ ترى ذاتها بيد رئيس ماهر ومدبر ساهر فتحصل أنت على الجزاء الأبدي وتحوز بركتنا ورضانا الكرسي الرسولي.

 

ثم نأمر بكتابتنا هذه الرسولية إخوتنا المحترمين الأساقفة معاونيك وأولادنا الأعزاء كهنو الديوان البطريركي والأعيان الذين ضمن حدود هذه البطريركية والعيان الذين ضمن حدود هذه البطريركية والإكليرس والشعب الطائع لهذا الكرسي أن يكرمك الساقفة كالأعضاء للرأس وأن يعتبرك كهنة الديوان أبًا لنفوسهم وراعيًا لها. ويقدموا لك الطاعة والإكرام الواجب بالإخلاص لتأخذ النعمة بينك وبين معاونيك مآخذها المرضية فيمكننا أن نمدح بالرب إخلاصهم. وليقبلك جمهور الإكليرس بما يجب لنا وللكرسي الرسولي المقدس من الاحترام وليظهروا لك التوقير ويرضخوا لإرشاداتك وأوامرك بوداعة ويسيروا بموجبها. وليقتبلك الشعب كأب نفوسهم وراعيها وليقدموا لك كل الإكرام ويصغوا لإرشاداتك وأوامرك العائدة لخلاصهم بخضوع فيكونوا حقيقة بنين مخلصين وتكون لهم أبًا حنونًا وتفرحوا بذلك جميعكم وعلى الأعيان الذين ضمن حدود الكرسي الانطاكي أن يحترموك أيضًا الاحترام الواجب ويحفظوا الأمانة المألوفة ويخدموك الخدمة المعتادة ويقيموا ما لك عليهم من الحقوق. ومن خالف ذلك وأشهرت عليه القصاص القانوني نثبت حكمك عليه ونجبره بمعونة الرب على تقديم كفارة لائقة. ونرغب إليك أن تبرز بأقرب ما يكون صورة التي سيأتي بيانها وتعد بالمانة الواجبة حسب منطوق الصورة التي في طي هذه البراءة ويكون ذلك لدى أحد المطارين أو الأساقفة وترسل كلا الصورتين إلى الحاضرة ضمن الوقت المعين ولا ترتد الباليوم قبل أن يتم ذلك. أما صورة الإيمان فهي هذه: أنا إسطفانس الإهدني مطران نيقوسية سابقًا المنتخب بطريركًا انطاكيًا على الطائفة المارونية أؤمن إيمانًا ثابتًا وأعترف إجمالاً وإفراديًا بكل ما يحواه قانون الإيمان الذي تستعمل تلاوته الكنسية الرومانية المقدسة أي إني أؤمن بإله واحد أب قادر على كل شيء صانع السماء والأرض كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد... (إلى آخره كما في القانون النيقاوي).. ثم أحترم واقبل كل المجامع العامة الآتي بيانها: أعني المجمع النيقاوي الأول وأعترف بكل ما حدده ضد أريوس اللعين أي أن سيدنا يسوع لامسيح هو ابن الله ومولود من الآب... والقسطنطيني الأول (وهو المجمع المسكوني الثاني في العدد) وأعترف بما قرّره ضد نسطوريوس... والخلقيدوني (وهو الرابع بين المجامع) وأعترف بما حدّده ضد اوطيخي وديسقورس اللعين ذكرهما... والقسطنطيني الثاني (وهو المجمع الخامس).. والقسطنطيني الثالث.. والنيقاوي الثاني.. والقسطنطيني الرابع (وهو الثامن في العدد) وأعترف ان فوتيوس شجب عدلاً وان القديس اغناطيوس ردّ إلى كرسيه بالحق. وإني أحترم وأقبل سائر المجامع المنعقدة بأمر الحبر الروماني والمثبتة بسلطانه وبالخصوص المجمع الفلورنتي... أحترم أيضًا وأقبل المجمع التريدنتي وأعترف بكلما حدده وقرره...

 

ثم إني أقبل وأعترف بكل ما تعترف به وتقبله الكنيسة المقدسة الرومانية. وكل الانشقاقات والارطقات التي ترذلها هذه الكنيسة وترفضها وتحرمها أنا أيضًا أرذلها وأرفضها وأحرمها. ثم إني أعد تحت اليمين بالطاعة الحقيقة للحبر الروماني خليفة الطوباوي بطرس زعيم الرسل ونائب يسوع المسيح معترفًا ومقرًا دون إكراه بهذا الإيمان إيمان البيعة الكاثوليكية التي لا يستطيع أحد أن يخلص خارجًا عنها وبمعونة الله أحفظه وأعترف به في المستقبل بكماله وتمامه إلى آخر رمق من حياتي وأحمل الذين تحت سلطاني والذين أتولى أمرهم على حفظه وتعليمه ونشره بحسب إمكاني. أنا إسطفانس الإهدني أعد بهذا القسم: فليساعدني على ذلك الله وهذه الأناجيل الطاهرة"(22).

 

ثم بعد ذلك أي في بحر شهر كانون الأول أنعم الحبر الأعظم السابق ذكره على يد معتمد البطريرك إسطفانس الباليوم أي ردع كمال السلطان الحبري. والباليوم نسيج من صوف يجمع حول العنق فيطوقه ولهذا الطوق طرفان ينزل أحدهما على الصدر والآخر على الظهر يزينهما صلبان سود. وصوف هذه الدرع يؤخذ من حملين أبيضين يقدمهما قانونيو مار يوحنا لاتران كل سنة للحبر الأعظم ويبارك عليهما في كنيسة الشهيدة أغنس يوم عيدها (23) ثم يُعنى بتربيتهما ورعايتهما راهبات القديس لورنسيوس ويجز صوفهما يوم خميس الأسرار وينسج دروعًا توضع يوم عيد مار بطرس على قبره المعروف بشهادته وتبقى هناك إلى ثاني يوم العيد ولذلك يقال انها أخذت عن جسد القديس بطرس (24).

 

وفي الرسالة الثانية التي وجّهها الحبر الأعظم للبطريرك إسطفان بخصوص الباليوم المشار إليه يشير أولاً إلى تثبيته على الكرسي الانطاكي كما تقدّم ثم يتكلّم عن الردع ويقول: "أما اليوم فقد طلب الباليوم باسمك المعتمد الذي أرسلته لدينا ولدنا العزيز يوسف الحصروني قسيس الكرسي الانطاكي بما يليق من الاحترام. فأجبنا طلبك وأخذنا الباليوم عن جسد القديس بطرس الرسول وسيحمله إليك معتمدك الآنف ذكره ليلبسك إياه الأخوان المحترمان مطران العاقورا (25) ومطران حلب (26) أي ان المذكورين أو أحدهما يقلدانك (أو يقلدك) إياه بموجب الصورة الآتية ويقبلان (أو يقبل) منك باسمنا وباسم الكنيسة الرومانية قسم الأمانة كما هو مذكور أدناه. ولك أن تلبسه في الكنيسة البطريركية المومى إليها في الأيام المعينة في الانعام المعطى من الكرسي الرسولي لهذه الكنيسة فقط. ونوصي إخوتك ونناشدك أن يكون الرمز طبق المرموز وأن تحفظ في الباطن ما تحمل علامته خارجًا أي أن تمارس التواضع والعدل بنعمة الرب الذي يعطي الجزاء ويوزع المواهب لأن هذه الفضائل تحفظ حافظتها وترشده. وأن تعنى كل العناية متكلاً على الله بنمو الكنيسة البطريركية التي صارت لك عروسًا في الأمور الروحية والزمنية. وبكتابتنا الرسولية نأمر المطرانين المشار إليهما أو أحدهما أن يقلداك (أو يقلدك) الباليوم بموجب الصورة الآتية ويقبلا (أو يقبل) أحدهم منك باسمنا واسم الكنيسة الرومانية عهد الأمانة كجاري العادة وترسل لنا بأقرب ما يكون على يد قاصدك صورة الأمانة المذكورة بكتابة مفتوحة ممهورة بخاتمك. أما صورة تسليم الباليوم فهي هذه: لإكرام الله القادر على كل شيء والطوباوية مريم البتول والقديسين الرسولين بطرس وبولس وسيدنا البابا إقليمس العاشر والكنيسة الرومانية المقدّسة وكنيسة الكرسي الانطاكي للطائفة المارونية الموكولة إليك نسلمك الباليوم المأخوذ عن جسد القديس بطرس وهو علامة كمال الرياسة الحبرية لتلبسه ضمن كنيستك في اليام المعينة في الانعامات الممنوحة من الكرسي الرسولي. أما صورة اليمين التي تقسمها فهي هذه: أنا إسطفانس الإهدني مطران نيقوسية سابقًا المنتخب بطريركًا انطاكيًا على الطائفة المارونية أكون من هذه الساعة وما بعد امينًا وطائعًا للطوباوي بطرس وللكنيسة الرومانية المقدسة ولسيدنا البابا مار إقليمس العاشر ولخلفائه الشرعيين ولا أوافق لا بالمشورة ولا بالموافقة أو بالفعل على قتلهم أو قطع عضو من أعضائهم أو على القبض عليهم عنوة. وإذا أطلعوني على سرهم شفاهًا أو بواسطة قصادهم وكتاباتهم فلا أبوح به لأحد بمعرفتي إذ كان لهم من ذلك مضرة. وإني أساعدهم على المحافظة على الرياسة الرومانية وعلى مملكة القديس بطرس بالمدافعة عنهما ضد كل إنسان. وإني أقبل قاصد الكرسي الرسولي في ذهابه وإيابه وأكون له معينًا في الحاجات. وإذا دعيت إلى المجمع سأحضر إلا إذا أعاقني مانع شرعي. وإني سأزور الأعتاب الرسولية كل خمس سنوات بذاتي أو بواسطة رسول إلا إذا رخص لي بخلاف ذلك ولا أبيع أولاك الكرسي البطريركي ولا أهبها ولا أرهنها ولا أضعها تحت ولاية أحد ولا أتخلى عنها بأي نوع كان دون استشارة الحبر الروماني. وإني أحفظ البراءة الصادرة سنة 1625 في ما يخص تسليم أملاك الكنائس الصغيرة التي تحت ولايتي. فليساعدني الرب وهذه الأناجيل الطاهرة (27).

 

أما القس يوسف شمعون الحصروني فلم يرجع إلى الشرق حالاً بعد الحصول على براءة التثبيت والباليوم لكنه استمر في رومة منتظرًا منتهى فصل الشتاء وقدوم أيام الربيع خوفًا من أخطار البحر المريعة. وقبل أن يبارح حاضرة الكثلكة العظمى منحه الأب الأقدس إقليمس العاشر رسالة أخرى أراد أن تكون للبطريرك الماروني ولشعبه المختار عربون اهتمامه الأبوي وانعطافه الجزيل وحمايته الخصوصية لهذه الطائفة وهذا تعريبها:

 

"إقليمس البابا العاشر
أيها الأخ المحترم السلام والبركة الرسولية
إن محبتنا الأبوية لك وللطائفة المارونية الجزيلة التقوى لم تسمح لولدنا العزيز يوسف الحصروني الذي وجهتموه إلينا لأجل طلب التثبيت أن يعود إليكم دون أن نصحبه بعبارة الاستمالة نحوكم ونحو كل الخاضعين للكرسي الرسولي في جهاتكم. وقد حركنا حبنا لطائفتكم العزيزة إلى أن نوصي بها غيرتك إذ انك راعيها. ولكوننا نسهر دائمًا على حفظها نأمر تقواك أن تعنى بنشر عبادة الله في القطيع الموكول إليك أمره. فإذا عكفت باجتهاد على إتمام هذا العمل الرفيع الشان تكون قمت بأعباء الوظيفة التي تشرفت بها. ونحن كلما سنحت الفرصة نبلغك تمام رضانا بكتابات خصوصية. وإننا ننتظر من سمو فضائلك اثمار سرور غير زائلة وعلى هذا نعانقكم أنت وكل المؤمنين بالمسيح الذي تحت ولايتك ونعدكم جميعًا بمدّ حمايتنا إليكم في تلك الأقطار ومن صميم فؤادنا نمنحكم البركة الرسولية.

 

أعطي برومة بقرب القديسة مريم الكبرى تحت ختم الصياد في اليوم العشرين من أيار سنة 1673 وهي الرابعة لحبريتنا".

 

وفي تاريخ سنة 1673 أيضًا سلم الحبر الأعظم إقليمس العاشر إلى القس يوسف الحصروني المذكور رسالة باسم الشيخ نوفل الخازن يمدح بها سعيه المتواصل في نشر الإيمان الكاثوليكي ويظهر له الانعطاف والإجلال (28).

 

وفي مسودة تاريخ الأزمنة: "سنة 1672 (والصحيح 1673) كانت عودة قاصدنا القس يوسف بن بربور من رومة في 6 تشرين الأول وجاء بالتثبيت لنا والكوليرية الرومانية لاشبينينا الشيخ أبي قنصوه وأخيه الشيخ أبي ناصيف الخازنين."

 

فاتنا أن نقول ان البطرك إسطفان لفرط حبه واعتباره للمدرسة الرومانية ولاجتهاده في تهذيب إكليروس الطائفة أخذ يسعى منذ يوم ارتقائه السدة البطريركية في أمر نجاح المدرسة المذكورة وفي سنة 1670 بلغه أن المدرسة في حاجة إلى تلاميذ فأرسل إليها حالاً مع فراجوان من معاملة البيامُنت (29) الذي كان حبيسًا في دير مار اسيا تحت حصرون ستة أولاد وهم يعقوب الحصروني ابن الخوري حنا عواد وسنتكلم عنه فيما بعد إن شاء الله. وجرجس بن سركيس من بيت عبيد من إهدن (30) وجرجس ابن مناع الذي انتقل إلى جوار ربه في دير مار يوحنا ريشميا سنة 1690. وابرهيم بن خيرالله بن جحوه الغزيري (31)ويوسف بن اسكندر القرطباني الذي بعد عودته إلى لبنان سيم قسيسًا على مذبح سيدة قنوبين سنة 1687 (32). أخيرًا عبدالله بن باسيل البجاني من بيت شباب وهذا تزوج وسيم كاهنًا على القرية المذكورة واجتهد كثيرًا في إرشاد النفوس وتعليم الأولاد وجدّد كنيسة القرية ثم صار أسقفًا على رطابلس واسمه بين آباء المجمع اللبناني غير انه لم يحضر المجمع بذاته لعجزه وتوفي في تشرين الثاني سنة 1736.

 

وسنة 1671 أرسل البطريرك إسطفان مع معتمده القس يوسف شمعون الحصروني ولدين لحساب وقفية ابن شلق العاقوري (33) وهما بطرس ابن سليمان مبارك من بطحا وصافي بن بولس القديسي من شننعير. فهذا الخير أتقن علم الهيئة وبعد رجوعه إلى لبنان سار إلى قرية بعقلين وكرّس حياته لتعليم الأحداث إلا أن الله لم يطل عليه زمن الامتحان فاعتراه حمى خبيثة أذاقته الردى بظرف أربعة أيام فأسف عليه كل من عرفه وكانت وفاته في شهر أيلول سنة 1688 (34).

 

أما بطرس مبارك الذائع الصيت فكان من قرية بطحا بقرب غسطا في كسروان وأبوه لاقس سليمان مبارك الذي ترهب مع بنيه الآخرين في دير مار سركيس ريفون وأخواه المطران يوسف الذي استولى على البطريركية ولم يثبت فيها ولما انزل منها البطريرك يعقوب عواد. والمطران جبرائيل مبارك. وكان مولد بطرس في شهر حزيران 1663 ومكث في مدرسة رومة إلى عام 1685 وفيه عاد منها مع الخوري يعقوب عوادفي شهر كانون الأول. وسنة 1687 أقامه البطريرك إسطفان قسًا على مذبح قنوبين وولاه خدمة النفوس في قرية غسطا. فقام بهذه الوظيفة أحسن قيام. ثم بعد ذلك أي سنة 1691 أرسله البطريرك المذكور إلى رومة لقضاء أمور لاكرسي الانطاكي وفصل الخلاف الواقع مع رهبان القدس. وأرسل معه تلاميذ إلى المدرسة. وبعد أن قضى مدة في رومة ومهد الصعوبات التي كان كلف بإزالتها ذهب على مدينة فلورنسا قبل رجوعه إلى المشرق فأحبه أمير المدينة قزما الثالث المادشي ومسكه وأكرمه واستأذن البابا بإبقائه عنده وسلمه تدبير المكتبة المعروفة باسم أسرته في المدينة المذكورة ثم أمره بتحسين الحرف التي كان سعى بحفرها فردينند المادشي للطبع في اللغات الشرقية فلبى أمره وأجاد في كل ما ندب إليه لأنه كان جامعًا بين معرفة اللغات العبرانية والسريانية والعربية واللاتينية واليونانية وبين معرفة العلوم الطبيعية والإلهية.

 

وحاز على إكرام عظيم من الميرة حنة – ماريا – الويزا ابنة قزما الثالث وهي من أشهر نساء ذلك العصر لما كانت عليه من الذكاء والاريحية وأخذت تحت ظل حمايتها كثيرين من أهل العلم والدب فكانت تثني على بطرس مبارك فيكل النوادي والمجتمعات الأدبية. وسنة 1700 عينه الأمير قزما المشار إليه معلمًا للغات الشرقية في مدينة بيزا ووكل إليه شرح الكتاب المقدس. فنال في التدريس شهرة عظيمة حتى ان الملوك والمراء والعلماء كانوا يتحدثون بمعارفه ويثنون عليه ويفاخرون بصداقته. كما يشهد بذلك إسطفان عواد السمعاني في مقدمة المجلد الثالث من تآليف مار افرام (35). وسنة 1707 في شهر تشرين الثاني استماح الإذن بالدخول في الرهبنة اليسوعية. وكان قبل انخراطه في السلك الرهباني أوقف ماله على الطائفة المراونية وأقام لها مدرسة في قرية عينطورا تسلم تدبيرها الآباء اليسوعيون واستمرت بيدهم إلى ملاشاة الجمعية سنة 1773 وحينئذ عادت للطائفة. وبعد أن كمل زمن الابتداء في رومة عينه البابا في عدد فاحصي الكتب اليونانية المقدمة للطبع وعوّل الجميع على قوله ورأيه. وكان أثتاء ذلك يدرس الكتاب المقدس ويعظ ويرشد بعض أديار الراهبات ويزور المسجونين ويباشر نحوهم أعمال الرحمة بأنواعها. ثم انه بايعاز الكردينال كويريني أمره الب فرنسيس رتز أب عام الرهبنة اليسوعية أن ينقل تاليف مار افرام إلى اللاتينية فامتثل أمره وشرع في العمل باجتهاد ونشاط. وحرّم عينه النوم والراحة ولم يشفق على ذاته في خدمة الدين والعلم. وكان ابتداؤه بهذا المشروع سنة 1730 فنشر المجلد الأول والثاني ولما باشر الثالث اعتراه مرض عضال وانتقل إلى الراحة الأبدية والسعادة الخالدة في شهر أيلولسنة 1742 وكان عمره نحو ثمانين سنة. كان سامي العقل قوي البنية رقيق الطبع محبوبًا من كل من عرفه ورعًا في خدمة الله تعالى. وله غير ترجمة مار افرام ترجمة كتاب المنائر والمحاماة للدويهي وبعض كتب طقسية نقلها من اليونانية إلى اللاتينية ومقالتان أخريان ردًا على بعض كتبة الافرنج (36).

 

المراجع:

 

(1) قد رأينا أن نثبت هنا وصف مدينة طرابلس نقلاً عن جبرائيل الصهيوني الإهدني ويوحنا الحصروني المارونيين في كتاب وضعاه باللاتينية عنوانه: في بعض المدن المشرقية الخ ص 54 وما يليها.
"طرابلس من أقدم المدن السورية... واسمها (المدن الثلاث) مشتق من المدن التي كانت مركبة منها في القديم. موقعها على مسافة ميل واحد من البحر فوق اكمتين بعضها يرتفع متدرجًا على تلال رائقة المنظر والقسم الآخر في السهل الذي يمتدّ أمامها. ومن جهة البحر أرض فسيحة تزين المدينة وتفيض عليها الخيرات وفي هذه البقعة عدد وفير من أشجار التوت وجنائن الاترنج والرمان وقصب السكر. ومن الناحية الأخرى المطلة على لبنان بساتين الزيتون الككثيفة وفيها الاثمار اللذيذة وهذه البساتين على مسافة خمسة عشر ميلاً في الطول وثمانية أميال في العرض وأشجار الزيتون المذكورة سبب ثروة أهل المدينة. وفي وسط هذه البقعة نهر عذب يقسمها شطرين متساويين ومصر ميائه في لبنان وتتوزّع مياؤه على البساتين وتفيض الخصب على ضفتيه. وبعد خروجه من المدينة يسقي البساتين التي في أسفلها ويمتزج بالبحر المالح على بعد ميل واحد. ويجوز في المدينة أيضًا ماء ينبوع آخر وهذا الينبوع في سفح جبل لبنان وتسير مياؤه في قناة إلى المينا على مسافة ميل واحد وتحيي سكان المينا. وطرابلس مشهورة بطيب فاكهتها على اختلاف أنواعها وبكثرة الخمر والزيت والحنطة وسائر الحبوب. ومن أخص الأثمار التي تنبت في حدائقها الموز. وليس للمدينة أسوار بل لها على شاطئ البحر أبراج مربعة الشكل منيعة وعلى إحدى الاكام قلعة حصينة ويخبر أهل المدينة أنّ الافرنج بانوها. أمّا ما يجعل مدينة طرابلس في مكان من العز والأهمية فهو كونها مجتمع التجار وإليها تفد البضائع الثمينة من جميع أنحاء البر والبحر ومنها تصدر إلى الأقطار الشاسعة الخ.

 

(2)انطونيوس ابن سركيس الرز من بان أرسله البطريرك يوسف حليب العاقوري برفقة عبد الغال اخيجان مع موسى البشراني وحنا ابن عويضه الغزيري وصافي القديسي من شننعير سنة 1646. وبعد رجوعه من رومة ترهب في دير قنوبين وخدم البطريرك جرجس في الكتابة. ولما توجه البطريرك المذكور إلى كسروان جعله وكيلاً على كرسي قنوبين فاصابه الوباء واختطفه في شهر أيار سنة 1670.

 

(3) يريد بطرك دير قنوبين.

 

(4) الشيوخ.

 

(5) أرباب الدين ورجاله.

 

(6) هذه الرسالة أثبتها طابع تاريخ الأزمنة ص 231 ونسبها غلطًا إلى الشيخ حيدر إذ لا وجود لاسم حيدر في الأسرة الخازنية وقتئذ لكن الناقل قرأ حيدرًا بدلاً من نادر في اللاتينية كما تأكد لنا ذلك من معاينة الكتابة الأصلية.

 

(7) راجع مجلة المشرق سنة 1899 ص 939 وما يليها.

 

(8) المقاطعة الكسروانية ص 94.

 

(9) ورديان لفظة ايطاليانية Guardiano ومعناها الناظر أو المحافظ وهو رئيس رهبان مار فرنسيس المعروفين برهبان القدس ويدعونه اليوم الكستود.

 

(10) هو نعمه أو نعمة الله ابن الخوري يوسف (وفي رواية: الخوري يعقوب) الحصروني ذهب إلى رومة ابن عشر سنين وبعد أن أتمّ دروسه برح المدينة العظمى في 21 تشرين الأول سنة 1668 وعيّنه البطريرك كاتبًا عنده فمكث في هذه الوظيفة إلى أن رقاه البطريرك إسطفان إلى القسوسية على مذبح سيدة قنوبين في 26 أيلول سنة 1670. ولنا كلام فيه نثبته في الآتي إن شاء الله. قيل عنه: كان في سيرته طاهرًا وبمضمون سريرته ظاهرًا... الف كتابًا مفيدًا في علم الذمة يتضمّن الأمور اللازمة للمؤمن لتدبير سيرته وخلاص نفسه وهو كتاب صغير الحجم كبير الفائدة لخص فيه قواعد الآداب الدينية وجعله بأربعة وعشرين بابًا. وله رسالة جدلية إلى أحد أبناء الطائفة الملكية. نشرها الخوري مخايل غبريل في تاريخ الكنيسة الانطاكية.

 

(11) كان انتخابه في 29 نيسان سنة 1670 ودبر شؤون الكنيسة الكاثوليكية إلى أواخر تموز سنة 1676.

 

(12) لفظة سريانية تعريبها الرسول.

 

(13) ايوب: 1:28.

 

(14) ايوب: 14:28.

 

(15) متى 13:16 وما بعد.

 

(16) يوحنا 10.

 

(17) لوقا 23:22.

 

(18) من المعلوم أنّ كسروان كان يعرف قديمًا بالبلاد الخارجية ويليها الفتوح شمالاً ثمّ البلاد الداخلية وهي لبنان في عرف تلك الأيام.

 

(19) نرجح أنّه حرّره من بيروت لأنّ دير الفرنسيسكان فيها كان على اسم المخلّص وتاريخ هذه الكتابة كما يرى القارئ يسبق تاريخ رسالة الدويهي الآنفة الذكر.

 

(20) هذا رأي بعض المؤرّخين وذهب غيرهم إلى أنّ الموارنة لم يستوطنوا كسروان قبل القرن الخامس عشر. راجع النبذة النفيسة التي وضعها سيادة المطران يوسف دريان في المردة والجراجمة واورد في ذيلها البراهين التي ترجح وجود الموارنة قديمًا في كسروان.

 

(21) هذه المزارع تعرف اليوم بالقاطع وتتبع قضاء المتن.

 

(22) أعطي بقرب القديسة مريم الكبرى سنة 1672 للتجسد الإلهي في اليوم الثامن من شهر آب. السنة الثالثة لحبريتنا.

 

(23) في 21 كانون الآخر.

 

(24) راجع مجلة المشرق سنة 1899 ص 625.

 

(25) اي المطران جرجس حبقوق البشعلاني.

 

(26) المطران جبرايل البلوزاني.

 

(27) أعطي برومة بقرب القديسة مريم الكبرى في 2 كانون الأول سنة 1672 وهي الثالثة لحبريتنا.

 

(28) تاريخ الطائفة المطبوع ص 243.

 

(29) في شمالي إيطاليا.

 

(30) ثم دخل الرهبنة اليسوعية وتوفي في مدينة رومة وهو المعروف بجرجس بنيمين وهذا خرج من المدرسة سنة 1683 وسيم قسيسًا على سيدة الحارة السفلى في إهدن في اليوم السابع من تشرين الآخر ولما توفي المطران بولس الدويهي أقيم أسقفًا على كرسي إهدن وبنى أقبية ومساكن في قلعة زغرتا لسكن الرهبان وتعليم الأولاد.

 

(31) وهذا برح المدرسة سنة 1648 وسار إلى ريشميا واعتنى ببناء دير مار يوحنا الذي أقامه في تلك الآونة الشيخ أبو صابر من القرية المذكورة. وترهب فيه وسيم كاهنًا سنة 1685 وترأس على الدير المذكور كما يشهد بذلك التاريخ الذي فوق باب الكنيسة القديمة. ثمّ تولّى أيضًا رياسة دير صير بعد تسليمه دير مار يوحنا للرهبنة أي بعد عودته من حلب. ثمّ سافر إلى رومة مع مخائيل المطوشي القبرسي وسعى بالاشتراك معه في حفر أحرف سريانية للطبع ونشرًا سوية في جبل فيسكون الشبية وخدمة القداس ومزامير الصلوة ورجع إلى سورية سنة 1700 وسنة 1701 توجه إلى حلب مع الخوري بطرس التولاني الشهير.

 

(32) عينه البطرك إسطفان كاتبًا في الكرسي. وكان لين العريكة ومثال الطاعة كما يخبر عنه البطريرك إسطفان. وفي العشرين من أيار سنة 1693 أصيب بالوباء في قنوبين وانتقل إلى راحة الأبرار.

 

(33) إنّ نصر الله (وفي رواية رزق الله والأولى أصح) ابن شلق العاقوري وقف متروكاته لإقامة مدرسة للموارنة في راونا وساعده على إتمام هذا المشروع الكردينال كبرني محامي المدينة وسنة 1664 ألغيت هذه المدرسة وضبط المجمع المقدس وقفية ابن شلق وتعهد بدفع ما يلزم لتربية ولدين من الطائفة في مدرسة رومة زيادة عن الذين كانت المدرسة تقوم بتربيتهم.

 

(34) عن تاريخ تلامذة رومة للدويهي.

 

(35) ص 13.

 

(36) عن تاريخ تلامذة رومة للدويهي ومقدمة المجلد الثالث من تآليف مار افرام للمطران إسطفان عواد السمعاني – راجع أيضًا مكتبة الجامعة اليسوعية المجلد الأول ص 1295 – 1298
Baker et Sommervogel, Biblioth. de la Compagnie de Jésus.

 

الفصل الرابع

 

في أهم ما جرى في أوائل بطريركية البطريرك إسطفان

 

1670-1675

 

إن البطريرك إسطفان بعد ارتقائه السدة البطريركية غادر حالاً قنوبين كما أشرنا وقدم إلى كسروان وسكن في دير مار شليطا مقبس. وهذا الدير من أقدم أديار المقاطعات التي إلى جنوبي نهر ابرهيم. وفي التقليد ان أحد الافرنج بناه في عهد الصليبيين ثم انه لما خرج الافرنج من هذه الديار وزحفت عساكر المسلمين من الشام وطرابلس على بلاد كسروان وأحرقتها وهدمت أبراجها وأديارها وكنائسها لم ينج من أيديهم سوى الدير المذكور. روى البعض ان ذلك صار بأعجوبة منعت العساكر عن تدميره. ومن المحتمل ان موقع هذا المعبد في وسط الأحراج حجبه عن أعين الناس. ومما يثبت قدمه ما وجد إلى شرقي الدير الحالي في عهد قريب من آثار بنايات ومسكوكات شتى من أيام ملوك الروم (1). كان خراب كسروان المنوه به في أوائل القرن الرابع عشر وقد ذكر ذلك عدد من المؤرخين.

 

وسنة 1628 في عهد البطريرك يوحنا بن مخلوف وولاية الأمير فخر الدين المعني نشر على الجبل لواء الأمن والعدل حملت الغيرة القس يوحنا بن القس يوسف بن المحاسب من قرية غسطا على تجديد هذا الدير وساعده في هذا العمل المبرور أهالي القرى المجاورة أي غسطا ودرعون وبطحا وعجلتون وعشقوت كما يشير التاريخ الموضوع فوق باب الكنيسة وهذا نصه بالحرف: "كملت عمارة هذا الدير المبارك مار شليطا في أيام سيدنا البطرك يوحنا الانطاكي في تاريخ سنة ألف وستماية وثمانية وعشرين مسيحية. بيد المعلم نقولا الشامي. وكان المعتني الخوري المحاسب والخروي عطيا والخوري فرح والقرى المذكورة: غسطا ودرعون وبطحا وعجلتون وعشقوت." ا هـ.

 

ومنذ تلك الآونة صار هذا الدير ملجأ البطاركة كلما وقع عليهم الاضطهاد من حكام الجبة. فالبطريرك يوسف حليب قضى فيه مدة وفيه توفي ودفن البطريرك جرجس البسبعلي كما قلنا. وكان مما يحبب إليهم هذا الدير ويرغبهم في الإقامة فيه جوار المشايخ آل خازن الذين استوطنوا في بادئ أمرهم عجلتون وصاروا في عهد الأمير فخر الدين وخلفائه سورًا للدين ولرؤسائه في هذه الجهات.

 

وقد مرّ بنا التنويه بمجيء البطريرك إسطفان إلى دير مار شليطا بعد انتخابه حالاً للوقوف على خاطر الشيخ أبي نوفل. ومنه سافر إلى رومة الخوري يوسف شمعون الحصروني لطلب التثبيت ودرع الرياسة من الكرسي الرسولي.

 

وأثناء وجود البطريرك في كسروان أخذ يجد في تعزيز الطائفة وترقية أحوالها في هذه المقاطعة التي صارت مع مرور الأيام مقر رياستها ومركز تدبيرها الروحي. كما انه لم يكفف عن التنقيب في تواريخها وفحص الكتب والعوائد لينقحها ويصححها ويجري ما كان واجبًا اجراؤه. ثم انه اذ رأى عيبًا في بناء كنيسة الدير أمر بتجديدها كما يشهد بذلك في تاريخه في أخبار سنة 1672 وكما تنبئنا الكتابة الموجودة في حائط الكنيسة المذكورة وهذا نصها: ملاحظة كتابة سريانية: (بسم الله): سنة 1672 ربانية تجدد هذا الهيكل المقدس في أيام سيدنا البطرك إسطفان الانطاكي والشيخ أبي نوفل وأولاده المكرمين وبعناية ابن المحاسب الخوري سركيس. وكان البنّا القس جرجس (2). ا هـ. أما الخوري سركيس المشار إليه بهذه الكتابة فقد توفي في 27 تشرين الأول سنة 1681. قال عنه الدويهي في معرض كلامه عن حوادث تلك السنة: "كان رجلاص عابدًا ديّنًا سمحًا فأدخل سيرة النسك في كسروان واقتنى للدير عقارات كثيرة. وكتب بخط يده مجلدات عديدة وكان يعطي الفتاوى بأمر الرؤساء. وكانت له هيبة وكرامة عند جميع الناس حتى صار قدوة صالحة لكل الرهبان بالخضوع والعبادة والرحمة والمحبة وكان كل يوم يلي المسبحة ويقرأ بعض فصول من الكتب العتيقة والجديدة ولا يقيم القداس إلا وقريبًا من الظهر. ولما طعن في السن ترك الرياسة لابن أخيه القس حنا. وكان يسير صباحًا إلى الفر وينفرد هناك للصلوة وقراءة الكتب ويتغذى بكل ما يقدم له (3). ا.هـ.

 

ولما كان دير مار شليطا منعزلاً عن منازل أهل العالم منفردًا وسط البرية محاطًا بالغابات والصخور التي من شأنها إصلاح الهواء وتطييب المناخ أمر البطريرك إسطفانس ببناء منزل يأتوي إليه البطاركة إذا قدموا تلك الناحية ويجدون فيه شيئًا من الراحة والأمن التي سلبها من الجبة حكام تلك الأيام المضطربة وحسب إسطفانس ان وجود البطاركة في كسروان يكون سبيلاً لتقدم الطائفة ونجاحها. والمنزل الذي بناه باقٍ إلى يومنا بجانب الكنيسة إلى جهة الشرق وهو عبارة عن قاعة كبيرة على عواميد ولها نوافذ ضيقة إلى الخارج وبناؤها يدل على ما كان عليه ساكنها المغبوط من اصفرار اليدين وضيق الحال. ويتبع هذه العلية السكرستيا والقبو المجاور لجهة الشمال والحجرة القائمة على سطح القبو. فإذا مرّ أحد ورفع طرفه عند الزاوية الشرقية رأى كوة صغيرة كان النور يدخل منها إلى حجرة من حق أن نقول فيه بسبب جهده وجدّه في خدمة العلم والطائفة ما نرتله عن الآباء في صباح صلوة السبت: ملاحظة كتابة سريانية أي عميت عيونهم من المطالعة في الكتب. ومن هذه الحجرة الصغيرة كان يغني الخلف بمؤلفاته العديدة ومن هذه الحجرة كان يعمر بمثله وسيرته الملائكية سكان الدير (4).

 

وفي إقامته في دير مار شليطا استدعى الخوري البرديوط لوقا القرباصي تلميذ مدرسة رومة ورقاه إلى السقفية على كرسي لفقوسية بقبرس وجرى ذلك في اليوم العاشر من كانون الأول سنة 1672 وعاونه في الرسامة كلّ من المطران جرجس حبقوق (5)والمطران جبرائيل البلوزاني.

 

والمطران لوقا المذكور أخذه تلميذًا إلى رومة الأب بطرس المطوشي القبرسي الماروني اليسوعي سنة 1614. وسنة 1627 أرسل إلى رومة قاصدًا باسم الطائفة لدى البابا اربانس الثامن وتعب في الجزيرة جهده وبقي في خدمة النفوس ثلاثًا وأربعين سنة إلى أن اختاره البطريرك إسطفان ورقاه إلى الأسقفية كما قلنا فلم يطل الله بعمره بعد ذلك ووافاه الأجل سنة 1673 وبموته أصيب الموارنة في قبرس بإهانات عظيمة واستولى أحد الحكام الظالمين على أملاك الكرسي وقاسى بنو طائفتنا من جرى ذلك ما لا يوصف من الجور والاستبداد.

 

لم نطلع تمامًا على تاريخ عودة البطريرك إسطفان من كسروان إلى قنوبين. والمؤكد عندنا ان ذلك كان في أواخر عام 1672 وانه اقتبل البراءة الرسولية في أواخر سنة 1673 ولبس الدرع المقدس في كنيسة كرسي قنوبين حسب الرتبة المألوفة عندنا.

 

وفي سنة 1674 في شهر تموز حدث أمر نادر المثل في تلك الاعصار الا وهو قدوم سفير ملك فرنة لويس الرابع عشر إلى هذه الديار وزيارته دير قنوبين وبطريرك الطائفة المارونية التي أخذها الملك المذكور تحت حماية دولته بكتابة شهيرة صادرة عام 1649. وكان ان الملك لويس لامشار إليه الذي ملأ اسمه أقطار المسكونة وطار ذكره إلى أقاصي المعمور لما وقع ذلك الخلاف العظيم بينه وبين الدولة النمساوية أخذ يعقد المعاهدات ويستميل الممالك إلى صوبه ليفرد خصمه ويضعفه ويذلله. وهذه الغاية نبهته إلى تجديد المحالفة التي كانت عقدت قبلاً بين الدولة العثمانية وملوك فرنسة سلفائه. وكلف بهذا المر رجلاً يعرف بمركيز دي نوانتل (6) انفذه معتمدًا من قبله إلى السلطان محمد الرابع سنة 1670. والمركيز المشار إليه كان من أدباء عصره مولعًا بدرس أخلاق المم وبالبحث عن آثار القدمين خصوصًا الطوائف المشرقية. ولأجل ذلك بعد تجديد المعاهدات السياسية والتجارية الموكولة إليه أخذ يطوف البلاد الشرقية ويحج المعاهد العادية مدونًا كل ما نظره مكلفًا بعض المصورين بأخذ رسم اهمه. مبتاعًا كل ما رآه ذات قيمة عند أهل العلم والفنون. فجمع تحفًا لا يعادلها ثمن وأنفق بيد سخية ثروة أجداده في وجه المعارف والفنون. فهذا الميل الغريزي وهذا الولع الشريف جذباه نحو البلاد السورية. فزار القدس الشريف (7) والقبر المجيد وسائر الأماكن المقدسة وعزم بعد ذلك على التوجه إلى الديار المصرية الا ان الظروف لم تتح له ذلك واضطر أن يعود إلى القسطنطنية. فعرج في طريقه على صيدا ثم طرابلس ومن هذه الاسكلة صعد إلى دير قنوبين وزار أرز الرب. وقد خبّر في كتاباته إلى وزير ملك فرنسه تفاصيل رحلته ووصف ما لقيه من الاكرام والحفاوة من الموارنة أكابر وأصاغر خصوصًا من الإكليرس وعن زيارة دير قنوبين وبطريرك الموارنة وكان ذلك في شهر تموز سنة 1674 (8). كان قنوبين ديرًا رحبًا رغمًا عن موقعه في بطن الصخور الشاهقة وكنيسته مغارة يبلغ طولها خمسة وعشرين قدمًا بعرض عشرة ونيف. داخلها نظيف جدًا مذابحها مزينة لكنها مظلمة بسبب وجود قلالي قدامها وكان فوق بابها ثلاثة أجراس لم يكن غيرها في المشرق كله. وباقي الدير يشتمل على قلاية البطريرك وهي حقيرة ضيقة مكانها فوق الدهليز الذي يؤدي إلى الكنيسة وقلالي أخر للرهبان ومستودعات للحنطة والزيت والخمر وغير ذلك ما يلزم لمصروف الدير. وقدام البناء السابق ذكره سطح فسيح وفي آخره الطريق إلى مغارة البارة مارينا. وفي منحدر الجبل كثير من أشجار الكرم والزيتون والتوت وغيرها. وفي أسفل الوادي النهر المقدس وصوت أمواجه المزبدة تسبح الله ليلاً ونهارًا (9).

 

فأكرم البطريرك إسطفان ضيافته وعمل ما في وسعه من الترحيب والحفاوة به جريًا على شريعة الضيافة المقدسة واعتبارًا للملك العظيم الذي كان يمثله ومحافظة على العلائق التي بين فرنسة والطائفة المارونية من قديم الأجيال. ولا يليق بنا أن نعرض هنا عن الإشارة إلى حكمة رؤساء هذه الطائفة لأنهم قرنوا محبة الافرنسيين المؤسسة على وحدة الدين وبين الأمانة الوطيدة لسلاطين هذه البلاد وحسبهم مديحًا أن يقال ان العلاقات مع الافرنج عريقة في القدم واستمرت دون أن تغيرها الحدثان. وفي كل الظروف والاعصار لم يستطع أحد أن يتهم الموارنة بإبداء أدنى حركة أو إشارة يستدل منها عدم الانقياد لولاة الأمور. فثباتنا على مبادي الوداد وطاعتنا لملوكنا الشرعيين رغمًا عن تقلبات الدهر وجور بعض الحكام لأمر نفاخر به كل سكان هذه الديار.

 

قال المركيز دي نوانتل في الرسالة المشار إليها آنفً: انه لم يكن ليأخذه ملل من مشاهدة الشعب الماروني ونقاوة طويته وسلامتها. وانه لما جلس على مائدة البطريرك ونظر حوله كهنة الكرسي الأفاضل تخيل له انه بين الرسل في علية صهيون. وتذكارًا لزيارة قنوبين أمر أحد المصورين الذي كان يصحبه بأن يرسم على صحيفة إحدى شلالات نهر قاديشا تحت الدير المذكور (10) ثم من قنوبين صعد لزيارة الأرز برفقة السيد البطريرك فتبعهما جمهور الإكليرس والشعب. وطلب السفير أن يقام مذبح في وسط تلك الغابة العجيبة لتقدم عليه الذبيحة المقدسة تمجيدًا للعزة الإلهية التي بعنايتها حفظت تلك الأشجار أثرًا للاعصار السالفة ورمزًا لقدرة الله تعالى وأبديته التي لا توصف. وكان البطريرك ينظر باندهاش إلى خشوع السفير الافرنسي وطفق ينعت بأطناب الأمة الافرنسية التي تحمل وتلد بنين مثله اجتمع فيهم الذكاء والتقوى والدين والدنيا. وفكر البطريرك بماذا يذكر الشعب الماروني لدى الملك لويس الرابع عشر الذي أخذه مرارًا تحت حماية دولته فرأى أن يقدم له هدية ما لا تفوق إمكان المهدي وتليق بمقام المهدى إليه. فأخذ قطعة من قلب خشب الأرز وقدمها لينحت فيها تمثال للملك العظيم ويكون خشب الرز بصلابته وعدم فساده رمزًا لمملكة فرنسة الشريفة.

 

ولما كان السفير المذكور في دير قنوبين رقى البطريرك إسطفانس الخوري البرديوط بطرس بن مخلوف من قرية غسطا إلى درجة الأسقفية على مدينة لفقوسية بقبرس بمعاونة المطران جرجس حبقوق والمطران يعقوب والمطران بولس الدويهي والمطران يوحنا التولاني مطران صيدا وبحضور قناصل وكهنة وجمع غفير من الشعب وكان ذلك في اليوم الرابع من تموز سنة 1674. ولنا في هذا الحبر العالم الغيور كلام نؤجله.

 

وقد وجدنا في مصحف قديم بخط القس يوسف القرطبي كاتب أسرار البطريرك إسطفان بيتين في السريانية مع ترجمتهما نظمًا باللاتينية والخط يشبه خط بطريركنا المغبوط فظننتهما أثرًا لزيارة السفير المذكور:

 

ملاحظة: كتابة سريانية

 

وباللاتينية:
Dat Syria en flores, lauros, palmasque
Vigori Palmas, et capiti lauros, floresque decori.

 

يعني: ان سوريا تقدم لك (11) زهورًا وغارًا وسعف نخلٍ
فالنخل لقدرتك والزهر لزينتك والغار (إكليل) لرأسك.

 

والسفير المذكور بعد رجوعه إلى طرابلس توجه إلى حلب وعاد إلى القسطنطنية.

 

وإذا أمعنا النظر في أحوال وطننا في تلك الآونة وجدناها مشوشة مضطربة من شدة الظلم ومن استبداد بعض الحكام وحسدهم بعضهم بعضًا فكانوا لا يستريحون ولا يدعون البلاد تعرف الراحة. والباعث على ذلك موقع لبنان بين ايالة طرابلس وصيدا وقسمته إلى معالتين الشمالية تابعة طرابلس والجنوبية تابعة صيدا وانحصار الحكم وتدبير الأمور في بعض الأعيان دون غيرهم أو بعض الاسرات دون غيرها كآل حمادة في المقاطعة الشمالية ولآل معن في الأخرى. وعلة الاضطراب انما كانت مطامع بعض الأفراد وإطلاق الحرية لهم بإجراء ما شاؤا. فكان ابن حمادة مثلاً أو غيره يصرف الأموال السلطانية في الجاه والغزو والانتقام فيقوم عليه رئيسه ويطالبه بها فيشهران السلاح ويركبان ويتبعهما الشعب فينهبون ويحرقون كل ما وجدوا في طريقهم. حتى إذا استظهر أحدهم أسر خصمه وذويه وبنيه وغرمه دفع المال المتأخر ودفع مثله قصاصًا لقاء ما تكلف المنتصر في الحملة عليه. وأحيانًا كنت ترى بعض أفراد العشائر المشار إليها لأجل الاستيلاء على زمام البلاد يعرض على صاحب الايالة مبلغًا من المال أعظم من الذي يؤديه خصمه ويغتصب المنصب أو يشتريه ويفرض على الرعية أموالاً فوق طاقتها ويثقل عليها المطاليب ويفقرها. هذه العوائد السمجة جعلت الدواء أعني الحكم والحكام شرًا من الداء فعظم الخراب وبهظت الضرائب على الشعب. وربما انتصر للمستعصي أحد رؤساء القبايل اللبنانية وامتد الخطب إلى كل البلاد وهكذا إلى ما شاء الله.

