كتيّب عن كنيسة سيدة زغرتا: شفيعة مدينة زغرتا

 المرجع: كتيّب عن كنيسة سيدة زغرتا: شفيعة مدينة زغرتا، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 1985.
 


كنيسة سيدة زغرتا: شفيعة مدينة زغرتا
تكرّست على يد
البطريرك إسطفان الدويهي
في 11 آذار 1693


"من اهمل التاريخ اهمله التاريخ ومن تنكر لماضيه خانه مستقبله"...

مخافة ان يخوننا المستقبل ويهملنا التاريخ، تجمعنا، شابات وشبان، وكونا رابطة ثقافية اجتماعية مرخصة من الدولة اللبنانية، هدفها:

1- رفع مستوى مجتمعنا ثقافيًا واجتماعيًا

2- تشجيع ومساعدة الطلاب الذين لا تسمح لهم امكانيتهم متابعة الدراسة...

3- جمع الشباب وتأمين لهم ما يملأ فراغهم...

4- طبع ونشر مؤلفات البطريرك الدويهي القديس ونفض الغبار عن التراث الاهدني المهمل... هذه الرابطة اطلقنا عليهم اسم "رابطة البطريرك الويهي الثقافية" تكريمًا لهذا العلامة الاهدني الكبير.

رابطة البطريرك الدويهي الثقافية قلب نابض يخفق في جسم اهدن، هذه القرية المارونية القديمة في تاريخها الديني والسياسي ...

فاذا تصفحنا كتب التاريخ وتعمقنا جيدًا في الدراسة وجدنا بأن:

- اهدن لعبت دورًا هامًا في تاريخ لبنان القديم والحديث ابتداء من آدم وحواء حتى يومنا هذا

- من اهدن شيدت اول كنيسة مارونية في لبنان سنة 749 هي كنيسة مار ماما. كما يقول البطريرك الدويهي.

- من اهدن انطلقت الرهبانيات اللبنانية من دير مارت مورا على يد البطريرك الدويهي الذي شجعها ورعاها... والذي ظهر منها القديس شربل مخلوف.

- من اهدن وعلى يد البطريرك يوحنا مخلوف الاهدني فتحت اول مدرسة في لبنان في بلدة حوقا سنة 1610. وقد اسل بعض تلاميذ هذه المدرسة الى المدرسة المارونية في روما لمتابعة التحصيل العلم. وهو الذي أتى بأول مطبعة الى الشرق في دير قزحيا 1624.

- من اهدن كان العلامة جبرائيل الصهيوني الذي نقل حضارة الشرق الى الغرب فكان استاذ ملك فرنسا لويس الرابع عشر كما وضع عدة مؤلفات. وتكريمًا له حفر اسمه على لوحة ما زالت الى اليوم على مدخل جامعة رويال الفرنسية.

- من اهدن كان المطران جرجس مارون الدويهي الذي كان يناط به حل المشاكل وإجراء المفاوضات في عهد الأمير فخر الدين...

- من اهدن كان البطريرك اسطفان الدويهي منارة الشرق علمًا وقداسة (1).

من اهدن كان المطران واكيم يمين الذي لعب دورًا هامًا.

من اهدن كان بطل لبنان يوسف بك كرم الذي دافع عن لبنان واستقلاله.

اضف الى ذلك، وعلى ممر العصور والسنين ما اعطت اهدن من العلماء والابطال والنساك والفنانين والرهبان والراهبات: رجال دين ودنيا كبار في الفكر والعلم والقداسة والبطولة والتاريخ.

ونخص هذه النشرة بالعلامة الاهدني القديس البطريرك اسطفان الدويهي وسمينا ولدنا اسطفان لعله يتابع قضية البطريرك اسطفان بعدنا.

من هو الدويهي الكبير:

لو اردنا ان نحيط بجوانب شخصية البطريرك اسطفان الدويهي لاحتجنا الى عدة مجلدات نتناول فيها الدويهي المربي والخطيب واللاهوتي والمؤرخ والبحاثة والاداري والليورجي واخيرًا القديس بمعنى اللفظة الواسع.

لقد كان الدويهي اسقفًا مثاليًا سعى جهده الى القيام عن اكمل وجه بالوظائف الأسقفية الثلاث التي اشار اليها المجمع الفاتيكاني الثاني بقوله "السيامة الأسقفية تولي مع وظيفة التقديس وظيفة التعليم والتدبير (2) وقد عدد المجمع كل من هذه الوظائف فقال في وظيفة التعليم على الأساقفة في ممارسة مهمتهم التعليمية ان يبشروا الناس بانجيل المسيح-هذه المهمة تسمو على غيرها من المهمات مهما علا شأنها . وبقوة الروح عليهم ان يدعوهم الى الايمان او ان يثبتوهم فيه وان يقدموا لهم سر المسيح كاملا اعني هذه الحقائق التي لا يمكن جهلها دون جهل المسيح بالذات (3).