 

وأحيانًا كان الأمناء الموكول إليهم جمع الأموال السلطانية يأخذون أضعاف المرتب ويضايقون المساكين وينكبونهم حتى إذا آيسوا من الرحمة نشروا لواء العصيان كما صرح بذلك السلطان سليم في الفرمان الذي به يحيل إلى الشيخ أبي نوفل الخازن مقاطعة كسروان وبكفيا وغزير (12). إذا فحصت وجدت أسباب الحركات والحروب في القديم صادرة عن مثل ما قلنا. كان أهل هذه الديار التعيسة أخذوا على ذواتهم تدمير القائم فيها بدلاً من أن يجدّوا ويتعاونوا لتتوفر حولهم أسباب الراحة والأمن.

 

من ذلك ما جرى في الجهة الشمالية بين حسن باشا متسلم طرابلس وبيت حماده كما أورده الدويهي في تاريخ سنة 1675. ركب الباشا على آل حماده لسبب تأخر المال المطلوب منهم. وبعد أن طاردهم بعسكره إلى رأس الجبل فوق أفقا في شهر أيار صارت هدنة بينهم فاستدعاهم في 27 تموز إلى وليمة وفتك بالبعض منهم فهاج آل حماده كالدبابير التي خرب وكرها كما يقول الدويهي. ووثبوا على نصارى بلاد جبيل ونهبوا وحرقوا وقتلوا كل ما وقع تحت يدهم. ثم نهبوا قرى بلاد البترون والجبة فهرب الناس على المدن القريبة وصار ضيق عظيم على النصارى. وكان الجماديون يلقون القبض على اعيان القرى في الفتوح وبلاد جبيل ويضعونهم في السجون ويطلبون إليهم أن يفتدوا أنفسهم بدفع المال اللازم لتكملة ما كان متأخرًا للدولة. وعند وقوع مثل هذه الكوارث كان يلحق بالكرسي البطريركي وسكانه أضرار جسيمة وكثيرًا ما اضطر البطاركة إلى الهرب من وجه الظالمين وإلى الاستغاثة بعدالة الباب العالي كما سنذكره في مكان آخر.

 

وبين أواخر عام 1674 وأوائل عام 1675 غادر البطريرك إسطفان دير قنوبين وتوجه إلى كسروان إلى دير مار شليطا طالبًا في جوار الشيخ أبي نوفل نادر الخازن وجه هذه المقاطعة وعلمها ومقدمها وعينها شيئًا من الراحة التي حرمه إياها آل حماده. ولم ندرك من أخبار أعماله أثناء إقامته هذه في دير مار شليطا سوى خبر بعض الرسومات التي أجراها ونذكر منها نزرًا لإفادة القاري: في 3 شباط سنة 1675 رقي الشماس يوحنا ابن المحاسب إلى ردجة القسوسية على دير مار شليطا. ويوحنا المذكور صار فيما بعد مطرانًا على عرقا ودير مار شليطا (7 أيلول 1698) وتولى رياسة الدير المشار إليه وتدبيره ومات سنة 1712 في اليوم السادس من كانون الأول كما يشهد بذلك تاريخ قبره المحفوظ في حائط كنيسة مار شليطا. وفي 5 آذار أقام القس انطون الباني برديوطًا على مار الياس انطلياس. وفي 13 أيار من السنة عينها سام القس انطونيوس من بسبعل بردوطًا على سيدة بسبعل.

 

وفي 29 حزيران رقي إلى درجة القسوسية الشدياق أيوب من عشقوت وهو من رهبان دير مار شليطا.

 

وفي 14 تموز رقي إلى المطرانية على كرسي طرابلس الخوري البرديوط يوسف شمعون الحصروني بمعاونة المطران جرجس حبقوق البشعلاني والمطران جبرائيل البلوزاني. وجرى ذلك بحضور الشيخ أبي نوفل وأولاده وأولاد عمه والشيخ أبي شديد حبيش وشعب كثير. وحضر هذه الحفلة نحو من ثلاثين كاهنًا وكثيرون من رؤساء الأديار. وقد ذكرنا سابقًا يوسف شمعون الذي نحن بصدده الآن في كلامنا عن طلب التثبيت للبطريرك إسطفان وإنقاذه إلى رومة لتقديم الطاعة لحبر الأحبار ورأس الكنيسة الكاثوليكية. وحسبنا أن نقرظه بما قال فيه البطريرك إسطفان في معرض كلامه عن تلامذة مدرسة رومة: "يوسف نعمة (أو نعمة الله) بن بربور الحصروني كان ابن عشر سنين (لما أرسل إلى رومة سنة 1655) وبعدما أكمل علوم الفلسفة واللاهوت خرج من المدرسة في 21 تشرين الأول من شهور سنة 1668. خدم في اليازجية عند البطريرك جرجس (البسبعلي) ثم عندنا. وبعد ما رفعناه لدرجة الكهنوت سنة 1670 في 26 من أيلول سفرناه إلى رومة إلى البابا إقليمس العاشر لجل العادة وطلب التثبيت. وبعد ما قضى مصالحنا وعاد بسنتين سميناه برديوطًا (في كانون الآخر سنة 1674) على سيدة قنوبين ثم مطرانًا على مدينة طرابلس سنة 1675 في 14 من تموز في دير مار شليطا. صنف كتابًا عن علم النية (الذمة) لتهذيب الكهنة (13) جاهد كثيرًا في زيارة الرعايا في الوعظ وإرشاد الشعب وتعب قدامنا في نسخ الكتب التي جمعناها والتي ألفناها بكل حرص واجتهاد (14) ثم قضى أجله بكب ثناء في يدر قنوبين وأوقف عليه بجميع متخلفاته وانتقل إلى شركة شركة الرعاة الصالحين في الحادي عشر من كانون الأول سنة 1695. ذكره مخلد." ا هـ.

 

لله دره من كلام نفيس وتقريظ يفوق رونقًا إطراء الخطباء وأقاويل الشعراء لكونه مبنيًا على صدق الأعمال الحسنة. ولا أدري ماذا يجب أن نعتبرها هنا ونمدح. انزاهة يوسف شمعون وفضيلته وجهاده في خدمة الطائفة والبطريركية أم ما تكنه عبارة الدويهي من الاقرار بفضل وغيرة لم يعرفها الكلل. أو من نغبط الأول لكونه استحق تقريظًا كهذا من فم حبر كإسطفانس. أو الثاني لوجدانه معاونين مثله تعبوا أمامه في حقل الخير وخدموا بإخلاص أفكاره ومقاصده الصالحة.

 

في 15 آب رقي إلى درجة القسوسية الشدياق بطرس من بيت المقوم من درعون على سيدة حراش (15).

 

في غرة أيلول رسم قسًا على مذبح سيدة اليمونة الشدياق رزق الله من بيت ثابت من اليمونة.

 

وفي تلك الآونة أي في 26 نيسان سنة 1673 توفي في مدينة رومة العظمى الشماس يوسف فتيان الحصروني الذي صحب الدويهي في سفره إلى رومة. وفي سجلات الكرسي البطريركي صورة لاوصية التي كتبها قبل موته وتاريخها 10 شباط 1673وفيها يطلب أن يدفن جسده في كنيسة القديس يوحنا الإنجيلي كنيسة المدرسة المارونية ويوصي لابنة أخيه هيلانة امرأة داغر من حصرون بثمانين ريالاً. ولرجل روماني صديقه بعشرين ريالاً. وترك لكنيسة المدرسة مبلغ ثلاثمائة ريال لينفق ريعها في تجهيز الكنيسة المذكورة وتقديم ما يلزم لخدمة الجلال الإلهي وترك عمارًا لأولاد نمرون نقولا ومرهج حنا أصدقائه. وأقام وريثًا عامًا على متروكاته المدرسة المذكورة بشرط أن يفتح رئيسها نزلاً لضيافة الموارنة الفقراء الذين يأتون رومة ويقدم لهم كل ما يلزم من أكل وشرب وفراش غير انه لما كان قدوم مثل هؤلاء الزائرين إلى المدينة المذكورة أمرًا نادرًا طلب أن ينفق ريع وقفه المشار إليه في شراء كؤوس ومباخر وغير ذلك من الآنية المقدسة لتوزع على كنائس لبنان الفقيرة حسب طلب السيد البطريرك. وقد وجدنا في دفتر حسابات الدويهي ذكر هذه التوزيعات من وقفية يوسف فتيان. وقد قرأت بخط الدويهي أن القس يوسف شمعون عند رجوعه من رومة مع التثبيت والباليوم أتى ببذلة وتاج وسبع كؤوس من ريع وقفية الحبيس سركيس الرزي ويوسف فتيان. والبطريرك إسطفان أرّخ وفاة رفيقه بهذه العبارة: "في 26 نيسان كانت وفاة الشماس يوسف بن فتيان الحصروني في رومة وأوقف جميع ماله للطائفة. الله ينيح نفسه" فأي فؤاد لا يذوب حنينًا إلى هؤلاء الموارنة.

 

وكان البطريرك إسطفان في وسط التجارب والترحل من مكان إلى آخر لا يسهو عن خير أبنائه الروحي وفي بحر سنة 1675 التمس من البابا إقليمس العاشر تمديد غفارين اليوبيل العام الذي منح في تلك السنة فاستجاب البابا التماسه ومنحه والمطارنة والشعب الماروني الغفارين المشار إليها لتكون لهم سلوانًا في الكوارث والشدائد.

 

المراجع:

 

(1) راجع مجلة المشرق عام 1902 عدد 12 و15 الخ.

 

(2) القس جرجس الأميوني وأصله من طائفة الروم. وهو الذي جدّد بناء دير مار سركيس راس النهر سنة 1690.

 

(3) عن التاريخ المطبوع ص 249.

 

(4) مجلة المشرق: مقالة الأب ابرهيم حرفوش في أديار كسروان. أول آب سنة 1902 ص 696.

 

(5) وقرأت بخط الدويهي: والمطران يعقوب وهو المطران يعقوب الرامي.

 

(6) اسمه الكامل: Charles-Marie François Olier, marquis de Nointel et d’Angervilliers.

 

(7) وفي ذهابه إلى القدس كتب من صيدا للشيخ أبي نوفل الخازن يطلب منه شيئًا من الحجارة المنقوش عليها أسماك أو غير ذلك الحيوان والنبات والحجارة المنقوشة. راجع تاريخ الطائفة المارونية ص 244 و246.
(أخطأ ناشر الكتاب بقراءة اسم السفير اوتيسه. والحقيقة اوليه كما روينا).

 

(8) راجع خبر أسفاره: Voyages du Marquis de Nointel, par A. Vandal; p. 153.

 

(9) رحلة دي لاروك (مجلد) ص 42.

 

(10) أسفار المركيز السابق ذكره ص 193 - وقد أفادنا المسيو بوب مستشار سفارة فرنسا في الآستانة وهو من رجال العلم الخبيرين بتاريخ الشرق أنّ الصور التي صنعت تلاعبت بها الأيدي ولم يكتشف سوى ثلاث أو أربع منها.

 

(11) يخاطب السفير كما تشير هذه العبارة: عبارة سريانية.

 

(12) تاريخ الطائفة المطبوع ص 242.

 

(13) وهو كتاب صغير لخص فيه قوانين التهذيبات اللاهوتية وجعله أربعة وعشرين بابًا. وعثرت له على رسالة إلى أحد أبناء الملة الملكية نشرها الخوري مخائيل غبريال في آخر تاريخ الكنيسة الانطاكية.

 

(14) راجع ما قلناه عن شرح الشرطونية للدويهي في مجلة المشرق سنة 1899. ص 640 وما يليها.

 

(15) المقاطعة الكسروانية ص 73.

 

الفصل الخامس

 

تابع أخبار ما حدث في عهد بطريركية إسطفان الدويهي

 

1676-1682

 

إن من يطالع تواريخ تلك الأيام تأخذه الحيرة من كثرة المصائب والبلايا التي أنزلها الله على أهل هذه البلاد. إنما يجب على القاري أن يلاحظ عادة المؤرخين الذين يسهبون في الاخبار المفجعة الأليمة ويضربون صفحًا عن النعم. هكذا الإنسان يحسب النعمة واجبة لطبيعته ولا يطيق حمل المصائب وإن تكن خفيفة. ومع ذلك لا ننكر ان الشدائد كانت تفوق الخيرات وتدفع الناس إلى اليأس. ولا زلنا نقول ان مبدأ القلق وعلة سلب الراحة من الجبل حكامه وضغائنهم وتقلباتهم مع ارياح الكبرياء والطمع أو بعبارة أخرى تطلب المناصب والسيادة وهو ما يسمونه اليوم حب الوظائف. قال الدويهي في تاريخ سنة 1676 ان حسن باشا لما تقرر على ايالة طرابلس ولّى بعض الأعيان على بلاد جبيل والبترون وجبة بشري ونزع الحكم من بيت حماده. إلا انه اتاه الأمير بالمسير على تركمان البجدلة وفي غيابه قام آل حماده علىالذين نصبهم في المقاطعات المار ذكرها فقتلوا منهم واسروا وسلبوا. ولما رجع حسن باشا وعلم بما كان قد جرى غضب وزحف بالرجال إلى بلاد جبيل وأوقع بالمتمردين أشد العقوبات وأحرق قراهم. وبعد رجوع العسكر جاء مشايخ بيت حماده وأضرموا نيران الانتقام في أماكن شتى وكانت أيام شديدة على الفلاحين. وأظهر الله غيظه على الناس لقاء قبائحهم وفشا الطاعون والجدري وفتكا بالأطفال خصوصًا لأنّ الله لا يرضى إلا بالضحايا الطاهرة النقية.

 

وفي أواخر هذه السنة في 23 تشرين الآخر توفي في القسطنطنية صدر وزراء أحمد الكبرلي وكان تولى الوزارة بعد أبيه محمد باشا الكبرلي الذي تسلم ايالة طرابلس سنة 1653 وأعطى المقدم علي حماده مقاطعة البترون والشيخ أحمد بن عباده مقاطعة الجبة ثم دعي إلى منصب الوزارة الفخيمة بعد تنزيل مراد باشا سنة 1656. والوزير أحمد الذي أتينا بذكر وفاته هنا قدم إلى الشام سنة 1660 بسبب الشكايات التي كانت رفعت إلى الباب العالي على الأمراء الشهابيين وجمع عساكر لمحاربتهم فسعوا باستعطاف خاطره ومنعوا اشهار السلاح عليهم. وهو الذي فتح جزيرة اكريت وجدد المعاهدات القديمة مع دولة فرنسة التي أشرنا إليها. وكان مهيبًا حكيمًا ساس الممالك العثمانية سنين طويلة وكان له في التدبير الباع الطويل ولعب في مرسح السياسة دورًا ذا أهمية. وخلفه في الوزارة قرا مصطفى باشا فبدّل النواب في جميع الايالات وأرسل إلى طرابلس محمد باشا. وهذا عند قدومه كتب البلاد على آل حماده وردّهم إلى العز والاستبداد.

 

ولكي يفهم القاري اخبار تلك الاعصار رأينا أن نلخص هنا تاريخ الأسرة الحمادية الشيعية لوجود اسمهم في كل حادث.

 

روى المؤرخون الثقات ان آل حماده قوم من العجم من مدينة بخارى. وكان جدهم حمادة من بعض أهلها ونشأ فيها واشتهر ثم أراد الخروج على سلطان تلك الديار فوجه إليه السلطان جيشًا وقتل من تعصب له وفرّ حماده بأهله وعشيرته وقدم إلى جبل لبنان وحلّ في قهمز (1) في صرود كسروان بالقرب من لاسا. وتفرق بنوه في جبة المنيطره ووادي علمات واستلموا الحكم في الهرمل والجبة والضنية ووقع خلاف بينهم وبين الأمراء آل عساف حكام غزير إلى أن زال بقتل بعض أقاربهم وجوزي القاتل وهو أحدهم بالولاية على بلاد جبيل وسكن في جاج. ثم احتالوا على بيت الشاعر المتولين بلاد البترون ونزعوا منهم الحكم وأخذوه وعظمت صولتهم.

 

ثم لما توفي سرحان حماده في ايليج في وادي ميفوق اختلف أولاد حسين وهم اسماعيل وابرهيم وعيسى. فأخذ ابرهيم (2) وعيسى مقاطعة جبيل والفتوح ونقل اسماعيل من ايليج إلى صرود الجبال وسكن في قرية لاسا وبنى فيها دارًا ووضع عليها هذا التاريخ:

 


بسم الله الرحمن الرحيم
شيّد مكانًا اسمعيل شيخ في النسب
حاز المكارم وأضحى بأعلى الرتب
داس المنايا أفرادًا ثم بالجمل
اسمعيل حماده سبع الغاب والكرم
الف ومائة واربع وخمسين (3
وتقدم اسمعيل على سائر الحكام وكان الجميع يهابونه ويخافونه ونفذ أمره حتى حلب فبلغ وقتئذ الحماديون من العز أعلاه.

 

أما دخولهم جبة بشري فكان على اثر تغيير الحكام والأحوال في تلك الناحية فقام وجوه البلاد وطلبوا من سرحان حماده أن يوجه إليهم أحد أبناء أسرته ليكون حاكمًا على الجبة فوجه معهم ابن عمه أحمد المكنّى ابا زعزوعة لأنّه كان صغير السن. وصار الاتفاق على ان الشيخ أحمد المذكور يحكم البلاد ويكون أمره نافذًا مطاعًا في كل شيء ما عدا ثلاثة أشياء: الدين والعرض والدم. واستلم أحمد الحكم في أواسط القرن السابع عشر أي نحو سنة 1655. وسلك بالعدل وفرح به الكبير والوضيع. وخلفه في الحكم ابنه حسين سنة 1677 واقتفى آثار والده ومات عن ولدين أحدهما حسين المشطوب والآخر أبو محمد عيسى. فعيسى خلف أباه في الحكم. وكان عالي الهمة مجتهدًا في ما فيه عمران البلاد وسيأتي الكلام عنه في حياة البطريرك إسطفان ومات مقتولاً في دير مار جرجس حماطورا من شديد الناصر سنة 1714 في الثاني والعشرين من آذار. واستمر الحماديون في الحكم على البلاد إلى أن استفحلت دولتهم واستغوتهم لاسيادة واستباحوا سائر المنكرات فقام عليهم الشعب وبعد مواقع كثيرة نزعوا منهم الحكم وأخرجوهم من البلاد.

 

وكان تقدم آل حماده سببًا لشرور كثيرة حتى في أيام عدلهم وسلوكهم على موجب القوانين والشرائع لأن وجودهم في أعالي لبنان جذب إليها كثيرين من الشيعيين من البقاع فاستوطنوا جبة المنيطرة وقرى صرود كسروان وجبيل وغيرها ونشروا في البلاد روح القتل والنهب جريًا على عوائد الاصقاع الهجمية التي نشأوا فيها. ومن قلّب الأوراق القديمة الباقية من تلك الأيام لا يجد فيها سوى أفعالهم السيئة. وفي سنة 1677 قتل متاولة فاريا بعض أشخاص من مزرعة كفردبيان فعاقبهم الأمير المعني وأحرق ضيعتهم وأمر بقطع أشجارها. وفي عام 1682 قتلوا أحد رهبان مار عبدا هرهريا. وفي سنة 1683 قتلوا أربعة أشخاص من غسطا وراهبًا آخر من رهبان مار عبدا وثلاثة من مزرعة كفردبيان. وسنة 1684 كبسوا عشقوت وقتلوا أحد عشر نفسًا ونهبوها وعادوا إلى مقامهم غانمين مطمئنين. فركب ابن معن عليهم وخرب بلادهم ثم أرسلت الدولة جيشًا في إثرهم وقطعوا أشجارهم ورفعوا عن البلاد ثقل وطأتهم (4).

 

فمن لا يشعر عند ذكر هذه الحوادث فقط بالضيقات الشديدة التي كان يتقلّب فيها سكان الجبل. ومن لا يعلم ان مصائب البنين يكون تأثيرها في الآباء أكثر منه فيهم وعليه فمن يقدر يصف اضطراب نفس ذاك الأب الحنون البطريرك إسطفان عند مشاهدة الخراب والخوف والضيق حول بنيه وليس من يجبر ويدفع يد المعتدين.

 

وفي تراكم البلايا والهموم أصيبت الأسرة الخازنية بل الطائفة كلها برزية مفجعة. ألا وهي وفاة الشهم الكريم الهمام ذي الأيادي البيضاء الشيخ نادر الخازن المعروف بأبي نوفل. ولا نرى بدًا من تلخيص ترجمته هنا احياء لذكره لأنه كان ركن البلاد ومحامي الدين. ولم يترك فرصة إلا وقدّم فيها للبطريرك إسطفان الإكرام والاعتبار. وساعده في الأعمال الخيرية وخدم الطائفة خدمة مأثورة بنفوذه وماله. إن الشيخ نادر الملقب بأبي نوفل كان ابن خازن بن صقر بن ابرهيم ابن الشدياق سركيس الخازن. ويروي التاريخ أن الأمير فخر الدين المعني لما سافر إلى أوروبا سنة 1613 وكّل إلى أبي نادر خدمة حريمه وتدبير أرزاقه فاستمرت هذه العادة في أيام المعنيين والشهابيين أن يولوا على ديارهم الخوازنة ويعهدوا إليهم نقل بيوتهم ونسائهم متى لزم الأمر. ومن ذلك لقب المشائخ آل الخازن بحافظي سر بيت معن. وسنة 1615 حكم أبو نادر مقاطعة كسروان وسنة 1618 ولاه الأمير فخر الدين على جبيل والبترون وغيرها. ولا نعرف له ولدًا سوى نادر. تزوج نادر بابنة الشيخ معتوق حبيش ورزق منها ولدين نوفل وأسد. فنوفل (ويدعى الأول) مات وأمه في قلعة صمر جبيل من زلزلة حدثت وهدمت البرج الأوسط من القلعة المذكورة. وأسد توفي في صغره. ثم تزوج نادر ثانية ورزق فياض (ابا قنصوه) ونوفل (الثاني وهو ابو ناصيف) وخازن (الذي قتله فياض أخوه) وطربيه (وهو ابو ظاهر) وخاطر. وبعد موت زوجته الثانية أخذ امرأة من بيت الدهان وولد له منها علم (ابو النصر) وقيس (ابو كنعان) وسليمان الذي لقب بأبي علي من حادثة جرت له في الشام.

 

وسنة 1633 قبض على ابي نوفل مع الأمير حسين بن فخر الدين في قلعة المرقب حيث كان اختبأ وأخذ الأمير فخر الدين نفسه وكاخيته ابو نادر في قلعة نيحا في الشوف وأرسل بعضهم إلى حلب ولابعض إلى دمشق. اما أبو نوفل فهرب من حلي ووالده ابو نادر افتدى نفسه بدراهم. أما الأمير فخر الدين فأرسل إلى اسطنبول وقتل مع بنيه. وخلفه في حكم البلاد ابن أخيه الأمير ملحم. وبعد موت الأمير فخر الدين انكسرت شوكة آل خازن وجار عليهم بعض ولاة الامور. فذهب ابو نادر واخوه فاضل ابو خطار وابنه نادر إلى الكراندوكا فردينندو الثاني في فلورنسا وكان ذلك سنة 1635. ورجعوا بعد سنتين أي بعد ظهور الأمير ملحم المعني واستظهار القيسية على اليمنية. وسنة 1647 في غرة تموز توفي ابو نادر الخازن وخلفه في خدمة الأمير ملحم ابنه نادر ففاق أباه بنفوذه ومداركه ووكل إليه الأمير جباية الأموال الأميرية من كل الجهات ومن سائر أصحاب المقاطعات التي في عهدته. وسنة 1656 أنعم عليه البابا اسكندر السابع بالكوليرية الرومانية وأن يتقلد سيفًا ويعمل مهاميز من ذهب. وسنة 1659 أنعم عليه ملك فرنسه بقنصلية بيروت وعهدت إليه أيضًا قنصلية البندقية. وسنة 1671 أحال السلطان محمد الرابع مقاطعة كسروان ومزارعه إلى عهدة أبي نوفل وأولاده.

 

وقد اتخذ أبو نوفل مواهب الله ونعمه وسيلة لعمل الخير وتعزيز الدين فبنى الأديار وأسس الكنائس ودفع الضيم ما استطاع عن أبناء طائفته واقتبل الرهبان الافرنج عند قدومهم إلى لبنان وعضدهم في المشروعات الخيرية. فكم مرة فتح باب بيته للبطريرك إسطفان وكم جرّد سيفه لرد يد الظالمين وكم من الأديار أقامها وضمن لها البقاء في مستقبل الأيام بما وقف عليها من العقار. وكم من المساكين عالهم واقرهم في مواطن الأمن لما بددهم جور أعدائهم فعلى مثل هذا يحق أن تسخى العيون بعبراتها وبمثله يفتخر الأعقاب حاسدين من سلفهم.

 

قد مر الكلام عن أبي نوفل وكيف انه اغتاظ من انتخاب البطريرك إسطفان دون مشورته وكيف انه لما عرف بالاختبار قداسة هذه الحبر وسمو إدراكه وحكمته ونزاهته واستقامته بذل أمامه كل ما كان في وسعه احترامًا لشخصه الممتاز وغيرة منه على الدين الكاثوليكي المقدس وعلى الطائفة. ولهذا أطلنا الكلام فيه. ثم رأينا أن نثبت هنا بعض أبيات من زجلية يصف بها قائلها غزوات المتاولة (ويسميهم العوجان) على بعض قرى كسروان لأن هذه الأبيات تدل على مكان الشيخ أبي نوفل في اعتبار القوم ومنزلته في قلوبهم. قال الشاعر (5):

 


بسنة الف وستماية، وثمانين ربانية، الرب يتمّ الرعية
ونقل ابا نوفل يا إخوان
في شهر آب كان الافتقاد، بثاني عشر يوم يا اجواد، من الله الرب خالق العباد
وتيتّم بلاد كسروان
،يا حيف عليه كان رجل جيد، بالكرم والسيف كان عنيد
وكل من يضادّه كان يكيد
وينتصر على العدو اين ما كان
وبعقل وفطنة كان كامل، وخير وحسنة كان فاعل، ووصايا ربه قابل
وحافظها بكل ما أمكن
.هذا تأبين الشعب وصته صوت الحق
وفي تلك الغضون انتقل البابا اقليمس العاشر إلى جوار راعي الرعاة الصالحين وإلى مجازاة الاحبار النشيطين بعد أن دبر كنيسة الله الجامعة ست سنوات ونحو ثلاثة أشهر أي من 29 نيسان سنة 1670 إلى 22 تموز 1676. وقام بعده لرياسة البيعة المقدسة على الكرسي البطرسي اينكنتيوس الحادي عشر وكان انتخابه في 21 أيلول من السنة المذكورة آنفًا. فحرر له البطريرك إسطفان مقدمًا لقداسته فروض التهاني وعبارة الطاعة والإكرام باسمه واسم الطائفة كلها وبالفرصة ذاتها مسامعه الشريفة حاجات الكرسي البطريركي وحالة الشعب الماروني.
قال (6):
عنوان الرسالة

 

"إلى الأب الأقدس والإناء المختار المقدس خامس المبشرين الأبرار وثالث عشر الرسل الأطهار خليفة بطرس السليح ونائب السيد المسيح جليل الثنا والقدر. اينوشنسيوس الحادي عشر ألوف تقبيلات وافيات وتسليمات صافيات " (7).

 

"بيعة الله المفرقة في أربع آفاق المسكونة والمجموعة من قبائل الأرض ولغاتها كما ان السيد المخلص بدمه الكريم استرجعها من عبودية الشيطان وبالماء الزكي أغسلها لتكون له عروسة بهية لا دنس فيها ولا سيئة. كذلك غير ممكن أن يخليها من حسن عنايته الأبوية ولا أن يهمل بشيء يسير مما يخص تدبيرها وثباتها ونشرها إلى غاية الدهور الزمنية. وإذا كان نحن الأشرار نتغاير على املاكنا ونصب يدينا ونرتب لها أمناء ومناظرين يسهرون هجعات الليالي على إصلاحها. كم بالحري رب المجد الذي هو أصل النعم وينبوع كافة الخيرات يقيم رؤساء ومدبرين على غرسة نعمته الذين منذ البدء خلقهم على صورته وألزم البرايا بأسرها بخدمتهم. وفي آخر الأزمنة عندما ضلوا عن معرفته وتعبدوا للخطية انحدر بالرحمة من علو سمائه ومدّ يده على عود الصليب لأجل استفكاكهم وهبط بروحه إلى الهاوية حتى وجد الخروف الضال فنشله باستحقاق آلامه وعاد به مسرورًا إلى حظيرة مجده. فمن يتوهم عليه ان بعد ذلك يهمل بخلاصه ام انه يقفل باب الرحمة بوجهه ام انه يترك الذئاب الخاطفة تنهشه وتبدد شمله. ولذلك يشهد كتاب الإنجيل الطاهر الذي يحوى قوة الله انه حين اثر بصفوة بطرس لرعاية خرافه الناطقة سأله ثلاث دفعات ان كان يحبه أكثر من رفاقه. وعندما استقر بذلك أمام الثالوث الأقدس كرر عليه الأمر ثلاث دفعات قائلاً: ارعَ لي خرافي. ارعَ لي نعاجي. ارعَ كباشي. ليحقق له ان رعاية الأنفس لا تحق إلا لذوي المحبة الصادقة والأمانة الواثقة. وكما ان بطرس في تجريده العسكر جرّد سيفه وحده وقام باذاء كافتهم لمعضدة معلمه. كذلك وحده استوجب النيابة وان تكون له وخلفائه خاصة مفاتيح الحل والربط على كل بيعته. فتلك القرعة السعيدة التي انحدرت على بطرس من السماء بلغنا الآن انها بعد انتقال اقليمس إلى رحمة مولاه استقرت عليك ايها الاب البار والإناء المختار. ولذلك بألفاظ التسابيح والتهاليل والتماجيد والتراتيل نقدم لله الآب الشكر والثناء الذي من لدنه تهبط كل عطية كاملة وموهبة صالحة. الذي ليس عمق لأحكامه الطاهرة. ولا قياس لغزير مودته الباهرة لجنس البشر الذي ينزل الاعزاء عن الكراسي ويرفع المتضعين إلى أجلّ المراتب. وإذا كان صحيحًا انه ليس سلطان الا وهو من قبل الله الذي يسلطه نقمة على الذين يعملون الشر ومدحة للذين يصنعون الصالحات. فماذا نقول عن الذين يعملون الشر ومدحة للذين يصنعون الصالحات. فماذا نقول عن الذي اصطفاه الله بنعمته وجعله أسطوانة الإيمان برحمته الذي سأل من أجله أن لا ينقص إيمانه وسلمه المفاتيح وأوعده أن باب الجحيم لن تقوى عليه كما هو قدسكم الذي انتخبتم بطلبات البيعة وبقرعة الأطهار وباستقرار الروح لتكون رب البيت ورأس الرعاة ومدبر النعم وخازن الأسرار وواضع السنن ومالك بيدك مفاتيح الملكوت إذ لا يقدر الإنسان يأخذ شيئًا إلا أن يعطى من السماء. ولذلك نشكره شكرًا دائمًا الذي جمّل بيعته بدعوة قدسكم. نحمده الذي نصبكم منارة لزوال (لإزالة) البدع ونمجده الذي أرانا (الراعي) الصالح الذي يبسط علينا نور وجهه. فنسأله يؤبد دولتكم ويرزق لسعادتكم طمأنينة الخاطر مع ثوب العافية سنين مديدة وأعوام عديدة. وكنت عزمت على نفسي بالقدوم حتى أتبارك من قدسكم وأهني غبطتكم بالدرجة السامية والسلطنة العالية لكن ما قدّر الله من كثرة الضنك والاضطهاد الحادث على شعبكم الماروني وخاصة في هذه السنوات الثلاث رأوا من المحن والمشقات ما لم يره شعب اسرائيل من الفراعنة. فان ضياع كثيرة خلت وبعض ديورة احترقت والكنائس انهجرت وتقتل شعب كثير والباقي تفرقوا بين الأمم الغريبة من تغيير الحكام وقساوتهم. ثم دخلت هذه السنة باجرد والزحاف حتى غطوا وجه الفلك والأرض. ثم تبعهم القحط والغلا حتى زادت الأسعار خمسة أضعاف كما كانت أولاً. لكن أحكام الباري غير مدروكة ومهما يجينا من جانبه مقبول على الراس والعين. وما قصدنا بهذه الأخبار تكدير خاطركم الشريف لكن لتأخذوا بطرف نظركم الكريم ملتكم المارونية المشتتة بين الملل الغير طائعة. ومثلما الرسول جاث على ركبتيه كان يسأل أهل أفسس يتأملوا دعوة الله إياهم وما كان عرضها وطولها وعلوها وعمقها كذلك نحن باركين على الأرض نسأل قدسكم تتأملوا دعوتكم فان روح القدس ما اختاركم على رومية وأوربا وحدهما إذ لا يحتاج الأصحاء للطبيب. لكن على جميع النصرانية وخاصة على الذين هم في الأطراف الذين أعداء الإيمان يطلبون نهشهم وسلبهم وقتلهم كما يشهد الكتاب ان العمالقة كانت تلصلص شعب اسرائيل فيسلبون ويخطفون ويقتلون الذين كانوا من الجوع ومشقة الطريق قصروا عن ارفاقهم. وبنظركم العام وبحلمكم الأبوي تتبصروا بالرحمة والرأفة على كرسينا وكنائسنا وكهنتنا الذين تحت عبودية البربر فلم يزالوا منذ الزمان القديم طائعين لسننكم وداعين لقدسكم بالدوام والبقاء والعلو والارتقاء. ولكن في هذا الزمان العسير من زيادة الظلم بقى حالهم على العدم. فنسأل غزير جودكم لأجل حب السيد المسيح وآلام المخلص أن تجعلوا نظركم علينا وتعاملونا بسواب (8) مطران من خاصتكم وتجعلوا لكرسيكم الانطاكي مدخولاً سنويًا حتى نقدر نقوم في هذه الخدمة التي أؤتمنا عليها. إذ بين جميع ملل الشرق ما أحد طائع لشريعتكم سوانا ولا نحن ممقوتون بالزائد إلا بسببكم. والواصل إلى تقبيل أقدامكم أخونا المطران بطرس مطران الافقسية المكرم هو يخبر قدسكم بسائر أحوالنا فان رسم خاطركم الشريف تشملوه بنظركم الكريم وتفضوه بالعاجل حتى يعاود لرعيته ومهما تفضلتم به علينا ترسلوه معه حتى لا نزال قائمين بهذه الحملة. ونحن وشعبنا خاضعون على الأقدام نطلب لقدسكم طولة العمر وفضاوة البال.

 

تحريرًا في بلاد كسروان في 8 من شهر أيلول المبارك سنة 1679 ربانية (9)."

 


تلميذكم الحقير

 

إسطفانس بطرس بطريرك انطاكية
إن بين وفاة البابا اقليمس وتاريخ هذه العريضة نحو ثلاث سنوات وسبب ذاك صعوبة المواصلات ومشقة الأسفار من المشرق إلى أوربا كما لا يجهل القاري اللبيب. وزد على ذلك ان المطران بطرس مخلوف حامكل هذه الرسالة لم يبحر من هذه الأديار إلا في العام التابع أي سنة 1680. وأخذ معه ثلاثة أولاد إلى المدرسة الرومانية وهم تلميذه مخائيل القبرسي من مطوشي (10) والتلميذ الثاني مخائيل بن نعيمه الإهدني من بيت اميه وهذا بعد رجوعه من المدرسة خدم اسكلة طرابلس وتوفي عام 1698 والثالث توما القدسي بن موسى من حصرون.

 

قد نوهنا باكدار الأسفار وصعوبة المواصلات في تلك الأيام بين المشرق وأوربا فكانت المراكب ألعوبة الأمواج والعواصف وكان الإنسان إذا أراد السفر إلى الغرب وردّه الريح صوب الشرق اضطر أن ينتظر انقلاب الهواء. وإذا وجد وسط المياه وهبت الرياح بوجهه أعادته عنوة إلى حيث كان وليس ما يدفع قوتها ولا ما يخمد هياجها.

 

وما كان الملاحون ليجسروا على الابتعاد عن الشطوط خوفًا من غدراتها ولذلك كانت الأسفار طويلة مخيفة مزعجة وكان المسافر يخاطر حقيقة بحياته ولا يرجو السلامة إلا من عناية الباري ورحمته. وقد أصاب العرب بقولهم عن البحر ان الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود. وزد على ذلك رداءة الإنسان فإنها في كل الأجيال فد فاقت قساوة العناصر الهيولية واختلق رجال السوء شرورًا تهون عندها أخطار الأمواج والعواصف. فصال البحر المتوسط مكمنًا يصطاد فيه الناس بعضهم بعضًا ويقودون فريستهم إلى الذل والعبودية وكلاهما أمرّ من كاس المنون. ومن القديم بدأ العرب سكان الجزيرة في المغرب بهذا الافتراء على الإنسانية وعلى الحرية وأخذ قرصانهم يطوفون البحور لهذه الغاية كما يطوفها الصيادون لاصطياد السمك. فاغتاظ الافرنج من هذه الأعمال البربرية ونهض بعضهم وخصوصًا فرسان مالطه وعاملوا المغربيين بما سبقوا إليه فتفاقمت الشرور ووقعت الخسارة والأذى على المساكين والمتجرين والمسافرين. فكان العرب يصطادون الافرنج والافرنج العرب ويستخدمون كل الذين قبضوا عليهم في الشغال الشاقة ويستعبدونهم رقيقًا. فمنهم من كانوا يكلفون بقذف المراكب والقيود في أرجلهم تمنعهم من الفرار أو الارتماء في الأمواج طمعًا بالنجاة ولو بالموت. ومنهم من كانوا ينقبون المعادن أو يباشرون غير أعمال شاقة ولا أجر لتعبهم سوى القوت القشف. وآخرون كانوا يخدمون مواليهم في دورهم أو حوانيتهم. والبعض كانوا يفتدون أنفسهم بالمال الكثير. فهذه الفواحش وهذا الافتراء على الإنسانية حمل بعض القديسين على تأسيس جمعيات لفداء الاسرى الذين كانت هذه حالهم حتى ان بعضهم كالقديس منصور أسلم ذاته للعبودية وتغلل في سلاسل الاسرى طوعًا واحتمل الرق والسر حبًا بخلاص القريب.

 

أوضحنا كل ذلك لا رغبة في إطالة الحديث بل ليفهم القاري ما جرى للمطران بطرس مخلوف في سفره هذا إلى رومة فانه والتلامذة الذين كانوا معه وقعوا في أيدي المغربيين وأسروا وقيدوا إلى طرابلس الغرب. ولا حاجة بعد ما قلنا إلى وصف ما ذاقوا من الهوان والكأبة والخوف الذي اعتراهم عند هذا المصاب. ولا جرم انهم يئسوا من النجاة اذ لا دراهم بيدهم فيفتدوا نفوسهم ولا منقذ يدافع عنهم ويأخذ بناصرهم في تلك البلاد الشاسعة. فالتجأوا إلى الرب القدير الذي بسط الأرض والبحار وكوّن العناصر وقبض بيده قلب الإنسان. وتوسلوا إلى تلك التي يدعوها النصارى نجمة البحر وفادية الاسرى. فأرسل الله لإنقاذهم رجلاً إيطاليًا من مدينة مسينا في جزيرة صقليا اسمه ليونرد السمين (11) وكان موكولاً إليه في مدينة طرابلس الغرب أمر الاسرى المسيحيين فخلصهم وبذل في إنقاذهم نحو ثلاثة أكياس دراهم كما يقول الدويهي. وابتاع لهم ثيابًا وهيأ لهم محلاً في أحد المراكب المسافرة إلى إيطالية وأعطاهم زادًا للطريق. ولأجل هذه المروءة والغيرة على المساكين والغرباء وخصوصًا لأجل صنيعه هذا مع مطران وتلامذة مارونيين أجزل مكافأته البابا اينكنتيوس ناهيك عما حسب له من الأجر والثواب عند الرب القدير الذي قال طوبى للراحمين. طوبى لفاعلي الخير.

 

هذا كل ما انتهى إلينا من هذا الحادث. وربما نطق الاسرى بالعربية شفع بهم وخفف مصابهم. غير ان التلميذ توما القدسي لم ينجُ الا بشفاعة قوية من لدن الله وبعناية خصوصية من الباري تعالى وتبارك "المكتفل تدبير تلاميذ المدرسة" كما يقول البطريرك إسطفان. لأنه بعد أسره مع الآخرين وضعوه في قلعة المدينة ولأجل حسن خلقه بذل البغاة جهدهم لإخراجه عن الدين فكانوا تارة يودعونه بعذاب النار وتارة يغرونه بالنساء فصانه الرب كما حفظ الفتيان في اتون بابل ودانيال في جب الأسد. وأنقذه من القلعة ليونرد المار ذكره. وكان دخوله رومة في التاسع من آذار سنة 1681 بعد رفاقه بزمان غير يسير. ودرس فيها مدة عشر سنين ثم بعد رجوعه سامه البطريرك إسطفان قسيسًا على مغارة الصلب التي كانت لنا في القيامة المقدسة (12) في اليوم الثامن والعشرين من شهر آذار سنة 1700.

 

أما المطران بطرس والتلميذان اللذان نجوا معه فكان دخولهم إلى رومة العظمى في شهر أيلول سنة 1680. وحال وصولهم اقتبلهم الأب الأقدس بانعطاف أبوي أنساهم مرائر الطريق ومشقاته. ورفع المطران بطرس إلى الحبر الأعظم رسالة البطريرك التي أثبتناها وتهاني الطائفة المارونية جمعاء. فتعطف البابا بقبولها وانفذ إلى البطريرك مع رسوله المذكور الكتابة الآتية:

 

"انكنتيوس البابا الحادي عشر إلى الأخ المحترم اسطفانس البطريرك الانطاكي.

 

أيها الأخ المحترم السلام والبركة الرسولية

 

"ان الكتابة التي رفعتها إلينا على يد الأخ المحترم بطرس دوميط (13) مطران نيقوسية بمناسبة ارتقائنا إلى الحبرية العظمى شملنا منها سرور عظيم لأننا وجدنا فيها عبارة طاعتك الثابتة الدائمة وطاعة طائفتك المارونية الجزيلة التقوى التي لا يتزعزع إيمانها. وبالاستمالة الأبوية نشمل طائفتك بأسرها وأنت قبل الجميع بكل ما عندنا من عواطف الحب. ونرغب أن تعلموا وتتأكدوا اهتمامنا الخصوصي بتدبير شؤونكم وان بعد الشقة لا يمنع من أن تكونوا دائمًا نصب أعيننا كما سنثبته لكم بالبرهان كلما سنحت الفرصة. وقد أرسلنا لك الآن شيئًا غير جدير بالذكر علامة رضانا كما ستعرفنا من أخينا المذكور الذي اقتبلناه بسرور. ونأمل أنك تتخذ من ذلك سبيلاً للجدّ في تتميم واجبات وظيفتك الرعائية بكل غيرة ونشاط وتثبيت الشعوب الذين تحت ولايتك في الصبر على الشدائد التي يكابدونها لأجل الاعتراف بالإيمان الكاثوليكي بفرح الروح ناطرين الثواب العظيم جدًا الذي سندركه في السماء.." (14).

 

أما عربون الرضا الذي أشار إليه الأب الأقدس في رسالته فهي كمية من الدراهم. وقد قرأنا باي الحاح طلب منه البطريرك إسطفان المساعدة له ولكرسيه الانطاكي ملتمسًا من حلم حبر الأحبار أن يعتبر هذا الكرسي والبطريرك الجالس عليه مثل كرسي أحد أساقفة البلاط البابوي ويساعده على القيام بعبء وظيفته الثقيلة وعلى خدمة الإيمان الكاثوليكي في هذه الاصقاع بثبات ونشاط. وقد عثرنا على وريقة وعليها بخط يد الدويهي بالإيطالية ما تعريبه:

 

"إسطفان بنعمة الله بطريرك انطاكية.

 

إني استلمت بواسطة المطران بطرس دوميط المحترم مطران نيقوسية (15) من السيد فوسطو (16) وكيلنا في رومة ثلاثمائة وسبعة ريالات ونصف وهو المبلغ الذي تكرم به الأب الأقدس انكنتيوس الحادي عشر الحبر الأعظم إسعافًا لهذا الكرسي الانطاكي المقدس. حرر في قنوبين في 10 كانون الأول سنة 1682."(17)

 

بما انا فرضنا على ذاتنا رواية كل ما اتصل بنا عن الذين خدموا الطائفة والدين في عهد البطريرك إسطفان وحفظ ما عثرنا عليه من آثارهم بما أمكن من الترتيب رأينا أن نلخص هنا ترجمة المطران بطرس المذكور بعد أن تكلمنا عن ذهابه إلى رومة ومقاساته الوان المشقات في سفره.