وقد دأب الدويهي في التمرس بوظيفة التعليم مبشرًا الناس باللسان والقلم معتمدًا الوعظ والتديس والتأليف طوال حياته الأسقفيةالتي دامت ستة وثلاثين سنة منها اربعة وثلاثون قضاها جالسًا على عرش بطريركية انطاكية المارونية.

وظيفة التعليم:

ارتقى الدويهي درجة الاسقفية في الثامن والثلاثين من العمر وهذا وارد في كتاب تاريخ الأزمنة: "وفي سنة 1668 اننا توجهنا الى القدس الشريف وبعده تبركنا بزيارة تلك المواضع مع والدتنا واخينا الحاج موسى وعدنا بالسلامة الى لثم ايدي السيد البطريرك جرجس في دير قنوبين اتفق انه رفعنا الى درجة المطرانية على قبرص (اي نيقوسيا). وكان تلك في الثامن من شهر تموز وامرنا ان نخرج الى زيارة الرعايا الذين في ايالة طرابلس وجزيرة قبرص ولئلا نكون عبيدًا بطالين اشغلنا نفوسنا بساسة الشعب ويجمع هذه الاخبار لاجل افادتنا وقصد الاطلاع على احوال البلدان نحن مقيمون بها" (4).

قضى الدويهي في المطرانية سنتين زار خلالهما اولا عكار ثم توجه الى قبرص وكانت ابرشية قبرص برغم ما توالى عليها من نكبات كان اقساها مقتل ثلاثين الفًا من ابنائها يوم فتح السلطان سليم العثماني الجزيرة سنة 1571 (5). وتعاقب عليها منذ عهد الصليبين عشرات الاساقفة الموارنة ومن بينهم جبرائيل بن القلاعي اللحفدي في اوائل السادس عشر، والمطرن جرجس مارون الاهدني، رسول فخر الدين لاربع مرات متتالية الى الكسي الرسولي ودولة توسكانا (6) وخلفه الدويهي بعد مرور احدى وثلاثين على وفاته وترمل الابرشية (7).

وارتقى الدويهي عرش البطريركية سنة 1670 واليكم ما قاله عن هذا الحدث في تاريخ الازمنة "في الثاني عشر من شهر نيسان حضرت وفاة البطريرك جرجس ابن الحاج رزقالله من بسبعل في دير مار شليطا مقبس. وكان رجلا شجاعًا صاحب مكارم وتحمل مشقات كثيرة من قبل الحكام وساس الكرسي الانطاكي ثلاث عشرة سنة وثلاثة اشهر. ولاشتداد الوباء لم يتيسر للرؤساء ان يجتمعوا في التاسع من وفاته. فتأخرت رسامة الجديد الى ان توفي بالوباء القس انطونيوس ابن الرز الذي كان قيمًا على دير قنوبين. وحينئذ في النهار الاربعين اعني في العشرين من ايار اجتمع الرؤساء واعيان الشعب واجبرنا على القيام مقامه. فصرنا في مقام الرابع عشر من البطاركة في دير قنوبين وارسلنا القس يوسف الحصروني برسائل الطاعة وطلب التثبيت الى روما"(8).

ويبدو ان شهر ايار كان في حياة الدويهي من الشهور الحاسمة. فيه ابصر النور وفيه جلس على عرش انطاكية وفيهانتقل الى راحة الصالحين(9) وفيه وافق المجمع على إمكان تطويبه قديسًا.

اما المجمع الذي انتخب الدويهي بطريركًا فكان مؤلفًا من تسعة اساقفة بمن فيهم الدويهي عنه.وكان اكبرهم سنًا ودرجةالمطران جرجس حبوق البشعلاني، مطران العاقورة ومن سكان دير قنوبين. وهو المطران الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من بين الذين رقاهم البطريرك يوسف حلبا العاقوري الى الدرجة الأسقفية. وقد انتخب بطريركًا على اثر وفاة البطريرك الصفرولي، لكنه هرب من البطريركية فلقب بالبطريرك الهارب.
واما الباقون فهم(10).