 

هو بطرس بن دوميط من بيت مخلوف (18) من غسطا. ذهب إلى رومة سنة 1639. وكان ذلك له انه لما قلّ عدد التلامذة في المدرسة الرومانية حضر إلى لبنان جوان باطشتا كرتي من الرهبنة اليسوعية لطلب تلامذة. فأرسله البطريرك جرجس بن عميرا إلى كسروان لدى المطران يوسف بن حليب العاقوري (19)فانتخبا خمسة عشر ولدًا من كسروان وصيدا والجبة وغيرها. وكان بينهم بطرس المذكور. فبعد أن درس العلوم الابتدائية وقضى ثلاث سنوات في درس الفلسفة وسنة في درس الإلهيات أخذ يهتم بما فيه فائدة للطائفة ونقل الجزء الشتوي من المتعيد إلى اللاتينية لنيل الإجازة بطبعه وعاد إلى الوطن سنة 1651 في اليوم السابع من تشرين الأول ولبس إسكيم الرهبنة في دير مار شليطا مقبس (20) وسيم قسيسًا فيه وسنة 1668 ذهب إلى رومة مع الخوري الياس عويضة الغزيري ليهنئا البابا إقليمس باسم البطريرك والطائفة ولما رقي الدويهي إلى البطريركية استدعاه وجعله كاتبًا عنده وفي سنة 1674 في اليوم الرابع من تموز رفعه إلى الأسقفية على كرسي قبرس بعد وفاة المطران لوقا بحضور سفير ملك فرنسة كما قلنا. فاجهد نفسه في تدبير تلك الرعية وزارها ثلاث مرات كما وجدناه مسطرًا على حائط كنيسة مار رومانوس في الجزيرة المذكورة. وكابد كثيرًا من معارضة الروم فيها وتعديهم على حقوق الموارنة. وكان الله حكم عليه بالنصب انى حل واورده موارد الاهوال اينما امّ. ففي سنة 1680 لما أرسله البطريرك إلى رومة اسره المغربيون كما مرّ آنفًا وقاسى كثيرًا إلى أن نجا من يدهم وأنقذ الأولاد الذين كانوا معه. وسنة 1682 في اليوم العاشر من أيار كان رجوعه إلى لبنان يصحبه الشدياق بطرس التولوي. وقضى حياته في أعمال الصلاح والبرّ وكان يساعد البطريرك إسطفانس في تأليف الكتب ونسخها وفي سياسة الطائفة. وعني كثيرًا بتأسيس الأديار وتجهيزها ليقوم أهلها بتمجيد الله ويتفرغوا لعمل الخير. وجمع قصص القديسين في مجلدين كبيرين ثم اختصرها بشكل سينكسار لتقرأ على المؤمنين في الكنائس ووضع في السريانية ميامر وتشمشات عديدة. ولم نطّلع على حقيقة تاريخ وفاته والمرجح انه مات بعد الدويهي.

 

ومما يجد ذكره عن حوادث تلك الأيام انه سنة 1667 ذهب إلى رومة مع فرا (21) توما من رهبان مار افرنسيس انطوني بن حنا ذكيّ من قرية اسوماتس في قبرس وأخوه فيلبي وكلاهما دخلا الرهبنة اليسوعية بعد أن قضيا في المدرسة المارونية ست سنوات. أما فيلبي فمات في رومة وأخوه انطونيوس بعد الابتداء وإنهاء دروسه صار كاهنًا وأرسل إلى دير عينطورا سنة 1698 وكان مثالاً صالحًا بقداسته وسيرته الرهبانية وعمر طويلاً وحضر المجمع اللبناني سنة 1732.

 

وسنة 1682 تبعه إلى رومة أخوه الصغير إسطفان إلا أنه بعد درس الفلسفة وعلم الذمة (22) رجع برفقة مخائيل المطوشي لمرض اعتراه في عينيه.

 

وسنة 1681 في بيرمون عيد القديسين بطرس وبولس كان تأسيس دير حريصا لرهبان مار افرنسيس بعناية البادري بطرس امارينو ليكون لهم ملجأ في لبنان إذا ثارت عليهم التجارب والمحن في القدس. وتعين الدير المذكور مدرسة للرهبان المذكورين سنة 1699. ثم جدد بناؤه على ما هو الآن عام 1779 (23).

 

المراجع:

 

(1) وتلفظ قمز.

 

(2) عثرنا على قصيدتين للمطران جرمانوس فرحات يرثي بهما ابرهيم حماده وقد نشر المشق إحداهما أمّا الأخرى فإنّها لم تطبع بعد.

 

(3) 1741م.

 

(4) عن دفتر صغير بخط الخوري عون نجيم من غوسطا راهب دير مار شليطا. هذا انتقل إلى مار سركيس ريفون عند أولاد عمّته بني سليمان مبارك الذي ترهب مع أولاده في الدير المذكور سنة 1670 واقتبل الكهنوت معهم. وابناه يوسف وجبرائيل نالا درجة الأسقفية. وتوفي الخوري عون المذكور في ريفون سنة 1696 في 13 آذار. وقد نسخ بيده عددًا من الكتب.

 

(5) وأظن أنّ المؤلف هو الخوري نجيم الذي سبق الكلام عنه ص 97.

 

(6) أثبتنا هذه الرسالة على أصلها.

 

(7) هذه العبارة مستعارة من كتابات الحكام والأمراء في تلك الأعصار.

 

(8) أي مثل.

 

(9) قد عثرنا على النسخة الأصلية لهذه الرسالة بخط الدويهي وتاريخها من دير مار شليطا في 10 تشرين الآخر سنة 1676 ويذكر فيها القس يوسف مونس الذي كان تعين ليحملها إلى رومة ولا نعلم ما منعه عن السفر وقتئذ وعليه لم توجه قبل سنة 1679 كما ذكرنا مع المطران بولس مخلوف. وفي الأصل عبارات أسقطها الدويهي. وسنأتي بذكرها في مكان آخر.

 

(10) كانت مطوشي (واللفظة يونانية تعريبها الدير ومنها الامطوش أو الانطوش) قرية مارونية عامرة فيها ثمان كنائس وموقعها بقرب دير مار الياس للرهبان اللبنانيين وبقاياها الآن آثار حقيرة ورمة كنيسة تعرف بكنيسة مار ماما.
وهذا خرج من المدرسة سنة 1693 فسامه البطريرك إسطفان قسيسًا على سيدة الكفريات في قبرس في 10 نيسان سنة 1694. ثم سنة 1696 عاد إلى رومة وجهز مطبعة مع الخوري ابرهيم الغزيري في جبل فيسكون وطبعا فيها بعض كتب. ومخائيل ترك مصاحف عديدة منسوخة بيده بالحرف الكرشوني خصوصًا من تآليف البطريرك إسطفان كما سيأتي عند الكلام عن هذه التآليف.
والكفريات تعرف عندهم بكفالو بريسو أي راس النبع من النبع الذي في راس القرية حذاء كنيسة مار أنطونيوس المارونية. أمّا كنيسة السيدة فقد استولى عليها الروم في أواسط القرن الثامن عشر وهي بيدهم إلى يومنا هذا.

 

(11) لعل الدويهي نقل بهذا الاسم علمًا إيطاليًا مثل: Grosso

 

(12) سنعود إلى ذكرها إن شاء الله.

 

(13) انظر ما سيأتي عنه.

 

(14) "أعطي في رومة بقرب القديسة مريم الكبرى تحت ختم الصياد في 23 تشرين الآخر سنة 1680 وهي الخامسة لحبريتنا".

 

(15) وهذه العبارة مع اسم المطران ضرب عليها.

 

(16) يريد مرهج بن نمرون الباني الذي أقامه الدويهي وكيلاً له وللطائفة لدى الكرسي الرسولي وبقي في هذه الوظيفة إلى موته سنة 1712.

 

(17) والواضح أنّ هذه الكتابة صورة وصل بالدراهم التي أرسلها الأب الأقدس مع المطران بطرس.

 

(18) وأصل هذه العائلة من أهدن.

 

(19) وهو الذي أسس دير حراش. ثم صار بطريركًا فيما بعد.

 

(20) لم نتحقق أمر انتقاله إلى دير آخر.

 

(21) فرا لفظة إيطالية تعريبها الخ.

 

(22) عبارة قديمة لعلم الشرائع الدينية ويعرف الآن "باللاهوت الأدبي".

 

(23) راجع المقاطعة الكسروانية ص 96 وما يليها.

 

الفصل السادس

 

تابع أخبار الحوادث التي جرت في عهد البطريرك إسطفان

 

1683-1703

 

إن اضطراب الأحوال وجور حكام الجبة الحماديين على ما سبق لنا الكلام جمل البطريرك إسطفان على الانتقال من قنوبين إلى كسروان لرابع مرة من حبريته. ولم نطلع على موضوع الخلاف بينه وبين آل حماده (1) لكن ما نعلمه من اناة البطريرك وصبره على النوائب يسوغ لنا أن نقول أنه اقتضى لفراره من الجبة وهجر كرسيه المحبوب جورًا لا يطاق. وكان خروجه من الجبة وقدومه إلى كسروان في وسط الشتاء في إبان المرافع. وفي أثناء إقامته في دير مار شليطا توفي المطران بطرس بن القس ابرهيم الإهدني (2) وكان في زيارة الرعية في قرية البهلولية وهي إلى شمال مدينة اللاذقية. وفي اليوم السادس من حزيران يوم عيد العنصرة أقام البطريرك خلفًا له على كرسي صيدا القس يوسف بن القس سليمان مبارك من قرية بطحا في كسروان. ويوسف المذكور كان ترهب مع والده وإخوته في دير مار سركيس ريفون في أرض عجلتون (3) وجرت سيامته بحضور المطران جبرائيل البلوزاني والمطران جرجس حبقوق البشعلاني الذي كان مستقرًا في يدر ريفون والمطران بطرس مخلوف والمطران يوسف شمعون الحصروني والشيخ ابي قنصوه وشعب أكثر من أن يحصى. وقد قرأنا على كتاب شرطونية نسخها المطران يوسف مبارك المشار إليه (4) خبر تسقيفه بخط يده وفيه يقول: "وكان حاضرًا مع قدسه الشريف (المطارين الذين ذكرناهم آنفًا)... وثلاثة عشر كاهنًا وشدائقة وشمامسة وشعب كثير مع حضرة الشيخ ابي قنصوه الذي عمر لنا هذا الدير المعمور مار سركيس ريفون في بلاد كسروان الذي نحن قاطنون به مع والدنا القس سليمان ابن الشدياق سمعان بن مبارك وخالنا الخوري يوسف وأخينا القس سركيس وابن خالنا القس اندراوس وأخينا الشدياق جبرائيل (5) وأولاد خالنا الخوري عون (نجيم) وأخيه القس مخائيل وباقي الرهبان الساكنين معنا في هذا الدير المعمور. الله يحفظنا واياهم من فخاخ الشيطان." ا هـ .

 

إلا أن البطريرك لم يلبث طويلاً في كسروان لعدم الاتفاق بين مشائخ هذه الناحية. فقام في اليوم التاسع والعشرين من شهر آب تذكار قطع رأس يوحنا المعمدان وتوجه نحو الأمير أحمد المعني حاكم الشوف إلى قصبة دير القمر مقر الحكام المعنيين. واستأجر البطريرك من الأمير المذكور قرية مجدل معوش. وكان في القديم سكان هذه القرية والقرى التي بجوارها من المسلمين فوقعت بينهم الفتن وكثر القتلى إلى أن جمع رأيهم على بيع القرية والخروج منها فاشتراها المير علي ابن الأمير فخر الدين باثني عشر الفًا وسلمها للنصارى (1609) ولما بلغ البطريرك يوحنا مخلوف الإهدني حلم الأمير المذكور وتقدم بعض الموارنة المقيدين في خدمته بادر إليه في السنة المشار إليها وسكن مجدل معوش وبنى فيها كنيسة ودارًا. فاقتفى الدويهي آثاره وأقام في القرية المذكورة سنتين. وعطر تلك الناحية بعرف فضائله وأنارها بأشعة حكمته وصنع الله على يده بعض معجزات سنذكرها في باب آخر ان وفق الله. وحسبنا الآن أن نقول أنه كان يدخل العمران في الماكن التي كان يقدم إليها. ففي مدة إقامته في مجدل معوش جدد كنيسة السيدة التي إلى غربي القرية وما زالت باقية إلى يومنا وبنى مسكنًا له ولمن تبعه (6). وشمل نظره أبناء الطائفة الموجودين في تلك الجهات بحالة الذل والفقر وعززهم وعلمهم بأمثاله الصبر والنشاط والجد وكل الفضائل البشرية مقرونة بخوف الله. ولما كان يعلم أن الأديار الرهبانية يجد الشعب في جوارها الانس والأمن استهمّ الشيخ أبا صابر من ريشميا (7) بتتميم بناء الدير الذي شرع في تشييده في القرية المذكورة وهو أقدم دير في تلك الناحية. وكانت ريشميا ولا تزال إلى اليوم من أهم القرى المارونية فرقى لهما على كنيسة مار قرياقس برادطة وقسوسًا تعزيزًا لسكانها تجاه الأمم الغريبة.

 

وبعد أن صرف نحو ثلاث سنوات في مجدل معوش (8) قدم أناس من الجبة بكتابات من آل حمادة إلى الأمير يقدمون بها للبطريرك الخضوع التام ويعدونه بالقسم انهم لا يعودون يخلفون بشروطهم معه ولاا ينكثون العهود. فرجع واياهم وكانت عودته في أواسط عام 1685. وبمروره في كسروان أمر بترميم كنيسة مار عبدا على نهر الكلب وتبعها لدير مار شليطا مقبس.

 

وفي السنة المذكورة 1685 جرى في رومة العظمى احتفال باهر لمرور المائة سنة على مدرستنا المارونية. وليس من يجهل ان السعيد الذكر البابا غريغوريوس الثالث عشر لوافر غيرته على نشر الإيمان الكاثوليكي ومحبته للطائفة المارونية المشتتة في ديار الكفر ما بين الأمم أمر بطاركة الطائفة (9) أن يرسلوا تلامذة مارونيين إلى أم المدائن ليردوا منهل العلم ويتهذبوا بالسيرة الإكليركية حتى إذا عادوا إلى أوطانهم يجهدوا أنفسهم في سبيل خدمة الله تعالى وخلاص القريب وينشروا بين الأمم أنوار العلوم وارج الفضائل المسيحية. فأرسل البطريرك سركيس الرزي عشرة شبان فأمر الحبر الأعظم أن ينزلوا في مدرسة "النيوفيط" أو الحديثين في الدين. ولما كثر عدد تلامذة الموارنة هناك أمر بنقلهم إلى المنزل الذي أقامه في المدينة للزوار وعهد في تدبيرهم إلى الآباء اليسوعيين. ويعد وفاة الحبر المذكور قام البابا سيكسطس الخامس الشهير وعين لهذه المدرسة دخلاً يكفي خمسة عشر طالبًا مع من يلزم للقيام بتدبيرهم وخدمتهم (10). فبعد مرور قرن كامل على تأسيس هذه المدرسة الشهيرة أي يوم عيد القديس يوحنا الإنجيلي شفيعها الحبيب وهو اليوم الثاني بعد الميلاد في 27 كانون الأول سنة 1684 زين التلامذة كنيسة المدرسة وهيكل الرسول المشار إليه بالشموع والقناديل الفضية وبسطوا المنسوجات الحريرية ووضعوا على المذبح أيقونات القديسين وذخائرهم (11). وكان في ذات الوقت وكيل الطائفة ومحامي المدرسة لدى الكرسي الرسولي الكردينال فرنسيس نرلي الصالح الذكر. وكان سمحًا شديد الغيرة على نجاح المدرسة فأراد أن يتوفر في احتفال هذا العيد كل ما من شأنه أن يزيده رونقًا. وأمر أن تفرش قاعة المدرسة بأقمشة حريرية مزركشة بالذهب وأن تتعلق على جدرانها صور الذين نبغوا من تلامذتها وشرّفوها بالأعمال المبرورة أو نالوا المراتب البيعية ودبروا بيعة الله. فبلغ عدد التلامذة الذين وضعت صورهم على جدران القاعة المذكورة أربعًا وعشرين منهم ثلاثة بطاركة على الكرسي النطاكي وهم إسطفانس الدويهي وجرجس عميرا واندراوس عبد الغال اخيجان أول بطاركة السريان الكاثوليكيين. ثم اثني عشر أسقفًا وهم سركيس الرزي من بقوفا (12). وموسى العنيسي من العاقورا. ويوحنا الدومينيكاني من حصرون ويوحنا من بيت صندوق من حصرون أيضًا. واسحاق من قرية شدرا ومخائيل بن شمعون من حصرون وسركيس الجمري من إهدن وبطرس مخلوف من غسطا. ولوقا القبرسي من قربصيا. وبطرس بن اميه من إهدن. ويوسف نعمه من حصرون ومخائيل بن الصهيوني من إهدن (13). ثم وضعوا أيضًا رسم تسعة تلامذة آخرين من الذين اشتهروا بالفضيلة والتبشير وهم ابرهيم بن جرجس البشراني الذي مات شهيدًا في بلاد الحبش (14) والخوري يوحنا بن عواد من حصرون. والقس بطرس المطوشي الذي ترهب في الجمعية اليسوعية والقس نصرالله ابن شلق العاقوري الذي أسس للطائفة مدرسة في روّانا من أعمال إيطالية. والقس جبرائيل الصهيوني الإهدني (15) والمعلم ابرهيم الحاقلاني الشهير. والقس سمعان بن هارون التولاوي والخوري مخائيل صابونا الحصروني. والشدياق فيلبس موسى البشراني.

 

وقرأ التلامذة بلغات مختلفة تقاريظ شتى مدحوا فيها مكارم البابا انكنتيوس الحادي عشر الذي أنقذ المطران بطرس مخلوف ورفاقه من عبودية القرصان. وذكروا فيها مآثر البابا غريغوريوس الثلاث عشر مؤسس المدرسة وأدّوا فروض الشكر والثناء للكردينال نرلي الذي زين باريحيته ذلك المحفل وأذاعوا فضل الكردينال كرافا ومبراته لأنه سعى بإقامة المدرسة ووقف عليها جميع متخلفاته. ونشروا مناقب التلامذة الأربعة والعشرين الذين تقدم ذكرهم ومدحوا اجتهادهم في التبشير والتعليم ونشر الإيمان الحق.

 

وحضر المحفل خمسة كرادلة مع أساقفة ومطارنة وعلماء وشعب لا يحصى. والكردينال نرلي كلل صنيعه بطبع كراسة صغيرة أودعها الثناء الطيب على ثبات الطائفة المارونية في افيمان الصحيح ودوام اتحادها مع الكنيسة الكاثوليكية. ومدح فضائل البار يوحنا الرسول الثاولوغس شفيع المدرسة وذكر إحسان الأحبار الرومانيين والكرادلة على المدرسة وألحق ذلك بمديح التلامذة السابق ذكرهم وعني بحفظ صورهم على صفحاتها لتخليد ذكرهم في الأحقاب (16).

 

هذا بالاختصار وصف تلك الحفلة وما جرى فيها مما يستحق خلود الذكر. وقد أمر الكردينال نرلي أن ترسم صورة الدويهي في صدر الكراسة التي طبعها إكرامًا لتلامذة المدرسة ونشرًا لفضائلهم ومبراتهم. ووضع تحت رسمه الكريم تقريطًا لاتيني العبارة ولهذا التقريظ ترجمة سريانية أو ربما هي الأصل حفظها البطريرك سمعان عواد في سيرة بطريركنا المغبوط: وإليك مؤداها:

 

"ليس من مديح يوفي هذا الحبر حقه لأنه يفوق كل ثناء. رقي إلى الملك فوجد أعلى من هذا المقام واجتهد في أن يفوق ما سواه لا بالعظمة بل بالصلاح والفضل. كتب تواريخ أمته ووطنه وطقوسهما فاستحق بذلك المدحة. فلتذع إذن مناقبه ليس الجيال الحاضرة وحدها بل العصار السالفة والمستقبلة أيضًا. سار سيرة رهبانية. وكان يتفرغ لشأن نفسه ولخدمة الله كمن ليس له رعية يهتم بتدبيرها. وكان يهتم بالآخرين كمن ليس له انشغال بذاته وبالله. وكان يسعى في أن يغني غيره. يا لها من ديار سعيدة أخذت الجزية من رئيسها بدلاً من أن تدفعها لولي أمرها".

 

لم تكن تقلبات تقلبات الأحوال والعناية بالمدرسة الرومانية لتستغرق قوى البرطيرك إسطفان أو تشغله عن تدبير رعيته. كما انه لم ينسَ حياته كلها أولئك الأبناء الروحيين الذين تركهم في مدينة حلب بعد أن غذاهم بلبان التعاليم الإنجيلية وجعلهم قدوةً لسائر الطوائف بل أراد أن يبث فيهم روح العلم لتنتشر بواسطتهم المعارف في هذه البلاد المشرقية لأن الحلبيين كانوا دون سائر النصارى يفقهون باللغة العربية لاسائدة في هذه الاصقاع وعنهم أخذ الجميع. فنظر في أن تكون هذه اللغة آلة لنشر العلم واختار لهم معلمًا من تلامذة المدرسة الرومانية كاهنًا في عنفوان العمر ماهرًا في العلوم الفلسفية والإلهية العلامة الغيور والجهبذ المفضال الخوري بطري ابن عبد الله من بيت زيتو من تولا (البترون) وبطرس هذا كان أرسله البطريرك جرجس البسبعلي إلى مدرسة رومة مع الراهب فرا بطرس من رهلان القدس وكان ابن أحد عشر سنة. وبعد أن نال شهادة الملافنة عاد على سوريا مع المطران بطرس مخلوف سنة 1682. ثم اقتبل درجة القسوسية على مذبح سيدة قنوبين من يد البطرك إسطفان في اليوم الثامن من أيلول من السنة المار ذكرها وتقيد في خدمة الكرسي البطريركي فلما خبره الدويهي ورأى ما كان عليه من رسوخ القدم في العلم والتقى أرسله إلى حلب سنة 1685 واعظًا ومعلمًا فأجاد وطارت سمعته في كل البلاد وأدخل في المدينة المذكورة عبادة المسبحة الوردية التي يتلوها المسيحيون إكرامًا لأم الإله المجيدة عوضًا عن المزامير الماية والخمسين التي كان يقولها أجدادنا في الإيمان. وسنة 1698 قدمه المطران جبرائيل البلوزاني مطران حلب على كهنة الشهباء وأقامه برديوطًا ورئيسًا عليهم فضاعفت فيه الوظيفة العناية بأمر الكنيسة والاهاتمام بشؤون الشعب فعلم الشبان وتلمذ كثيرين شهرتهم تغني عن تعدادهم وترك لتلاميذه بل للطائفة وللشرق جميعه تآليف نفيسة في المنطق والطبيعيات والإلهيات والغرامطيق السرياني والمواعظ (17) والتأملات الروحية وذكر فضائل غراء وافضال لا يمحوها كرور الأيام.

 

وأتى التولاوي إلى لبنان سنة 1701 وأخذ معه إلى حلب القس ابرهيم الغزيري. وتوفي التولاوي سنة 1745 بعد أن ردّ كثيرين إلى حظيرة الإيمان الكاثوليكي وثبت المؤمنين في الحقائق الوطيدة.

 

وفي أثناء إقامته في حلب خاصمه بعض المرسلين بسبب تصرفه مع الطوائف فدافع بحكمة وجرأة عن حقوق رؤساء الطائفة المارونية وكهنتها ورفع الأمر إلى رومية فاستصوبت تصرفاته وردعت ايًا كان عن معارضته ومعارضة كهنة الموارنة (18).

 

ومن الحوادث التي يليق ذكرها باختصار قدوم الافرنسي دلاروك إلى لبنان وقد تكلم مطولاً في كتاب سفرته عن الموارنة وأصلهم وتاريخهم وعن رؤسائهم وعن البطريرك إسطفانس خصوصًا.

 

وسنة 1699 أرسل الملك لويس الرابع عشر قنصلاً يمثله في القدس الشريف وهو على ما نظن أول ممثل لهذا الدولة في المدينة المقدسة وكان الذي تولى هذا المنصب المسيو دي برامند (19).

 

ولم يذكر المؤرخون فرار البطريرك إسطفان إلى كسروان سنة 1695 هربًا من جور حكام الجبة وقد وجدت إشارة إلى ذلك في دفتر حسابات الكرسي حيث يرقم عشور مزارع كسروان وقبرس على يد المطران بطرس ابن مخلوف الذي كان رفيقه. وفي كتابات ملك فرنسا لويس الرابع عشر التي سوف نذكرها.

 

وفي تلك الآونة أي في أواخر عام 1695 أنفذ البطريرك إسطفان المطران بطرس مخلوف الغسطاوي إلى رومة وتوجه مع المطران المذكور يوحنا مرمغون الماروني. ويوحنا هذا مجهول النسب وقد روي استنادًا على صك قديم ان مرمغون كان من قرية مشمش وعلمت انه يوجد حنى الآن في هذه القرية محل يعرف بخربة مرمغون. ومهما كان من أمر هذا الرجل فإن الشيخ حصن الخازن والمطران بطرس المذكور كلفاه الذهاب إلى فرنسة لطلب القنصلية من ملكها للشيخ حصرونالمرقوم بموجب كتابات تاريخها كانون الأول سنة 1695. فاستجاب الملك طلبهما بكتابات رسمية (12 حزيران 1697) رغمًا عن الأمر الذي كان أصدره في 11 آذار 1685 بإبعاد الأجانب عن مثل هذه الوظائف. وأمر أن تفصل قنصلية بيروت عن قنصلية صيدا التي كانت تتبعها. وبتاريخ 3 تموز سنة 1697 وجه الملك المذكور كتابصا للشيخ ناصيف الخازن يخبره به أنه استهم سفيره في الاستانة لمساعدة المذكور كتابًا للشيخ ناصيف الخازن يخبره به انه استهم سفيره في الاستانة لمساعدة المذكور لئلا يلحق به ضرر من الأمير ابن عالم الدين اليمني الذي كان استولى على الحكم بعد الأمير أحمد المعني. وبالتاريخ عينه أنفذ الوزير دي طرسي كتابة أخرى للشيخ ناصيف يعده بها المساعدة طبقًا لإرادة الملك وأوامره. ثم ان الملك كتب للمطران بطرس مخلوف يخبره بتعيين الشيخ حصن في قنصلية بيروت وكذلك الوزير دي طرسي كتب له في الموضوع المنوه به والتاريخ المذكور (3 تموز 1697). وأصدر الملك والوزير أوامرهما بهذا الصدد للسفير دي كستنيار. وبتاريخ 16 تموز من السنة المرقومة قبل يوحنا مرمغون في عد فرسانم سيدة الكرمل والقديس لعازر (20). ثم ان يوحنا مرمغون المذكور في عودته إلى الشرق مر على ادرنه حيث كان الباب العالي وتشكى من ظلم بعض الحكام على دير قنوبين ورئيسه البطريرك إسطفان ونال أمرًا شريفًا بمنع كل تعدي عن الدير المذكور وعلى البطرك والرهبان وقد أوردنا صورة هذا الأمر في فصل آخر.

 

ولما توجه البطريرك إلى كسروان تبعه كثيرون من أهل الجبة مستغيثين من ظلم حكام مقاطعتهم بحلم وإنصاف المراء المعنيين فاضطربت البلاد ودليل ذلك ما كتبه ارسلان باشا أولاً بتاريخ 13 شوال 1107 إلى البطريرك وبهذه الكتابة يطلب إليه أن يرجع إلى كرسيه مع الرعايا الذين توجهوا معه ويتعهد له بمنع كل أذى ودفع كل تعدي من جباة الأموال الأميرية. ثانيًا بتاريخ 25 صفر و6 شوال 1109 حيث يخبره بإجراء القصاص على الذين تعدوا على دواب الكرسي ويطيب خاطره ويطلب أن يسعى بعمار البلاد وتأمين الأديرة التي تحت ولايته وباستدعاء الذين نزحوا من الجبة ويعده بالخير والعدل والأمان لكل الرعية. فعاد الدويهي لكننا لا نعلم تاريخ عودته تمامًا.

 

ولما كان البطريرك إسطفان أرسل الخروي الياس شمعون إلى رومة لقضاء مصالح دينية فحمّله كتابة لملك افرنسة رقم آذار سنة 1700 يطلب بها التوسط لدى الباب العالي رفع التعديات عن البطريركية والطائفة المارونية وعند وصول كتابه اجابه الملك المرقوم عملاً بما تعرف له الدولة العثمانية من حق المحاماة عن النصارى في المشرق وانفذ إليه الكتابة الاتية:

 

"أيها السيد الجليل. تناولت من يد الخوري الياس كاتب سركم تحريركم رقم 20 آذار سنة 1700. وساءني ما تخبرون بها عما تقاسيه الطائفة المارونية في جبل لبنان وعما كابدتم من المشقات كي تصونوا ذاتكم من الإهانات التي أراد بعض الناس أن يلحقوها بكم. وإني لمستعد دائمًا للمحاماة عن الدين الكاثوليكي الروماني في كل مكان وبالخصوص ضمن حدود بطريركيتكم ولذلك سلمت معتمدكم المذكور كتابًا لسفيري في القسطنطنية وجددت له الأوامر السابقة ليبذل وسع الجهد والعناية لدى الباب العالي العثماني لينال منه كل ما يعود إلى خير الدين الكاثوليكي في بلاد الموارنة فتشعرون بمفاعيل حمايتي وبشديد اعتباري لشخصكم ثم أطلب من الرب أن يحفظكم ويصونكم أيها السيد الجليل.

 

أعطي في مرلي (21) في اليوم العاشر من شهر آب سنة 1701".

 

وفي اليوم عينه كتب الملك لسفيره دي فريول كتابة ملتزمة وأمره أن يداول الخوري الياس في ما يراه مفيدًا لاستتباب الأمن والراحة في لبنان (22).

 

وسنة 1701 رجع من رومة بطرس بطريرك السريان ومعه خط شريف م السلطان مصطفى بالرجوع إلى كرسيه وبعد أن عاد إلى مقره أثار عليه عدو الخير البعض من جماعة اليعاقبة ورفعوا فيه شكوى زورية إلى شيخ الإسلام فصدر أمر بنفيه من حلب مع المطران رزق الله وستة من الكهنة وغيرهم من الكاثوليكيين وأرسلوا في الخريف إلى ادنه وبعد وصولهم إليها بأيام قليلة توفي المطران رزق الله من مشقة الطريق ومن الإهانات التي لحقته ثم بعده توفي البطريرك. وكذلك صدر أمر في السنة عينها بهدم حارة الكبوشية وكنيستهم في بغداد ودكوا إلى الأرض حارة رهبان القدس في دمياط ثم ان حاكم قبرس قبض على بعض الموارنة وغرمهم بدفع 420 قرشًا. وفي السنة التابعة صدر أمر بقصاص الذين يقتبلون قسوس البابا وصار تفتيش في حلب عن كل من يتبعهم وتكلف الموارنة في الشهباء خسائر كبيرة كل ذلك من حسد بعض أعدائهم ووشاياتهم الافكية. فسبحان الذي جعلهم حسب قوله الكريم خرافًا بين ذئاب في كل الأماكن والأزمنة.

 

المراجع:

 

(1) راجع رحلة دلاروك ص 44 و45.

 

(2) وهو من رفاق الدويهي في رومة وقد سبق ذكره.

 

(3) هكذا يعرفه المعاصرون.

 

(4) وهذا الكتاب محفوظ في خزانة الكرسي البطريركي.

 

(5) صار أسقفًا في أوائل القرن الثامن عشر.

 

(6) يعرف أنّ موقع هذا المسكن كان في جوار كنيسة السيدة المار ذكرها.

 

(7) جد العائلة التي تعرف باسمه إلى الآن.

 

(8) وجدت على نسخة كتاب الأسرار للمطران بوسف شمعون نقلها الشدياق يوسف من إهدن (ويلقب ذاته بابن أخ البطرك إسطفان) في أيلول سنة 1685 ما حكايته: وكان فراغه (في 6 أيلول) في مجد المعوش في بلاد الدروز وكانت الضيعة في يد عمي البطرك: أعطاه إياها الأمير أحمد ابن معن ثلاث سنين كل سنة بأربعمائة غرش. وفي نصف شهر آب رجع البطرك إلى الدير المعمور قنوبين... اهـ.

 

(9) مخائيل وسركيس الرزي.

 

(10) تاريخ الطائفة المطبوع ص 180.

 

(11) وكان بين الصور المعروضة صورة يوحنا المعمدان في البرية عمل يد رافائيل الشهير اتصلت إلى المدرسة مع متروكات الكردينال كرافا. ولم نعثر على ذكرها بعد هذا التاريخ ونرجح أنّها اليوم في متحف فلورنسا.

 

(12) قرية تجاه إهدن دمرها أهالي إهدن بسبب اتباع أهلها ضلال اليعاقبة.

 

(13) هذا بدلاً من جرجس الكرمسداني الذي وضعت صورته في الكراسة المطبوعة. لأنّ جرجس الكرمسداني الذي جمع المعجم الشهير باسمه كان تلميذ رومة غير أنّه لم يقتبل الأسقفية. والمطران جرجس الكرمسداني غيره ولم يدخل رومة قط حياته كلّها.

 

(14) هو ابرهيم جرجس ولد في حلب من عائلة مارونية لبنانية وتربّى بخوف الله وأرسل إلى المدرسة المارونية في رومة فامتاز بنجابته وتقواه. ثمّ دخل الرهبنة اليسوعية وكان رفيق القديس لويس غنزانا وصديقه. وبعد أن نذر النذور الرهبانية ذهب إلى كلية كويمبر (في البرتوغال) سنة 1592. ثمّ عاد إلى رومة طالبًا السفر مع المرسلين إلى الهند وبإذن الرئيس العام الأب كلوديوس اكوافيفا سافر في السنة المذكورة وأتى مصوع فقبله ببشاشة حاكم البلاد وكان اسمه ظافر. ثمّ بعد ثلاثة أشهر دخل بلاد الحبشة للتبشير بالإنجيل لكنه اضطر أن يرجع إلى مصوع لما عرف مسيحيًا فطلب إليه الحاكم أن يجحد الإيمان الكاثوليكي فأبى وقاسى بنشاط عذابات مرة وضرب عنقه ثلاثًا بالسيف فأسلم الروح داعيًا اسم يسوع المقدس.
وعنه يقول ناظم زجلية تلاميذ رومة:
قسيس ابراهيم الحلبي، تبع الشهداء بالدربي، من رهبان يسوع ربي، تشهد في بلاد هندية. طالب منه الشفاعة، لضعفي أيضًا وللجماعة، الذين يمشون بالطاعة، بحب العذرا النقية.

 

(15) تعين ترجمانًا عند ملك فرنسا لويس الثالث عشر.

 

(16) عن تاريخ تلامذة رومة للدويهي.

 

(17) عثرت عند الخواجا فارس طنوس من جران (بلاد البترون) على كتاب مواعظ غير مكملة وليس عليه اسم المؤلف إلاّ إني استهديت من بعض تلميحات إلى حقيقة نسبته للتولاوي.

 

(18) راجع رسالة الخوري إسطفان ورد وقد نشرها الخوري ميخائيل غبرئيل الشبابي في تاريخه للكنيسة المارونية ص 843 – راجع المقالة النفيسة التي نشرها القس جرجس منش في المشرق 1 أيلول سنة 1903 ص 769 وما يليها.

 

(19) M. de Brémond

 

(20) عن كتاب رحلة دلاروك – ولدينا عدة كتابات من ملك فرنسا لويس الرابع عشر محفوظة في خزانات الوزارة الخارجية في فرنسا وتاريخها 14 آذار سنة 1701 إحداها للبطرك إسطفان والأخرى للمطران بطرس مخلوف. وثالثة للكولير يوحنا "جوديسي" – Jean Baptiste Judicy كذا ورد اسمه. ويذكر أنّه نسيب المطران بطرس المذكور ومعتمد البطريرك إسطفان والشيخ حصن الخازن الذي كان وقتئذ قنصلاً افرنسيًا على بيروت.

 

(21) مرلي بلدة غير بعيدة عن باريس على ضفة نهر السين وكان فيها قصر شاعق دمره رجال الثورة وبقربها مدينة وقصر سان جرمان S. Germain en Laye

 

(22) نقلاً عن رحلة دلاروك – لا نرى حاجة لذكر الحادثة التي جرت في طرابلس للشيخ أبي يوسف رزق البشعلاني وكيف سلبت أمواله وأرزاقه لأجل محافظته على دين أجداده فاضطر أن يهجر البلاد ويذهب إلى أوربا طلبًا للأمن والرزق ولدينا كتابات شتى بهذا الصدد اكتفينا بالإشارة إليها.

 

الفصل السابع

 

في محاماة الدويهي عن حقوق الطائفة ورؤسائها

 

وغيرته على الطوائف الكاثوليكية

 

قد أطلنا الكلام عن الحوادث التي جرت في أيام الدويهي ومع ذلك فقد اوردناها بما أمكن من التلخيص والاختصار لأنها كثرت في زمان البطرك إسطفان ولم يعرف يوم راحة طول حياته كما يقول مرارًا في أماكن شتى من تآليفه. وغيرته القوية على خير الطائفة وسمو عقله ومداركه احوجه إلى التدخل في كل ما جرى على عهده خوفًا من أن يلحق الأعداء الغدر والأذى بأبنائه ويعرضوهم للغوائل والمهالك إلا أن الحوادث المقدم ذكرها والاضطهادات المتنوعة لم تستغرق قوى ذاك البطريرك الهمام ولم تلهيه عن القيام بواجبات وظيفته المقدسة. كان حليمًا وديعًا ومحبصا للجميع لكنه لم يتساهل قط بحقوق طائفته وكرسيه الانطاكي ولم يدع أحدًا يمد إليهما يدًا. وإذ كان يدافع عنهما تجاه الأجانب كان يجهد نفسه في تنظيم الطقوس وتهذيب الكتب وتأسيس الرهبانيات وكتابة التواريخ وتثقيف الكهنة. وعند تفرغه لهذه الأعمال الساميةالخطيرة كان يسعى لقيام أرزاق كرسيه لتكون بيده آلة لعمل الخير وكل ذلك أي المناضلة والمكافحة ونهوضه بأعبء وظيفته واشتغاله بالتأليف والتهذيب وتنظيم الرهبانيات وانهماكه بالمور الزمنية المنط أمرها به لم يمنعه من المثابرة على ممارسة الفضائل الإنجيلية والإقبال على تقديس نفسه. فكان في وقت واحد جنديًا مناضلاً وقائدًا حكيمًا ورئيسًا همامًا وكاتبًا مدققًا وناسكًا عفيفًا فمن أي جهة نظرنا إليه الفيناه عظيمًا ومهما أردنا نصف من مناقبه قصرنا في وصفها وعجزنا عن إيفائها حقها. ومع ذلك فبعد الإقرار بعجزنا نستعين بالله ونتكلم أولاً عما جرى له من بعض المرسلين فنقول:

 

اعلم وفقك الله انه في ايام البطرك يوحنا مخلوف الإهدني طلب القس الياس ابن الحاج حنا من عائلة الصراصرة والقس يوحنا بن عيسى المكنى بالرمني وكلاهما من إهدن كتابة من البطرك المذكور وطافوا في الطائفة لجمع احسان يشترون بها محلاً في القدس وفي سنة 1622 اشترى القس انطونيوس ابن ابرهيم الإهدني محلاً يعرف بدار الازّي (1) في محلة النصارى من جرجي ويعقوب ويوسف بني حنا بن يعقوب الملقب بابن الكسار بثمن قدره خمسمائة قرشًا والدار كانت تشتمل على سبعة بيوت منها خمسة سفلية. ثم بعد ذلك صار القس الياس مطرانًا على إهدن فذهب إلى القدس واشترى ايوانًا كبيرًا من رجل سرياني يعرف بابن الراهبة ودفع ثمنه مائة وعشرين قرشًا من ماله وأضافه إلى دار الازي واشترط أن يقدّم من ريعه السنوي شيئًا معينًا لقبر السيد المسيح عن نفس الواقف وذلك بعد أن رمّمه وتكلف عليه مبلغًا غير يسير سنة 1647. وفي التاريخ ان هذا المحل كان اشتراه سنة 1548 يعقوب بن حنا الإهدني المكنى بابن الكسار (2) (وكان ترجمانًا في دير صهيون) في محلة الرحبة بالقرب من كنيسة الخضر. وفي سنة 1598 اشترى يوحنا ابنه الذي خلفه في الترجمانية عند رهبان الافرنج من الحاج محمد ابن الحاج رجب المشهور بابن ازي قسمه وقسم أخيه من البيتين الكائنين بقرب كنيسة مار جرجس التي للموارنة (3).

 

وفي سنة 1559 نهى السلطان سليمان رهبان الافرنج عن سكنى العلية الصهيونية فالتجأوا إلى ترجمانهم يعقوب بن يوحنا بن الكسار الإهدني وسكنوا في داره السابق ذكرها أمام كنيسة مار جرجس المارونية. فاتفق ان عبدًا مختل الشعور سقط في بئر الكنيسة فخاف الرهبان المارونيون ان يتهموا بقتله وهربوا فقام بعض الاقباط ودفعوا الغرامة التي حكم بها على لاكنيسة واستولوا عليها. فحركت الغيرة الطائفية البطرك موسى العكاري واخذ امرًا من مصطفى باشا والي الشام ومن السلطان سليمان نفسه إلى والي القدس على ان يسمع دعوى البطريرك ويمنع القبط عن تعديهم. وسافر البطريرك موسى بذاته ومعه الدراهم اللازمة لاسترجاع الكنيسة فبرّد عزمه رهبان القدس وردّوه عن قصده واقنعوه بترك الدعوى المشار إليها وباستبقاء الدراهم التي معه واتفقوا ان كهنة الموارنة يقضون أمورهم الدينية عند اللاتين في كنيسة المخلص بدلاً مما كان لهم من الحقوق في العلية الصهيونية وانه اذا حدث شيء على الافرنج تبقى كنيسة المخلص بيد الموارنة لكونهم من تبعة الدولة العثمانية. فعدل البطريرك عن استرجاع كنيسة مار جرجس لأن الموارنة كانوا اضحوا جماعة قليلة في القدس واشترى دارًا كبيرة بالدراهم التي معه (4) وعند تولي البطرك إسطفان الكرسي الانطاكي وكل إدارة هذا المحل إلى أبي جرجس رعد العاقوري.

 

وعدا الأماكن التي اشتراها الموارنة بمالهم كما قلنا كان لهم مغارة الصليب وأربعة مذابح أخر في كنائس الافرنج الأربع كما رواه جبرائيل ابن القلاعي في رسالته إلى البطرك شمعون الحدثي المحفوظة إلى يومنا هذا وجبرائيل المذكور يقول ان استيلاء الموارنة على المذابح المذكورة من عهد الملكة سنصا التي اشترت بعض الأماكن المقدسة بعد خروج الصليبيين وسلمتها إلى هبان مار فرنسيس وشهادته لا ترد لكونه من الرهبنة المذكورة.

 

في سنة 1695 في 10 تموز سام الدويهي قسيسًا على مغارة الصليب المذكورة داود بن ابرهيم شاه المقدسي. وسنة 1700 في 18 آذار سام على المذبح عينه توما الحصروني القدسي كما أشرنا في موضع آخر (5).

 

هذا ما كان عليه الموارنة في القدس قبل حلول الخلاف بينهم وبين رهبان الافرنج. فإن نظرنا على ما خدموا به طائفة اللاتين بعد خروج الصليبيين أو إلى تعلقهم بعروة الدين الكاثوليكي أو إلى اجتهادهم في نشر افيمان الصحيح بين الملل المتفرقة أخذنا العجب من صنيع الرهبان المذكورين. وقد ترك لنا الدويهي خبر ما جرى في أيامه وشهادته عندنا هي عين الحق. قال ان سادات مجمع نشر الإيمان مراعاة للظروف أمروا رهبان مار فرنسيس أن يتقنوا درس اللغة العربية ليداوموا على حراسة الأماكن المقدسة وخدمة الذين يأتون إليها زائرين ولما عانى بعضهم درس هذه اللغة وجدوا ان تعلمها شاق عليهم قليل الفائدة لكون نصارى المشرق مقيمين تحت طاعة بطاركتهم. فاسترضوا قاضي المدينة المقدسة وأخذوا منه أمرًا بتاريخ شهر نيسان 1687 يبيح للنصارى الانتقال من مذهب إلى آخر. فتعهد رهبان القدس لنصارى بيت لحم وغيرهم انهم يحملون عنهم ثقل المكوس ويقومون بخدمتهم الدينية مجانًا ويعفونهم من تأدية العشور ويجعلونهم في الوظائف عندهم (6). فانحاز إليهم كثيرون من الروم والأرمن والسريان وغيرهم وألزموهم بالطاعة لرئيسهم وبأن يتكنوا بالافرنج تاركين اسمهم وعوائدهم القديمة. وصارت هذه الحوادث برضى وسعي مشيري (7) الرئيس في مدة غيابه. ولما لم يوافقهم على ذلك نائب الرئيس واسمه بولس ميليونيكا حطوه عن وظيفته وأقاموا موضعه آخر غيره. فكتب هذا لوحًا ونشره في الكنيسة وحرم به كل من يدخلها ولا يتمسك بعوائد الكنيسة اللاتينية ولم يقضِ بهذا الالزام على المرتدين من الطوائف فقط بل أوجبه على الملة المارونية أيضًا حتى انه أطلق عقوبة الحرم على من صام صيام الرسل ومنع الانقطاع عن الزفر يوم الأربعاء كعادة الكنيسة الشرقية.

 

قال الدويهي: فتفاقمت حينئذ القلقلة والسجس والشتم والكفر. ولما بلغتنا هذه الخبار كاتبناهم بألاّ يعارضوا طائفة الموارنة بوجه ما من قبيل انهم لم يستفكوهم من أيدي البربر ولا ردوهم من بدعة الخارجين فلم ينتصحوا بقولنا فراسلناهم ثانية ووجهنا إليهم أخانا المطران يوسف الحصروني رجلاً متقي الله متربيًا في مدارس رومة في العلوم الرياضية والالهوتية فمكث عندهم ثلاثة أشهر ينذرهم وهم لا يجيبونه إلا بهذا لا غير وهو ان الكنيسة كنيستهم وان بطريرك الملة المارونية سلطانه على أبرشيته الانطاكية لا على القدس. ولخوفهم أن يسبقهم أحد ويكتب فيهم إلى رومة انفذوا رسلهم ورسائلهم إلى هناك على ما يريدون. ا هـ.

 

أما سادات المجمع المقدس فبعد التحقيق فبعد التحقيق والتدقيق منعوهم عن معارضة الموارنة وأمروا وكيلهم رافائيل أن يأتي بنفسه ويقدم الطاعة والخضوع للبطرك إسطفان وجرى ذلك فعلاً في شهر تموز سنة 1689 وكان البطرك في مدينة بيروت وجاء إليه بكتابة من الورديان غريغوريوس البرغالي (8) يعد بها البطريرك المذكور أنهم لا يعودون مطلقًا إلى مثل هذه الأعمال (9) فهدأت الخواطر وظن الجميع أنهم ينجزون وعدهم ولا يجعون بكلامهم. غير انه في سنة 1696 تقلد الرئاسة بلتصار الكلداري (10) فكانت باكورة أعماله انه لما قدم عكا بارك مارونيًا اسمه بطرس كان قد حرمه مطرانه لأجل ذنب موجب وأغرى سكان عكا الموارنة وحملهم على أن يكتبوا على انفسهم وثيقة شرعية أنهم راضون باختيارهم أن يكونوا لاتينيين تحت طاعة رهبان القدس ورئيسهم لا تحت طاعة بطريرك الموارنة وكهنته.

 

وفي أثناء ذلك حدث أن رئيس رهبان قبرس في الملاّحة حوّل ابنة مارونية عن خطيبها وزوّجها لترجمان القنصل بعد أن حمّل خطيبها الماروني خسائر كثيرة وتهدّد خوري الرعية بالقتل. فلم يصبر البطرك إسطفان على هذا الافتراء ورفع الدعوى إلى رومة. فصدر منها أمر في الثامن عشر من شهر تشرين الأول سنة 1697 إلى رهبان القدس يردعهم عن كل تدخل في أمور الموارنة وفي ما يخص عوائدهم وزيجاتهم وطاعة رؤسائهم ويتهدد المخالفين بالانتقام. وكان من الواقفين على هذا الأمر الجازم فرنسيس الزهري (11) الذي تقلد الرئاسة فيما بعد وبدلاً من أن ينقاد إلى رسوم المجمع المقدس فاق من تقدمه تعديًا وعنتًا. فأرسل إليه البطرك إسطفان سنة 1699 المطران يوسف الشامي (12) وكاتبه الخوري الياس الحصروني (13) وأظهر له مخالفة أعماله للعدل ووجوب خضوع الموارنة لبطريركهم دون غيره وأسند قوله إلى تاريخ هذه الطائفة وإلى براآت الأحبار الرومانيين المحفوظة في الكرسي البطريركي وإلى كتابات رهبان مار فرنسيس نفسهم أي فرا غريفون وفرنسيس سوريانس وجبرائيل ابن القلاعي وغيرهم وإلى قول فرا بونيفاس في كتابه عن دوام الأرض المقدسة إلى أن قال: "أما من جهة كنائس القدس فإن الملكة سنصة لما سلمتها بيد رهبان مار فرنسيس الصغار ما أمرتهم بأن ينفوا منها مستقيمي الإيمان إذ يقول الرب على لسان النبي: لتنفتح أبوابك أبدًا ولا تغلق لا ليلاص ولا نهارًا لتنقاد إليك قوات الأمم وتساق ملوكهم. ثم أورد خبر ما فعل البابا اوجيانيوس الرابع سنة 1445 إذ أباح لرؤساء الطوائ الكاثوليكيين في جزيرة قبرس أن يخدموا الأسرار في كنائس اللاتينيين وما أمر به المجمع المقدس سنة 1673 وسنة 1688 بخصوص الأرمن والروم المرتدين إلى الكثلكة. وبعد هذا كر بإسهاب الأماكن والمذابح التي كانت للموارنة في القدس وما حدث لهم بعد أن استولى الأقباط على كنيسة مار جرجس المارونية والمعاهدات التي جرت بينهم وبين هبان القدس إلى غير ذلك من الحجج والبراهين التي تثبت حقوق الموارنة وبطريركهم. إلا أن الله قسّى قلب الرئيس فرنسيس الزهري كما قسّى في القديم قلب فرعون فلم يقنع بهذه البراهين ولم يخع لأوامر المجمع المقدس فأنزل الله به محنة عظيمة وانتقم للموارنة بوجه لم يخطر لأحد على بال وهو أن بطريرك الروم حصل على أمر من السلطان مصطفى يوجب على الروم الخضوع له والطاعة. ولما لم يتمكن رهبان الافرنج أن يحموا سكان بيت لحم وغيرهم بلقب الافرنج ولا أن يكذبوا ما كان معروفًا عند العموم من أصلهم الرومي اضطرهم الأمر قسرًا أن يلقبوا كل كاثوليكي تبعهم مارونيًا لكون الطائفة المارونية من رعايا سلطان العثمانيين ولذلك سجل القاضي انهم جميعهم موارنة.

 

فتأمل كيف يستهزئ الله العلي بمن يسخر بالعدل والحق وكيف أن رهبان القدس لما حاولوا نزع التسمية المارونية عن أهلها أدخلوا تحتها من ليس منها.

 

وصار انه بعد عزل الزهري من الرئاسة نصب مكانه رجل تقي حكيم يدعى إسطفان من نابولي (14) فاستدعى مشيريه ومؤازريه وأخذ رأيهم وقرروا قبول الشروط التي كان طلبها منهم البطريرك إسطفان ووقعوا أسماءهم عليها في آخر آذار سنة ألف وسبعمائة. وأما الشروط المشار إليها فهي أن كهنة الموارنة يباح لهم إقامة القداس بالبخور (15) في جميع كنائس رهبان مار فرنسيس وأن أبناء الطائفة المقيمين في أورشليم وفي كل مكان هم تجحت طاعة صاحب الكرسي الانطاكي وله يؤدون العشور ولهم أن يحفظوا عوائدهم في الأصوام والأعياد. وأن يكون لرعية القدس كاهنان لخدمتها. وتعهد الرهبان المذكورين بأنّهم يقبلون كلّ ماروني يزور الماكن المقدسة بكل إكرام (16). وفوّض البطرك إسطفان إلى رئيس الرهبان المذكورين تحليل بعض وجوه الزواج على أن يدفع إلى وكيل الكرسي الانطاكي ما فرض عليها قانونًا وكانت نهاية الخلاف في الخامس عشر من نيسان من السنة المقدم ذكرها وفرح الفريقان بارتفاع الشكوك والسجس ورجوع المحبة والسلام (17).

 

إن غيرة البطرك إسطفان لم تكن موجهة فقط نحو أبناء طائفته وحقوق كرسيه الانطاكي بل كانت تعم جميع المسيحيين وكان يجدّ بلا ملل على تعزيز الدين الكاثوليكي والمدافعة عن أبناء الكنيسة أيًا كانوا وانى وجدوا. وقد ذكرنا تصرفه مع أخيجان وتوسطه لدى البطريرك يوحنا الصفراوي ليرقيه إلى درجة القسوسية وكيف سار معه إلى حلب ليساعده في الصعوبات المحدقة به. ثم انه لأمر مشهور ان رجوع بعض الملكيين وان لم يجر على يده غلا انه بذل طاقته في تمهيده بصلواته ومجادلاته مع بطركهم وأساقفته منها المناقشة التي صارت في ديرالقمر قدام أمير الدروز كما رواها البطرك سمعان عواد (18). وحضوره مجمعًا آخر عقد في طرابلس ودعي إليه أساقفة لاروم فحضره كثيرون منهم ووقع البعض تقاريره الكاثوليكية (19). وعندما كان يثور الاضطهاد على المرتدين إلى الكنيسة الكاثوليكية من بني جنسهم المشاقين كانوا يلتجئون إليه وكان يقتبلهم ببشاشة وهشاشة ويقدم لهم كل ما يقتضي للقيام باودهم معتنيًا بهم كل الاعتناء(20). ولئلا نطيل الكلام بهذا الصدد نكتفي بايراد كلام الدويهي نفسه في الرسالة التي كتبها إلى الأب بطرس مبارك سنة 1701 وقد أتينا بذكرها غير مرة. قال رحمه الله:

 

"من غير تعبنا مع طائفتنا ما تأخرنا أيضًا عن نفع الطوائف التي بجيرتنا لأن المرحوم القنصل فرنسيس بيكت كان بعث عشرة مكاتيب للمرحوم البطرك حنا من صفرا حتى يرسم القس اندراوس اخيجان فما تنازل معه حتى دخلت أنا بينهم وأزحت عن بال البطرك الصعوبات التي كانت تمانعه وبعد ان ارتسم مطرانًَا صار انه طفر لجبل لبنان ولأجل خاطر القنصل وحيته (21) إلى الرجوع ورحت أنا بنفسي معه وكنت أساعده في المشورة وفي كتيبة الكرز الذي كنت أنا أعطيه. وكذلك لما طفر لعندنا القس اسحق وأنا بطرك مسكته عندنا سنتين ورتبته ورسمته أيضًا خوريًا. وعندما طفر بعد منه إلى عندنا بطرس بطريرك السريان ثبت عندنا مدة من الزمان بكل عزازة وكرامة. وثم بعد المذكور التجأ إلينا الخوري نعمة والقس سليمان السرياني من جور بطركهم الضال. وكذلك يعقوب بطرك الأرمن على مرعش عندما التجأ إلينا قبلناه بكل كرامة وأمرنا جماعتنا بحلب أن يقبلوا جميع المرتدين من اليعاقبة والأرمن والنساطرة وغيرهم ويتلمذوهم ويقضوا مصالحهم "(22).

 

فيا لها من غيرة ويا له من روح رسولي. فلا أكتفي أن أشبه البطرك إسطفان بفنحاس الإسرائيلي بل أقول أن قلب الدويهي كقلب بولس الرسول في الغيرة على إنجيل المسيح. في الصبر على المحن. في محبة القريب في تضحية كل شيء لاكتساب الكل. في النزاهة. في سمو الأفكار في السعي وراء الخير. في الازدراء بفخاخ العدو. في كبح كل عقل يتشامخ ضد معرفة الله وإخضاعه لطاعة المسيح. فطوبى لمن حظى بوصاله وطوبى لشعب كان قائده وطوبى لترب ضم أعظمه الطاهرة (23).

 

المراجع:

 

(1) الازي بالزاء المشددة.

 

(2) ومن نسله بقية في يافا.

 

(3) من سجل الدويهي المحفوظ في الخزانة البطريركية. أما دار الازي فتعرف بهذا الاسم إلى يومنا هذا وموقعها تجاه خان الأقباط وفي دفاتر الحكومة تعرف بحارة الموارنة حتى الآن.

 

(4) تاريخ الدويهي سنة 1559.

 

(5) وقد عثرنا على كتاب قداس الكتابة الآتية بخط الدويهي نفسه: وجه تحرير الأحرف هو أنّنا أرسلنا مع ولدنا العزيز القس توما القدسي كاس وصينية وطبليت وهذا كتاب القداس ونويسة مذهبة لأجل استعمال أولادنا الكهنة في القدس الشريف. ما أحد معه إجازة من الله ولا من حقارتنا يبيعهم ولا يتطمع عليهم ولا يغيرهم من القدس الشريف. حرر بدير قنوبين في 20 من شهر نيسان المبارك من شهور سنة سبعمائة وألف. اهـ.

 

(6) هذه الانعامات جارية حتى يومنا.

 

(7) يسميهم الدويهي المحدين تعريب Definitores. وكان الرئيس انجليكو داميلانو توجه في آذار 1688 لحضور المجمع العام.

 

(8) Grigorio da Parghalia أقيم رئيسًا في حزيران سنة 1688.

 

(9) وقد ذكر في كتاب نسخه المطران جبرائيل البوزاني مطران حلب خبر زيارته القدس الشريف سنة 1688 وما حصل له من الإكرام من الافرنج والبادري رافائيل والظروف التي ذكرناها توضح سبب هذا الإكرام (مكتبة عين ورقه).

 

(10) Baldassare Caldera أقيم رئيسًا في أيار سنة 1694.

 

(11) واسمه الحقيقي فرنسيسكو دا سانتو فلورو أقيم رئيسًا سنة 1697.

 

(12) هذا المطران رقي إلى درجة الأسقفية في 27 كانون الثاني سنة 1691 على كرسي بيروت وتوفي سنة 1713.

 

(13) هو عم المنسنيور السمعاني الشهير.

 

(14) Stefano da Napoli أقيم وكيلا عند سفر الرئيس فرنسيس إلى المجمع في ك 1 سنة 1699.

 

(15) وكم من معبد اليوم لا يسهل فيها لكهنة الموارنة الاحتفاظ بموائد طقسهم.

 

(16) إنّ إلغاء الرهبان هذا الإلزام بعد شراء محل للطائفة في القدس سنة 1893 هو نكث للعهد المذكور أعلاه.

 

(17) كيف بعد صرف هذه الدعوى وصدور أوامر الكرسي الرسولي مرارًا تجاسر غيرهم من المرسلين على مس حقوق رؤساء الطائفة المارونية كما جرى في حلب في بدء القرن الثامن عشر وفي الشام في عهد البطريرك يعقوب عواد. إنّ ذلك لمن أسرار الطبيعة البشرية.

 

(18) راجع الدير المنظوم ص 81.

 

(19) راجع رسالة الأب نكي في المكاتبات البانية Lettres Edifiantes, 1, 87

 

(20) عن ورقة خطية للبطرك بولس مسعد.

 

(21) حثيته.

 

(22) قد أطلعني جناب الشيخ فيليب الخازن على كتابة من المطران جرمانس حوا مطران حلب إلى الشيخ بشاره جفال الخازن بتاريخ 2 آب سنة 1819 يوصيه فيها برجل كلداني ويقول: "لا يخفي فطنتكم بأنّ طائفة الكلدان في حلب هم منسوبون ومحسوبون في عدد انفار طائفتنا المارونية حتى في الروحيات بعلم المجمع المقدس كما تفهموا ذلك من غبطة السيد البطريرك الكلي الطوبى." (يشير إلى البطرك يوحنا الحلو).

 

(23) كتبنا هذا الفصل تحت التأثر الشديد مما كنا نشهده من المطاولة على حقوق طائفتنا ونحن أول من عرفوا فضل المرسلين على بلادنا السورية ونادوا به ونرجو أن لا يرى أحد في مقالنا نية سوءء ولا إشهار عداء على أحد وأن يعتبر القاري صحة الحوادث التي رويناها وعاطفة غيرة على حقوق مقررة مشروعة فإذا اعتبر ذلك تركنا له الحكم المطلق: وللقاري في الغالب إصابة رأي ما يبسط لديه ومنه ينتظر الإنصاف والاعتدال إذا تعداهما رجال الماضي أو مؤرّخ أعمالهم.

 

الفصل الثامن

 

في تدبيره الكرسي البطريركي وسياسته الطائفة

 

قلنا أن الدويهي ورث من سالفه البطريرك جرجس مع الاضطهاد والتعب ديونًا باهظة سبّبها للكرسي البطريركي جور الحكام وتقلبات الأحوال والوباء الذي فشا في عام 1670 وخطف به البطريرك جرجس. وقد ترك الدويهي في دفتر كتب فيه بيده الطاهرة دخل الكرسي وخرجه وديونه وتبرعاته من يوم تسلم السدة البطريركية إلى حين وفاته. وكان مجموع الدين الذي خلفه البطريرك جرجس الف وثلاثمائة وستة وتسعين قرشًا إلاّ شاهيتين وفي سنة وفي سنة 1670 زيد عليها ألف ومائة وثمانية وخمسون قرشًا لقاء مصاريف شتى وكانت الدراهم نادرة وعزيزة في تلك الأعصار ولذلك لا نتعجب من الارتباك والخوف الذي اعترى الدويهي حين تسلم زمام الطائفة والكرسي البطريركي. وفي الدفتر المار ذكره بعد رقم المبلغ المنوه به كتب هذه العبارة: "يكون جملة الدين ألفين وأربعماية والوفاء على الله." والله الذي يهتم بصغار الطيور وبزهور الحقل أخذ بيد البطرك إسطفان لأن أفكاره جميعها وحركاته وسعيه ونصبه كان مكرسًا لاجلاله تعالى وموجهًا إلى أعمال البرّ. فوكل الوفاء إلى الله وألقى همه عليه ونهض يجدّ ويسعى في تحرير كرسيه من هذه القيود الثقيلة. ومن اطّلع على الدفتر المشار إليه آنفًا وأمعن النظر في تدقيق البطريرك وسهره على كل شيء ظنّ انه كان باذلاً كل عنايته في تدبير الكرسي وأرزاقه وصارفًا نظره عما سوى ذلك. وربما يسأل سائل عن أسباب المصروف مع ما كان عليه الدويهي وسكان دير قنوبين من النسك في معيشتهم فنقول أن هذه الأسباب عديدة نذكر منها:

 

أولاً عدد رهبان الدير. لأن الكرسي البطريركي ما كان في ذلك الوقت كما هو في أيامنا فقط أي مركز إدارة الطائفة ومقامًا يتفرغ أهله لسياستها في الروحيات والزمنيات إنما كان في الوقت نفسه ديرًا كبقية الأديار الرهبانية يعيش فيه ما عدا البطرك وبعض المطارين عدد وافر من الرهبان والنساك وقد ذكر دلاروك في خبر رحلته إلى جبل لبنان سنة 1689 أن رهبان دير قنوبين كانوا ينيفون على الثلاثمائة (1). ولا جرم بأن الرهبان كانوا يحرثون ويقيمون الأرزاق إلا أن كثيرين بينهم كانوا في المحابس وخرجهم على الدير وغيرهم كانوا عاجزين عن العمل وغيرهم متفرغين لأشغال شتى لما كانت توجبه الظروف على كل أحد أن يكفي ذاته ويقوم بأوده ولا يستعين بغيره على الحاجات لصعوبة المواصلات وقلة الأمن. ومن البحث في دفتر حسابات الدويهي وجدنا أن عدد الذين كانوا مقيدين بخدمة الكرسي كان يفوق العشرين.

 

ثانيًا جور الحكام وقد أشرنا إلى ذلك غير مرة والان نقول بالتصريح انه لم يكن باطلاع الدولة العلية بل خلافصا لأوامر السلاطين وخفيةعنهم وكان البعد وعسر المواصلات اهم مساعد على الجور. وقد ذكرنا ولا نخشى المراجعة كيف ان جمع الأموال المفروضة على البلاد كان سبب الحروب والفتن وكيف ان الحروب كانت تزيد الضرائب وتجلب البلايا على الرعية وتصيب أضرارها البطريرك قبل الجميع. وكان آل حمادة إذا أفلسوا وأعوزوا طلبوا من البلاد ومن البطريرك أضعاف ما كان مرتبًا عليهم وان أبوا ركبوا برجالهم والجأوهم إلى الفرار إلى بلاد بعيدة أو إلى الاختباء في الأودية والمغاور أو أحرقوا مقرهم وأخربوه. وهذا كان سبب فرار الدويهي مرارًا إلى كسروان والشوف ودام الأمر كذلك إلى أن البطرك إسطفان رفع شكواه إلى المرجع الأعلى فأبرز السلطان أحمد فرمانًا إلى والي طرابلس وقاضيها يأمرهما به ألا يطلبا من دير قنوبين غير ما هو معين في الدفاتر القديمة وألا يسمحا أن يؤخذ منه زيادة على ذلك وألاّ يتعرض أحد للبطريرك ورهبانه. والفرمان الشاهاني المذكور محفوظ إلى يومنا هذا في الخزانة البطريركية وهذا مؤداه:

 

"نعرفكم ان رافع هذا الفرمان إسطفان بطريرك الموارنة في دير قنوبين التابعة ايالة طرابلس من جبة بشراي قد قدم عرضحال إلى سدتنا العلية بخصوص الحقوق والرسوم اللازمة دفعها واداؤها بموجب الدفتر والقانون فانني راضٍ بادائها وتسليمها كالعادة لكن الضابطين لم يقنعوا بذلك بل دائمًا يطلبون زيادة عن الدفاتر المعتادة ولأجل هذا التعدي والضرر أنهي إلينا بذلك لجل رفعه ودفعه فبحسب التماسه أصدرنا هذا الأمر الشريف الحكمي وتفضلنا به عليه فعند وصوله تراجعون صورة الدفتر الممهور الخاقاني الجديد وتنظروا المطلوب منهم والذي يلزم اداؤه وتسليمه من حقوق ورسوم على موجب القانون والدفتر. ومن بعد دفع ذلك وتسليمه لا تطلبوا منهم زيادة ولا تتعدوا عليهم وإذاطلب منهم زيادة تمنعونها وترفعونها ولا تدعوا أحدًا يخالف القانون والدفتر وأمرنا هذا الهمايوني والذين ليس لهم مدخل في القضية المذكورة لا تدعوهم يعارضون ذلك. والذي يقاوم ويخالف أمرنا تكتبون لنا اسمه ورسمه مع الواقع وتعرضوا ذلك علينا. وم هذا الخصوص لا تجاوبوا (ناقلي أمرنا هذا): ان نحن أيضًا بيدنا أمرًا. فهذه الحجة لا تحتجوها. اعلموا ذلك واعتمدوه غاية الاعتماد. تحريرًا في أوائل شهر جمادى الأخرى سنة ثلاثة عشر وماية الف. حرر في في ادرنه " (2).

 

ومن أسباب زيادة مصاريف الكرسي نذكر ثالثًا التنقل من محل إلى آخر والحوادث الفائقة العادة مثل تسفير القصاد إلى رومة والتلامذة إلى المدرسة المارونية فترى البطرك إسطفان يذكر بكل تدقيق اكلاف سفر التلاميذ فيكتب عن بطرس مبارك وصافي القدسي من شننعير اللذان توجها مع الخوري يوسف شمعون: "اجرة سفر الاولاد خمسون قرشًا" غيره: لاجل سفر القاصد القس يوسف شمعون خمسون قرشًا. وفي محلات اخرى: "كلفة عمار بدير مار شليطا مقبس في كسروان سنة 1672 نحو مائتين قرشًا. إلى الخوري الياس الحصروني لما سافر إلى رومة... إلى القس جبرائيل حوا... إلى التلاميذ الذين ذهبوا سنة 1703..." وهلّم جرّا. فمن الامثال التي احببنا ايرادها لافادة القاري يظهر ان المصاريف كانت باهظة خصوصًا إذا قابلناها مع الدخل لأننا نرى مثلاً مبلغ قرية مجدل معوش التي استأجرها البطرك وسكن فيها كما قلنا عن سنة كاملة ثلاثماية وثلاثة وستين قرشًا فتأمل.

 

ولتبيان حسن إدارة البطريرك إسطفان نصف للقاري دفتر حساباته الذي اخذنا عنه ما سبق وان لم يكن الكلام كالنظر فانه رحمه الله ما كان يستصغر امرًا ولا يغفل عن شيء رغمًا عن أشغاله العمومية وعن اعتنائه بجمع التواريخ وتأليفها وتنقيح كتب الطقس. فالدفتر المذكور عبارة عن مجلد كبير القطع ضخم الحجم م الورق العبادي وصفحاته مقسمة جداولاً لكتابة الامور المختلفة دخلاً أو خرجًا. وفي أوله حساب الديون القديمة والحديثة مع بيان وفائها ويليه دفتر الحرير ثم دفتر دخل عشور الرعايا. ثم بيان الخدم أي التقادم التي توزعت وقت الرسامة وتبلغ مائة وعشرين قرشًا. ثم مصاريف سكان الدير من ثياب وغيره ويذكر معها ثمن ثيابه الخصوصية. وفي محلات شتى قيد إحسان لأم البطرك ومبلغ الإحسان المذكور عن سنة 1672 مثلاً ثلاثة قروش أو أربعة وفي غير موضع يدعوها الوالدة فقط. ثم تفصيل دفع الأموال الأميرية. ثم بيان مصروف الدير ابتداؤه من 23 أيار سنة 1670 أي يومين بعد ارتقاء الدويهي إلى البطريركية وفي تفصيل ذلك ترى البطرك لا يغفل عن أدنى الأمور. ثم مصاريف الشغل في أرزاق الدير ثم دفتر أجرة المستخدمين في الدير. ثم بيان توزيع كؤوس للقداس وقوالب خبز القربان وغير ذلك من الإحسانات, وترى أن إحسان الدويهي كان يشمل الطائفة جميعها وهناك ذكر لأكثر القرى من مرج عيون وسبغين والقدس إلى عكار وحلب وقبرس.

 

ولم يقنع الدويهي بحسن إدارة الكرسي البطريركي بل أراد أن يزيده وينمي أرزاقه لا طمعًا بالزرق كما يفعل جهال الناس بل رغبة في القيام بأعباء وظيفته وبالحمل الثقيل الذي قبله من يد الله ولذلك طلب من البابا اينكنتيوس الحادي عشر أن يحسبه كأحد أساقفة البلاط الروماني ويمد له يد المساعدة ليقوم بمهمته الثقيلة ويعزز طائفته والدين الكاثوليكي في الأصقاع المشرقية. وكان في كل فرصة يشتري ما قدر عليه كما فعل سلفاؤه وخلفاؤه حتى يتركوا للبطريريكة لا بل للطائفة الثروة التي هي عليها في أيامنا ويمكنوا خلفاءهم من أن يكفوا ذاتهم ولا يلتجئوا إلى أحد كالمعوزين لئلا تنحط سلطتهم في أعين الناس. وقد امر البطريرك إسطفان أن تنسخ في السجل المعروف باسمه صكوك أرزاق الكرسي وتحفظ أوراقها الأصلية خوفًا من غدرات الدهر (3) وبين الحجج المذكورة صورة ما أخذه للكرسي بالشراء الشرعي في حدشيت وسرعل وطرابلس واصنون وكيف أخذ قسمًا في مصبنة باب الحديد في طرابلس من يوسف بن الخوري عبد الله الدحداح وكيف حرّر ما وقفته ام الياس مريم بنت جرجس الملقبة بالحرفوشية بنت عطور من العاقورا في مصبنة العزقية في طرابلس من دعوى بعض مشائخ العاقورا.

 

فالدويهي ما كان يبني ليقال عنه انه بنى ولا يشتري الأرزاق ليقال انه اقتنى بل ما كان يعمله انه كان يعمله ثيامصا بواجب وظيفته وخدمة لطائفته كما يقرر عن ذاته والحق يقال ام المراكز العالية يقتضي لها توفر الوسائط المادية وبغير ذلك يعجز أصحابها عن القيام بواجباتهم المتنوعة. ناهيك عن الفقراء الذين يعولوهم سرصا والمشروعات الخيرية التي يساعدون على إتمامها والأعمال العائدة لخير الجمهور التي يأخذونها على عاتقهم ولا يدري بها سوى فاحص الكلى والقلوب. فإن جمعوا فللطائفة وإن أنفقوا فلها. فمن ذمّهم بغير فحص وتدقيق أخطأ وأولياء الأمور أدرى بالأحوال ظاهرها وباطنها.

 

والحق يقضي بأن نقول ان شراء الأرزاق والاعتناء بالزمنيات ليس بمديح يليق بشخص كالدويهي ولا يخدعنا اعتبار بعض معاصرينا لبعض الإكليركيين لجل أمور كهذه وثناؤهم على من اشترى فسحة من التراب أو رفع عددًا من الحجارة وبنى بها بناء شاهقًا أو جعله ديرًا رائقًا. فما التراب إلا تراب ولا الحجارة سوى مادة لا قيمة لها ولا الأديار شيئًا إلا بسكانها ولا يزين الإنسان سوى أعماله المبرورة. فأعمال الدويهي أكثر وأشهر من أن نعدّدها لأنه رفع الطائفة المارونية إلى أعلى شرف بلغته في الفضيلة والتدين وزينها بعلمه السامي ومشروعاته الخطيرة كما سنذكر ذلك في الفصول التابعة. والآن نقول بعد أن تكلمنا عن تدبيره وسياسته الأمور الزمنية انه صرف عنايته ومجهوده في بنيانها الروحي وتثقيفها في الآداب المسيحية فانه من حين رجوعه من رومة لم يضع ساعة من الزمان ولم يصرف النظر عن نفعها. فأول عمل ذكرناه تفضيله الرجوع إليها على البقاء في أوربا ثم وضحنا كيف كرّس ذاته وقواه وعلمه لخيرها في تعليم الأولاد وفي إرشاد الشعب وفي التجول في جميع أنحائها في لبنان وخارجًا عنه. وبعد انمتخابه بطريركًا واقترانه الروحي بالكنيسة الانطاكية أعطى نفسه لها وبذل في سبيل خيرها عقله وتعبه وحياته. وكان أثناء تجوله إذا وجدكتابًا او عبارة تخالف حة المعتقد الكاثوليكي نحه وصححه. واختار له اعوانًا ماهرين ليساعدوه على تصحيح كتبها وطقوسها وأعطاهم همته ونهضته. وإذا وجد خبرًا أو فقرة تاريخية على المصاحف القديمة أو في الديرة أو على الحجارة الأثرية كان يقتطفها ويجمعها ويدوّنها في تواريخه الملآنة فوائد الجامعة شتات أخبار هذه البلاد. وما كانت تقلبات الأحوال لتمنعه عن الكد والعمل حتى في المغاور والبراري التي كان يلجأ إليها. وجلّ عنايته كان بإقامة رؤساء مزدانين بالعلم والفضائل الإكليركية وكان يرسلهم إلى الرعايا في كل سنة ليوزعوا كنوز الأسرار والتعليم ويبثوا فيها روح الإنجيل الطاهر. فهم هم الذين حفظوا الطائفة في نقاوة السيرة وسلامة القلب وبرارة الاعمال وزرعوا فيها المبادئ القويمة والعلوم الصحيحة وإذا كانت الأمم تشيد تماثيل للذين زادوا ثروتها المادية أو كشفوا عن أسرار الطبيعة أو نشروا آثار الأجيال الغابرة شكرًا لأفضالهم وتنشيطًا للخلف فأي شكر يليق برجل كالبطريرك إسطفان الذي أغناها بمعارفه ورفع عن عقولنا برقع الجهل وعلمنا الأسرار الإلهية وأقام من قبر النسيان تواريخنا وناضل عن شرف اعتقادنا وردّ عنا سهم الاخصام. فيحق علينا أن نرفع له تمثالاً في قلوبنا وكره دائمًا في مقدمة آبائنا الذين علمونا كيف نكون أبناء الله.

 

إنّ أكبر مناقب الرؤساء المتولين تدبير الشعوب هي علم الناس وتمييز الأشخاص. وعظام الدنيا كانوا عظامًا برجالهم وحاشيتهم لأن كل ما يعمله الجندي ينسب إلى قائده وكل ما يأتيه المرؤوس يعود على الرئيس بالثناء أو الذم. وبهذا أيضًا كان الدويهي كبيرًا لأن أكبر علماء الطائفة وأجلّ أحبارها اماانه عرفهم ونشطهم أو رباهم وقدمهم أو رقاهم وكافأهم. فهذا مرهج بن نمرون الباني يقر في كتبه بما تفضل عليه به الدويهي من الفوائد وافرشادات وقد تركه في رومة العظمى يدافع ويناضل عن الطائفة (4).

 

وهذا بطرس بن مخلوف الغسطاوي أخذه كاتبًا في الكرسي البطريركي ثم رقاه إلى الأسقفية على كرسي قبرس وكان مساعدًا له في تأسيس الأديار وتهذيب الكتيب الطقسية.

 

وهذا يوسف شمعون الحصروني الذي تقلد اليازجية في عهد البطريرك جرجس ثم أنقذه البطريرك إسطفان إلى رومة وسامه أسقفًا على مدينة طرابلس فخدم الكرسي والطائفة بكل نشاط وتجرّد ومات غنيًا بالأعمال الصالحة ونال جزاء أتعابه مع الرعاة الصالحين.

 

وهذا بطرس التولوي كاروز مدينة حلب الفيلسوف الماهر واللاهوتي المحقق أفاد الطائفة والمشرق بعلومه وتآليفه وسعيه في الخير وتتلمذ له جبرائيل فرحات وكثيرون غيره من الذين نهتدي بنور معارفهم إلى يومنا هذا.

 

وهذا بطرس بن مبارك الغسطاوي العلامة الفاضل الذي اشتهر بين جهابذة المغرب بمعارفه وأسس للطائفة مدرسة عينطورا الإكليركية وأوقف عليها كل ما جمع في غربته.

 

وهذا يعقوب ابن الخوري يوحنا عواد الحصروني الذي خدم الكرسي بصفة كاتب ولأجل ذكائه وحكمته ورشاقة عبارته رقاه الدويهي إلى البرديوطية ثم إلى الأسقفية على مدينة طرابلس وكان ذا همة كبيرة حتى ان الدويهي قال عنه انه جاهد قدامه جهاد الأبطال.

 

وكم غيرهم من الأحبار الصالحين لا يسعنا إطالة الكلام عنهم كجبرائيل البلوزاني مطران حلب الذي خلف الدويهي في البطريركية وجرجس حبقوق البشعلاني مطران العاقورا قدوة الفضل والنزاهة. وبولس الدويهي مطران غهدن الذي اقتفى آثار نسيبه في عمل الخير وتبعه إلى منفاه في الشوف. ويوسف مبارك الريفوني مطران صيدا الذي ترك العالم وترهب مع والده وإخوته في دير مار سركيس ريفون ونشر بنود العيشة النسكية واجتهد في جمع الكتب ونسخها. وجرجس بن عبيد الإهدني الذي خلف المطران بولس على كرسي إهدن وعكف على الوعظ وإرشاد الرعية وصار قدوة الصلاح. وغيرهم كثيرون.

 

وكان من عادته أن يستدعي لخدمة الكرسي البطريركي كهنة أفاضل وعلماء من تلامذة رومة وكان يرقيهم إلى أعلى الرتب عارفًا بذلك أتعابهم وخدمهم ومعلنًا تعلقه الشديد بالمدرسة الرومانية أمه وأمهم تنشيطًا لغيرهم على الاجتهاد في القتباس العلوم لئلا تخيب آمال الطائفة بهم. فمن الذين قاموا بخدمته الخوري يوسف شمعون الحصروني الذي تقدم ذكره ويعقوب عواد الحصروني ويوسف بن اسكندر القرطبي والياس عواد الحصروني (5).

 

فيعقوب ابن الخوري يوحنا عواد ذهب إلى المدرسة سنة 1670 وهو ابن عشر سنين وبعد أن أتم دروسه رجع إلى لبنان مع باخس الدويهي الإهدني سنة 1682. ووجدت في كتابة أخرى انه رجع في منتصف آذار مع الشماس انطون الهدناني والياس بن جبرائيل البشراني وأخذ يعلم الأولاد في حصرون إلى أن رقاه الدويهي في سنة 1685 في اليوم التاسع من شباط إلى القسوسية على مذبح كنيسة مار لابا حصرون. وفي السنة المذكورة أرسله الدويهي إلى رومة ومعه ستة أولاد للمدرسة ورجع منها في أوائل كانون الأول من السنة عينها فدعاه الدويهي إليه وعينه كاتبًا ثم رقاه إلى البرديوطية على دير قنوبين في 19 تموز سنة 1693 وإلى الاسقفية على كرسي طرابلس في اليوم السادس من تموز سنة 1693 وإلى الأسقفية على كرسي طرابلس في اليوم السادس من تموز سنة 1698 بعد وفاة المطران يوسف شمعون. وكان حسن الخط في السريانية كما تشهد بذلك الكتب التي نسخها (6) بيده فصيح العبارة في الإنشاء العربي نظرًا إلى هاتيك الأيام. قال عنه نسيباه سمعان عواد ويوسف شمعون السمعاني في كتابهما عن البطاركة انه كان من أعزّ أصدقاء البطريرك مار إسطفانس وان البطرك المذكور ما كان ليفعل شيئًتا بدون مشورته وانه كان رفيقه في كل الشدائد والبلايا. وقال لكيان في كتابه المشرق المسيحي المجلد الثالث منه في معرض كلامه عن بطاركة الموارنة مسندًا روايته إلى ما أخبره بعض أبناء الطائفة وإلى ما كتبه أحد الافرنج القاطنين طرابلس انه كان متوسط العلم لم يستفد كثيرًا من إقامته في رومة غير انه سبق غيره في تسوية الخلف وحل المشكلات وبرع بالمراسلات في اللغة العربية وكان طويل الباع في السياسة محب المجد العالمي (7).

 

وقد يسوغ لنا أن نفضل شهادة الدويهي على رواية لكيان ونرفض ما قاله بحق يعقوب عواد الذي كتب عنه البطريرك إسطفان انه: جاهد قدامنا جهاد الأبطال في اليازجية ونسخ الكتب وإرشاد الرعية التي تسلمها (8) : والمطران يعقوب عواد المذكور ارتقى السدة البطريركية بعد البطريرك جبرائيل البلوزاني ووقع في أيامه الاختلاف بين الرؤساء والطائفة إلى غير ذلك من الحوادث التي لا محل لذكرها الآن.

 

أما يوسف بن اسكندر القرطبي فذهب أيضًا إلى رومة سنة 1670 مع يعقوب عواد وكان عمره وقتئذ اثنتي عشرة سنة. وكان رجوعه إلى لبنان مع جرجس بن سركيس عبيد الإهدني سنة 1683. وحال رجوعه عيّنه البطرك إسطفان كاتبًا لأسراره وسامه قسيسًا على مذبح سيدة قنوبين في التاسع والعشرين من حزيران سنة 1687. الا انه لم يطل الله عمره وخطفه الوباء في اليوم العشرين من ايار سنة 1693 وترك ذكرًا طيبًا في الكرسي البطريركي لأنه كان مطيعًا لين العريكة طاهر الذيل. وبعد وفاته بقي الخوري يعقوب عواد في اليازجية إلى أن صار مطرانًا على طرابلس ثم رجع من رومة الياس شمعون ابن الخوري يعقوب عواد الحصروني (غير كاتب أسرار البطرك) الذي كان ذهب إلى المدرسة الرومانية سنة 1685 في شهر أيار وعاد منها سنة 1697 فسامه الدويهي قسًا على كنيسة السيدة في حصرون (وفي رواية أخرى على كنيسة مار لابي). وسنة 1700 رقاه إلى درجة البرديوطية وأرسله إلى رومة لقضاء بعض مصالح الكرسي ثم إلى فرنسة لأجل تحديد الحماية له ولطائفته والتمس من ملكها التوسط لدى الباب العالي حتى يكون جبل لبنان تابعًا لولاية دمشق وذلك لينجو سكانه من الظلم الذي كان أوقعه بهم ابن علم الدين اليمني الذي اغتصب الحكم بعد الأمير أحمد معن.

 

ومما يجدر بنا ذكره تصرف الدويهي في الرعية وسهره على نجاحها وتقدمها في الروحيات وقد قلنا في مكان آخر كيف ان الطائفة كلها كانت تحت تدبير البطريرك وكيف أنّ المطارنة والأساقفة كانوا معاونين للبطريرك ليس إلاّ وهو كان يرسلهم كل عام ليتفقدوا شؤون الرعية ويوزّعوا الأسرار المقدذسة فكان ينظر الأماكن الأكثر احتياجًا ويرسل إليها رعاة غيورين وكهنة أفاضل يكل إليهم رعايا النفوس وتعليم الشعب. وكان ينتظر بفرح قدوم الكهنة الراجعين من مدرسة رومة ويوزعهم على القرى الأشد احتياجًا إلى تعليمهم ومعارفهم لوجودها بقرب الطوائف المشاقة وبين الأمم المختلفة. وكانت حكمته وغيرته على إنجاح الطائفة تميل به إلى جهات كسروان والشوف حيث كان الموارنة قليلي العدد وقد حذا حذوه خلفاؤه في الكرسي الانطاكي وذلك انهم لما رأوا الطائفة متكاثرة في مهدها أي في المقاطعات الشمالية بذلوا عنايتهم بنشرها في بقية المقاطعات البعيدة وصرفوا جهدهم إلى تعزيزها والحوادث التي جرت مذ ذاك العهد أظهرت إصابة رأيهم وحكمة تدبيرهم. والذي ساعدهم على إجراء ذلك ما كان عليه الأمراء المعنيون من الحلم والعدل والميل إلى الموارنة إذ رأوهم خبيرين بحراثة الأرض لا يبالون بالأتعاب ولا يهولهم هائل وخبروا أمانتهم وعدم تقلبهم مع انقلاب الأحوال والظروف. والله عزّ وجلّ بعنايته الأبوية دبّر كل شيء ومهّد الصعوبات بتقدم الأسرة الخازنية ونفوذها عند الحكام والشعوب.

 

قلنا أنّ الدويهي كان ينتظر بفروغ صبر ويقتبل بفرح عظيم تلامذة رومة وفي هذا المقام نثني أطيب الثناء على هؤلاء التلامذة إحياء لذكرهم وإقرارًا بفضلهم على الطائفة جميعها ليس فقط بتآليفهم التي ملآوا منها المكاتب وخلدوا بها لذاتهم وللموارنة ذكرًا يردّده العلماء بالثناء والشكر بل أيضًا وخصوصًا بأعمالهم الكهنوتية وطهارة سيرتهم وغيرتهم. فهم الذين رفعوا الإكليروس الماروني إلى المنزلة التي هو فيها الآن وإلى الاعتبار الذي حازه ولم تزعزعه صروف الدهر وطوارقه. ومما يستوجب الذكر في تصرفهم هو أنّ الكثيرين منهم كانوا يأخذون من مركز التمدن المسيحي ومنبع العلم شهادة الملافنة ويحرزون قصبات السبق على أقرانهم وعند رجوعهم إلى وطنهم كانوا يتسابقون إلى المراكز التي يستصغرها الناس وهي عند الله وفي اعتبار أهل الدين كبيرة. ويخدمون القرى الحقيرة منيرين بضوء علمهم سذاجة الشعب كاشفين باشعة معارفهم غيوم الجهل عن قلبه وبصيرته عاملين بقول المخلص: "إنّ حبة الحنطة إن لم تقع وتمت في الأرض تبقى مفردة وإذا ماتت أتت بثمار كثيرة". فبالحقيقة عن مثلهم يخجلنا ونزاهتهم عن الزمنيات تشجبنا وعظامهم الرميمة فتكون خصمنا يوم الدين. فكم من الإكليركيين إذا جلسوا على أخشاب أصغر المدارس وحصلوا من الكتب معرفة رفع الفاعل ونصب المفعول يحتقرون خدمة النفوس ومشاركة ابن الله في فداء العالم بل كم منهم لا يستكبرون لذاتهم رتبة ولا مقامًا دنيويًا أو كنائسيًا لجهلهم مقدار أنفسهم وحد معارفهم.

 

فلأجل الاستعدادات الحسنة التي كان عليها تلامذة رومة كان البطريرك إسطفان يحب لامدرسة حبًا جزيلاً ولا يدع فرصة إلا ويغتنمها لحث التلامذة على الجد في سبيل العلم ليستفيدوا ويفيدوا. قال البطرك سمعان عواد انه كان يعتني بهم ويدربهم ولا يحتمل من يؤذيهم ومن كان يمسهم كان كم يمس حدقة عينه ولهذا غلب عليه لقب "أميمة" تلاميذ رومة. فأقام منهم أربعة مطارين أي بطرس مخلوف ويوسف شمعون وجرجس بنيامين ويعقوب عواد كما ذكرنا. وعرض الأسقفية على غيرهم فأبوا. وكتب إلى تلاميذ المدرسة كتابات عديدة يحرضهم على الدرس ويعدهم بمحبته وتكريمه لهم إذا أفلحوا. ومن هذه الرسالات حفظ لنا البطريرك سمعان (9) الكتابتين الآتي ذكرهما:

 

"الحقير إسطفانس بطرس الانطاكي.

 

أيها الأولاد الأحباء البركة والسلام لكم

 

يعلم الله أبو ربنا يسوع المسيح ان قصدنا دائمًا استماع أخباركم المسرة وسعيكم في اكتساب العلوم وحفظ شريعة الله المقدسة. ومعلومكم انكم ما تغربتم عن اوطانكم إلاّ رغبة في العلوم وحفظ شريعة الله المقدسة. ومعلومكم أنكم ما تغربتم عن أوطانكم إلاّ رغبة في العلوم الإلهية وسائر الرياضات الروحية لأن سفر الأبحار وكرور الشهور والمشقة الشديدة والغربة البعيدة يطلبون فحصًا جهيدًا ودرسًا فريدًا لتكون النهاية حسب البداية والنتيجة الناجحة ضمن المقدمات الفالحة. فإذا كنتم منذ نعومة أظفاركم فضلتم اكتساب العلوم على الأهل والآباء وذلك من قبل ذوقكم إياه وقدمتموه على كل رياضة عالمية فكم بالأحرى يجب عليكم الآن أن تبذلوا جهدكم على الحصول عليه وتسهروا هجعات الليل في مسامرته ومواظبته بعد بلوغكم إليه وذوقكم عذوبته الثمينة وكما ان الشجرة المغروسة على مجاري المياه تستحي أن تبخل في الثمر والأرض الجيدة التي تقبل المطر البكّير واللقّيس ما يمكن انها تشحّ بالغلة هكذا أنتم المقيمون على مجرى العلوم وتقبلون الدرس صباحًا ومساء أملنا بكم أن كل يوم تزدادون علمًا وعملاً وهكذا نحن نتعهد لكم بأجل المراتب عندما تعودون إلينا بالسلامة موقرين بالعلوم والفضائل. وأما التلميذ الكسلان الذي قضى زمان اعلوم بالكسل والتواني والإهمال فبأي نوع يقدر أن يواجهنا وبأي مجازاة نجازيه إلا حسب قوله تعالى: من له يعطى ومن ليس له يؤخذ ما له: فالمراد منكم يا أولادي الأحباء أن لا تتهاملوا في النعمة التي أعطيتموها من الله ولا تستخفوا بما دعيتم إليه لأن الرب انتخبكم من بين ألوف ونقلكم إلى ما بين العلماء واجل الصفوف وكفاكم من سائر الامور والحاجات لتزينوا نفوسكم بربح الفضائل والصالحات لتفيدوا قريبكم بعلمكم وعملكم. ونحن نعلم أن الطريق لا تخلو من صعوبة او امتحان وتعلمون أن حياة الإنسان على وجه الأرض حرب ولا فضيل إلا بعد الصبر الجميل ولا يكلّل إلا من جاهد على ما في السنّة والذهب مهما زاد تكرارًا في النار يزيد بهاؤه وأنتم تعبكم راحة على غيركم. فنحرضكم بالأكثر على المحبة لبعضكم البعض والطاعة لرؤسائكم ونعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم وتعطيكم فهمًا ثاقبًا وعلمًا وعملاً آمين".

 

وكاتبه أخوكم القس يوسف القرطبي يهيديكم السلام."

 

أما الرسالة الثانية فهذا نصها:

 

"أيها الأولاد الأكرمون

 

انه ما خفي عن علمكم أن الحصاد كثير والفعلة قليلون وما غربناكم عن أهلكم وبلدانكم ولا بعثنا بكم إلى بلدان بعيدة برًا وبحرًا إلا لتتعلموا العلوم الإلهية وترجعوا تفيدوا غيركم وتتاجروا بالوزنات لتنالوا ضعف أرباحها لأن الشرق مفتقر لمن يعلمهم ثم ويهذبهم ويعزيهم على قبول الاضطهادات الواردة من قبل عبوديتهم وفي ملازمة عبادة الله مجملاًَ. ولهذا فكل تلميذ يدخل المدرسة فهو ملتزم أن يجتهد بكل نشاط عل حفظ ما يلتزم به نظرًا إلى نية أصحاب الكرسي الرسولي مؤسسي المدارس وواقفي الأوقاف نظرًا إلى فائدة القريب. فمن تماهل بما دعي إليه فليلقَ في الظلمة البرانية. ولهذا ننصحكم يا أولادنا المباركون بألا تضيعوا الزمان بالكسل ولا تزدروا بدرجتكم التي دعيتم إليها لأنها تضاهي درجة الرسل الأطهار الذين نخبهم السيد لينذروا العالم بأسره. وأنتم فإن الله انتخبكم على يدنا حتى ترجعوا وتتلمذوا القريب وتهدوهم بمواعظكم وخدمتكم لهم بأسرار الله حتى إذا جاء رب البيت ورآكم موجودين بمنح طعام الحياة يعطيكم ما وعدكم به شبه الأنصار الأطهار الذين وعدهم أن يجلسوا على اثني عشر كرسيًا. وأما من كان كسلانًا وأهمل وزنة سيده ويلهو بأباطيل الدنيا بدل مهمات الروح فيشقيه كما وعد ويجعل حظه نار الأبد في الجحيم حيث البكاء والكلب الجهنمي أجارنا الله من ذلك. ونناشدكم بالرب أن توعوا لذاتكم وإياكم وتبديد الزمان بالباطل لأن الزمان غالي. وتلازموا الطاعة لمعلميكم ومدبريكم وتعتصموا مع بعضكم بعض بكمال الود وتواظبوا الاعتراف النقي وأخذ جسد الرب بنية صالحة وتجدّوا بطلب الفضائل وطلب العلوم لتستفيدوا ثم تفيدوا الغير. والذي يبلغ ما ذكرنا ويسمع كلامنا فالرب يزيده نعمة وخيرًا وله عندنا أجل الكرامات والذي دعاكم إلى ما أنتم به فهو تعالى يعطيكم النعمة اللازمة لكم. تعلمون ذلك ونخصكم بسلام الرب". اهـ.

 

أثبتنا هاتين الرسالتين بحروفهما كالعادة رغمًا عما فيهما من الاختلال في الألفاظ والتركيب.

 

ولأجل حبه الأبوي لمدرسة رومة الصادر عن محبته للطائفة كلها اعتنى بكتابة تراجم تلامذتها من حين تأسيسها وعب جدًا في جمع أهم الحوادث التي تخص كلاً منهم وهذا التأليف لم تحترمه أيدي الضياع كما سنوضحه في موضع آخر عند الكلام عن تآليف صاحب الترجمة. وكان في كل فرصة يظهر حبه للأحداث الذين يضاهون سكان السماء بسلامة القلب ونقاته وملائكتهم تعاين دائمًا وجه الله كما أخبر سمعان عواد بقوله أنه كان ينصحهم ويحثهم على القراءة ومخافة الله وكثيرًا ما كان يصعد بنفسه إلى قلايته ويأتيهم بالعنب والثمار ولاحلويات ويؤانسهم ويأكل معهم (10). وقال أيضًا البطريرك سمعان عن نفسه: "وانا الحقير قد لحقني نصيب م نالهدايا المذكورة من يد قداسته وكان يحبني كثيرصا فطلعت دفعة لقلايته فوجدته يصنّف. فقال لي: وأنت متى تصير تصنف مثلي؟"

 

ومن بحث في سيرته وأخبار حياته وجد عنده الوداعة مقرونة بالشجاعة واللين بالقوة. فكان متضعًا اكثر من صغار حاشيته لكن إذا أظهر بين الشعوب كان يحفظ بكل أحاديثه وحركاته وتصرفاته مقام درجته السامية. ومع ما اتصف به من الحلم والشفقة والرحمة كان عادلاً لا يلتفت إلى أحد عند وجوب إجراء العدل والقيام بوظيفته فكان المظلومون يفدون إليه من شائر الجهات وهو يقتبلهم لا كالراعي بل كالأم الحنون ويقضي حاجات المساكين ويحامي عنهم إذا ظلموا خصوصًا إذا كانوا من الفقراء. قال البطرك سمعان عواد انه لما كان يجيئ إليه أحد الفلاحين كان يلاقيه إلى الباب ويجلسه على كرسي ويقدم له خمرًا بالكأس التي كان يشرب فيها. ويقضي مصالحه ويجبر كسر خاطره ولا يصرفه إلا مسرورًا. وذكر عن إنصافه وعدم أخذه بالوجوه ان اثنين من حلب رفعا إليه مرة أمرهما وكان الواحد وجيهًا في قومه غنيًا والآخر فقيرًا معوزًا وكان الفقير محقًا في دعواه فأوعز البطرك إلى خصمه أن يرفع عنه كل تعدّ أما هذا فوسوس له الشيطان أن يجرب البطريرك إسطفان ويقدم له دراهم. فغضب البطريرك وزجره قائلاً انه لا يخالف الحق ولو ملأ له الوادي ذهبصا. ويا له من وادٍ!

 

وما كانت تهزّه النوائب ولا تزعزع عزمه وشجاعته كما يشهد بذلك صبره على جميع النكبات التي جرت في أيامه على الكرسي والطائفة والله الذي يمتحن أصفياءه كما يمتحن الذهب بالنار سمح ان البعض من المطارنة والأساقفة نفسهم تآمروا عليه وأرادوا أن ينزلوه عن كرسي انطاكية وحملهم على ذلك الشيطان الذي يتنعم بإيقاع الشقاق حيث يجد الالفة وأطعمهم بحلم البطريرك إسطفان وقداسته. فكما أن القديسين دأبهم الصبر واحتمال نقائص القريب وما يلحقه بهم من الأذى هكذا الأشرار يأخذون فضيلة القديسين سبيلاً للطعن ولمضادتهم بدلاً من أن يحرّكهم مثل الصلاح إلى خوف الله والسير في سبله وطاعته. إلا أن الصبر والاحتمال يبطلان أن يكونا فضيلة إذا حلاّ محل الحزم حين يدعو إليه مقام المرء ووظيفته. والرجل السالك بموجب ضميره ودرجته لا يخالف المعاكسين ولا ينام للذين يتعدون الحكم والعدل.

 

فلما عرف الدويهي ما كان من المذكورين ضدّه أعلن عليهم وعلى كل من يقول برأيهم عقوبات الحرم وبشجاعته أطفأ الانشقاق. وما فعل ذلك حبًا بالرئاسة والسيادة لأنه أراد مرارصا التنزل عن البطريركية والاستقالة منها إلاّ أن الطائفة مانعته في ذلك. ولهذا السبب كان يتأوه كثيرًا ويتنهد قائلاً: إن البطريركية حمل ثقيل لا يعرف به غير الذي جرّب (11).

 

ونذكر لمن يريد أن يعرف عزم الدويهي وشجاعته أمام الحكام والرؤساء ومدافعته عن حقوق الطائفة والكرسي الرسالة الآتية التي كتبها إلى أحد أساقفته وكان الداعي أن أحد الأساقفة طلب من البطريرك إسطفان أن يسمح له بعشور إحدى الأبرشيات وتوسل بالمشايخ آل الخازن ظنًا منه أن شفاعتهم لا ترد غير ان الدويهي ما كان ليتساهل بحقوق الكرسيي فرد طلبه بهذه الكتابة وعلل واسهب عن طريقة تصرفه بكلام قوي وحجج سديدة وقد أحببنا إثبات هذه الرسالة سندًا لما قلناه عن استقامة الدويهي وشجاعته واحترامًا لحقيقة التاريخ وإليك نصها:

 

"وصل مكتوبك إلينا (12) وتذكر لنا ان كل الناس طلعت في شلّكم بسبب الأحوال الصائرة لأجل منع المطران جبرائيل والريفوني عن الرعايا وان حضرة المشايخ لهم عادة يتشفعوا وتقبل شفاعتهم عندنا وعند الذي سلفوا قبل منا في الكرسي. يا أخانا أشكر أخير النورية (العشور) لصاحب الكرسي والذي يخدم الكرسي له أن يدور في نوريته ويسعى في عماره والذي لا يخدم الكرسي ما له على الكرسي حق. ولا مطارنة هذا الزمان أجل من المطران اسحق (13) ولا من المطران مخائيل الحصروني (14) الذين كانوا علماء وصنفوا وطبعوا كتبًا وكانوا قاعدين بذاتهم من غير رعية. الذي مراده منا رعية يطلع يسكن كجاري العادة في مزارع بريسات وبلوزا وكفرزينا وسرعل ويقاتل عنا قدام المشايخ والحكام. واما انه ينقر ويطير ويعمل له عشيرة وينقل رزق قنوبين إلى برَّا وأنا أبقى اتقلى وحدي هذا الشيء لا يكون ولا عاقل يقوله. والمطران جبرائيل البلوزاني لما رسمه سالفنا (15) على حلب ما أرسله إلا بشرط انه ولو سكن في قنوبين ما يأخذ عشرًا ولا قطعة الفرد من النورية. والمذكور ما عاد يعوضنا منها لا ثلث ولا نصف. والمطران يوسفغ (مبارك) ما وقع بيده كتاب ام عدّة (بدلة) ام كاس ام غيره إلا وقشّه إلى ريفون. ولا خسر لقنوبين ثلاثمائة قرش حق بغال العواقرة ولا في العام الذي مضى خسرنا كيسين دراهم للدولة وغيرهم في روحتنا لبلاد لاشوف إلا المذكور وتحشيره في المشايخ. ولا أتعب قلبي في رسامة المطران الفرنجي (16) الا هو واخوه ولا عمال يتطاول على رعية غيره ولا يفتن بين المشايخ ويرسم قسوسًا ضد قوانين البيعة إلا هو دون غيره. وهو الذي قزّز نفوس المشايخ علينا وعن إعطاء النورية. ولكن ما هو عتبه (17) لأنه صار مربوطًا (مقيدًا) في غير موضع يلزم يهتم فيه. وتذكر لنا عن مشافعة المشايخ نعم ان لهم كل عزازة وكرامة ولكن في المعقول بحيث لا يصير ضرر للكرسي ولا حيف على البطرك. واليوم صاروا كلهم على على الكرسي وعلى البطرك في كل شيء حتى ان اخانا طالب النفع مني كذلك ابقى انتفع منه في عازاتي انا ايضًا. كان طلب المرحوم الشيخ ابو نادر (18) من البطرك (19) حتى يخلّي المطران الكرمسداني (20) يجني كسروان سنة لا غير وانا وانت وغيرنا وقع في يده الجواب لاذي بعثه إليه البطرك ملوء طلحية ويمانع عن ذلك ولا دخّله بلاد كسروان. وكذلك المرحوم الشيخ ابو نوفل كم مرة قال لي قدامك وقدام غيرك: سيدنا الكرسي كرسيك والأمر أمرك. متى ما وصل لك مني مكتوب شفاعة أن تحسّن برأيك كان الخير ماذا وإلاّ خزقه وافر بالذي جاء به. والمرحوم الشيخ ابو قانصوه (21) والشيخ ابو ناصيف (22) استقروا لنا كم مرة انه وصل لهم جرزات مكاتيب فينا من المطارين وما عملوا بهم بل كانوا يكتبون لنا: اعمل خلاصك. وأولادهم المشايخ بنفسهم كم مرة تعهدوا لنا أن لا يعارضونا لا في أمر مطارين ولا في رعايا ومكاتيبهم معنا. والآن بحماياتهم أقلقوا علينا كل الرعايا. وعوضًا عن أن يفرجوا علينا في ضيقتنا وفي البلوى التي نحن مقيمون فيها على علمك وعلم غيرك مرادهم يزيدونا تعب قلب. وكان جل مقصودنا نكون ساكنين في كسروان لكن ما مبعدنا إلا التحامل. حاصله يا أخانا حملة قنوبين لازمتني وضيقتها على كتافي فما يمكن أعطي نورية قنوبين إلا للذي يجيب كداده (ثمرة كدّه) ويسكن عندي. واما انه يجي ياكل ويشرب من قنوبين ويكون معلق في يدر ام في قرايب ام في اولاد هذا الشيء ما يمكن. هذا اول الكلام وآخره هو المرضي لنا ولكم وللمشايخ وللطائفة كلها قصدنا علمك. بعد تجديد البركة والسلام. لأن ما مرادنا إلا عمار الكرسي بل مصلحة نفسه ." أهـ (23).

 

هذا كلام الرعاة النشيطين وثبات جأش الحبار القديسين ومن تأمل بما في عباراته من الحزم والعزم مع سذاجة الألفاظ وتشوش التركيب اغتنىبتأمله عن اعتبار المؤرخ وشرح الكاتب.

 

ولدينا كتابة أخرى تعلن حكمة الدويهي في تدبير رعيته وتمسكه بقوانين البيعة المقدسة وتدقيقه في كي ما يمس درجته السامية والوديعة الروحية التي كان مؤتمنًا عليها. وهذه الكتابة بصورة منشور إلى الطائفة وتاريخها يكشف الستار عن الظروف التي صدرت فيها. لما كان في دير مار شليطا مقبس سنة 1683 هاربًا منجور حكام الجبة طالبًا الأمن والراحة بجوار مشائخ كسروان ألح عليه بعضهم كي يسيم لهم مطارنة فتجنبًا للأسباب التي من شأنها إيقاع الاضطراب في الطائفة رقى المطران يوسف بن مبارك أحد رهبان دير مار سركيس ريفون في اليوم السادس من حزيران فطمع البعض بتقديم غيره إلى هذه الدرجة ولعل قصدهم كان تعزيز الطائفة في تلك النواحي. وسعى أناس من الإكليركيين بالحصول عليها ودخل أوجه البلاد أعني المشائخ واسطةً بينهم وبين البطريرك ولأجل تلك الحالة اضطر البطريرك أن ينتقل إلى الشوف كما قلنا وقبل سفره الذي كان في أواخر شهر آب أي في الشهر الذي صار فيه وضع الأيدي على المطران يوسف مبارك المشار إليه أصدر البطريرك رسالة رعائية ينبه بها أفكار أبنائه إلى ما في السيمونية واختلاس الدرجات المقدسة من الاثم. فحلت هذه الكتابة محل التعليم للجهال والتنبيه للمتغفلين والتهديد للعصاة إن وجدوا. فلنسمع كلامه الطيب إذ من عادتنا أن ندعه يحادثنا ما أمكن.

 

ملاحظة: كتابة بالسريانية

 

"البركة الإلهية والنعمة السماوية تكون حالة على شعبنا ورعيتنا ذو كل قدر وقياس بوجه العموم.

 

أولاً مزيد كثرة الاشواق إلى رؤياكم بكل خير وعافية ونعمة من كرم الباري جزيلة وافية. وبعده ما خفي عن علمكمم بأن كل إنسان منا هو مركب من رومح ومن جسد فالجسد يتناسل من الجسد ويتدبر من ولاة هذا العالم وأما الروح فهي مخلوقة من الله وأمر انها تتدبر من الرؤساء الذين أقامهم بنعمته. ولن يقدر أحد ينال الكرامة لتدبير الأنفس إن لم يعط من العلا. كما تشهد التوراة عن هارون رأس الكهنة في العتيقة انه ما قدم نفسه للرئاسة بل قدمه الله الذي انتخبه على يد أخيه موسى. وكذلك في الجديدة بطرس الرسول ما أخذ رئاسة البيعة خطفًا بل استمدها م الذي قال له: أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي والسيد المسيح بنفسه ولو كان طبعه البشري متحدًا مع الطبع الإلهي بأقنوم واحد ما طلب المجد لنفسه ولا اثر بالخروج إلى البشارة حتى شهد له الله الآب من السماء قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا. ولأجل ذلك رسمت البيعة ان لا احد من ذاته يتقدم إلى الدرجات المقدسة كقول الرسول: ان ليس احد ينال الكرامة لنفسه الا ان يدعوه الله كما دعا لهارون. وهكذا السيد المسيح أيضًا لم يمجد نفسه ليكون رأس أحبار بل مجده الذي قاله له: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. وحكم السادات الرسل على كل من يبرطل أم يتحامل لينال درجات البيعة بالحرم إذ يقولون في القانون 28: ايما اسقف أو قس أو شماس اقتنى درجات الكهنوت بالمكائدة واعطاء رشوة دراهم حتنى صار كاهنًا فليقطه هو والذي سامه وينفوا البتة ويتجنب كلامهم كما تجنب بطرس سيمون الساحر. وفي القانون 29 يقولون: إذا استعان أسقف برؤساء هذا العالم وامتلك كنيسة من تحميلهم فليقطع ويطرد هو وكل من شاركه. ومجمع خلقيدونية سن في القانون الثاني أن كل أسقف يسيم قسًا أو شماسًا أو غيره في رشوة يحط عن كرامته والذي انسام تكون رسامته باطلة والذي تحمل له يحرم. وان كان من خدمة الكنيسة يعزل عن درجته. وإلى مثل ذلك المجامع المقدسة طعنت بالحرم كل من يدخل بالبراطيل أم بالتحميل إلى واحدة من درجات الكهنوت. والبابا بولس الخامس أرسل مكتوبًا مختصًا إلى شعبنا في زمان البطرك يوحنا ابن مخلوف ينذرهم به ويحذرهم عن مثل هذا الفعل الردي ويضع حرمًا قاطعًا وجرائم (24) بيعية على كل من يتحمل في الحكام أم يلزم البطريرك والذين يتخلفون بعده في رسامته أحد درجات الكنيسة وعلى كل من يعترضه في رعيته وعلى كل من يمنع له أو لمطارنته عن التصرف برئاستهم بما يخصهم ويشوا. لأجل ذلك نحن السالكين في اثارات الرسل والآباء القديسين وأوتمنا من الله تدبير شعبه وإرشاده ننذركم يا معشر أولادنا العزاز ونأمركم بأمر الطاعة أن تتجنبوا كل مكائدة وكل برطيل وكل تحميل في الرسامات ان كانت لذاتكم أم لغيركم لأن الله غيور على جماعته ويقاصر كل من يفتري على سلطان كهنته. وكل من لا يريد يعتبر يكون محرومًا مسخوطًا من الله ومن الرسل الأطهار ومن المجامع المقدسة ومن حقارتنا ويكون دم المسيح خصمه ونحن أبرياء من خطيته. وأما أهل الطاعة تكون بركة الرب ونعمته حالة عليهم ويكونوا أبرياء من كل مداينة. حرر ذلك في دير مار شليطا في 20 من شهر حزيران المبارك سنة 1683 للتجسد الإلهي."

 

هذا ما نعلمه من سهر الدويهي على أبنائه ومن رعايته للخراف وللنعاج التي استلم تدبيرها من الراعي العظيم سيد وخالق الكل. ويسوغ للكاتب أن يصفه بأحسن الصفات ويحلي ذكره بكل مناقب الرعاة الصالحين آمنًا من الغلو والغلط إلا اننا تمسكًا بالحقيقة وبقوانين التاريخ الصحيح لم نثبت إلا ما وجدناه في المخطوطات القديمة التي تركها لنا معاصروه الذين عرفوه وسمعوه بآذانهم ونظروه بأعينهم وترنموا بمديحه مع ما كانوا عليه من الضن بالكتابة تأدبًا وتنسكًا.

 

وفي نهاية هذا الفصل نورد ما قاله البطريرك سمعان عواد عن اجتهاده في خير ابنائه الروحي وقيامه بحق وظيفته المقدسة وإليك كلامه بحروفه: "كان (الدويهي) غيورًا جدًا في الأمور الروحانية وكان يأدب الكهنة حين كان يعرف أنهم متكاسلون في الأمور الكنائسية ولا يرعون شعبهم كما يجب ويليق. وبخلاف ذلك من كان يتعب ويكد في خلاص شعب رعيته وذا سيرة حميدة كان هو نفسه يمضي ويدفنه بيديه عند مماته ويشرفه بحضوره وبحضور كل مطارنته وأساقفته ويقيم من أجله صلوات وقداديس وغير أمور صالحة مفيدة لنفسه". ويردف كلامه بهذه العبارة: "ومنع كل الكهنة والإكليركيين عن تدخين التتن وما كان يطيق أحدًا يشربه أمامهه ومن كان يتجاسر على ذلك كان يعاقبه بالملائم البيعية ويدعوه محرومًا من الله ومنه" (25).

 

وفي ختام هذا الفصل نختصر وصف حب الدويهي للطايفة وغيرته عليها بما قاله سمعان عواد مترجم حياته من انه كان يحب طائفته حبًا يفوق كل حد حتى انهما كان يبالي بحياته لأجلها وكان مستعدًا في كل وقت أن يقدم عنقه للسيف إذا اقتضت مصلحتها وخيرها. ولما زرت مغارة القديسة مارينا حيث وضع جسده الطاهر خلتني اسمعه يقول ما قاله أحد خلفائه: إذا كانت عظامي تفيد الطائفة شيئًا فخذوها من قبري (26).

 

المراجع:

 

(1) وربما دل بهذا العدد على كلّ رهبان الوادي المقدس والأديار المجاورة. راجع خبر رحلته ووصف دير قنوبين.

 

(2) إنّ هذا الأمر الشاهاني وغيره من الفرمانات الملوكانية المحفوظة في الكرسي البطريركي توضح أن الدولة العلية وسلاطينها اعتبروا دائمًا الطائفة المارونية من أخص رعاياهم في هذه الديار وعرفوا بطركها ومطارنتها بدرجاتهم المختلفة ووضعوهم بكتابات متعددة في ظل حماية خصوصية دافعين عنهم أذى الغريب والقريب معلنين بكل ذلك صدق إخلاصهم وثبات تعلقهم بالعرش الهمايوني. اقتضى بيانه هنا تذكيرًا لقوم ينصفون.

 

(3) وقد أمر غبطة بطريركنا المبجل مار الياس بطرس الحويك بتنظيم سجل جديد جمعت فيه صكوك أرزاق الكرسي البطريركي من القديم حتى يومنا هذا.

 

(4) ومرهج هذا كان ابن مخائيل نمرون من بان دخل المدرسة سنة 1640 وهو ابن خمس عشرة سنة ورجع إلى لبنان مع الخوري مخائيل الحصروني الذي جاء بالتثبيت للبطريرك يوحنا الصفراوي سنة 1649. وكان البطريرك في بكفيا فرقاه إلى القسوسية وبعد مدة جعله وكيل الكرسي الانطاكي في رومة فبذل جهده في خدمة الطائفة. قال الدويهي وكان طويل النظر رزين العقل واستمال إلى محبته أصحاب البلاط الروماني وأقيم معلمًا للغات الشرقية وتوفي سنة 1712 أو في أواخر 1711 وصنف كتابًا في أصل الملة المارونية وصحة إيمانها وكتاب رد على آراء أصحاب البدع الغربيين من تآليف وشهادات الشرقيين. ومقالة عن شجرة البن ونفع القهوة الخ. وكان له اخوان نقولا ويوحنا درسا في المدرسة الرومانية مثله.

 

(5) أي الياس شمعون وهو عم يوسف شمعون السمعاني.

 

(6) في خزانة البطريركية كتاب شرح التكريسات والشرطونية للدويهي بخط يعقوب عواد.

 

(7) راجع لكيان في الموضع المذكور.

 

(8) في تاريخ تلامذة رومية.

 

(9) وبما أنه كتب ترجمة الدويهي وهو في رومة لا بد أنّه أخذها عن الأصل.

 

(10) إنّ الدويهي أقام مدرسة للمدعوين إلى الإكليركية في دير قنوبين وهذه المدرسة كانت في سيدة حوقا قبلاً ويظهر أنّ الدويهي نقلها إلى قنوبين في مدة بطركيته.

 

(11) عن البطرك سمعان عواد. والعجيب في كلّ ذلك أنّ الدويهي لم يشر إلى هذه الحوادث حتى ولا بالتلميح في كل متروكاته التاريخية.

 

(12) وجهت هذه الكتابة للمطران جرجس حبقوق الذي توفي في دير ريفون في الثالث من آب سنة 1703. والكلام فيها عن المطران جبرائيل البلوزاني والمطران يوسف مبارك الريفوني.

 

(13) يعني المطران اسحق الشدراوي الذي بعد أن درس في رومة اللغات الشرقية والغربية اقتبل الدرجات الصغار من يد جرجس عميرا مطران إهدن سنة 1619 وسيم قسًا وخوريًا على كنيسة بيروت في السنة التالية وكان اتخذ زوجة فلما توفيت في 25 آذار سنة 1629 أقيم أسقفًا على طرابلس في عهد البطريرك يوحنا مخلوف الإهدني. وقضى نحبه سنة 1663 في جبيل ودفن في كنيسة مار يعقوب المقطع التي في سهل جبيل ومن أولاده الشدياق يعقوب الذي تزوج وسكن مدينة طرابلس ومن أولاد الشدياق الخواجه طربيه الذي كان ترجمان قنصلاتو فرنسة في المدينة المنوه بها وسلالته إلى الآن في طرابلس وعين سبعل وأيطو وضهر صفرا ومنها المطران اسحق الثاني الذي لبس الإسكيم الرهباني في 28 تشرين الثاني سنة 1736 في الرهبنة اللبنانية باسم طوبيا ثم سامه البطريرك سمعان عواد أسقفًا وقلده الوكالة في الكرسي البطريركي. راجع المكتبة الشرقية مجلد 1 ص 552.

 

(14) وهو مخائيل بن سعاه الحصروني.

 

(15) البطريرك جرجس البسبعلي.

 

(16) هو البادري يوليانس راميرس الذي سامه الدويهي مطرانًا على صور سنة 1691.

 

(17) معاتبة.

 

(18) هو خازن بن صقر بن ابرهيم الخازن كاخية الامير فخر الدين المعني وكانت وفاته في أول تموز سنة 1647.

 

(19) البطرك يوسف حليب العاقوري.

 

(20) المطران يوسف ابن عميمه من قرية كرمسده الذي رقاه البطرك يوسف حليب إلى رئاسة كرسي دمشق سنة 1644 وتوفي سنة 1653.

 

(21) وهو فياض كبير أولاد أبي نوفل من امرأته الثانية.

 

(22) هو نوفل ويعرف بالثاني لأن نوفل الأول مات بالزلزالة في قلعة سمار جبيل.

 

(23) صورة هذا الكتاب محفوظة في خزانة الكرسي وفي السجل. مجلد 2.

 

(24) عقوبات.

 

(25) وسبب ذلك كما لا يخفى على القاري اللبيب أنّ التبغ كان إذ ذاك في أول إدخاله إلى هاته البلاد وكان الأوربيون وقتئذ يحتقرون من يدخن كما نحتقر الحشاشين في هذه الأيام وكان للمدخنين محلات خصوصية يترددون إليها ويتنعمون في حماها بلذة التبغ ودخانه وإلى يومنا هذا يمتنع عموم الإكليركيين في أوربا عن التدخين محافظة على كرامتهم في أعين الشعب. ثم أخذ الافرنج يستنشقون مسحوقه وانتشرت هذه العادة بين الملوك وأكابر البلاد. وإذ كان هذا التنشيق يعتبر في بادئ الأمر نوعًا من اللذات كاد الكرسي الرسولي يمنع تثبيت القديس منصور دي بول لاتباعه في ذلك عادة معاصريه. ومع الأيام أبيح للجميع التدخين وصرنا إلى ما نحن عليه ويا ليتنا لم نفرط في ذلك.

 

(26) كلام السعيد الذكر البطرك يوحنا الحاج.

 

الفصل التاسع

 

في تأسيس الرهبنة اللبنانية

 

اعلم أن السيرة الرهبانية لم تنقطع في هذه البلاد منذ الأجيال الأولى للنصرانية أي من عهد ظهور النساك الأقدمين الذين أسسوا المناسك والأديار اقتداء بأبي الرهبان وكوكب البرية القديس انطونيوس الكبير فإن النساك والمتوحدين لم يفصلهم عن صوامعهم لا الجوع ولا البرد ولا السيف ولم يذلل عددهم تشتيت شمل المسيحيين ونكباتهم وفتك الكفار بهم بل اضحت القفار والجبال في سورية ديرًا عظيمًا وفردوسصا أرضيًا فيه الرهبان كالملائكة السماويين يرتلون بدون انقطاع ويخبرون بعجائب رب العالمين. وما فتئ عددهم يزداد يومًا فيومًا وهذاالزرع ينمو ويطول إلى أن جاء المحال وبذر الزوان في حقل رب البيت وذلك عندما انشق النصارى الشرقيون عن بيعة الله الجامعة فذبلت حينئذ زهرة الرهبان المقدسة وانتشرت أوراقها كما ذكر جرمانس فرحات في مقدمته علىتاريخ الرهبانية. فحاد بعض الرهبان عن الإيمان المستقيم والبعض عدموا النظام الرهباني وتوانى الرؤساء وتغافلوا عن منهج الكمال وأمست أديارهم مأوى الجهل والكسل بعد أن كانت مركز العلم وقدوة النشاط. الا ان الله ما شاء اضمحلال هذه الرهبانية بالكلية بل أبقى له بقية لم تجث ركبها للبعل وهو ان الأمة المارونية ثبتت وحدها في الشرق متحدة بالكنيسة الجامعة الرومانية وما غيرت حسن اعتقادها بل ثبتت بين شوك الاراطقة والمشاقين تنادي: أمانة الكنيسة الجامعة أمانتي. وما أمكن الضيقات والاضطهادات الثائرة عليها من أعداء الدين والإيمان أن تثنيها عن سديد اعتقادها المستقيم وثباتها على الحق. فثبتت هذه الرهبانية مزهرة في بنيها مخصبة في أديرتها. ولكن كل دير قائمًا بذاته له عوائد تخصه ورئيس خاص به لا يشترك دير بدير وبهذا النوع كان نمو هذه الرهبنة الشريفة وجيزًا في أولادها (1).

 

وقبل ان يفكر أحد بضم هذه الأديرة المتفرقة تحت نظام واحد ورئيس واحد سعى رؤساء الطائفة منذ القديم في تكثيرها ونشرها في كل نواحي هذا الجبل المقدس حسب أحكام الظرزف والأيام. وكان مزكز النسك حتى أوائل القرن السابع عشر في الوادي المقدس حيث شقوق الصخور كلها مناسك ورؤس التلال كلها صوامع ومغاور الأرض كلها كنائس. وأكثر الأديار التي أقيمت خارجًا عنه انما كانت مسكنًا للبطاركة وللأساقفة. ولما انتشر الأمن وعم الجبل كله أخذ بعض الأتقياء ونفر من تلامذة رومة يبنون أديارًا جديدة خارجًا عن الوادي المقدس وفي مزارع كسروان حتى وفي الشوف بين الأمم وصارت أديارهم كحصون للدين يجتمع في ظلها أبناء الطائفة الذين اضطرهم الاضطهاد وضيق المكان إلى هجر أوطانهم والسير إلى أوطان جديدة بين الأمم المختلفة والأديان المتنوعة. وكان الرؤساء ينشطون الشارعين بأعمال كهذه ناظرين مستقبل الأيام. ولئلا نطيل الكلام في هذا الشأن نقول ان البطرك إسطفان لم يأل جهدًا في هذا المعنى بل كان يحث الجميع على الاهتمام بهذا الأمر ويحركهم بمثله. فمن الأديار التي عني بتأسيسها أو بتجديدها نذكر دير ماري عبدا على نهر الكلب الذي يعرف بالمشمر. ودير ماري شليطا مقبس وقد سبق الكلام عنهما. ثم في التشارين سنة 1690 جدد دير مار سركيس راس النهر في إهدن وكان رممه قبل ذلك المطران بولس الدويهي وعاد بناؤه. ثم رفع إلى المطرنية نسيبه القس جبرائيل الدويهي ووكل إليه تدبير الدير المذكور ورئاسته. وقد ترك لنا الدويهي خبر ذلك على كتاب قديم العهد يشتمل على الأناجيل الأربعة ووقع عليه اسمه وختمه(2). وكذلك في سنة 1691 عندما ترهب أبو مخائيل انطانيوس من أصنون أخذ الدويهي بيده وبنى له دير مرت مورا (3). ثم حدث في اثناء ذلك ان سقط حائط سيدة حوقا (4) البراني فأصلحه، وسنة 1695 ادعى بيت عميرا ببساتين مار سركيس راس النهر التي في أرض زغرتا فدفع لهم من ماله وحرر أرزاق الدير المذكور (5). وفي سنة 1697 كرّس دير ماري انطونيوس قزحيا ومنه صعد إلى دير مار مخائيل شاريّا وكرس كنيسته (6). وقد مرّ الكلام عن القس ابرهيم الغزيري الذي ذهب إلى ريشميا حين حين كان الدويهي في مجدل معوش وبإشارته وتدبيره اهتم بتشييد دير مار يوحنا الذي أقامه من ماله أحد أهالي القرية المذكورة الشيخ ابو صابر. وفي حجة بناء الدير اللويزة يقول واقف الدير ومؤسسه القس اغناطيوس سلهب: نذرت على نفسي ان (ها) لدير يكون مدرسة لعلم الأولاد من غني وفقير لحسنة بشور وتدبير سيدنا المرحوم المغفور له البطرك إسطفان الهدناني (7) ا هـ. ونخص بالذكر هنا دير مار انطونيوس عين ورقة. كان تأسيسه نحو سنة 1660م في المحل المعروف بالمشرح تحت المدرسة الحالية حيث الآن يوجد بعض أشجار زيتون. وكان أقام هناك الخروي خيرالله إسطفان كنيسة على اسم السيدة والدة الإله.

 

أما الخوري خيرالله المذكور فكان من قرية غسطا وترهب أولاً في دير ماري شليطا مقبس ثم خرج منه وبنى دير عين ورقة ورقاه البطريرك إسطفان إلى الأسقفية على كرسي العاقورة (وفي رواية على كرسي بيروت وهذا غير صحيح) في 12 تشرين الثاني سنة 1703 ودعي باسم جرجس (8) . وبعد أن أقام الخوري خيرالله كنيسة السيدة المشار إليها بعشرين سنة نقل الدير إلى حيث هو الآن وبنى كنيسة ثانية على اسم القديس مار انطونيوس الكبير وأتم بنيانها في سنة 1690 وحضر بعد ذلك البطريرك إسطفان الدويهي وكرسها وقال أمام الحاضرين: إن هذا الدير سوف يصير منه خير عظيم للطائفة المارونية. وقد دوّن ذلك في سجل تلك المدرسة الشهيرة السعيد الذكر المطران يوسف إسطفان (9) نقلاً عن أحد الشمامسة (10) الذي كان بخدمة الدويهي وصار كاهنًا فيما بعد وتوفي قبل تحويل الدير إلى مدرسة. وأخذ عن الشيخ إسطفان والشيخ انطانيوس ابنه ان هذا الكاهن يهذّ في هذا لادير حسب قول البطريرك ويقول: لا نعلم ما هذا الخير العظيم الذي سيصير من هذا الدير حسب قول البطريرك المذكور. وبعد إنشاء المدرسة وشهرتها تحقق عند المذكورين ان هذا القول كان بالهام الهي وأخبرا به. وكان تكريس كنيسة مار انطونيوس المذكورة يوم عيد الصليب 14 أيلول سنة 1698 (11) وكل يعلم كيف تمت نبوة البطرك إسطفان والخير العظيم الذي كانت ولم تزل مدرسة عين ورقة منبعه ومصدره.

 

ومن الأديار التي قامت بإيعاز بطريركنا المطوب الذكر دير مار جرجس الرومية ودير مار سركيس ريفون وهذا كان مطلاً قديمًا ويحتمل انه كان موضعه دير او كنيسة ما قبل خراب كسروان وهذا الدير كان تابعًا قرية عجلتون لأن قرية ريفون حديثة العهد. وكانت البلاد كلها بما فيها خاصة الأسرة الخازنية فقدم من بطحا القس سليمان ابن مبارك وأولاده وبعض أقربائه طالبين التكرس لخدمة الله فأطاعهم الشيخ ابو قانصوه الخازن المحل الذي قام فيه بسعيهم وعملهم الدير الشهير وقد تحوّل مدرسة طائفية سنة 1832 بعد أن صدر الحكم بالولاية عليه لعائلة بيت مبارك (12).

 

الا ان الحالة التي كانت عليها طغمة الرهبان المارونيين من انقسام القوى وتفرق السعي وقلة انضمام الرأي كان من شأنها ان تبقي السيرة الرهبانية بمعزل عن النجاح الأدبي والزمني وما كانت لترضي البطريرك الدويهي وقد رأى في أوربة نشاط الرهبان الافرنج وما ينتج عن اتحادهم من الخير في المناضلة عن الدين وتهذيب أخلاق الشعوب وبث المبادئ المستقيمة والجهاد في سبيل ناموس الله وحفظ طريق الكمال المسيحي. والحق يقال ان الرهبانيات سور دين المسيح وطليعة الجيوش النصرانية لأن ركن هذا الدين إنما هو التجرد عن كل شيء زائل والتمسك بصليب ابن الله واقتفاء آثاره لا السيف ولا القوة ولا المال فلولا وجود أشخاص يأخذون التجرد عن العالميات منهاجًا ويفكرون ليلاً ونهارًا بحفظ الوصايا والمشورات الإلهية ويجعلون هذيذهم في كمالات الخالق ليتشبهوا بها ما أمكنهم في الحيوة الآخرة لينالوها إكليلاً لجهادهم. لذهب الدين من عالمنا هذا الغارق بلجج الشهوات الفاسدة ولفترت المحبة في قلوب الكثيرين. وزد على ذلك ان الرهبانيات ليست فقط حظيرة خلاص لمن يلجأ إليها لكن بما ان الله أوصى كل إنسان بقريبه ولم يعفُ من وصية حب القريب أحدًا فكان على الرهبان والنساك أن يحفظوها ويحبوا القريب لأجل الله أو يحبوا الله في الإنسلان الذي هو على صورته ومثاله وأن يتجندوا لعمل الخير وينذروا الشعوب بالانكفاف عن المعصية ويحملوهم بأقوالهم وأمثالهم على الصلاح ويكونوا كما قال السيد له المجد نور العالم وملح الأرض. ومن المعلوم أن كل إنسان إذا تجند وتجرد لغاية مهما كانت وثبت في عزمه غير متزعزع فلا شك انه يبلغ آجلاً أو عاجلاً حيث لم تبلغ الآمال. فماذا يكون إذا أجمع كثيرون على رأي واتحدوا واتفقوا في التجرد والتجند وتشاطروا الأتعاب والأعمال. وقد تقول حكمة الشعوب في أمثالها ان القوة في الاتحاد. فلأجل هذه الأسباب وغيرها كان الرؤساء عمومًا وكثيرون من المتنورين الطالبين الإصلاح والنجاح يفكرون بضم الرهبان ليكونوا رهبانية واحدة تحت نظام واحد وكانوا يطلبون من الله أن يوقفهم إلى هذه الغاية لأنه بدونه لا يقدر أحد على شيء وعبثًا يبني البناؤون إن لم يأخذ هو بيدهم.

 

فلما أحب الله أن يضم هذه الأديرة المتفرقة لتكون الفائدة أقوى والنمو أسرع دعا من مدينة حلب ثلثة أشخاص متقين الله جدًا سالكين بموجب وصاياه مشهودًا لهم من كل عرفهم وكانوا مارونيين ذوي ثروة وحسب بالغين من العمر اشده اسم الاول منهم جبرائيل حوا (13) والثاني عبدالله (وروي عبد الأحد) قره ألي (14) والثالث يوسف بن بتن (15) فحركهم الله لما كان فيهم من البراعة والشجاعة إلى أن يجددوا رهبانية مار انطونيوس ويضعوا لها قوانين مأخوذة من تعاليم أبي النساك وأقوال آبائنا القديسين ويرتبطوا بقيد نذر ذي أربع حبائك وهي العفة والطاعة والفقر الاختياري والتواضع. وكان خروجهم من حلب سنة 1694 (16) في شهر شباط فزاروا القدس والأراضي المقدسة وتوجهوا إلى جبل لبنان مقر الأديار والنساك ومركز بطريرك الملة المارونية وكان يتقدمهم جبرائيل حوا وهو رجل عاقل ديّن غيور على إتمام ما قصدوه وخرجوا في طلبه فوصلوا إلى مدينة طرابلس وارتقوا منها إلى طور لبنان المقدس ودخلوا دير قنوبين حيث كان البطريرك إسطفان الدويهي وأطلعوه على قصدهم. فلما رآهم تهلل فرحًا وابتهجت نفسه السعيدة بابتهاج الروح القدس إذ نظرت عيناه ما كان يشتهي أن يرى وقوعه. ثم طافوا بلاد الجبة وجبيل وكسروان طالبين مثوى يوافق موقعه غايتهم ورجعوا أقاموا في الكرسي البطريركي في قنوبين يفحصون دعوتهم مهتدين بنور السيد البطريرك وينظرون في ما كان يقتضي عمله.

 

وفي اليوم العاشر من تشرين الثاني سنة 1695 لبسوا الإسكيم الملائكي من يد الدويهي على سبيل التجربة من غير نذر وأقاموا جبرائيل حوا رئيسًا عليهم وقطنوا دير مرت مورا حذا إهدن الذي كان كام الدويهي رممه سنة 1691 كما قلنا. فأفرغه لهم وزادوا عليه وتكلفوا دراهم غير قليلة وهكذا ملكوه (17). وذاع صيت فضيلتهم وقداستهم وصاروا بعبادتهم ومثلهم الصالح قدوة الكمال للمؤمنين ولغير المؤمنين وأخذت الناس تفد إليهم للترهب عندهم وللدخول في باب التوبة والخلاص الذي فتحوه فدخلوا وأدخلوا من شاء وعند ذلك جعل رئيسهم قسًا وشرعوا من ذالك الحين يجمعون لهم قانونًا من وصايا أبيهم أنطونيوس الكبير وتلاميذه. وفي هذه السنة أيضًا نذروا نذر الفقر بين يدي المطران جرجس يمين مطران إهدن (18) وتعاهدوا أن لا يتخصص أحد منهم بشيء ووقع المطران ختمه على معاهدتهم.

 

ثم شرعوا بترميم دير آخر على اسم القديس اليشاع النبي في الوادي المقدس تحت قرية بشراي وكان هذا الدير خرابصا وهو في الأصل محبسة حولها صوامع لا تحصى بعضها في أسفل الوادي والبعض معلقة في أعلى الصخور كعش النسور اختارها النساك منذ القديم مسكنًا وانقطعوا فيها عن العالم. ومن آثارها التي صبرت على كرور الأيام طبليت من المرمر الأسود وجده الرهبان في إحدى المحابس ونقلوه إلى كنيسة الدير وهو الان على مذبحها الكبير وعليه بالسريانية والحرف السطرنجيلي الأسماء التابعة: لان المطربوليط من ازمين معاملة حلب. اثاناس ابن اخي مار لاون. شمعون من قرية ازمين. يولينا الطبيب." ولم نعلم ما هذه الاسماء ولا من اصحابها. وكان دخول الرهبان إلى الدير المذكور سنة 1696 وأقاموا عليه رئيسًا عبد الاحد بن قرا ألي بعد أن اقتبل القسوسية. وكان هذا الرجل مفعمًا من الله حكمة وفطنة ذا عقل ثابت. وعلم راسخ فصيح اللسان بيلغ المعاني محبوبًا من كل من رآه وكان درس الشريعة على فقهاء حلب فصار الناس يستفتونه في المشكلات الشرعية. وقد ترك تآليف عديدة شتتها أيدي الإهمال منها كتاب تأملات روحية وجدته بخط يده وشرح القانون الرهباني والزامات العيشة النسكية وكتاب الافراميات وقانون راهبات دير حراش حيث سكن بعد أن صار أسقفًا على بيروت سنة 1716. وبكل صواب يعتبره الرهبان كمؤسسهم الأخص.

 

وفي السنة المار ذكرها آنفًا غير الرهبان شكل أثوابهم وقلنسواتهم عن شكل أثواب وقلنسوات غيرهم من الرهبان المارونيين وكانت أثوابهم في الأول من النسيج الأزرق وقلنسواتهم شبيهة بالمخروط الصنوبري. ثم شرعوا بترتيب قانونهم راجعين في سائر الأحكام إلى اقوال الآباء القديسين وتعاليمهم واضعين نصب أعينهم غايتهم الأساسية وهي الانفراد عن العالم والاعتناء بخلاص نفوسهم تحت تدبير رئيسهم القس جبرائيل حوا. وفي سنة 1697 عقدوا مجمعًا عامًا في دير مار اليشاع وأعادوا القس جبرائيلب المذكور إلى وظيفته والقس عبد الأحد رئيسًا على دير مار اليشاع وأقاموا القس جبرائيل فرحات الحلبي رئيسًا على دير مرت مورا بعد أن سيم قسًا (19). وكان رجلاً فاضلاً عالمًا. قرأ الفلسفة والإلهيات في حلب على الخوري بطرس التولاوي وصرف حياته معتزلاً منكبصا على التأليف والتعريب والتنقيح وقد عاش بين معاصريه مجهولاً وما سطعت أنوار فضله ومعارفه إلا بعد موته بزمن طويل. فهو الذي اطلع النصارى السوريين على لغة العرب التي ندر البارعون فيها بين من سلفه من مواطنينا وترك للطالبين ما يغنيهم عن البحث في كتب من تقدموه ومن أتوا بعده. ثم نقح كتبنا الطقسية وصحح عبارتها الركيكة ووضع للخطباء أصول فن الخطابة وقواعد البلاغة والفصاحة وكتب لإخوته الرهبان صلوات وتاملات روحية تخشع لها القلوب وقال الشعر فاجاد اقواله كالصلوات وتذكره شاكرة. وهو القائل في محبة الجود الإلهي هذه الأبيات الشهيرة التي افرغ فيها عواطف قلبه الملائكي:

 

الله الله انت السمع والبصر                   في العاشقين وانت الفوز والوطر
هويتكم والهوى مني على صغر              يا حبذا وله قد زانه صغر
هجرت فيكم ربوع الوالدين وما                اهوى فلم يرضني من دونكم اثر

 

إلى آخر هذه القصيدة. وسيم مطرانًا على حلب سنة 1725 وتوفي سنة 1732. وشهرته تغني عن إطالة الكلام عنه.

 

وفي سنة 1698 تمموا ترتيب قانونهم في خمسة عشر بابًا. 1) في الطاعة. 2) في العفة. 3) في الفقر. 4) في كسوة الرهبان. 5) في سكن القلالي. 6) في السفر. 7) في المائدة. 8) في عمل اليد. 9) في الصمت. 10) في الصلوة العقلية. 11) في الصلوة اللفظية. 12) في الاعتراف. 13) في تناول الأسرار. 14) في الأدب. 15) في المرضى. ووقع الاتفاق في هذه الرهبنة بموجب القانون الذي قبلوه وارتضوا به ان يكون لهم رئيس عام على الرهبنة بموجب القانون الذي قبلوه وارتضوا به أن يكون لهم رئيس عام على الرهبنة وأن يكون لكل دير رئيس خاص يطيع الرئيس العام وأن يكون مع الرئيس أربعة يسمون المدبرين يساعدون الرئيس العام وأن يكون لهم مجمع عام يجتمع كل ثلاث سنوات ويكون ختامه في اليوم العاشر من شهر تشرين الثاني وهو اليوم الذي لبس فيه الإسكيم مؤسسو الرهبنة المقدم ذكرهم (20) إلى غير ذلك من الاصطلاحات. وشرعوا يمشون على هذا القانون وهذا الترتيب من غير نذر لأن قانونهم لم يكن بعد تثبت من السيد البطريرك.

 

ومما يظهر اهتمام البطريرك إسطفان بالرهبان والأديرة انه لما كان الحلبيون يؤسسون تحت نظره الأبوي رهبنتهم الجليلة لم يصرف اعتناءه عن الأديار القائمة في الطائفة السالكة على النظام والعوائد القديمة ويظهر ان البعض خالفوا اقوانين البيعية في أمر ترهيب النساء. ومن المعلوم ان اكثر الأديار في القديم كانت مزدوجة أي انه بقرب أديار الرجال كان يوجد أديار أخر للنساء منفصلة عنها لكن بما ان الأديار كان كل منها مستقلاً عن غيره وأهلها يتصرفون كيفما شاؤوا في محلهم كان يقع بعض محظورات لكون الإنسان من طبعه معرضًا للسهو والغلط ومائلاً إلى مجاوزة الناموس والنظام. والبيعة المقدسة لعلمها بضعف الطبع البشري سنّت منذ القديم شرائع لكلما يقدر حلوله في مجتمعات الناس. والمخلص له المجد وضع الرسل وخلفاهم مراقبين ينبهون من يحيد عن طريق الخلاص ويؤنبونه إذا اقتضى الأمر ويقاصونه حتى لا يبقى له عذر قدام الديان. وقيامًا بهذه الوصية وجه البطرك إسطفان إلى رؤساء الأديار المنشور الآتي نذكره بحروفه:

 

"البركة الإلهية والنعمة السماوية تكون حالة على أولادنا رؤساء الأديرة المكرمين

 

أولاً مزيد الأشواق إلى رؤيتكم بكل خير وعافية. وبعده سابقًا قد وصيناكم دفعات كثيرة أن لا ترهبوا النساء في أديرة الرجال لأجل حفظ الطهارة وإزالة الشكوك والآن بلغنا ان البعض منكم وصلوا على هذا الافتراء حتى انهم رهبوهنّ في السنة الثانية عشرة من عمرهنّ والبعض ألزموهنّ في لباس السواد رغمًا عنهن فلأجل ذلك على موجب وصية بولس الرسول وقوانين المجامع المقدسة وعلى مشورة غخواننا المطارين المكرمين نأمر من الآن وطالعًا ما أحد معه إجازة يكرس راهبة ولا يرهب امرأة في أديرة الرجال دون الستين سنة من عمرها. فمن اجترأ وخالف ما نحن ذاكرين يكون مربوطصا من كهنوته والتي تترهب تكون محرومة. ومن خصوص اللواتي ترهبن قبل هذا الآن نحتمل التي تكون بلغت سنة الأربعين فتلبس منديلاً أبيض أم أزرق بمنزلة التي في التجربة وإذا ما أحسنت السيرة فلتطرد من الدير. ونحن ما احتملنا ذلك إلا من عسر الزمان ولأجل ضمّ الحال بين الأمم الغريبة ولكن ما يمكن نطابق بان امرأة تكون لابسة السواد أم منديلاً أزرق وتدور تشحد في القرى والمدن ولا انها تسير إلى الحقول ولا انها تعاشر الرجال ولا انها تبيت خارجًا عن قلايتها. فمن وجد مخالفًا منكم ومنهنّ يكون سقط تحت قوانين البيعة. فالحذر ثم الحذر من المخالفة وبعد تجديد البركة والسلام. حرر في نصف تشرين الثاني سنة 1698 ربانية".

 

إنّ الأعمال الخطيرة في الدين لا يخلو تأسيسها من المحن لذلك أراد الله أن يكون ركن الرهبنة وأساسها على صخرة التجارب فسمح أن يقع الاختلاف بين المؤسسين وكان ذلك أنّ القس جبرائيل حوا الرئيس العام عنّ له أن يترك قانون الانفراد النسكي ويتبع قانون الرهبنة اليسوعية ويتفرغ للوعظ والتعليم والطواف بين الناس في طلب النعاج الضالة. وأراد أن يلغي القانون الذي وضعوه أولاً فلم يوافقه على ذلك الرهبان لأسباب منها أنهم لم يدخلوا الرهبنة على هذه النية وان هذه الطريقة يقتضي لها قوة في العلم والمال. وقيل ان الذي حرّك القس جبرائيل حوا إلى هذا التغيير والانقلاب هو تقييد سلطان الرئيس العام بالمدبرين والعزل عن الرئاسة لأن رأيه كان أن تكون مؤبدة. فلبث على رأيه والرهبان على رأيهم ووقع التناقض. ذلك من حسد الشيطان لمثل هذا الخير فأراد أن يهدم أركان الرهبنة. فلما نظر القس عبد الأحد المسمى عند العموم بالقس عبد الله قرا ألي ما وقع بين الرهبان من الانشقاق رفع راية النسك وتصلب ضد القس جبرائيل حوا وأخذ يحمي جانب الرهبنة والقانون المتفق عليه. فعظم النزاع بينهما وأقاما على ذلك مدة أشهر فالتجأت حينئذ الرهبنة إلى المجمع العام قبل أوانه وحكم على القس جبرائيل حوا بالعزل عن الرئاسة وأقاموا موضعه القس عبد الأحد وثبت البطريرك إسطفان ما حكم به مجمعهم.

 

وفي سنة 1700 ترك القس جبرائيل حوا رهبنته والتجأ إلى السيد البطريرك ملتمسًا منه أن يخرجه من الرهبنة فلم يشأ البطريرك أن يتساهل معه بذلك بادئ بدء لكنه لما رأى إصراره تنازل معه وأحضر القس عبد الأحد وباقي الرهبان وحكم بانفصال القس جبرائيل حوا منهم وأعطى القس عبد الأحد دير مار اليشاع وأعطى القس جبرائيل دير مرت مورا إهدن وترك الحرية للرهبان في أن يتبعوا الذي يريدونه منهما. وهذه صورة الأمر بذلك:

 

ملاحظة: كتابة سريانية

 

وجه تحرير الأحرف هو أننا وقفنا على الخلف الواقع بين أولادنا الرهبان الحلبية. إن ولدنا القس جبرائيل قاصد التبشير وخلاص الأنفس وولدنا القس عبد الله قاصد عيشة النسك والرياضة فتنازلنا إلى سؤالهم وأمرنا القس جبرائيل يكون مقيدًا بدير مرت موره بإهدن وبنيانه. والقس عبد الله بدير مار اليشاع ببشري وعماره. وان رزق الإخوة الذي كان بينهم بعقد الشركة ينقسم بينهم مناصفة بعد وفاء الدين إن كان. وإن كل واحد من الإخوة يأخذ ما يحتاج إليه من المؤنة والكسوة ويسكن تحت طاعة الذي يرتضيه من الاثنين. وكان ذلك برضى وقبول من الجانبين. نسأل الحق سبحانه وتعالى يكون ناظرًا إليهم ومساعدًا لهم ليحظوا بالخلاص هم وغيرهم. حرر بدير قنوبين في خمسة من تشرين الثاني سنة ألف وسبعماية للتجسد الإلهي "(21).

 

فتبع القس جبرائيل حوا راهبان فقط والباقون ذهبوا مع القس عبد الأحد وكانت يد الله معه.

 

أما القس جبرائيل حوا فبقي في دير مرت مورا حتى سنة 1701 مع ذنيك الراهبين اللذين خرجا معه فلم يجد راحة لنفسه ووقع في الخصام مع المطران جرجس يمين مطران إهدن. ثم تركه أحد الراهبين وارتد إلى إخوته في دير مار اليشاع ونذر كباقي الرهبان والآخر شرد تائهًا. عند ذلك طلب القس جبرائيل المذكور إلى القس عبد الأحد ان يقيم بين هؤلاء الرهبان بلا نذر ويهبهم كل ماله في دير مرت مورا فالرئيس قبل بذلك لكن المدبرين لم يرضوا فاغتاظ ابن حوا وعاد فأصلح أمره مع المطران وسكن مرت مورا قليلاً ولما رأى أن المطران يبغضه استأذن السيد البطريرك بالذهاب إلى رومة فأذن له وكلفه بأخذ أولاد للمدرسة وبتقدمة الطاعة باسمه للبابا اقليمس الحادي عشر الذي كان قد قام في تشرين الثاني سنة 1700. وأمره أن يسعى بطبع بعض كتب طقسية كما يقول عن نفسه في مقدمة كتاب المزامير الذي طبعه في رومة سنة 1737 وشاع انه ذهب بحجة أن يأتي بمطبعة إلى بلاد الشرق فسافر إلى رومة العظمى في 10 من ت 2 سنة 1701 وأقام هنالك فاستخدمه الكرسي الرسولي في قضاء بعض أمور في مصر مع رؤساء القبط وبعد عودته إلى رومة وهبه البابا إقليمس الحادي عشر دير مار بطرس ومرقلّينوس مكافأة لأتعابه والقس جبرائيل المذكور ترك الدير للرهبنة. وصار بعد ذلك مطرانًا على جزيرة قبرس.

 

وفي الوقت نفسه أي سنة 1700 بلي القس جبرائيل فرحات بتجربة الضجر (22) فتبع هوى نفسه وخرج من الرهبنة (لكن قبل إبرازه النذر لأن قانون الرهبنة ما كان تثبت بعد ولا كان في الرهبنة نذر). وانفرد في قرية زغرتا في زاوية طرابلس وسكن هناك ديرًا على اسم القديس يوسف واتخذ له شماسًا وكان يعلم الأولاد ويعيش من صدقات المؤمنين وبقي فيه حتى سنة 1705 فمرض مرضًا ثقيلاً ونهاه الأطباء عن السكنى في زغرتا فصعد إلى دير مار اليشاع وكان يخشى عدم قبولهم إياه فقبلوه بفرح وكان يقول انه منذ افترق عن إخوته لم يسترح ضميره البتة. ثم نذر وأضحى مع الإخوة. وكان القس جبرائيل المذكور عاكفًا على الدرس والمطالعة وعبادة الله مشتغلاً في خلوته بتآليف تلك الكتب الشهيرة التي أذاعت اسمه في كل البلاد ولذلك لا نرى له ذكرًا في الاضطرابات التي زعزعت الرهبنة صدر تاريخها. وقد كرس مدة إقامته في زغرتا للمطالعة والتأليف. وقد وجدنا بخط البطريرك إسطفان تبيان بعض كتب كان أعارها للقس جبرائيل فرحات في تلك الآونة منها كتاب النوافير ولقسيقون (معجم) سرياني وأول جزء من المنارة والكتاب الثالث من تواريخ الموارنة (الاحتجاج) مما يدلنا على اعتبار البطريرك لفرحات.

 

وبعد خروج حوا من الرهبنة هدأت الخواطر واستقام القس عبد الأحد يسوسها ويرعاها بمروج أمثاله وعلمه وكان الله ينميها على يده. وأخذ الرئيس المذكور يتفاوض مع البطريرك إسطفان لكي يثبت له القانون ليقيد رهبانه بسلاسل النذور المقدسة لئلا يهولهم الجهاد ويلتفتوا إلى الوراء كما فعل غيرهم قبلهم أما البطريرك فما كان يشاء ذلك ولم يجب طلبه فأخذ الرئيس والرهبان يبتهلون إلى الله. فحرّك الله قلب أحد خائفيه وهو المطران جرجس يمين المشهور بالقداسة والعلم الذي لأجل غيرته على خلاص النفوس وتثقيفها في سبل الصلاح لقبه الشعب بالكاروز أي الواعظ وكان يحب الرهبنة وينتصر لها فأخذ يسعى في تثبيت قانونها فدخل على البطريرك مع مطران آخر يساعده وأوضح له ضرورة تثبيت قانون هذه الرهبنة فتنازل البطريرك إلى إجابة سؤاله لحبه له ولمعرفته سلامة نيته وثبت قانون الرهبنة بحضور بعض المطارين وكان ذلك في اليوم الثامن من شهر حزيران سنة 1700. وقد شاهدنا في دير سيدة اللويزة القانون الأصلي وفي صدره التثبيت وختم البطريرك الدويهي(23).

 

وفي سنة 1702 عمل الرهبان مجمعًا عامًا وثبتوا الأب عبد الأحد في الرئاسة وقرروا بعض أمور بخصوص اقتبال الدرجات المقدسة وقبول المبتدئين في سلك الرهبان وأخذوا يزدادون وينمون في الخير وكانوا جميعهم حريصين على حفظ قانونهم بتدقيق كلي سائرين بموجب نذورهم المقدسة فكانت سيرتهم مرضية لله وأعمالهم مثالاً للغير وعطرت روائح قداستهم كل البلاد وأخذ الناس يتراكضون إليهم كالجياع والعطاش إلى ينبوع الخيرات. وبالاختصار استحقوا بطهارة السيرة وأمانة الجسد والزهد في الدنيا أن يسمعوا من فم الرب كلمة الطوبى عند قبول جزاء الفعلة النشيطين والعبيد المتيقظين: طوبى للمساكين بالروح. طوبى لفاعلي السلام. طوبى للنقية قلوبهم لأنهم يرثون الأرض والسماء ويعاينون الله. وقد مدحهم احد إخوتهم بأبيات طويلة منها:

 

يميتون أجسامًا ويحيون أنفسًا            لكيما ترى من مات حيًا ومنفوسا
فلن يفزعوا في سيرهم من ابالسٍ      متى قرعوا في دجية الليل ناقوسا
مدارعهم ثوب الحداد بروسهم            قلانس سودٌ ليس ذلك تدنيسا
ثيابهم سودٌ وبيضٌ فعالهم                 وحسادهم صفرٌ وقد طهروا روسا

 

وبينما كان الحلبيون يجدون في ضم الأديار إلى بعضها ليتألف منها رهبنة واحدة كبيرة حرك الله المطران جبرائيل البلوزاني أن يرسل من دير السيدة المعروف بدير طاميش في بلاد كسروان (24) الذي كان أنشأه منذ سنة 1673 الخوري سليمان ابن الحجي المشمشاني والقس عطا الله كريكر الشامي والخوري بطرس مونس البزعوني والقس موسى البعبداتي إلى دير مار أشعيا في برمانا الذي كان أنشأه هو أيضًا ليسكنوه ويتعبدوا لله تعالى مع من يقتدي بأمثالهم ويتبعهم إليه وهذا كان مبتدأ تأسيس رهبنة مار أشعيا الأنطونيانية. ثم بعد ذلك أي سنة 1703 لما رأى البطرك إسطفان حسن سلوك الرهبان المذكورين وتشبثهم بالمنهج الرهباني واجتهادهم في نشر جمعيتهم بإعطائهم الأمثال الصالحة للجميع أثبت لهم رسومهم ورتبتهم الرهبانية وهكذا أراد الله أن يعزي عبده إسطفانس فجعل تأسيس الرهبانيات المارونية في عهده وأراه اثمارها الصالحة في هذه الدنيا قبل مماته. نطلب من الله بشفاعة عبده المذكور أن يصونها ويرعاها ويجعلها منارة الطائفة وسورها الوطيد. انه السميع المجيب.

 

المراجع:

 

(1) عن جرمانس فرحات.

 

(2) والكتاب المذكور نسخ سنة 1860 يونانية (1449م) في قرية حردين من أعمال البترون برسم الشماس دوميط بن جورجيوس قرمان من قرية اشكيرا (؟). وأظن أنّ ابن قرمان هذا من أنسباء المطران قورلس اليعقوبي مطران حماه وحردين. راجع رد التهم ف 14 وتاريخ الطائفة ص 415 – وفي معرض كلامه عن تجديد الدير المذكور يقول أنه صار بمناظرة القس جرجس الأميوني الذي عني أيضًا ببناء مار شليطا وأصله من الطائفة الملكية وأنّ المعلمين كانوا من قرية ريشميا.

 

(3) غربي قرية إهدن.

 

(4) سيدة حوقا في سفح الجبل في وادي قديشا على مسافة نصف ساعة من قنوبين وموقع الدير في مغارة تحت الصخر.

 

(5) كل ذلك مذكور في الكتاب السابق ذكره آنفًا.

 

(6) عن السجل ص 68 - ودير شاريا إلى جانب قرية عينتورين وهو الآن مهجور لأن موقعه ردي وهواءه مضر بالصحة بسبب كثرة المياه.

 

(7) وهذه الحجة بتاريخ شهر آذار سنة 1707.

 

(8) وتوفي سنة 1733.

 

(9) وهو الفقيه الشهير الذي مات سنة 1822.

 

(10) من قرية كفرصغاب في الجبة.

 

(11) عن سجل مدرسة عين ورقة بخط المطران يوسف إسطفان السابق ذكره.

 

(12) وكان افتكر البطريرك يوسف حبيش وموازروه أن يقيموا فيه مدرسة لتعليم الطب.

 

(13) بيت حوا أصلهم من إهدن وانقرضت سلالتهم فيها ونزح بعضهم إلى حلب بأمر السلطان سليم في أوائل القرن السابع عشر. ومنهم بقية في مرسيليا.

 

(14) ووجدت قراعلي بخط القس جبرائيل فرحات. والأصح قره ألي أي اليد السوداء. قيل ان واحدًا من هذه العائلة لعب بالسيف قدام أحد السلاطين في حلب وكانت يده سوداء فعرف بهذا اللقب.

 

(15) القس يوسف البتن مات مع راهب آخر لما سقط الشير على قلالي دير قزحيا سنة 1714.

 

(16) وروي 1693.

 

(17) درست آثار هذا الدير الذي كان مهد الرهبنة. وكنيسة مرت مورا الحالية هي غير الدير القديم.

 

(18) وهو الخوري جرجس بن سركيس بن عبيد الهدناني الذي أقامه الدويهي مطرانًا على إهدن في 27 آب سنة 1690 ويتكنى ببنيمين والكاروز. ثم دخل شركة اليسوعية وتوفي في رومة. وليس من بيت يمين كما وهم البعض.

 

(19) راجع كلام القس جرجس منش عنه في المشرق في عددي 15 ك 2 وأول شباط من سنة 1904.

 

(20) وصار الآن ابتداء المجمع في اليوم العاشر.

 

(21) عن سجل الدويهي ص 589.

 

(22) قال القس عبدالله قره ألي عن نفسه أنّه أرسل من الرئيس العام الأب جبرائيل حوا لأجل جمع إحسان من حلب وغير مصالح وأنّه عند رجوعه التقى بالقس جبرائيل فرحات في طرابلس سنة 1700. قال وعند وصولي وجدت القس جبرائيل فرحات رئيس دير مارت مورا هناك في منزل الرهبان وأطلعني على سره أنّه يريد الخروج من رهبنتنا والدخول في غيرها لشدة الضجر الواقع عليه ولما استقصيت سبب ضجره رأيت أنّ الرئيس قصد أن يفتح ديرًا في كسروان ويبعثه إليه وعمد إلى ذلك وجمع كتبه وحوائجه ليمضي... فاعترض الرئيس أخونا الشماس يوسف البتن لأنّه كان أحد المدبرين... وصار بينهم منازعة ومن قبل هذه المنازعة صغرت نفس القس جبرئيل فرحات وعزم على الانفصال منا ثم شاع خبر انفصاله وصار سجس بين الرهبان لأنّ القس جبرائيل كان له اعتبار عندهم من حيث وظيفته وعلمه باللغة العربية والشعر والفصاحى وصاروا ينسبون سبب خروجه إلى تدبير الرئيس.

 

(23) وهو غير القانون المشهور الذي ثبته الكرسي الرسولي بعدئذ خلافًا لما جاء في المشرق سنة 1904 ص 105 في الحاشية 3. راجع ص 106 حاشية 2.

 

(24) إنّ قاطع بيت شباب كان يعرف سابقًا بمزارع كسروان.

 

الفصل العاشر

 

في علم الدويهي وتآليفه

 

إن المعادن مع كثرتها لا يصبر إلا القليل منها على مرور الأيام وعلى فعل العناصر وبهذا يعرف ثمينها من غيره. فمنها ما إذا تركته أيامًا قليلة غطاه الصدأ كثوب الفقر ومنها ما نجده بعد ألوف من السنين في قلب الأرض وإذا أنزلنا عنه ما لصق به من التراب لمع وأبرق كالشمس دون أن يظهر فيه تأثير الأجيال والعناصر المفسدة. كذلك العلماء منهم من يذيع اسمهم في حياتهم ثم يموت معهم كصدى الصوت الذي يضمحل إذا سكت الصارخ. ومنهم من يجهلهم المعاصرون ثم ينشرون من قبورهم ويطبق ذكرهم الآفاق وتثبت الأجيال أقوالهم ويهتدي الشعوب بأنوارهم ومن هؤلاء البطريرك إسطفان الذي نشر عليه النسيان ستاره فاضحي غريبًا بين شعبه وأمته التي خدمها حتى آخر رمق من حياته. وكاد الجميع يجهلون اسمه إلى أن أثارت الجنسية همة بعض الأدباء (1) فأعلنوا ذخائر تآليفه وأتحفوا الطائفة بكنوز علمه ونشروا بالطبع نفائس كتبه. ولم نكن نعرفه قبلاً إلا بما كان ينقل عنه كتبة الموارنة مع تكرير اسمه وتعظيم منزلته وكان الأولى بهم أن ينشروه ليعرفه الجميع ثم يأخذوا عنه ما شاؤوا. أما الآن وقد أطلع الجمهور على أكثر تآليفه فإذا تكلمنا عن علمه ومعارفه لا يقع كلامنا على أمر مجهول وإذا أثنينا أو انتقدنا صار موضوع الثناء أو الانتقاد مشهورًا لدى الكل. لكننا لا نثني ولا ننتقد لأن الدويهي لم يترك بابًا للمعارضة والانتقاد ولا يروق لنا الثناء كما يروق لبعض الكتبة إذ جعلوه الاغراب في الكلام وتعديد الحسنات جميعها وجدت أم لم توجد في المثنى عليه. وحسبنا أن نذكر بالتفصيل تآليف الدويهي وكتبه ونصفها بحقيقتها وماهيتها.

 

قال البطرك سمعان عواد في ترجمة الدويهي: "انه اثناء وجوده في رومة ما كان يجد نصًا عن الموارنة إلا وينسخه وإنه ما كان يهدس إلا بفحص عوائد كنيستنا القديمة وفي الرد على من يقول أن الموارنة وقعوا في الارطقة." وفي مكان آخر. "من حين انتخابه على الكرسي الانطاكي أخذ يطوف في كل رعيته وسام عليها قسوسًا وكهنة ونقّى كتبنا من البدع والهرطقات التي زرعها فيها أولاد الهلاك وردّ كل عوائدنا القديمة ورتبها أحسن ترتيب وكان أرسلها سابقًا إلى رومة لتطبع وهي الآن موجودة لدى المجمع المقدس ودرس كتب البيعة درسًا بليغًا وغربل أخبار القبائل الشرقية وصنّف تواريخ الأزمنة ورتب كتبًا جميلة تطابق معرفته وفهمه الجزيل... وأكثرها موجودة عندنا في رومة في المدرسة ومن طالع هذه الكتب عرف ما فيها من التعاليم العميقة ومنزلة عقله وذهنه..."

 

فعليه ان أول مشروع عكف عليه البطريرك إسطفان كان تنقيح الكتب الطقسية لئلا يكون في معانيها أو عباراتها شيء يشوب الحقيقة الكاثوليكية. ومن بحث في مخطوطات تلك الأيام وجد الناس كلهم لسانًا واحدًا يفاخرون في مدح غيرته. ولنا شواهد حسية على صدق قولهم في ما يأتي.

 

فأولاً: انه من حين ارتقائه إلى الأسقفية أخذ ينسخ بيده الطاهرة كتاب السياميد وهي الشرطونية وهو الكتاب المحفوظ في الخزانة البطريركية وقد تقدم الكلام عنه ولم يكتفِ بذلك بل انه حين رفع إلى البطريركية جمع ما أمكنه من النسخ القديمة للشرطونية كما يذكر في مقدمة الشرح الذي وضعه للرسامات المقدسة وهذه المقدمة وجدتها بخط يده في نسخة محفوظة في كرسي مطرنية قبرس في قرنة شهوان (2) والنسخ المذكورة التي اعتمد عليها أولها وأقدمها بخط يد السعيد الذكر البطريرك إرميا العمشيتي (1209 – 1239) ويليها نسخة كتبها الخوري مرقس لمتاوس أسقف عرقا وعكار سنة 1231 م. ثم نسخة دير مار اليشاع التي كتبت في أواخر القرن الثالث عشر(3) ونسخة الخوري ابرهيم الباني وتاريخها 1495 ونسخة حبقوق الادنيتي وتاريخها 1581 وهي محفوظة إلى الآن في الكرسي البطريركي. إلى غير ذلك. فقابلها وأعاد ما أسقطه النساخ حبًا بالاختصار وأصلح ما حرّفه الجهلة وحذف ما زاده غيرهم ورد هذا الكتاب إلى رونقه الأصلي كما تركه أسلافه الأطهار الذين تسلموه من الرسل القديسين وضمّ إلى مجلد واحد مقالات الأسقف والشمامسة ليدفع السهو ويسهل على الرؤساء والشمامسة المتجددين تتميم كل الرتبة بدون تغيير. ثم أمر المطارين والأساقفة أن يأخذوا عن النسخة التي رتبها ويجعلوا منها نسخًا عديدة في كنائسهم لتتم الرتبة بكمالها دون تغيير ولا تحريف وترفع المزاحمة والمضايقة وقد عثرنا على نسخ عديدة كتبت بعناية أساقفة تلك الأيام أطاعةً لأمر بطريركهم الغيور.

 

وفي مسودة رسالته التي بها يهنئ البابا اينوكنتيوس الحادي عشر بارتقائه الكرسي الرسولي وقد سبق ذكرها في الفصل الخامس يقول: "وأرسلنا كتاب الشرطونية التي تحوي رسامات الكهنوت تتفضلوا علينا بطبعها الآن الكتب التي عندنا كلها خط ومن عكاشة النساخ وجيرة الأمم الغريبة وطولة مدى الزمان دخلها زهقات وتغييرات غير قليلة. والشرطونية أمرها ضروري للخلاص وإن كانت مطبوعة تكون سليمة ومنصانة من النقصان في جميع الكنائس." ا هـ (4).

 

وفي الوقت ذاته اعتنى بتنقيح رتبة لبس الإسكيم الرهباني ملاحظة: كتابة سريانية وتكريس الرهبان والراهبات لخدمة الله تعالى وساعده في ذلك المطران بطرس مخلوف والمطران يوسف شمعون واعتمد على نسخ قديمة منها محفوظة في كرسي قنوبين ومنها في دير قزحيا وسيدة حوقا وبذل جهده في أن تكون النسخة المصححة مطابقة لما وضعه النساك والمتعبدون لله منذ الأزمنة القديمة.

 

ثانيًا: وقف البطريرك إسطفان على تصحيح رتبة تكريس الكنائس وآنيتها طبقًا للنسخ القديمة.

 

ثالثًا: يقول في رسالته إلى الأب بطرس مبارك انه جمع ونقح كتاب الصلوات ويدعوه ملاحظة: كتابة سريانية لعله يريد بذلك الشحيمة وهكذا فهمه الطيب الذكر البطريرك بولس مسعد وهذه الكتب السابق ذكرها أرسلها إلى رومة لتنشر بالطبع لأنه كان التمس من الحبر الأعظم ومن المجمع المقدس أن تطبع في رومة لتعم فائدتها سائر أبناء البيعة.

 

رابعًا: إن كتاب القداس ذو شأن عظيم وله منزلة كبرى في الطقوس المسيحية جميعها لأنه يشتمل على الألفاظ المقدسة التي بها تتم ذبيحة ابن الله وتقدمة جسده ودمه للآب السماوي على يد الكهنة الذين أوصاهم أن يصنعوا ذلك لذكر آلامه وموته تطفيرًا عن الخطايا واستمطارًا للنعم الإلهية على الأرض وسكانها. إلا أن الإنسان مطبوع على الغلط ومعرض للسهو والطغيان ولذلك لم يصن هذا الكتاب من زلات النساخ والأغلاط المتنوعة كما يظهر ذلك من النسخ القديمة ومن الطبعة الأولى للكتاب المذكور فالذين وقفوا على طبعه تركوا فيه أغلاطًا جسيمة سهوًا وانقيادًا لنسخة قديمة نشروها على عيوبها. ثم انه بعد ذلك الحين أخذ تلاميذ المدرسة الرومانية ينتقدون طقوسنا مبدلين بعض الصلوات بصلوات منقولة عن اللاتينية ويحرفون الرتب الشريفة مغيرين ما أشكل معناه وغمضت رموزه وبسبب الغلط الذي وقع في الطبعة الرومانية جعل الكثيرون يرتابون في صحة معتقد أصحاب النوافير وينفون بعضها ولأجل هذه الأسباب سعى الدويهي بجمع النوافير المقبولة في الكنيسة المارونية ونقحها وصححها وردها إلى أصلها. ولهذه النوافير نسخ عديدة منها واحدة وجدت في مار شليطا وهي من عهد الدويهي (5).

 

خامسًا: جمع في كتاب واحد أسرار البيعة وسماه في رسالته المذكورة آنفًا: ملاحظة: كتابة سريانية . ولعله يعني بأسرار البيعة الرتبة التي توزع بها أسرار الكنيسة السبعة حسب طقس كنيستنا وهذا رأي البطريرك بولس مسعد أيضًا. وهذا الكتاب لم نعثر على نسخة كاملة له.

 

سادسًا: أعياد السنة ويسميه ملاحظة: كتابة سريانية . جمع فيه الرتب التي تقيمها كنيستنا في الأعياد الكبيرة ولهذا الكتاب نسخة وحيدة في لبنان وجدت في مار شليطا مقبس وقد أسهب بوصف هذا الكتاب الخوري ابرهيم حرفوش المرسل اللبناني في مقالة نشرتها مجلة المشرق في غرة تموز سنة 1903 ص 595. فإن شئت فراجعها (6).

 

سابعًا: إن البطرك إسطفان اعتبر تواريخ الطائفة اعتباره طقوسها وكان له نحو الطائفة ما لا أخشى أن أسميه عبادة وهذه العبادة كانت تمتد إلى كل ما يوضح ويبرهن حسن اعتقادها وثبات انتمائها إلى الكرسي الرسولي وبالحقيقة إن أكبر حجة بيدنا عل ذلك هب البراآت الرسولية المرسلة من الأحبار الرومانيين إلى الطائفة وبطاركتها وأساقفتها والمحفوظة من عهد البابا اينكنتيوس الثالث والبطريرك إرميا العمشيتي وهذه البراآت سهر عليها رؤساء الطائفة أكثر من سهرهم على أموال الكرسي وأرزاقه وحملوها إبان الاضطهاد والهرب كذخائر ثمينة وحفظوها من النهب والحريق لتكون فخرًا لخلفائهم وأبنائهم وقد حركت شعائر العبادة التي سبقت الإشارة إليها البطريرك إسطفان إلى أن يجمعها في مصحف واحد حتى إذا فقد منه شيء يعتاض عن الأصل بالنسخة وكلف بكتابتها المطران يوسف شمعون الحصروني فنسخ الرسالات البابوية عن الأصل وضم إليها ما حفظ من رسالات البطاركة والحكام وحجج أملاك الكرسي البطريركي وهذا المصحف المعروف عندنا بسجل الدويهي عبارة عن 770 صفحة أضيف إليها بعدئذ عشر صفحات اخر وفي صدر المجلد فهرس لكل ما يشتمل عليه من كتابات لاتينية وإيطالية وعربية أولها كتابة الذهبي الفم للأنباء مارون وآخرها أمر البابا إقليمس بخصوص يوبيل عام 1675. وفي الصفحة 576 هذه العبارة بيد الناسخ. "إلى ها هنا خط المطران يوسف بن شمعون الحصروني من غير زيادة ولا نقصان بل على موجب صورة السجلات الأصلية ونسخة المكاتيب الصادقة التي عرضها عليه البطريرك إسطفان ملاحظة: كتابة سرياينة.

 


"الختم
وضمن السجل المذكور بعض صفحات بخط يد الدويهي.

 

ثامنًا: ما خلا الكتب البيعية المشار إليها كان شرع في تنقيح كتاب الجنازات كما ينبئنا في رسالته إلى الأب بطرس مبارك وربما لم يمكنه العمر من إنجازه. وحمل بعض الكهنة والأساقفة على استخراج قصص القديسين من السرياينة إلى العربية ليفهمها المؤمنون حين تتلى على مسامعهم في الاحتفالات البيعية. وكان أثناء زياراته الرعائية إذ عثر في الكتب الكنائسية على شيء مخل بصحة الاعتقاد الكاثوليكي صححه بكل اجتهاد وتدقيق. وسنة 1674 كتب إلى مرهج نمرون الباني عن وجود كتب قديمة محفوظة في جبل لبنان لم يسر إليها سم الضلال ولم تشن صحة معانيها أيدي الكفار وحثه ألاّ يخاف التهم التي طعنت بها الطائفة وقال: "الله سبحانه كما هو مدبر لبيعته ومتولي خلاصنا ليس أراد أن تفسخ جميع النسخات بل بعض كتب يكونوا مغيرين وناقصين وبعضهم بعينهم كاملين بلا مكر " (7).

 

كل ما ذكرناه إلى الآن يدل على السهر الراعي على رعيته وعلى حرص الرئيس على رونق كنيسته لتكون طقوسها محفوظة على ما وضعها الآباء الأطهار خلفاء رسل المسيح وإيمانها مطابق إيمان البيعة الكاثوليكية. وفي ما سنقوله بعون الله برهان على كنوز العلم التي كان خزنها في صدره ليفيضها في أوانها على أبناء جبلته. فهو هو القهرمان الحكيم الذي قلده سيده تدبير كل ماله فأعطى البناء طعام الكلمة في حينه وهو الذي تلمذ لملكوت السماء وأخرج من ذخائره العتيق والجديد.

 

قلنا تاسعًا: وضع للشرطونية شرحًا مطولاً كشف فيه رموز الدرجات المقدسة ومعانيها وأورد القوانين التي سنتها المجامع المقدسة والرسل والأحبار ليسير بموجبها الرؤساء والمرؤوسين ويتدبر بأحكامها كل الذين يخصصون ذواتهم بخدمة مذبح الرب وبسياسة أبناء المعمودية. وصرح عن الطقوس التي ينبغي حفظها في رتية وضع اليد على المنتخبين إلى كل الدرجات ولهذا الشرح صورتان مختلفتان إحداهما في الشرطونية المحفوظة في كرسي قبرس وتاريخها سنة 1675 وهي بخط يد المطران يوسف شمعون الحصروني وفي نسخة أخرى في مدرسة عين ورقة ولم أعثر على غيرهما لأن الدويهي نقح فيما بعد هذا الشرح وصححه وزاد عليه وغير الأسلوب فنتج عن ذلك شرح جديد يكاد لا يشبه الأول ولهذه الصورة نسخ عديدة في الأديار اللبنانية (8).

 

عاشرًا: وضع شرحًا عظيم الفائدة للتكريسات التي تصير على يد رؤساء الكهنة أودعه ملحوظات تاريخية وأورد فيه عوائد طائفتنا القديمة ونسخ هذا الشرح غير نادرة. وقد نشر بالطبع مؤخرًا.

 

حادي عشر: ولما عني بجمع النوافير الارثوذكسية كتب سيرة الرسل القديسين والأحبار المغبوطين والآباء الأطهار الذين ألفوا هذه النوافير وجعل تاريخ حياتهم وأعمالهم المبرورة حجة لصواب تمسكنا بأقوالهم وتآليفهم.

 

ثاني عشر: جمع في كتيب مطالع الألحان السريانية التي تسمى الرِشْقُلات كتابة سريانية وحللها بمقتضى قواعد نظم الشعر السرياني وأشار إلى الألحان المختلفة التي يمكن كل وزن أن يقال عليها تسهيلاً للإكليركيين وغيرهم من الذين يعنيهم أمر الطقوس والتراتيل البيعية وصيانةً للألحان السريانية من النسيان لعدم وجود طريقة كتابية تضمن حفظها وتقيها من الخلل.

 

ثالث عشر: من حين رجوعه من رومة أي لما كان يعلم الأولاد في دير مار يعقوب الأحباش شرع في تأليف كتاب في القربان المقدس وهو التأليف الشهير الذي سماه بعدئذ كتاب المنائر العشر وهو أهم تآليفه وأنفسها قرن به التاريخ واللاهوت والليتورجيا وقابل فيه بين الطقوس الشرقية والغربية ولم يترك شيئًا مما يتعلق بخدمة سر الافخارستيا إلا وتكلم عنه فكتب عن الكنائس وبنائها وترتيبها داخلاً وخارجًا وعن المذبح وأوانيه ومعانيها وعن هذا السر ورسمه ومادته وصورته وعن خادم السر وموازريه وعن اللغات الطقسية واصطلاحها وعن الطقوس والنوافير إلى غير ذلك من المباحث المفيدة السامية ولم يورد قضية إلا وأثبتها بآيات الكتاب المقدس وأقوال معلمي البيعة ومجامعها ولم يصنف بابًا إلا وغاص في رموزه وحلها وحمل القارئ على التأملات الرفيعة وتركه حيرانًا بين أمواج بحر علمه الزاخر أو مدهوشًا كمن انفتحت أمام عينيه طبقات السماوات العليا. وقد طارت سمعة هذا التأليف قبل إنجازه كما يشير إلى ذلك مرهج نمرون والعالم الافرنسي ريشارد سيمون في كتابه عن اعتقاد الطوائف الشرقية وعوائدها (9). وعند صدوره تلقاه العلماء بالفرح والحبور فطلبه من المؤلف الخوري بطرس التولاوي في حلب وطالعه القس جبرائيل فرحات ونقله إلى اللاتينية الأب بطرس مبارك وقدمه للكراندوكا قزما الثالث أحد أمراء الأسرة المادشية الإيطالية وفاخر به مرهج نمرون علماء المغرب وأمر قزما المذكور بطبعه غير انه لم ينشر بالطبع أما بسبب موت المؤلف أو لأسباب غيرها نجهلها (10).

 

رابع عشر: وله تآليف تاريخية ذات أهمية كبرى أولها الكتاب المعروف بتاريخ الأزمنة وله صورتان الأولى تحتوي على تاريخ سورية المدني منذ ظهور صاحب الشريعة الإسلامية إلى عهد المؤلف نقلاً عن مؤرخي العرب وغيرهم وغاية المؤلف بها رحمه الله جمع كل ما ذكر من الحوادث التي جرت في لبنان والبلاد التي بجواره رغبة منه في كشف النقاب عن تاريخ الطائفة المارونية (11). والثانية تحوي تاريخ سورية خصوصًا منذ قدوم الافرنج إليها وقد ضمنه الدويهي شتات الأخبار المأخوذة من تواريخ الموارنة وحوادث لبنانهم.

 

وليس للمؤلف فضل كبير في جمع تواريخ المسلمين لأنه وجدها في مؤرخيهم أثناء تجوله في حلب وقبرس لكن فضله في وجود الأخبار المارونية ونقلها عن المؤرخين الثقات وعن الكتب المحفوظة في رومة وعن الأوراق والمصاحف القديمة المشتتة في البلاد الشرقية وعن الكنائس وتواريخها فصار بذلك المؤرخ الأول للطائفة المارونية وأمام المؤرخين والكل أخذوا من كنوزه. ومما يجدر بنا ذكره تدقيقه في نقل الحوادث التاريخية وتمسكه بأذيال الصدق والحق لأنه لم يثبت إلا ما وجده مثبوتًا وكل ما رأى فيه محلاً للارتياب رأوه مرتابًا كما رآه. ولا يتوهم القارئ أن هذا التاريخ هو عين التاريخ الأصلي وقد تحرى ناشره رشيد افندي الشرتوني الاقتصار على ما يخص لبنان والطائفة المارونية. وأخطأ بإدخاله بين كتب أصل الموارنة وكتاب رد التهم.

 

خامس عشر: قال البطريرك إسطفان في رسالته إلى بطرس مبارك المؤرخة في أوائل شهر أيار سنة 1701 ما نصه: "وعمال نتعب عن سبب مدرسة الموارنة برومية وعن نفعها ونشو تلاميذها." وهذه العبارة وضعها في آخر كلامه عن تاليفه فأخذناها دليلاً على تاريخ مفقود للمدرسة الرومانية وبينما كنا نستفتي علماءنا عن ذلك ونجد في البحث عن هذا الأثر النفيس وفقنا الله إلى الوقوف على كراسة بخط الدويهي وفيها مختصر تراجم الذين درسوا في رومة من سنة 1639 إلى 1685 ومن الحوادث المذكورة في معر ض الكلام عنهم تحقق عندنا ان الكراسة المذكورة كتبها بطريركنا المغبوط في آخر حياته ويا حبذا لو أن أحدًا أتحفنا بما فقد منها لكن أملنا بذلك ضعيف جدًا. ووجدنا في خزانة الكرسي البطريركي بخط السعيد الذكر البطريرك بولس مسعد عن هذا التأليف العبارة الآتية: وله كتاب في السبب الذي من أجله تأسست المدرسة المارونية في رومة وعن الغاية التي نجمت عنها وعن نمو تلاميذها (12).

 

سادس عشر: من آثاره التاريخية سلسلة بطاركة الطائفة المارونية فهو أول من جمع أسماءهم ونظم حلقات سلسلتهم فصار تأليفه هذا أساسًا لكل ما كتب في هذا الموضوع فعنه أخذ السمعاني وغيره. ولهذه السلسلة نسخة كاملة ومصححة استخرجها إلى اللاتينية القس يوسف عسكر (أو أشقر) الحلبي الماروني في باريس سنة 1733 أو عنها أخذ لكيان في كتابه الشهير المعروف بالمشرق المسيحي وأشار غليها مرارًا وأسند إليها كلامه عن بطاركة انطاكية المارونيين في المجلد الثالث من الكتاب المذكور. ويفرق بينها وبين النسخة المعروفة عندنا ذكر المصادر التاريخية التي أخذ عنها الدويهي ونقل عنها أسماء البطاركة الأقدمين رغبة منه في إقناع علماء الافرنج الذين شنعوا تواريخنا وأنكروا ارتقاء بطاركتنا إلى الكرسي الانطاكي منذ القرن السابع. وقد عثرت على صفحة بخط الدويهي ذكر فيها أسماء البطاركة لا غير مع الإشارة إلى الكتب التي وجدت فيها والحجج التي تثبت حقيقة تاريخهم.

 

سابع عشر: وأخيرًا إن علماء المغرب عمومًا كانوا قديمًا في هذا الوهم ان الكنيسة الشرقية جمعاء خلعت نير الكثلكة وأنكرت الطاعة لكرسي مار بطرس الروماني وانقطاع المواصلات بين اوربا والمشرق بعد زحفات الصليبيين صيّرت هذا الوهم يقينًا عند الكثيرين فلما أنشأ البابا غريغوريوس الثالث عشر في مدينة رومة مدارس للطوائف الشرقية أخذ البعض من أبناء طائفتنا تلامذة المدرسة الرومانية يخبرون باللسان والقم عن بلادنا وشعبنا وثباتنافي الوحدة الكاثوليكية منذ الزمان القديم فتعارضهم أناس من الأوربيين وحاولوا نقض مدّعاهم وكان في عداد الاخصام أفراد متمسكون بحجج تاريخية اعتبروها صحيحة راهنة وغيرهم لم يكن بيدهم سوى مستندات واهنة ونتف من تواريخ الكنيسة السريانية فطعنوا بسهام التهم ونشروا على اسمنا ستار التضليل وأحصونا مع الهراطقة بغيًا وعدوانًا. وغيرهم آخذونا على الأغلاط التي ادخلها في بعض كتبنا الطقسية أيدي الهراطقة الحسودين وجهل النساخ ولم يقبلوا عذرًا بشأنها. فهبت الغيرة الجنسية في صدور أبناء ملتنا وشرعوا يفلّون الكتب القديمة ولاتواريخ ليجدوا في أقوالها جوابًا لنا وترسًا تطيش عليه سهام الذين افتروا علينا وأبغضونا مجانًا. فهذا الذي حرّك مرهج نمرون على نشر كتبه الشهيرة وقاد السمعاني في أبحاثه الطويلة وهذه كانت غاية الدويهي الوحيدة في كل دروسه وتفتيشه وقد جمع نتيجة ما تحققه وأودع خلاصة ما وجده في كتابه المعروف بكتاب المحاماة (وقد طبع قسم منه تحت عنوان تاريخ الطائفة).

 

وهذا الكتاب يقسم إلى ثلاثة أجزاء: الأول يتكلم فيه المؤلف عن أصل الموارنة والقديس مار مارون وبطريركهم الأول مار يوحنا مارون ونسبتهم إليه. والثاني سماه المؤلف كتاب رد التهم ودفع الشبه فنّد فيه قول ابن بطريق الملكي الزاعم ان مارون الراهب قال بالمشيئة الواحدة في المسيح وردّ على التهم الاخر التي قذف بها هذا المؤرخ الموارنة. وأوضح كذب توما الكفرطابي وردّ مطولاً على قول غليلمو الصوري وغيره من مؤرخي الافرنج الذين عينوا لرجوع الموارنة إلى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية آونة لم يتفقوا عليها وقد كذبت آراءهم حقيقة التاريخ. والثالث سماه المؤلف الاحتجاج عن الموارنة بحث فيه مطولاً عن الأضاليل المذهبية التي ادّعى بعض رهبان الافرنج أنهم وجدوها في كتب الموارنة ورد على جميع أقوالهم وأثبت صحة إيمان ملته بالبراهين الراهنة والحجج القاطعة السديدة. وهذا الكتاب لم يطبع لأن ناشر الكتابين الأولين لم يقف عليه مع أن نسخه غير نادرة (13).

 

وهذه الكتب الثلاثة قد نقلها الأب بطرس مبارك (14) إلى اللاتينية لكنها لم تطبع بهذه اللغة فلا عجب من عناد الافرنج ومخاصمتهم الطائفة المارونية في أمر ثباتهم في الوحدة الكاثوليكية. وهذا التأليف يدل على سعة علم صاحبه وتدقيقه الغريب وضلاعته في قواعد المنطق والجدل وسمو ذكائه ومهارته في تفنيد الآراء وطول حجته في نقضها والرد عليها. وأغرب ما نرى في جدله انه لا يفوه البتة بكلمة ما تمس أخصامه مهما كانوا أو تدل على الاحتيال في الرد أو الالتجاء على التهكم والهجو بل انه لم يخرج قط عن دائرة الآداب والاحترام ولم يستند إلا على قوة البرهان فتأخذك من مطالعة كتابه الهيبة والوقار. وقد نسب بعض المؤرخين إلى البطريرك إسطفان تأليفًا في العظات. قال البطرك سمعان عواد في ترجمة الدويهي: "صنّف كتابين في العظات". وروى ذلك المعلم رشيد الشرتوني في مقدمة كتاب منارة الأقداس. وأذاع أن لديه نسخة من مواعظ الدويهي.

 

وروى السمعاني في سلسلة بطاركة انطاكية المارونيين التي نشرها في رومة القس يوحنا نطين ان الدويهي صنف ثلاث خطب في العظات وكتب البطريرك بولس مسعد أن للدويهي ثلاثة كتب تتضمن عظات الا ان الدويهي لما ذكر تأليفه في رسالته إلى البادري بطرس مبارك لم يشر إلى شيء من ذلك وأظن أن المراد بهذا التأليف عظات ألقاها في حلب وجمعها لفائدة أبناء رعيته وأرجح أنه جمع في كتيب العظات التي ألقاها على الشعب حلب أثناء وجوده في الشهباء مع المطران اندراوس اخيجان ودليل ذلك قول الدويهي في كتابته المذكورة آنفًا وهذا نصه: "رجعت أنا بنفسي معه (المطران اندراوس) وكنت أساعده في المشورة وفي كتابة الكرز الذي كنت أعطيه." ا هـ (15).

 

ومن سكوت الدويهي يستدل أن هذا المجموع ما كان بعينه حريًا بالذكر كما انه لم يذكر شيئًا عن المقالة التي وضعها في الفردوس الأرضي وهو في رومة والتي كتبها عند تقديم الفحص على العلوم الفلسفية وقد مر ذكرها في الفصل الأول واقتداء به لا نطيل الكلام عن هذه الكتب المفقودة ونكتفي بالإشارة إليها وبعبارة الأسف على ما فقد منها مهما كانت (16).

 

وقد استحسنا أن نذكر في هذا المقام ما عثرنا عليه بخط يد البطريرك إسطفان تنبيهًا للأفكار ليسهر على هذه الذخائر أربابها ويحفظوها ذكرًا خالدًا للدويهي حتى إذا رآها أبناؤها من بعدنا وسألوا آباءهم أخبروهم عنها ووصفوا لهم هذا البطل مثال الغيرة والجنسية وقدوة الكمال ومنارة الطائفة المارونية لأنه فرض واجب على الأبناء أن يذكروا مدى الأحقاب أولئك الذين هدوهم إلى معرفة الحق.

 

أولاً في الكرسي البطريركي بعض صفحات في السجل المعروف باسم الدويهي وهو الأول من السجلات البطريركية. وبعض صفحات غيرها في مصحف قديم نخره العث أتى به الدويهي من قبرس ثم مسودة التاريخ غير كاملة. ثم مسودة كتابي رد التهم والاحتجاج أكثرها بخط يده ثم الشرطونية المعروفة باسمه وكلها بخط يده كما قلنا.

 

ثانيًا في دير فيترون بين الكتب المأخوذة من مكتبة دير اللويزة نسخة حسنة جدًا لكتابي نسبة الموارنة ورد التهم وهذه النسخة أخذ عنها رشيد أفندي الشرتوني في كتاب تاريخ الطائفة ويسميها نسخة اللويزة وقسم كبير من هذه النسخة بخط الدويهي وقد خفي عليه ذلك فلم يعوّل عليها التعويل الواجب.

 

ثالثًا في دير الكريم نسخة للكتابين المار ذكرهما وفيها صفحات كثيرة بخط المؤلف رحمه الله.

 

رابعًا في مكتبة كرسي مطرانية قبرس شرطونية بخط يد يوسف شمعون الحصروني وعلى هامشها بعض عبارات وفي صدرها مقدمة بخط الدويهي

 

خامسًا في مدرسة عين ورقة في مجلد يشتمل على شرح التكريسات وشرح الشرطونية صفحات كتب عليها سلسلة الدول الإسلامية في سوريا وبغداد ومصر وقسطنطنية.

 

سادسًا عند سيادة المطران بولس مسعد كراسة غير كاملة فيها تراجم تلاميذ المدرسة الرومانية. ونسخة لشرح الشرطونية كتبها القس بطرس من آل زينون (وهو التولوي الشهير) وفيها تصحيحات علقها الدويهي بيده وفي آخرها سلسلة البطاركة وعليها بعض كلمات بخطه أيضًا. ومسودة كتاب الألحان السريانية.

 

ثامنًا في دير مار شليطا مقبس كتاب المنائر خطت يد المؤلف الطاهرة قسمًا منه. وكتاب النوافير والمعدعدان وهذه الكتب نقلت إلى المكتبة البطريركية بأمر صاحب الغبطة مار الياس بطرس الحويك سنة 1902 (17).

 

تاسعًا في دير بقلوش مسودة أخرى لكتاب أصل الموارنة ورد التهم والاحتجاج أكثرها بخط المؤلف.

 

عاشرًا لدى سيادة المطران عبدالله خوري مطران عرقا نسخة كاملة لكتاب منائر الأقداس كلها بخط المؤلف وقد وجدت في بلدة إهدن.

 

قيل في المثل: إن الكلام يحرك سامعيه والعمل يحمل الناظرين على العمل. وعظام الرجال قرنوا الكلام بمثال أعمالهم فسلك الأعقاب على آثارهم. فمن الناس من افتخر بخدمة أفكارهم وتنفيذ أوامرهم ومنهم من ابتغى الوصول إلى المنزلة التي حصلوا عليها فحذا حذوهم وجدّ في العمل تشبهًا بهم. والناس كلهم تلامذة وجنود لمن ينشر لواء الدين والفضيلة والوطنية والعلم. وإننا نرى لمثل الدويهي تأثيرًا عظيمًا في بني جبلته ليس فقط في معاصريه بل أيضًا في الأجيال التابعة. ويعلم الله أنّ كل من كتب في الطائفة وناضل عنها من ذاك الزمان سار على آثاره وكل من سطر تواريخها ونشر معرفتها استنار بأنواره. وهذا فخر وشرف لا يحصل عليه سوى القليل من الناس لا بل نقول أن كل الأعمال الخطيرة التي تشرفت بها الطائفة علمًا وعملاً كان مبدأها في عهد الدويهي فهو الزارع الذي ألقى بذاره سائرًا بالبكاء وأتى مقبلاً بالفرح حاملاً الغمار (مز: 125). في عهده نشر ابن نمرون كتبه التاريخية وأثبت فيها تمسك الموارنة بالإيمان الصحيح. في عهده وبإيعازه طتب الخوري بطرس التولاوي تآليفه اللاهوتية والفسلفية النفيسة. وفي عهده أزهرت العيشة النسكية في لبنان وانضم رهبانه وأدياره إلى واحد برابط النظام والقانون الرهباني. في عهده قدم إلى هذه الديار جبرائيل فرحات وصنف الكتب الشهيرة التي تتداولها الناس شرقًا وغربًا. في عهده أرسل السمعاني إلى رومة وخرج منها وصار حجة المؤرخين وزعيم المستشرقين وللدويهي في إرساله ما للغارس على الشجرة من الفضل. وبأمره سار إلى رومة الخوري الياس السمعاني الذي وجد في دير النطرون في مصر المصاحف السريانية الشهيرة التي تخاطفها العلماء الأوربيون وأتحفوا متاحفهم (18). وهو الذي وجه إلى رومة جبرائيل حوا بعد انفصاله عن الرهبان الحلبيين وحثه على طبع الكتب اللازمة للطائفة كما ينبئنا المذكور في مقدمة كتاب المزامير الذي طبعه في رومة سنة 1737. وهو الذي التمس من الكرسي الرسولي طبع كتابي الأناجيل والرسائل في السريانية والعربية ليسهل على جميع الكنائس اقتناؤها وتلاوتها في الاحتفالات البيعية كما أخبرنا مرهج بن نمرون في مقدمة كتاب الأناجيل المذكور الذي وقف على طبعه في رومة سنة 1703. وهو الذي أرسل بطرس بن مبارك إلى إيطالية. وهو الذي وجه إلى ورمة ابرهيم الغزيري ومخائيل المطوشي القبرسي ليسعيا في تجهيز مطبعة لكتبنا الطقسية. ناهيك عما ذكرنا من التآليف التي صنفها وسعى بنشرها مناضلة عن الطائفة ونشرًا للطقوس الشرقية.

 

ولزيادة بيان حرصه وتدقيقه في إيراده الأخبار وكلفه في الحوادث التاريخية نذكر انه نقل الكتابة التي على نهر الكلب من عهد مرقس اورليوس انطونيوس قيصر وأرسلها إلى رومة مع أن سوق الآثار القديمة كانت وقتئذٍ في كساد (19).

 

والمركيز دي نوانتل الذي تقدم الكلام عنه في غضون أسفاره في الديار الشرقية سأل رؤساء الطوائف والملل المسيحية عن اعتقادهم واعتقاد شعوبهم في سر القربان المقدس وكان كلفه بذلك ملك افرنسة وعلماؤها رجاء أن يكون جواب الشرقيين واعتقادهم ردًا على البدع الابروتسطنتية وفي الكتاب الذي نشره في باريس الأب بتو سنة 1674 تحت هذا العنوان "في ثبات قول الكنيسة الجامعة بوجود المسيح في الافخارستيا" تقرأ شهادة بطريركنا المغبوط وقع عليها اسمه "الحقير إسطفانس بطرس البطريرك الانطاكي. عن دير قنوبين في 12 حزيران سنة 1984 يونانية و1673 للمسيح (20).

 

إن في ما قلناه برهانًا كافيًا على علم الدويهي وعلو المناقب الأدبية التي زينه الخالق بها ليكون شرف عصره وفخر أمته بقي علينا الآن أن نورد ما قاله فيه بعض معاصريه من الذين عرفوا منزلته السامية. فالعلامة مرهج بن نمرون الباني في كتابه عن اسم الموارنة وأصلهم واعتقادهم حين يتكلم عن الكتب القديمة التي كانت محفوظة في لبنان ومصونة من شوائب الارطقات يسند كلامه إلى شهادة الدويهي ويقول عنه ما مودّاه انه رجل ذو فضيلة سامية وعلم واسع وله في الإلهيات وتواريخ البيعة والطقوس الغربية والشرقية معرفة تفرد بها وامتاز عمن سواه: وفي مكان آخر يتكلم عن كتب الموارنة القديمة أيضًا نقلاً عن الأب نو اليسوعي وهذا أقرّ له أنه اجتناها من محادثة البطريرك إسطفان. وفي الكتاب المذكور أعلاه عندما يتكلم الباني عن الموارنة الذين اشتهروا بالعلم يقول: عن تاج علماء الموارنة ورأسهم السيد الكلي الشرف إسطفان الإهدني بطريرك كرسي انطاكية. وتآليفه العديدة خصوصًا ما كتبه عن الطقوس الشرقية وموافقتها مع الطقس اللاتيني تعلن درجة علمه الرفيعة. ا هـ. (راجع أيضًا مقدمة كتابه).

 

وقد نقل كلام مرهج نمرون دلاروك في سفرته إلى سوريا ولبنان وختم كلامه بهذه العبارة: قد تشرفت بمقابلة هذا الحبر سنة 1690 في مقره في كسروان ووجدت فيه من العلم والفضيلة ما يستغرق وصفه كتابًا طويلاً (21).

 

وروى الكلام عينه لكيان في كتابه المشرق المجلد الثالث ص 72 و73 ومدح الدويهي مدحًا بليغًا وذكر كلام بلاسيوس ترزي عنه إذ قال: أنه رجل عالم أتقن لغات كثيرة إلى ما ليس وراءه غاية. ا هـ. وأثنى على تآليفه التاريخية والدينية استنادًا على شهادة السمعاني.

 

ولا حاجة إلى إيراد قول رئيس العلماء يوسف سمعان السمعاني في شأن الدويهي لأنّه أدّى له الاحترام والوقار طول حياته وكان في خاتمة برهانه يذكره ولا يزيد على حجته وإذا وجده غير مصيب في أمر ما أصلح الغلط واعتذر عنه. وإذا ذكره في معرض كلامه عن تاريخ الموارنة أو عن الطقوس الشرقية خلت القديس توما يتكلم عن أرسطو أو أحد معلمي الإلهيات عن ملاك المدارس وكما أنهم يقولون قال الفيلسوف أو قال المعلم. هكذا يكتب السمعاني: قال الإهدني.

 

وقال عنه يوسف مبارك مطران صيدا في آخر كتاب الشرطونية الذي سبقت الإشارة إليه: "أب الآباء ورئيس الرؤساء الجالس على كرسي بطرس المكلل في جميع العلوم الإلهية والطبيعية والرياضية فريد عصره في معرفة التسليمات الرسولية وقوانين المجامع الارثوذكسية الحاوي جميع فضائل القدماء وفائز على علماء زمانه الأب الأقدس سيدنا وتاج روسنا البار مار إسطفانوس الهدناني المعظم بطريرك مدينة الله انطاكية وسائر المشرق. تكون تعلم أيها القارئ الماهر انه من حين جلس هذا الأب النبيل القديس على الكرسي البطريركية لأجل زيادة غيرته الإلهية فحص أكثر كتب طائفتنا وصححها وردّها إلى نص الرسل الأطهار والآباء الأبرار وتعب خصوصًا على كتاب الرسامات والتكريسات والتبريكات والصلوات وسائر الرتب التي تصير في طول السنة. نطلب من الله سبحانه وتعالى أن يرفع شأنه ويعلّي كرسيه ويديم لنا حياته ويمد برئاسته علينا زمانًا طويلاً." ا هـ.

 

وكان المطران يوسف شمعون يسميه الحبر الفاضل والمعلم الكامل. والبعض كانوا يدعونه قبة الحكمة ومعلم الشرق. وحيد عصره وفريد دهره في العلم والقداسة إلى غير ذلك من الأقوال الفخيمة.

 

وقبل أن ننتقل إلى باب آخر نقول أن الحق نطق على لسان ذاك الذي كتب في كتاب عيد المائة سنة للمدرسة الرومانية: ملاحظة: كتابة سريانية "لا يفي الكلام بمدح هذا الحبر المفضال". لأنه لم يقم في الشرق كثيرون مثله ولا نستصغره عن أكبر الملافنة. فبالتاريخ ضاهى ابن العبري وبالكلام عن الأسرار المقدسة والغوامض الإلهية شابه الدمشقي ولو أنه عاش في القرون الأولى لاعتبره الأيمة كأحد آباء الكنيسة. لكن بالغيرة على الدين الكاثوليكي والمناضلة عن أبناء الكنيسة عمومًا وعن طائفته بالخصوص فإنه فاق الجميع فصار بتواريخه مبد تواريخنا وبمنائره منارة اعتقادنا وبجهاده ونزاهته مثال الرؤساء وفخر المرؤوسين. وبعد التأمل بأعماله وتآليفه واعتبار الظروف التي تقلب فيها نقول ولا نخاف كلمة معارض أنه أعظم ماروني علمًا وعملاً: أعظم من العمشيتي أعظم من ابن القلاعي أعظم من الحاقلاني أعظم من ابن نمرون أعظم من السمعاني نفسه في وجه طائفته بهذا المعنى أي أنه لم يكتب حرفًا ولم يعمل عملاً إلا لخيرها بعكس السمعاني الذي لم يخصص لها سوى القليل من تآليفه النفيسة والعديدة. لا بل أتجاسر وأشبهه بالسرومي لأنه شابهه في المعارف وحارب مثله أعداء الدين وركّن الطائفة على أساس الآباء القدمين ونشر بيننا معرفة الأجداد وأخبرنا من أي صخرة قطعنا فأضرم في قلوبنا محبة من سلفونا وتقدمونا في الإيمان ونشطنا على الثبات في الدين.

 

المراجع:

 

(1) وبمقدمتهم العلامة المفضال سيادة المطران يوسف نجم مطران عكا والنائب البطريركي.

 

(2) راجع مجلة المشرق 15 تموز 1899 ص 643.

 

(3) راجع ماي في في مجموعة الكتبة الأقدمين المجلد 5 ص 23.

 

(4) راجع المؤلف المذكور المجلد 5 عدد 211 و212 و213.

 

(5) راجع مجلة المشرق أول تموز 1903 ص 594.

 

(6) هذه الكتب التي وجدت في دير مار شليطا مقبس كانت قديمًا في الكرسي البطريركي ونقلها إلى الدير المذكور بعض البطاركة الذين جعلوه كرسيًا لهم وبالخصوص البطريرك يوسف التيان.

 

(7) نمرون. كتابه في اسم الموارنة... الخ ص 114.

 

(8) قد نشر هذا الشرح رشيد افندي الشرتوني وقد ذكر في المقدمة اني وعدته بالشرح الآخر واخلفت بوعدي فهذا افتراء مخالف واقع الامر وما كنت أظن أنّ أهل الأدب يقدمون على مثل ذلك.

 

(9) Hist. crit. Dr la créance et des coutumes des nations du Levant, par le S. de Moni. Francfort 1684. p 164.

 

(10) راجع نمرون في اسم الموارنة ص 121.

 

(11) حاشية: وقد عثرت في مسودة تاريخ الأزمنة على أسماء المؤرخين الذين أخذ عنهم بطريركنا المغبوط وإليك ما وجدته بحروفه:
من تواريخ الشيخ أبي جعفر محمد بن جرير بدوه من ظهور الإسلام والهجرة التي كان بؤها سنة 622 للرب وآخره إلى وفاة المستظهر بالله الذي هو التاسع والأربعون من أمراء المسلمين والثامن والعشرون من خلفاء العباسيين وكانت وفاته سنة 517 وسبعة أشهر ويومين للهجرة أما للعالم 1069 سنة و11 شهرًا و99 يومًا (شمسية).
كتاب تاريخ أمراء الغرب التنوخيين بدؤه سنة 527 للهجرة إلى 922. يحتوي ولاية أربعماية سنة من ملوك دمشق ومصر والترك وأمراء الغرب التنوخيين.
كتاب دوحة الأزهار الاسحاقية من بدء الهجرة إلى سنة 1031 هجرية.
قطب الدين (كنوته عشرة القرآة). تاريخ مرآة الزمان مبسوطة في نحو ثلاثين مجلدًا كبيرًا – تاريخ المختصر في أخبار البشر لابن أيوب صنفه عن تاريخ ابن الاثير ويسمى الكامل – شمس الدين بن خلكان – عيون التواريخ للشيخ المؤرخ صلاح الدين محمد بن شاكر الكتبي – تاريخ المسعودي – ابن الحريري – تاريخ الكاتب جرجس بن عميد النصراني – تواريخ حمزة بن أحمد بن سباط من بلاد الغرب من ثغر بيروت من سنة 527 إلى سنة 1183م. – تواريخ لوريدان عن ملوك قبرس من بلدوين الابرص – وغير ذلك من كتب التواريخ المتضمنة حوادث الزمان.
واقتصر عن ذكر الأمور خوف الاطالة لأنّ الغرض في هذا الكتاب الاختصار ولو أتينا على شرح مبسوط للأخبار والمكاتبات والمطالعات وفنون الأحاديث لخرجنا عن حد الاختصار بل ذكرنا كلّ شيء كي يفهم اللبيب الحاذق. والعلم بالبعض خير من الجهل بالكل كما قال الشاعر:
ما حوى العلم جميعًا واحد                   حتى ولو مارسه ألف سنة
إنّما العلم كبحر زاخر                            فاتخذ من كل شيء أحسنه

 

(12) يذكر ماي في مجموعة الكتبة القدمين المجلد 5 ص 24 كتاب الحبريات الذي رتبه الدويهي وعليه بيان الكنائس والمذابح التي كرسها من سنة 1670 إلى سنة 1698.

 

(13) راجع المشرق 1 تموز سنة 1903 ص 594.

 

(14) راجع المكتبة الشرقية المجلد 1 ص 504.

 

(15) قد عثرت على مسودة عظات بخط الدويهي وزار ارتيابي بوجود هذا التأليف. والمخطوط المذكور وجدته عند الأب العالم الخوري بطرس حبيقه.

 

(16) وقد قرأت في مقدمة كتاب ليوحنا الدويهي عنوانه "عامود إسرائيل" أنّ يوحنا المذكور وضع أربعة كتب في الوعظ والإرشاد. فهل شبه الأمر على المؤرخين ونسبوا هذا التأليف للبطرك إسطفان؟ (مكتبة دير فيطرون).

 

(17) راجع المشرق تموز سنة 1903 ص 593 وما يليها.

 

(18) راجع مقدمة المكتبة الشرقية وتاريخ الشهداء لإسطفانس عواد السمعاني ص 31.

 

(19) راجع انجلو ماي: الكتبة الأقدمون: مجلد 4 ص 409.

 

(20) راجع ما ذكره عن هذه الشهادة الأب رباط في مجلة المشرق سنة 1903 عدد تشرين الآخر ص 973.

 

(21) راجع Evoplia في المقدمة ودلاروك صفحة 98.

 

الفصل الحادي عشر

 

في قداسة حياته وطهارة سيرته 1

 

من الناس من يفتخر بما تملك يداه من حطام هذه الدنيا الفانية وهذا يخدع ذاته ويغرها بالأباطيل. ومنهم من يتيه بمعارفه وعقله وهذا لو فكر بما يجهله لمات حزنًا من غباوته. ومنهم من ترتجف الشعوب أمام عظمته وهو يستنشق الفخار والمجد كالهواء وينسى أنه تراب وعائد إلى التراب ولعمري ليس الغنى شيئًا ولا الجاه ولا العلم ولا الجبروت بل كل ما في هذا العالم باطل ما خلا حب الله وخدمته تعالى. هذا هو الكنز الذي لا تناله يد السارق ولا يأكله سوس. هذه هي الحكمة الحقيقية بل رأس الحكمة. وهذا هو السلطان الذي يخضع تحت أقدامنا قوات النور والظلام فهدع الجهال ومالهم. ودع الأمم وحكمتها ودع العظماء وشأنهم أما نحن فلنا كنوز في السماء وقد صار لنا المسيح حكمة وقوة. فإذا لمع تجاه أعيننا المال البراق واستغوتنا اللذات المسكرة انثنينا عنها بالفرح وأملنا عنها أبصارنا نحو القائل: طوبى للمساكين. طوبى للجياع والعطاش: وإن عيرنا أبناء هذا العالم بمعرفهم وحكمتهم أجبناهم: لا نعرف شيئًا سوى المسيح مصلوبًا الذي اختار الجهال ليخزي الحكماء. وإن ضيق علينا اركون هذا العالم واضطهدنا فرحنا بسلوى الروح الذي يفيض السلوان في قلوب خائفيه ذاك الذي وعد المبغضين لأجل اسمه أجرًا عظيمًا في السماء. فيكون شرف المسيحي المتعبد لله ورجاؤه لا في الأمور المنظورة بل في تلك التي لا ترى وبهذا يمتاز عن بقية الناس لأن الإنجيل وحده علم الآدميين التنزه عن الدنيويات وجعل الفخر في الفقر والحكمة في خضوع العقل لكلمة الله وسعادة الدنيا في راحة الضمير وأنزل الأعزاء عن كراسيهم ورفع المتواضعين فمهما قلنا عن المسيحي ومهما وجدنا فيه من العظمة والقدرة والعلم إن لم يكن على رأسه إكليل القداسة فهو حقيقة أحقر الناس.

 

وللطائفة المارونية أن تفتخر بأنها تأسست بالقداسة على صخرة الإيمان ونشأت بالقداسة وثبتت على القداسة كأن الله الذي خلقها وحفظها في الفقر أراد أن تتزين بالفضائل وتتكلل بالنعمة وتبلى بالمحن والكوارث لتقوى على الأعداء الغير منظورين فأضحت بنعمته تعالى عروسًا نقية لا يشوب بهاءها دنس. ومن درس آثارها وزار أديارها أذهله ما بقي في لبنانها من علامات القداسة وحار فكره في شدة تمسك بنيها بعرى التقى وخوف الله. ومن بحث في تواريخ رؤسائها الفاهم يتقلدون الفضائل مع الرئاسة ويتوارثون مع سلطانهم الرهيب ضروب الزهد والقداسة. وحق لنا أن نقول مع أحد أصفياء الله: إننا بنو مدينة القديسين وإن حرمنا الله من هذه الدنيا فننتظر منه الحياة التي يهبها للذين لا يصرفون عنه إيمانهم (طوبيا 18:2).

 

فالبطريرك إسطفان الدويهي كان خلاصة الشعب الماروني وفيه تقمصت الفطرة المارونية بكل صفاتها الحسنة وذلك منذ صغره ولما تسنم المراتب العالية واطلع على أخبار سلفائه الأبرار أخذ من أمثالهم سبيلاً لممارسة الفضائل كلها فصار بإيمانه كابرهيم الخليل وشابه باتكاله على عناية ربه وتدبيره أيوب الصديق وأحب السيد المسيح كالتلميذ الحبيب وزيّن عنقه بقلادة الفضائل الإنجيلية فأمسى مثال الرعاة الصالحين. ولأجل بيان ذلك نورد في هذا الباب ما كتبه معاصروه (2) لئلا نقع في شرك المبالغة أو يتهمنا القارئ بالتفخيم والتبجيل.

 

فإذا تصفحنا ترجمة حياته نرى أنه من حين دخوله المدرسة الرومانية اكتسب رضى معلميه ومحبتهم ليس باجتهاده في الدرس فقط بل بقداسة حياته وطهارة سيرته. وروى البطرك سمعان عواد أن اجتهاده في اكتساب الفضائل والابتعاد عن كل خطية كان عظيمًا جدًا حتى أن معلم اعترافه كان يشهد انه لم يجد فيه أكثر الأوقات مادة كافية لإعطائه الحلة وكان رفاقه في المدرسة يقولون انه لم يفعل شيئًا يمكن أن يكون خطية عرضية. وفي أيام الآحاد والأعياد والبطالات المدرسية كان تردده إلى المكاتب والكنائس.

 

وما برح ينمو في الحكمة والنعمة عند الله والناس يومًا فيومًا. ولما اعتراه مرض العينين كما سبق الكلام في محله ذهب إلى الكنيسة وخر ساجدًا أمام مذبح والدة الإله فمنحته شفاء تامًا وفي عمله هذا واتكاله على أم المخلص دليل على تقواه العظيمة وإيمانه الوطيد.

 

ومنذ مبارحته المدرسة أخذت الفضائل التي كان تعلم ممارستها تظهر إلى الخارج وتذهل كل من كان يدنو منه. فمن هذه الفضائل التواضع المسيحي القائم بمعرفة الإنسان ذاته معرفة حقيقية رغمًا عن تعظيم الناس له والبرقع الكثيف الذي يغطي بصيرة الكبار إذا وجدوا بين قوم سذّج ونظروا إلى معارفهم وجهل من يحيط بهم وأمالوا آذانهم إلى أحاديث المرآئين المدلسين. وهذه الفضيلة التي سماها الروحانيون أساس الحيوة المسيحية ومبدأ كل الفضائل ظهرت في البار إسطفانوس منذ صباه فلما تمم دروسه ورغب إليه سادات المجمع المقدس وغيرهم أن يبقى في رومة رفض ذلك تعلقًا منه بوطنه وطائفته استكبارصا لطلبهم. ولما كانت الجموع تتراكض لتسمع محاوراته التي كان يقيمها في المدرسة ما كان يفتخر ولا يتكبر على رفاقه بل بعكس ذلك كان يحسب ذاته أدنى الجميع وأصغرهم وهذه الشعائر الباطنة كانت تظهر في توقيره للجميع وانقياده لهم في سائر الأمور. وعند رجوعه إلى قريته لم يطلب العلا والمديح بل اختبأ في دير واعتنق الانفراد الرهباني طوعًا وتفرغ للأعمال الوضيعة ولتعليم الأولاد ولترويض بني بلدته في أعمال البر مبتغيًا رضاه تعالى لا غير. ومكث في تدبير النفوس وتعليم الشعب وسياسة الرعايا إلى أن دعاه الله إلى البطريركية وإذ علم بوقوع انتخاب السادة المطارين عليه فرّ هاربًا وتخفى إلا أن الله لم يبلّغه منيته. لكنه قبل أن يثبته على كرسيه ودليلاً على رضاه تعالى عنه امتحن صبره وتقواه لأن الله يمتحن بالتجربة الذين يخافونه. فقام عليه نفرٌ من الطائفة وطلبوا عزله عن البطريركية فألقى همه على الرب وسلم إليه تدبيره وفي الحال كتب للخوري يوسف شمعون أن يرجع بدون برآة التثبيت فلم يسمح الله أن تطبع صورة الخاتم معلنًا بهذه الآية أن انتخاب إسطفانس صار بإلهمامه وإرادته القدوسة لا من اللحم والدم ومن هذا الحادث يعرف القارئ سمو فضل هذا البطريرك ونزاهته عن المقاصد الزمنية والأفكار البشرية.

 

وسأله مرة أحد أصدقائه عما إذا كان كتب شيئًا من تآليفه الكثيرة حبًا بالاشتهار وتظاهرًا بالعلم فأجابه أنه لم يكتب إلا ما يراه الحق والصدق بدون غرض شخصي البتة. وقد أشرنا في باب آخر إلى أدبه واحترامه للأخصام فلم يهزأ ولم يستخف بأحد منهم ولم يمسهم بكلمة واحدة قارصة مع ما في هذا الأمر من الصعوبة فإنه فضلاً عن مراعاة الآداب وضع نصب عينيه محبة القريب كما سنها المخلّص في إنجيله الطاهر.

 

وكان في بطريركيته إذا قدم إليه بعض المظلومين يمد لهم يد المساعدة وينتصر لهم وإذا دخل عليه أحد الفلاحين كان يلاقيه إلى الباب ويجلسه على كرسيه ويسكب له خمرصا في قدحه ويناوله إياه ويعامله كالأم الحنون ولا يصرفه إلا مسرورًا مجبور الخاطر. وشهد لنا البطرك سمعان عواد أنه كان متضعًا على السدة البطريركية أكثر مما لو كان خادمًا في المطبخ. ونحن لا نريد زيادة على هذه الكلمة بل نطلب من القارئ الفاضل أن يمعن فيها النظر ويتأمل عظم هذا الاتضاع في مثل هذا المقام السامي.

 

ولا يتوهم أحد أن الاتضاع يستلزم الضعف أو يولده فإن سير القديسين جميعهم تزيل هذا الوهم والتواضع المسيحي المبني على معرفة الإنسان نفسه وعلى معرفة واجباته نحو الله والناس يحمله على احتقار الذات ويقويه على تتميم فروضه وعلى القيام بحقوق وظيفته ورتبته. فالبطريرك إسطفان مع ما كان عليه من التواضع كان يحافظ على شرف مقامه أمام الناس ويبين في تصرفاته درجته العالية التي لم يسمح لأحد قط أن يبدي نحوها إمارات الاحتقار. وهذا أيضًا من غرائب الدين المسيحي فإنه يعتبر الاتضاع كأكبر الفضائل الراهنة ويطلب في القديسين القوة والنشاط وهما في تعليمه هبتا الروح القدس. فالبطرك إسطفان مارس التواضع كالقديسين وأفاض الروح القدس هاته المواهب في قلبه فأظهرها في أعماله واحتمل من الشدائد ما لا تقوى عليه قدرة الإنسان إن لم يعضده الله وقد ذهب مؤرخو حياته إلى أنه يرَ قط يوم راحة في مدة رئاسته كلها ولما كان الحكام والمشائخ والأمراء يسعرون نار الحروب باختلافاتهم ومطامعهم كان البطريرك يتأثر في قلبه ويحزن من خراب وطنه وضرر أبنائه وكان يدافع ويقاوم ويناضل بلا راحة ولا خوف ويجاهد للحق ولو لحقه الأذى. وجمع مرارًا أعيان الجبة وحثهم ليتفقوا على إقامة حاكم ثابت لها وكان يبكتهم ويوبخهم ويعلن سخطه عليهم إذا لم يطيعوا. وكلفًا بهم وبخيرهم الزمني والروحي قاسى أهوالاً وعذابات لم تنزل بغيره بصبر لا نفاذ له ونشاط ل يعرف الملل. وقد ذكر مؤرخ حياته البطرك سمعان عواد أنه قبل الشتم والعار مرارًا وكان يفر هاربًا أمام مضطهديه من مقاطعة إلى أخرى واختبأ كثيرًا في المغاور وبين الصخور غير مبال بلهيب الشمس في الصيف وبقرص البرد والزمهرير في الشتاء وكابد مرائر الجوع أيامًا طويلة واقتحم الموت مرارًا وما كان نجا منه لو لم تحفظه العناية الربانية وتعقبه أعداؤه مرة في أيام شيخوخته فاضطر أن يطوف في الأحراج والوديان "على شبه البهائم والوحوش (3) " حتى كاد يموت من شدة البرد والزمهرير فنزل في قلب ليلة مقمرة مع يازجيه الخوري الياس شمعون الحصروني وحده من مغارة موقعها تحت قرية الحدث في الجبة وعند وصوله إلى سيدة الكرم وهي كنيسة صغيرة إلى جنوبي وادي قاديشا وحولها بيوت شركاء الكرسي البطريركي وجدها مقفلة فوقف قدام الباب وكشف رأسه وصلى نحو ربع ساعة ثم نزل إلى النهر وعبره وسار على طريق قنوبين ولما وصل فوق المطحنة التي إلى جانب الجسر احالي أنهكه التعب وخانته قواه فجلس في الطريق فنصحه رفيقه أن يقوم من هناك لئلا يراه أحد من الأعداء لأن ضوء القمر كان أحال الليل نهارًا ولئلا يؤذيه الهواء البارد الآتي من الوادي لأنه كان عرقانًا من عنف المشي وصعوبة الطريق فقام وتنحى عن الطريق وجلس في ظل تلّ قريب واتكأ رأسه على العصا التي كانت بيده وأخذ ينتفض من البرد فرقّ لحاله كاتبه المذكور وخاف على حياته وحار في أمره وبعد نصف ساعة وهو على هذه الحالة وافاه مكارو الدير الذين كانوا ينتظرون قدومه فركب وسار معهم نحو دير حوقا إلا أن الطريق لم تمكنه من الركوب فاضطر أن يمشي رغمًا عن وعورة المكان وكان إذ ذاك ابن سبعين سنة فما بلغ الدير إلا على آخر رمق. وزد على كل ذلك أنه عند وصوله إلى دير حوقا وجده مقفلاً فأرسل بطلب المفتاح من قنوبين والتزم أن ينتظر رجوع الرسول في الخارج ومكث نحو ساعة معرضًا للاهوية والبرد فلحقه من ذلك عذاب لا يطاق. ولما دخلوا الدير تمكن البرد من كاتبه من جراء ما قاسى في تلك الليلة فنهض البطريرك وأضرم نارًا وقدم له عرقًا وسقاه شيئًا منه ونسي نفسه وما زال يعالجه كالأم الرؤوف إلى أن شفي تمامًا.

 

ولما تآمر عليه بعض المطارنة والأساقفة وأرادوا أن ينزلوه عن كرسيه أشهر سلطة عليهم ووبخهم وتهددهم وحرم كل من يرى رأيهم ويعتصب معهم وكان يشعر بثقل حمل وظيفته السامية وكان عزم على أن ينتزل عنها لو لم يمنعه عن ذلك حبه للطائفة وعدم اكتراثه براحته الخصوصية. وفي كل ما كان يصيبه من الاضطهاد وما يتراكم عليه من الشدائد وما يكابده من البلايا والضيق لم يضطرب قط ولم يفشل ولم يحزن بل كان في كل وقت معتدل الطبع مسرورًا قابلاً كل شيء من يد الله وموجهًا أعماله كلها لمجد اسمه تعالى وعند نزول المصائب كان يكرر قول الرسول: إنّ جميع أوجاع هذا العالم لن توازي المجد الذي سيظهر فينا (4): وفي المغاور والأودية حيث كان يختبئ كان ينقطع للصلوات الطويلة والتأملات المديدة ولتصنيف الكتب لأنه لم يكفف عن القراءة والتأليف حيثما كان وأكثر تآليفه كتبها في البراري كما قلنا.

 

ومرة ما عاد كاتبه من طرابلس إلى قنوبين وأصابه في الطريق شيء من المطر ولما نظره البطريرك إسطفان في تلك الحالة نهض لساعته عن الفراش الذي كان ملقى عليه بسبب وجع رجله ومن داء النقرس الذي كان يعذبه وجعل يمشي على رجلٍ واحدة حتى وصل إلى الصندوق فناوله منه قميصًا ناشفًا وقدح خمر وأضرم نارًا ودعاه ليصطلي فانذهل كاتبه (5) من صبره على أوجاعه وشفقته على غيره. ومرة أخرى كان سائرًا في جرود الجبل بين الثلوج وكان البرد قارصًا حتى أن الخيل كادت تعجز عن السير ولما رأى البطرك رفاقه مؤلمين مكتئبين نزل عن فرسه وسار قدامهم ماشيًا رغمًا عن كبر سنه وأخذ يشجعهم بكلامه ومثله وظلم نفسه ليرحمهم وثقل على ذاته ليخفف شدتهم.

 

فهذه المزايا أي القوة والحنو والنشاط والجودة قلما توجد مجتمعة في شخص واحد مثلما كانت في البطريرك إسطفان الذي يمكن أن يقال عنه أنه كان قويًا صلبًا كالألماس وحنونًا كأم شفوق.

 

ولا حاجة إلى ذكر تمسكه بأذيال العدل والإنصاف في الأحكام وغيرته على أبناء الكنيسة وخصوصًا على طائفته وجهاده في نشر لواء الإيمان الكاثوليكي ومناضلته عن حقائقه المقدسة تجاه كل الأخصام. أما تقواه فإنها كانت عظيمة كسائر مناقبه فكان في الصلوة يكتف يديه ويحني رأسه ويطرق إلى الأرض ويجلس هكذا بدون حركة في حضرة الباري بكل خشوع ووقار. وفي مدة رئاسته على الكرسي الانطاكي كان يقوم في نصف الليل شتاء وصيفًا ويصلي ويتوسل إلى الله ساعات طويلة وسمعوه مرارًا كثيرة يتكلم مع مريم البتول التي كان كرّس ذاته لها بعبادة خصوصية وهي ترآت له أكثر من مرة خصوصا في أوقات هربه من وجه أعدائه والذين كانوا يطلبون قتله وقالت له مرة "ان لا يخاف على مال الدير لأن قشة منه لا تذهب" كما جرى بالحقيقة لأنه كان يبتعد عنه شهور وسنين ويأتي إليه الكفار والأعداء ولم يلحقه أدنى ضرر. وفي ذات يوم دخل أحد الرهبان إلى قلاية البطريرك فوجده يبكي وينوح فسأله عن سبب بكائه فأجابه: إنّ اللصوص الذين عارضوا مريم البتول في الطريق ماذا كان يمكنهم يسلبونها: وكان وقتئذ موضوع تأمله هرب البتول إلى مصر. وكانت هذه العبادة الحارة تنمو وتزهو بين أشواك التقشفات الجسدية التي مارسها حبرنا المغبوط منذ صباه فمن حين وجوده في المدرسة كان يميت حواسه في الأكل والشرب والنظر ولم يذق قط بواكير الأثمار الجديدة التي كانت توضع على المائدة وكان يترك ما يشتهيه الذوق وتميل إليه الطبيعة الحيوانية من المآكل والمشروبات وقال أكثر من مرة أنه لم ينهض قط عن الأكل شبعانًا وسأله مرة أحد أصدقائه عن السبب الذي كان يفعل ذلك لأجله فكان جوابه: أما تريد أن نميت الجسد أحيانًا بشيء يسير ونربح شيئًا يفيد نفوسنا. وانقطع عن أكل اللحم طول حياته ولم يذقه في أوقات مرضه إلا بإشارة مرشده وأمره وكان يمتنع عن المآكل الفاخرة ويرضى بكلما يأكله رهبانه. وكان زاهدًا قنوعًا ضيقًا على نفسه محبًا للفقر حب القديس افرنسيس الكبير له. فكانت قمصانه وسراويله عتيقة وكان يظهر أمام الناس بغنباز أزرق لبسه سنين عديدة. وحدث أن أحد الحلبيين أهدى إليه شقة حرير حسن اللون غالي الثمن ليقطع له ثوبًا يلتحف به فقال البطريرك عند قبولها: لو أنه عمل منها بدلة أو بدلتين للكنيسة لكان عمله أفضل. ولم يرد أن يلبسها بل أعطاها لأحد المكارين وأخذ منه رستميته العتيقة ولبسها.

 

فمن كانت هذه صفاته وفضائله هل يتركه الله أو يرد له طلبًا. حاشا. لأن الله لا يخيب المتكلين عليه ولا تغلبه خليقته بالجود. وقد شهد البطرك سمعان عواد في كلامه عن الدويهي ان أعماله كانت جميعها مرضية لله ولذاك صنع الله المعجزات على يده شهادة لفضيلته وتأييدًا لتعليمه فكل من غضب عليهم في أيام رئاسته أو أوقع بهم الملامات الكنائسية ماتوا مرذولين من الله والناس. فالبعض من الذين حرمهم البطريرك إسطفانس قضوا أجلهم في العذابات المختلفة والبعض قتلوا بالسلاح والبعض وقعوا في أيدي أعدائهم وماتوا موتًا شنيعًا. لأن الرب القدير حفظ لذاته الانتقام من الذين يصنعون السوء في عبيده. فإن البطريرك غسطفان حرم أحد رهبان الافرنج الساكنين جزيرة قبرس لنقائص ارتكبها فغضب المرسل المذكور وطفق يطعن بالبار إسطفانس ثم همّ بالسفر إلى لبنان ليؤنب البطريرك على ظلمه لكنه عند وصوله إلى المينا انقض عليه الموت كالصاعقة وقد روى هذه الآية القس جبرائيل حوا نقلاً عن يوسف الكلداني والمطران إسحق مفريان السريان الذي كان مع الدويهي لما صارت هذه الآية. وحرم الدويهي خوريًا في بلاد صيدا لنسخه كتبًا ممنوعة فمات بعد ثلاثة أيام.

 

وحظي البطريرك إسطفان بنعمة جزيلة من لدن الرب الذي منحه في حياته وبعد مماته قوة صنع المعجزات وشرفه في أقطار المسكونة وجعله مصباحًا في بيعته ينير السالكين في طرق الخلاص. ونحن نذكر هنا الآيات التي جرت على يده وبشفاعته كما وجدناها وكما رواها مؤرخو حياته وإن جهلنا زمان حدوثها:

 

قيل أنه لما كان في قرية مجدل معوش التهبت النار في حظيرة أحد الدروز فطفق هذا يتوسل إلى أوليائه وليس من يستجيبه فقال له الحاضرون توسل إلى شيخ مجدل معوش يريدون بذلك البطريرك إسطفان فصنع وللحال طفئت النار ولم تحدث بماله ضررًا. ولما كان الغد أخذ ماعزًا وغير ذلك حسب مكنته وقدمه للبطريرك وأخبره القصة بالتفصيل.

 

وفي أثناء وجوده في القرية المار ذكرها أي بين سنة 1683 – 1685 تعاهد بعض أهالي القرى المجاورة أن يأتوا بهدية إلى مجدل معوش لتقبيل أقدام البطريرك والتماس بركته وفي صباح يوم مجيئهم وجد أحدهم غائبًا فلم يدعوه ولم ينتظروا قدومه ولما حضر من غيبته وعرف بذهابهم دونه اغتاظ من ذلك جدًا وعزم على التوجه وحده لكنه حار في ما يقدمه للبطريرك وفي كيفية مواجهته له لأنه كان فقيرًا وبعد التروي أخذ شنبلاً من القمح ومضى. فقبله البطريرك بكل حنو وبشاشة وباركه وبارك ماله وأرزاقه فلما عاد الرجل إلى بيته رأى وعاء القمح مملوءًا قمحًا فأخذه العجب وذهب أخبر سيده بذلك وكان هذا درزيًا فأخبر الأمير بكلما جرى فقال له الأمير: لا تتعجب فإن البطريرك إسطفانس قد صنع آيات تفوق هذه الآية. وكان الأمير يقول عن البطريرك أن له دالة عظمى على الله تعالى. حتى أنه كان يقول أيضًا: إن الملة المارونية إذا فقدت هذا البطرك لا يبقى لها حال.

 

ومرة أخرى شتمت امرأة أختها واتهمتها بأمور شريرة زورًا على سماع البطريرك فقال لها البطرك هذا اللسان يستوجب الربط. وفي الحال اعتقل لسانها.

 

ومرة استدعى البطريرك مشائخ الجبة وأعيانها للنظر في حالة البلاد وكان محل الاجتماع تحت شجرة تين في قرية أيطو ولما أبوا الانقياد لكلامه طعنهم بنبال الحرم وغضب عليهم فللوقت يبست التينة وتناثرت أوراقها وشهد البطريرك سمعان أن هذه التينة كانت باقية في أيامه ناشرة على أغصانها اليابسة قوة سخط الدويهي.

 

ولما كان في بكفيا في إحدى السنين انحبس المطر مدة طويلة حتى أن الزروع والأشجار تلفت وورق التوت تساقط وطلبوا أن يعمل طوافًا (زياحًا) في القرية ابتهالاً لله فلما كان اليوم الثاني قدم الذبيحة الإلهية على هذه النية واحتفل بالطواف مع أهل القرية وبعد الحفلة إذ جلس على المائدة للغذاء سمع صوت الرعد ثلاثًا فظن البعض أنه صوت مدافع بوارج دخلت ثغر بيروت وبينما هم يتحدثون تغير الجو وهطلت الأمطار بغزارة وانتعشت الأرض والنبات. وكان حاضرًا في بكفيا رجل تركي وعد أنه يصير نصرانيًا إذا أمطرت السماء فعندما رأى المطر فرّ إلى بلاد الدروز خوفًا من أن يلزموه بما وعد. وبعد ذلك بقليل لقي جزاء كفره وقتل.

 

ولما كان البطريرك في بكفيا كان أحد الأولاد مريضًا وقد أشرف على التلف فلما رأى أبوه حاله أرسل أحد بنيه إلى الكنيسة حيث كان البطريرك إسطفان يقدمك الذبيحة الإلهية وأمره أن يأخذ في آخر القداس قليلاً من التراب الذي كان واقفًا عليه ففعل الولد كما أمره أبوه ثم أخذ التراب وذوبه بقليل م الماء وسقى ابنه المريض منه فلما شرب الماء عوفي وفي الغد قام يلعب مع الأولاد. وهذا الولد انخرط بعدئذ في سلك الكهنوت وصار أسقفًا وهو المطران فيلبس الجميل. وخبر هذه الأعجوبة وغيرها مما سبق حرره القس مخائيل القرطباوي تلميذ رومة وأرسله إلى المدرسة الرومانية بتاريخ 20 آب سنة 1705 وشهد أنه كان معلم الصبي المذكور وأن والديه أقسما له أن الأمر جرى حسبما ذكرناه.

 

ولما كان البطريرك في كسروان تهدده أحد الأشقياء بالقتل واستل مدية ليطعنه بها فابتلاه الله بالجنون وبعد أن أرسله أقاربه إلى دير قزحيا وعوفي عاش قليلاً ومات.

 

ومرة انحبس المطر طويلاً وكادت الزروع تجف فقام البطريرك مع المطارنة والأساقفة والإكليروس بالطواف من دير قنوبين إلى مغارة القديسة مارينا حاملين صورتها وعليهم الحلل الحبرية وقبل رجوعهم إلى الدير انحد المطر بغزارة. وهاتان الآيتان رواهما للبطريرك سمعان الخوري الياس شمعون الذي شاهدهما بعينه.

 

وأخبر كثيرون أنه لما كان في قرية ساحل علما انحدر برد شديد أضرّ بالأشجار وكان إذ ذاك البطريرك نائمًا. فدخل عليه أحد الكهنة وأيقظه من نومه وقال له: يا سيدنا قد عطلت أرزاقنا وتلفت غلالنا فاشفع بنا بصلواتك. فنهض وقال لا تخافوا. ثم كشف عن رأسه ووقف في الباب وأخذ يصلي لله ويطلب منه لأن يلطف بعباده ويرفع غضبه فوقف انحدار المطر حالاً.

 

وأخبر البطرك سمعان عواد قال: إن صديقنا الشماس يوحنا وهبه الدويهي (6) ابن أخ البطريرك إسطفان ذكر في كتاب له عن الحوادث الشهيرة التي صارت من سنة 1695 إلى سنة 1704 خبر آيتين أخريين نوردهما نقلاً عنه. قال أن النار اشتعلت ذات يوم في وادي قنوبين وامتد لهيبها من تحت الحدث إلى بريسات (إلى غربي كرسي الديمان القديم) واستمر سعيرها سبعة أيام متوالية فاحترقت الشجار من النهر إلى رأس الجبل وتشققت الصخور وأخذت تتدكرب وما عاد أحد يتجاسر يمرّ في الوادي وفي أحد الأيام عند الظهر خرج السيد البطريرك ينظر الحريق وبجانبه المطارين وبعض الكهنة والشمامسة وجمهور أناس غيرهم وبينما هو ينظرون انفصل صخر كبير من الشير الذي تحت بريسات وسقط نحو الجزيرة التي قبال الطاحون في قاطع بريسات فصرخوا جميعهم متأسفين: راحت الجزيرة: فرفع البطريرك يمينه ورسم نحو الصخرة إشارة الصليب وقال لها: تهدي يا مباركة. فوقفت في مكانها في نصف الطريق وشاهدها جميع المارين من هناك. ومن الذين حضروا هذه الأعجوبة يوحنا وهبه الذي كتبها في مجموعه السابق ذكره والشماس سمعان عواد الذي نقلها عنه وكان شاهدًا عيانيًا.

 

الآية الثانية التي شاهدها ابراهيم الغزيري الذي ترأس على دير مار يوحنا رشميا لما كان الدويهي في مجدل معوش وأخبرها لتلاميذ المدرسة بعد ذهابه مع مخائيل المطوشي إلى أم المدائن وأخذها عنه سمعان عواد وحفظها في ترجمة بطريركنا المغبوط قال انه لما كان البطريرك إسطفان في جبل الشوف يتفقد الرعية في قرية الباروك قدم رجلان من الدروز وتوسلا إلى كاتب البطريرك وموازيه أن يتنازل ويمر بالقرب من حوانيتهم لأنهم كانوا صبّاغين وتعبوا كثيرًا في هذه الحرفة ولم يدركوا التوفيق وأقروا أن رجاهم وطيد بصليب بطريرك الموارنة وأنهم يلتمسون منه أن يرسم الصليب على أدواتهم. فبلغ أمرهم حبرنا المطوّب فأمر أن يرموا بحوانيتهم ولما وصل إليها رفع يده وأمرهم أن يرموا الأنسجة في الصباغ فمسكت بها الأولان واصطلحت أمورهم. قال البطرك سمعان عواد بعد كلامه عن عن هاتين الآيتيتن: أنا بنفسي أشهد بهذا كله لأن العجيبة الأولى قد شاهدتها بعيني ولمست بيدي الصخرة التي أوقفها البطريرك إسطفان والثانية رواها صديقي ورفيقي الشماس حنا المذكور وحكاها لي الخوري ابرهيم الغزيري الذي ذهب بنا إلى رومة.

 

وقيل أنه كان على طريق حصرون صخرة كبيرة وفي هذه الصخرة كان يترأى الشيطان بصورة قرد ويخيف العابرين ويؤذيهم فلما كان البطريرك إسطفان مرة ما في حصرون طلب إليه الحصارنة أن يرفع يمينه على الصخرة المذكورة ويرسم إشارة الصليب ففعل وأمر العابرين من هناك أن يسموا ذواتهم بسمة الصليب المقدس. فتوارى الروح الشرير ولم ينظره أحد بعد ذلك.

 

وقد عثرنا في صفيحة قديمة العهد على خبر المعجزتين الآتي ذكرهما: شرب رجل من آل حماده نخب مار إسطفانس فتعارضه أحد رفاقه وفاه بحق البطريرك المذكور بكلام غير لائق لكنه ما فرغ من كلامه إلا ووقع مصروعًا على الحضيض فلما شاهد النصارى الحاضرون ما كان من أمره تناول أحدهم قدح خمر ورماه في الجو وقال: سرك يا بطرك إسطفانس فوقع القدح الزجاج على الحجارة ولم ينكسر ولم يرق ما فيه. قال المؤرخ المجهول: هاتان الأعجوبتان سمعتهما من الشماس عازار المقدسي الذي شاهدهما بعينه.

 

وقد صنع الله بشفاعة صفيه إسطفانس معجزات أخر ضنّ علينا المؤرخون بها ونحن قد أوردنا في الأسطر السابقة كل ما وجدناه في المصاحف القديمة نشرًا لعبير قداسته وبنيانًا للقارئ وخدمة للتاريخ وفي الفصل الآتي سنذكر إن شاء الله الآيات التي حدثت بعد وفاة بطريركنا المثلث الطوبى.

 

المراجع:

 

(1) إننا نتكلم عن قداسة الدويهي وعن الكرامات التي صنعها الله على يده على سبيل الأخبار مخضعين حكمنا في كل ذلك لحكم الذين وكل إليهم الروح القدس تدبير بيعة الله.

 

(2) خصوصًا البطرك سمعان عواد.

 

(3) عن البطرك سمعان عواد.

 

(4) رومية 18:8.

 

(5) وكان هذا الكاتب من أنسباء الخوري الياس شمعون.

 

(6) ليوحنا وهبه كتاب عنوانه عامود إسرائيل عثرت على نسخة منه في مكتبة دير فيطرون وأربعة كتب في الوعظ والإرشاد وفي مقدمة كتابه الأول يقول أنّه كان في رومة سنة 1706.

 

الفصل الثاني عشر

 

في آخر حياة البطريرك إسطفان وانتقاله السعيد

 

قد تكلمنا طويلاً في الفصول السابقة عما طرأ على الجبة من حكم آل حمادة وعن الشرور والحروب التي صارت بسببهم فكان من ذلك ان الباب العالي أصدر أمرًا بعزلهم عن الحكم وبتولي غيرهم على مقاطعات شمالي لبنان. لكن تنفيذ الأوامر السنية كان موكولاً إلى ولاة طرابلس وكان هؤلاء ينزعون منهم الحكم تارة وطورًا يردونهم إلى مراكزهم ويطلقون لهم العنان في تدبير الرعية. ففي سنة 1693 لما تسلم ارسلان باشا ايالة طرابلس عرض على الأمير أحمد المعني أن يتولى المقاطعات التي بيد المشائخ الحمادية ويكف أذاهم عن الايالة المذكورة فامتنع ابن معن وكثرت الفتن واستعرت الحرب بين ارسلان باشا والحمادية وكل من انتصر لهم. وسنة 1697 نقل ارسلان باشا من ايالة طرابلس إلى إمارة الحج ونصب موضعه أخوه قبلان باشا.

 

وفي شهر أيلول كانت وفاة الأمير أحمد بن معن وبه انقرضت الدولة المعنية العادلة فاجتمع أعيان بلاد الشوف من أمراء ومقدمين ومشائخ واختاروا الأمير بشير الشهابي خلفًا له إلا أن الباب العالي أمر بتنصيب الأمير حيدر بن موسي الشهابي ابن ابنة الأمير أحمد فوقع الأمر بيد ارسلان باشا حين رجع من إمارة الحج فاحتج ارسلان المكور من الأمير بشير انه كفوء ولا يليق أحد غيره وأنه قام برضى أعيان المقاطعات. ثم في سنة 1698 عاد ارسلان باشا على ولاية طرابلس ونقل أخوه قبلان باشا إلى صيدا ولما كان الشيخ مشرف بن علي الصغير قد قتل قومًا من عسكر الدولة وقصد العصيان استنجد عليه قبلان باشا بالأمير بشير فجمع هذا نحو ثمانية آلاف وقبض عليه أخيه. فقلد قبلان باشار الأمير بشير محافظة ايالة صيدا من بلاد صفد إلى جسر المعاملتين ورزق الأمير حظوة ليس فقط عند قبلان باشا بل عند أخيه ارسلان أيضًا وشفع في بيت حماده الذين كانوا لجأوا إلى سالفه المعني وأرجعهم إلى مواطنهم وضمن كل خراب وأذى يحدث منهم. فرجع الحماديون إلى ما كانوا عليه قبلاً ولم تلبث البلاد طويلاً في الراحة بعد رجوعهم لأنهم سنة 1703 افتتنوا فيما بينهم وقام الشيخ عبد السلام ابن الشيخ اسماعيل على بيت الشيخ احمد حكام جبة بشراي فقدم الأول إلى الجبة وهزم بيت الشيخ أحمد إلى الهرمل وأقام في الجبة شهرًا وخمسة أيام وحضر إليه البعض من أعيان الجبة خوفًا من أذاه وهرب الباقون فحنق من عملهم وفرض دراهم على القرى وأخذ طاسات النساء وسلاح الرجال والحنطة وغير ذلك وكتب إلى طرابلس يلتمس الولاية على الجبة فوعدوه بها في السنة الجديدة (1).

 

لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب رجوع الشيخ عيسى ابن الشيخ أحمد من الهرمل إلى الجبة واستيلائه على المقاطعة. والشيخ عيسى المذكور لم يكمل ايفاء المال قبل انهزامه فلما رجع إلى الجبة شرع في جمع الدراهم المتبقية عليه ليؤديها إلى متسلم طرابلس وبحسب عوائد طائفته لم يستحرم سبيلاً للوصول إلى غايته المذكورة. فحضر إلى دير قنوبين مع جمهور من ذويه وطلب من البطرك مبلغًا من المال فلم يستجب طلبهم فغب عيسى المذكور وصاح بالبطريرك وخاصمه ورفع يده الشقية ولطمه لطمة قوية أوشكت أن ترميه إلى الأرض لو لم يستند إلى الحائط فوقع المنديل من على رأسه. أما البطريرك فاحتمل هذه الإهانة بصبر ولم يجبن أو يفشل ولم يطرد من الدير أولئك الظالمين الأنذال. بل صعد إلى غرفته وكتب إلى الشيخ حصن الخازن وأخبره بما جرى له.

 

والشيخ حصن المذكور هو ابن فياض المعروف المعروف بأبي قنصوه وحفيد أبي نوفل الشهير وكان أبوه كبير إخوته من امرأة أبي نوفل الثانية وكان مع الأمير أحمد معن ابن الأمير يونس لما قتل أخاه قرقماس وحين ضرب الأمير قرقماس رفع رجل سيفه وضرب الأمير أحمد فجرحه في عنقه لكن فياض قبل أن تنزل الضربة على الأمير ضرب القاتل وجندله وحمى الأمير الجريح بشماله ودافع عنه باليمين إلى أن بعد الأعداء. ثم بعد الموقعة التي صارت في بيروت فوق برج الكشاف بين اليمينة والقيسية وانكسار اليمينة وانهزامهم تولى الأمير أحمد المذكور حكم البلاد وقدّم الشيخ فياض. ثم بعد ذلك قامت الحكام والعساكر على الأمير أحمد وهرب من أمامهم إلى حاصبيا فأعاده السلطان مصطفى إلى مقامه الأول فعين تفتجيًا في البقاع الشيخ حصن بن فياض ووكل غليه جمع الأموال من بلاد جبيل أيضًا. وبعد أن غزا المتاولة عشقوت وقرى كسروان بإيعاز آل حماده سعى حصن بطردهم من البلاد وعزلهمم الحكم وأصدر أوامر شاهانية بذلك وتقدم حصن على جميع معاصريه وعظمت ثروته كثيرًا.

 

فلما انتهى إليه كتاب البطرك غضب جدًا وجهز نيفًا وأربعماية جنديًا وأرسلهم مع أخيه الشيخ ضرغام الذي اشتهر بقوته الزائدة ومهر بضرب السيف ورماية البندق ثم دخل في سلك الكهنوت وصار مطرانًا ثم بطريركًا كما هو مشهور.

 

وكان مع الشيخ ضرغام اثنان من أولاد عمه وهما الشيخ موسى طربيه (2) والشيخ نادر بن خاطر (3) وأمرهم حصن أن يأتوا بالبطريرك إلى كسروان وعند وصولهم إلى قنوبين علم الشيخ عيسى بأمرهم وجاء إلى البطريرك طالبًا منه السماح عن كل ما صدر منه. وبات عيسى تلك الليلة خارج الدير في العليّة التي بات فيها الفرسان والخيل وفي الغد دخل الدير وصعد إلى السطح حيث كانت جنود الشيخ ضرغام على صفين وبعد وصوله بقليل خرج البطريرك من قلايته وتقدم على السطح في وسط العسكر وجلس عند طرف السطح مع الشيخ ضرغام المذكور فأتى إليه الشيخ عيسى ووقف أمامه كالمذنب أمام ديانه وطفق العسكر يهزأ به وينتفون عمامته وهو لا يبالي. ثم أخذ البطريرك إلى ناحية وحده ووقع على قدميه قائلاً: أسألك يا مولاي أن تغفر لي زلتي ولا تنتقل إلى كسروان وأنا قدامك من الآن ورهين أمرك في كل ما تريد وإن شئت تدوس رقبتي الآن فافعل ما تشاء. وكان سبب خوفه من ذهاب البطريرك إلى كسروان وأن يعزل من الحكم ويسقط من عين شفيعه الأمير بشير. فأجابه السيد البطريرك: "إني أغفر لك جميع ما فعلته معي وإني لمستعد وأشتهي أن أحتمل أكثر من ذلك حبًا بسيدي الذي لأجلي تألم ومات. لكن شعبي لا يدعني أن أمكث في الجبة." وهمّ المشائخ الخوازنة أن يبطشوا بعيسى فنهاهم غبطته ورجع الشيخ عيسى إلى مكانه. وفي اليوم الرابع والعشرين من كانون الثاني تأهبوا للسفر لكنهم خافوا من المطر إذ رأوا البروق والرعود والرياح المنذرة بقرب انحدار الغيث فعدلوا عما نووا وقالوا نمكث في الدير إلى أن يصفو الجو فقال لهم البار: قوّوا إيمانكم إيليا حبس المطر ثلاث سنوات وستة أشهر ونحن بقوة ذاك الذي سمع دعاء إيليا نمنع المطر فلا ينحدر حتى نصل إلى قرية غزير. وهكذا صار لأنهم في الحال خرجوا من الدير واستمروا في الطريق ثلاثة أيام حتى وصلوا إلى قرية غزير في كسروان مع أن الرياح كانت ثائرة والغيوم متلبدة ووقع مطر في محلات كثيرة في غضون سفرهم. ولما دنوا من غزير خرج لاستقباله عموم الأهالي بالأهازيج يتنازعون وكل منهم يريد أن ينزله في داره. فقال لهم: أسرعوا بنا قبل أن يدركنا المطر فما بلغوا البيوت حتى وقع المطر بغزارة عظيمة وعقبه الثلج حتى بلغ ساحل البحر وقد عاين هذه الآية جميع من كان معه وشاعت أخبارها في كل مكان وشهد بحقيقتها الشيخ درغام ورواها تكرارًا بعد ما جلس على الكرسي الانطاكي.

 

ولما خرج من دير قنوبين توجه إلى مغارة البارّة مارينا حيث مدفن البطاركة وجثا على ركبتيه وصلى بخشوع كالآباء القدمين وطلب من الله قائلاً: اللهم أسألك ألاّ تميتني خارجًا عن كرسيّ ولا تجعل مدفني بعيدًا عن أسلافي.

 

وحال وصوله إلى غزير تلقته الرعية بفرح لا يوصف وتوافدت الناس من سائر القرى لتأخذ بركته ومن ازدحام الشعب الذي خرج للقائه لبس الغفارة ومسك الصليب وركب فرسه وأخذ يبارك الجمع وأعين الكل شاخصة إليه. وبعد ذلك صعد إلى دير مار شليطا مقبس وسكن الدار التي ابتناها لأجل احتياج البطاركة وهناك قدم إليه المطارنة والمشائخ ووردت الهدايا من جميع الجهات. ومكث في كسروان نحو ثلاثة أشهر إلى أن أتته مكاتيب من والي طرابلس على يد الخواجه طربيه الماروني ترجمان ملك افرنسة من ضمنها الأمان وأن يرجع إلى كرسيه.

 

فكتب له من طرابلس الكتخذا ما نصه:

 

"إنه بلغنا ما صار عليك من هالمتلاعب عيسى سوّد الله وجهه فهالشيء ليس يرضى فيه حضرة افندينا المحترم حفظه الله تعالى ولكن سعادته مزاجه كان مشوشًا فما أعلمناه حتى لا ينزعج خاطره الشريف فلزم اننا حررنا مكتوبًا للمير بشير نخبره بهذه الأمور الردية وحررنا أيضًا مكتوبًا على اسمعيل (حماده) وطلعنا في شلّه وما خلّينا عليهم مغطّى انشاء الله تعالى بيلاقوا فعلهم وبيشاهدوا الندامه فالمراد تطيبوا خاطركم ولا يجي في بالكم إلا كل خير نحن هذه الأمور ما نسكت عنها قطعًا".

 

الحاج اسلام كتخذا
وبعد ذلك كتب إليه الأمير بشير الشهابي الأول وهو الذي استلم مقاطعات بني معن في لبنان الجنوبي كما قلنا وبما أن كتابات هذا الأمير نادرة جدًا أثبتنا ما وجدناه منها نقلاً عن الأصل المحفوظ في الخزانة البطريركية:

 

إلى حضرة أعز الأصدقاء والمحبين البطرك إسطفان المكرم حفظه الله تعالى.

 

أولاً مزيد الأشواق إلى رؤياكم في خير وعافية وبعده بلغنا أن الشيخ عيسى نزل لعندكم وصار منه تنكيد في حقكم وأخذ منكم دراهم بغير وجه حق ونحن هذا الشيء ما منرضى فيه خصوصًا في حقكم ونحن أرسلنا إلى الشيخ عيسى مكتوبًا نعرفه خاطرنا بالكلية ونتلاوم عليه على هالفعلة التي صدرت منه في حقكم المراد أنكم تكونوا طيبين الخاطر من سائر الوجوه وتظلوا في مواضعكم ولا تقدموا قدامكم إلا كل مليح انشاء الله ما بقي عليكم اضامة لأنكم محبون وعلى كيسنا لا يخطر في بالكم إلا كل خير ولا تقطعوا أخباركم عنا والدعا:

 

بشير شهاب
وبالوقت نفسه كتب الأمير المذكور إلى آل خازن بهذا الخصوص:

 

إلى حضرة أعز المحبين المشائخ الخوازنة المكرمين.

 

أولاً مزيد الأشواق إلى رؤياكم في كل خير وعافية وبعده نعرف محبتكم بسبب أحوال البطرك إسطفان ونحن يعلم الله تغلثنا بسببه لأجل خاطركم وناموسكم وحررنا مكاتيب إلى الجماعة بسبب ذلك والآن تفاوضنا مع عزيزنا الشيخ خالد وعرفناه خاطرنا تكونوا من كلامه على وثيقة وإنشاء الله ما فيه إلا كل خير وكل شيء في محله بيتمّ قصدنا إعلامكم بذلك والدعا:

 

بشير شهاب
وكتب آل حمادة وثيقة إليك نصها:

 

وجه تحرير الأحرف هو أنه اجتمعنا نحن وحضرة إخواننا المشائخ الخوازنة وتكلمنا معهم بسبب رجوع حضرة محبنا البطرك إلى ديره وطلبوا منا هذه الشرطية بيدهم بخطنا وختومتنا بأن الخرج المعتاد ماية وثلاثة وأربعين قرش بكل سنة ما نكلف الدير درهم الفرد ولا ذخيرة ولا أحد من ناسنا وجماعتنا ينازعوه ولا لهم عنده شغل ويكون عندنا مكروم معزوز ورزقه ورهبانه واجراته لهم عندنا الناموس والحماية والرعاية بسواب ناسنا وربعنا وحررنا هذه الوثيقة بيننا لأجل البيان والإقامة على هذا الشرط تحريرًا في شهر شوال سنة 1115 صح.

 

                              عيسى حماده            اسماعيل حماده
                                  الختم                         الختم

 

فبهمة المشائخ الخوازنة قام من كسروان في التاسع عشر من نيسان وتوجه نحو الجبة وكان وصوله إلى قنوبين يوم السبت في السادس والعشرين من الشهر المرقوم وكان فرحه وسروره لا يوصف حتى أن الرهبان وكل من كان معه انذهلوا مما كان يظهر منه. وفي الغد يوم الأحد أقام قداسًا احتفاليًا ومنح العفران للذين رافقوه من كسروان إلى قنوبين وبعد الغذاء ودعوه وباركهم وشيعهم على خارج الدير ولما توجهوا أراد أن يعود إلى قلايته فلم يستطع أن يمشي خطوة واحدة فحمله شماسه وهو يشكر الله ويقول: أشكرك يا ربي لأنك استجبتني وما جعلت لي ميتة إلا في كرسيّ ولا دفنة إلا مع البطاركة أسلافي. ثم التفت إلى شماسه وقال له: قد وصل زمان نياحنا. من زمان كثير نحن في الكرسي فيجب أن نترك الكرسي لغيرنا. وبالحقيقة إن تدبير الله نحو عبده هذا لعجيب لأنه سمع ما طلب منه حين بارح قنوبين متوجهًا إلى كسروان لما جثا على قبور البطاركة في مغارة القديسة مارينا وتوسل إليه توسل يعقوب في مصر وطلب منه باكيًا أن لا تكون عظامه في أرض غريبة بل تجتمع مع عظام الأحبار المبرورين الذين سلفوه على كرسي قنوبين وتستريح في ذاك الوادي المقدس وتلك المغارة التي عطرتها مارينا بعبير فضائلها وصلى فيها البطاركة الأطهار وجاهدوا في ظلها جهاد الشهداء الطوباويين. فقاده الله بعنايته الأبوية إلى الأرض التي طلب أن يموت فيها. فمن هذا وغيره ومن الكلام الذي فاه به عند شعوره بالمرض يتضح أنه كان شاعرًا بوقت انتقاله من هذا العالم.

 

ولما بلغ إلى غرفته رمى ذاته على الفراش وصار المرض يثقل عليه من ساعة إلى أخرى ويوم الثلثاء اشتدت وطأته عليه فأحضروا له طبيبًا ماهرًا من طرابلس فحضر حالاً ومكث يومين يعالجه فلم تنجح المعالجة ولما نظر تقدم المرض واشتداده المتواصل رجع إلى طرابلس يوم الجمعة ليأتي بأدوية ترجى منها فائدة للعليل فشعر البطريرك بذهابه وعلم نيته فقال للحاضرين أن الطبيب لا يجده في الحياة عند عودته من طرابلس لأنه سوف يموت في غيابه وحقق كلامه واقع الأمر.

 

أما البطريرك المغبوط فلما عرف بدنو أجله لم يحزن ولم يجبن وظهر أكثر من عادته فرحًا مسرورًا ملاطفًا كل من أتى يعوده. وكان يرتل مزامير وصلوات مختلفة ويتلو الطلبات وميامر القديسين وأقوالهم وكان يطلب من أساقفته ورهبانه أو من الحاضرين عنده أن يشتركوا معه بالصلوة ويرتلوا معه. وأكثر الأوقات كان يرتل المزمور ملاحظة: كتابة سريانية "سبحوا الرب من السماوات سبحوه في الأعالي" إلى آخره. داعيًا مع المرتل رؤساء الملائكة وطغمات الملائكة إلى تسبيح سيده إذ كان غير قادر على ذلك بذاته شكرًا له على الخيرات والنعم التي أفاضها عليه في حياته كلها.

 

وبقي إلى آخر ساعة يهتم بأمر طائفته ورعيته ويقضي مصالح أبنائه حتى اضطر المطارين والرهبان أن يزجروا أصحاب الدعاوى والمهمات ويطلبوا منهم أن ينصرفوا إلى وقت آخر قائلين: دعوه يموت في السكينة.

 

ويوم الجمعة عند الساعة التاسعة من النهار طلب أن يأتوه بالزاد الأخير فنزل المطارنة والأساقفة ورهبان الدير وغيرهم إلى الكنيسة وحملوا القربان المقدس وخرجوا منها بزياح ولما وصلوا أمام غرفته وقفوا جميعهم خارجًا وطفقوا يبكون ورفعوا صوت نحيبهم فسمع البطريرك صراخهم فانتهرهم وقال لشماسه: ألم يعاينوا أحدًا يموت غيري. أما هو فلم يضطرب من دنو الموت لأنه كان يشتهيه وينتظره في كل وقت قائلاً مع الرسول الذي كان حاملاً جسد الرب مع بعض الشمامسة لا غير. فتناول البطريرك الجسد المقدس بعواطف المحبة الحارّة وعبادة لا توصف وكان يرغب في أن يتقرب بيده لو لم يمنعه المرض عن ذلك. ورجع المطارنة والرهبان بالقربان إلى الكنيسة وخرّوا على الأرض أمامه وأخذوا يتلون الطلبات والصوات لأجله.

 

وعند نصف ليل السبت عطش وطلب ماء ليشرب على شبه سيده الذي عطش على خشبة الصليب. ثم حلّّ المربوطين والمحرومين وبارك بني رعيته الحاضرين والغائبين ثم من تلقاء ذاته ضم يديه إلى صدره على شكل صليب وبعد هنيهة اعتقل لسانه ولم يمض القليل حتى أطبق عينيه عن هذا العالم وأسلم روحه الطاهرة بيد الله وانتقل من دار الشقاء إلى الراحة الخالدة ليقبل جزاء الرعاة الصالحين مع اثاناسيوس وباسيليوس والذهبي الفم ومع سلفائه البطاركة المغبوطين وكل الذين ضاهوهم في خدمة الله وتدبير بيعته. وكان ذلك في سحر السبت في يوم الثالث من أيار سنة 1704 بعد أن جلس على الكرسي الانطاكي اربعًا وثلاثين سنة إلا سبعة عشر يومًا لأنه ارتقى كرسي البطريركية في 20 أيار سنة 1670. وكان له من العمر ثلاث وسبعون سنة وتسعة أشهر وبقي إلى آخر حياته كامل القوى والحواس صحيح السمع والبصر. وكان معتدل القامة واسع الوجه مهيبًا طويل اللحية اقنى الأنف مفروق الحاجبين بهي العينين.

 

فأنزلوه حينئذ من قلايته إلى الكنيسة باحتفال وأجلسوه على كرسي أعدّ له وألبسوه الحلّة الحبرية ووضعوا على رأسه تاج المجد وبيساره عصا الرئاسة وبيمينه الصليب الكريم ووشحوه بدرع كمال الرئاسة. ولم يتغير بهاء وجهه عما كان سابقًا حتى أن الذين حضروا إلى الدير ولم يعلموا بموته لما رأوه على الكرسي ظنوه حيًا وكان النور يتدفق من محياه فقال بعض الناظرين: إن هذا الوجه ليس بوجه إنسان بل بوجه ملك.

 

ولما طار خبر وفاته تقاطرت الجموع الغفيرة من إكليروس وعلمانيين من قرى جبة بشري وغيرها وعجّ الوادي بصوت نحيبهم على أبيهم المغبوط وبكاه الأساقفة والأعيان ورثاه الأدباء وفي مقدمتهم القس جبرائيل فرحات الحلبي الشاعر الماروني الشهير وطفق الجميع يحيون ذكره ويخبرون عجائبه وفضائله ويصفون تقواه العميقة وسيرته الصالحة وأتعابه في وجه الطائفة وعلم الجميع أنها رزئت رزءًا جسيمًا بفقده وأخذوا ينوحون ويدعونه كالخراف راعيها لأنه كان مشيدًا عز الطائفة ورافع أعلام مجدها بين الأمم وضاهى بالعمل والعلم أسلافه البطاركة العظام الذين جلسوا على كرسي انطاكية المقدس وجعل طائفته وردة بين أشواك الارطقات والكفر وقوّاها على الثبات في طاعة الكنيسة لتكون بين الملل كالصخرة تلاطمها المواج وهي لا تتزعزع. وعند نهاية الجناز حمله الإكليروس باحتفال يتقدمهم الصليب المقدس والبخور والمصابيح إلى مغارة القديسة مارينا حيث اشتهى أن ترقد رفاته المباركة وأودع التراب بين سلفائه بالإكرام.

 

وبعد انتقاله طار خبر وفاته إلى كل الأمصار فالبطريرك جبرائيل البلوزاني الذي خلفه على الكرسي البطريركي كتب بتاريخ غرة آب سنة 1704 إلى المجمع المقدس وقال: إن سالفنا البطريرك إسطفان المرحوم ما مات إلا من زود الإهانات والبلص والضرب والتشتيت عن كرسيه. وكتب إلى تلاميذ المدرسة الرومانية مبينًا عظم الخطب الذي ألمّ بالطائفة وأفاض في الكلام على فضائله وقداسة سيرته قائلاً: أيها الأولاد الأحباء ربما بلغكم انتقال سالفنا المرحوم مار إسطفانس البطريرك الانطاكي من عالم الشقاء إلى عالم البقاء نسأل الله الذي نقله إليه أن ينيح نفسه مع الآباء الأبرار ابرهيم واسحق ويعقوب والرسل الأخيار صحبة الذين بيّضوا حللهم بدم الخروف السماوي. فوا أسفاه على تلك القامة بل واحسرتاه على تلك العبادة وتلك الغيرة وتلك الأناة والعلم العميق...

 


وهكذا المطران يعقوب عواد كتب إلى الشماس يوحنا وهبه ابن أخي البار إسطفانس وإلى الشماس يوسف السمعاني وقال: وا أسفاه على قداسة حياته وطهارته. لكن هذا أمر الباري وحكم جاري.

 

والشماس يوسف بن جرجس الحلبي الماروني كتب إلى تلاميذ رومة قائلاً: صوت سمع في لبنان. الموارنة يبكون وينوحون على أبيهم ولم يريدوا أن يتعزوا لفقده لأنه لم يكن.

 

ويردف قوله بهذه العبارة: قد يبس السوسن وذبلت الوردة وانتهت التعاليم وكملت القداسة. وابن أخيه الشماس يوحنا السابق ذكره كتب في مقدمة مجموع الحوادث الذي سبقت الإشارة إليه: يا حيف على تلك القامة المستقيمة واحزناه على ذلك العقل الدقيق والعلم العميق على تلك العبادة والقداسة والطهارة والتواضع. واحسرتاه على تلك الغيرة القوية على عز الطائفة وارتفاع شأن البيعة. إلى غير ذلك من عبارات الأسف على فقده.

 

وقد أحببنا ذكر أقوال الذين عرفوه بحروفها لأجل رقة معانيها وخلوص عواطف الذين كتبوها ونحن بعد مئات السنين تغرورق اعينا بالعبرات عند قراءتها وبالحقيقة إن الرجال الذين على مثال الدويهي لا تبخل عليهم الأجيال بدموعها ويعشق الخلف مناقبهم الحميدة ويكبر ذكرهم مع مرور الأحقاب.

 

وبعد موته شاء الله أن يعطي الآيات بشفاعته كما كان يفعلها في حياته وحن نختم ترجمة البطريرك المغبوط بذكرها نقلاً عن رواية البطريرك سمعان عواد.

 

قال المؤرخ المذكور عن ذاته: أنا سمعان عواد بينما كنت راجعًا من رومة مع رفيقي الشماس يوحنا وهبه عصفت الرياح وتعالت الأمواج فانزعجنا جدًا وبعد ما أقبل المركب بنا إلى إحدى المين اختلفت الريح وردته إلى الوراء فأشرف على الغرق. فتوسلت إلى البار إسطفانس وقلت: يا مار إسطفانس اشفع بنا ونجنا من هذا الضيق وبلغنا الميناء بالسلام. ونذرت تتميم سيرته إذ كنت ابتدأت بها قبل سفري من رومة. فسكنت الريح والأمواج وبلغنا المينا سالمين.

 

وأخبر أيضًا آية أخرى شاهدها بنفسه قال: إن ابرهيم جلوان السمراني أحد تلامذة المدرسة مرض مرضًا ثقيلاً واشتدت عليه حمى خبيثة وأشرف على التلف فجاءه معلم اعترافه بذخائر القديس لويس والقديس اغناطيوس فلم يشعر بفائدة ولم ينل فرجًا فلما رأيته أنا سمعان عواد بهذه الحالة أخذت كتابًا من كتب البار إسطفانس ووضعته على رأسه وقلت مصليًا: اللهم الذي زينت حبرك بالفضائل والاستحقاق أسألك أنه كما كان لنا أبًا على الأرض فليكن لنا شفيعًا لديك ونسألك بواسطته أن تشفي عبد هذا. ثم فتحت الكتاب وقلت له أن يقبل خاتم البطريرك وخط يده وجعلت الكتاب فوق رأسه ونزلت إلى العشاء. وبعد قليل صعدت إلى غرفته فأخذني العجب لأني فارقته مضطجعًا يتلقى من شدة الحمى ووجدته عند رجوعي إليه جالسًا معافًى. وعجبت مع إخوتي التلاميذ الذين عاينوا الآية ومجدنا الله تعالى.

 

ومن الآيات التي صنعها بعد موته أن رجلاً من قرية بلوزا واسمه بطرس كبيش كان مضنوكًا بمرض عضال من زمان طويل فطلب من ذويه أن يحملوه إلى مغارة القديسة مارينا حيث قبر البطريرك إسطفان ليطلب شفاعته ويستغيث به فحملوه إلى المغارة المذكورة ووعوه على قبر البطريرك وتركوه ودخلوا الدير للغذاء. فأخذ المريض يتوسل إليه فترآى له القديس بصورة بهية لابسًا الحلة الحبرية وعلى رأسه تاج الرئاسة وعلى منكبيه درع كمال السلطان البطريركي وإذا برائحة لذيذة عبقت بها المغارة فطفق المريض يتوسل ويبتهل بحرارة لذيذة عبقت بها المغارة فطفق المريض يتوسل ويبتهل بحرارة فخاطبه البطريرك بألفاظ عذبة قائلاً: يا بطرس كبيش ماذا تريد. فأجابه: يا سيدي أن أشفى. فقال له: المسيح يشفيك. وتوارت الرؤيا فنهض بطرس وأخذ يمشي مستويًا ودخل الدير مخبرًا بما جرى له فعجب من ذلك الذين أتوا به محمولاً والحاضرون ومجدوا الله. وبينما كان راجعًا إلى بيته التقى براهبين فرنسيين فقص عليهما الأعجوبة. فلم يصدقاه حتى أثبت خبره بالقسم على الإنجيل الطاهر.

 

وقد حدث مثل هذه الآية مع بركات بن رزق ومع الياس محاسب الغسطاوي الذي صار بعدئذٍ مطران عرقا.

 

وقيل أن البطريرك إسطفان لما كان آتيًا إلى كسروان مرّ بمحل يسمى وطا البربارة في بلاد جبيل على طريق البحر فوجد بعض الفلاحين يحرثون الأرض الصعبة تاركين الجيدة بورًا. فسألهم عن سبب ذلك فقال له أحدهم: يا معلم (لأن سكان تلك القرى من الطائفة الملكية) أن في الأرض الجيدة دودة تأكل الزرع حين تخرج أسباله فتركناها. فطلب منهم البطريرك ماء وصلّى وأمرهم أن يرشوه عليها ففعلوا وزرعوا الأرض فلم تؤذها الدودة إلى حين وفاته وحينئذ رجعت الدودة كما في السابق وتركت الأرض فاتفق أن الشيخ يوسف الدحداح العاقوري كاتب الشيخ اسماعيل بن سرحال حمادة حضر إلى تلك القرى لجمع الأموال الأميرية فقصوا عليه الحادثة فقال لهم: يذهب واحد منكم إلى قنوبين ويسأل عن ضريح البطريرك إسطفان ويأخذ من تراب ضريحه والقوة في حقولكم وازرعوها. ففعلوا كما أمرهم وزرعوا الأرض فأثمرت وهم يزرعونها إلى الآن وشهد بحقيقة هذه الآية كثيرون.

 

وكل الآيات السابق ذكرها كانت محررة باللاتينية ومحفوظة في مدرستنا الرومانية وقد أرسلها للمدرسة المذكورة الشدياق مخائيل القرطباوي تلميذ رومة في العشرين من آب سنة 1705 وأثبت أنه سمعها من الذين حدثت معهم.

 

قال البطرك سمعان عواد أن المسقومين يأخذون من تراب ضريح الدويهي من مغارة القديسة ومن العشب الذي ينبت عليه ويتباركون منه ويشفون من سائر أمراضهم وإن من أنكر ذلك لقد أنكر ضوء الشمس.

 

ونحن بالروح والشوق نجثو على حضيض تلك المغارة التي جثا فيها أبونا وفخرنا البطريرك إسطفانس ونطلب بشفاعته وشفاعة صاحبة المقام البركة لنا وللطائفة ونقبّل بعوطف حارة التراب الذي ضم أعظمه.

 

المراجع:

 

(1) عن تاريخ الأزمنة.

 

(2) طربيه ابن ابي نوفل ويعرف بأبي ظاهر وهو جد أولاد موسى وآخرهم بشاره جفال وقبره في كنيسة مار ضوميط في زوق ميكائيل مع ابنه موسى كما يشهد بذلك التاريخ الذي فوق باب الكنيسة المذكورة.

 

(3) وخاطر ابن ابي نوفل وجد بيت أبي سرحان.