يعقوب الرامي، مطران دمشق

يوسف حصاراتي، مطران جبيل

جرجس العرجسي، نائب بطريكي

ابراهيم السمراني، رئيس دير قزحيا

وهؤلاء الاربعة رقاهم الى الدرجة الأسقفية البطريرك يوحنا الصفراوي. اما الذين ترقوا بوضع يد البطريرك البسبعلي واشتركوا في انتخاب الدويهي فهم:

سركيس الدويهي، مطران اهدن ومقيم في دير مار سركيس النهر

جبرائيل بن حنا البلوزاني، مطران حلب

يوحنا التولاوي، مطران صيدا

واخيرًا اسطفان الدويهي، مطران قبرص

ويبدو ان النتخاب قد تم باجتماع الاصوات وخلف الدويهي البسبعلي الذي رقاه الى درجة الأسقفية والصفراوي الذي رقاه الى درجة الكهنوت، وعميرة، مواطنه، الذي ارسله الى روما سنة 1641 وكان ابن احدى عشرة سنة.

وانصرف الدويهي الى الاهتمام بشؤون البطريركية بما اشتهر به من غيرة وفطنة وتقي. واعتمد اللسان وسيلة للتعليم ونشر المبادىء المسيحية. ولا غرو فقد اوتي من الكفاءات ما يؤهله للقيام بما انتدب نفسه له فهو خريخ روما وقد قضى فيها اربعة عشر عامًا، وهو ملفان في الفلسفة واللاهوت وهو يتقن العربية والسريانية واللاتينية واليونانية وهو مرسل رسولي جعل له مجمع نشر الايمان مرتبًا خاصًا بفضل وساطة العلامة الشهير ابراهيم الحاقلاني(11).

الدويهي الواعظ:

كان الدويهي قد حدق فن الوعظ منذ زمن وتعود ان يلقي المواعظ على جميع طبقات الناس يوم كان كاهنًا في اهدن وحلب. وكان الاقبال على سماعه كبيرًا حتى لقب بفم الذهب الثاني (12). وهاكم ما كتبته عنه احد النساخ الحالبيين بعد ان اغرق اسمه في بحر من الالقاب المسجعة:كمل هذا الكتاب وذلك بايام رئاسة رأس الرؤساء والابهات المتوج بأعلام الشرف ةالكرامات المعلم الفاضل والعالم العامل الفيلسوف الروحاني فم الذهب الثاني.. السعيد البطريرك الانطاكي ماري اسطفانوس السالك في آثار الآباء القديسين المقيم في دير قنوبين. كان سابقًا كاهنًا في هذه الكنيسة (اي كنيسة مار الياس المارونية في حلب) ولم يسمع مثل كرزة" وقد وردت هذه الكتابة في خاتمة احد كتب الفرض المنسوخ سنة 1671 اي بعد سنة من ارتقاء الدويهي سدة البطريركية.

وكان الحلبيون لا يزالون على ما يبدو يتناقلون اخبار مواعظ الدويهي على ما يقول الاب توتل في توطئته لطبعه تاريخ الازمنة:"ويتحدث الحلبيون الى يومنا عن اقبال المسيحيين في ذلك العهد لسماع عظاته فتضيق بهم الكنيسة فينتقل المنبر الى جانب الباب ومنه يبلغ الصوت الجماعة الواقفين في الفسحة الخارجية وبينهم الكاثوليكي وغير الكاثوليكي" (12).

ويقول البطريرك سمعان عواد كاتب سيرة حياة الدويهي وخلفه في البطريركية بعد البلوزاني ويعقوب عواد ويوسف ضرغام الخازن انه الف كتابين في الوعظ (13).

وظل الدويهي مطرانًا وبطريركًا يعلم الشعب ويطوف في جميع الابرشيات على ما يقول البطريك عواد ويختار كهنة ذوي علم وتقي ويفحص الكتب البعية المخطوطة ويصلح مع اوقعه النساخ او اصحب الاغراض من الغلط ورد جميع العوائد القديمة ورتبها اجمل ترتيب" (14).

الدويهي المدرس:

رسخ في اعتقد الدويهي ان المدرسة هي خير اداة للتفقيه في شؤون الديم فاعتمدها كاهنًا وأسقفًا. وما ان اصبح بطريركًا حتى فتح مدرسة في قنوبين لتعليم اولاد الطائفة المارونية كل العلوم مجانًا واستمرت مدة وجوده فيه على ما اورد البطريرك مسعد في كتابه الدر المنظوم (15).

وكان الدويهي قد خبر شؤون المدارس في اهدن وفي حلب فهو بعد ان انهى دروسه في روما عرض عليه منبر جامعي فاعتذر وسأله احد اشراف روما الاقامة في بيته وعين له مرتبًا مغريًا فرفض وأبى الا ان يعود الى اهدن ليستظل فيها سنديانة بعلم في قيئها الصغار وكانت ام المدارس التي انتشرت في قرى الجبل واشعت منها انوار الثقافة في سماء الشرق.

وغاب الدويهي الكاهن الجديد لأول مرة عن اهدن الى حلب ليرافق اليها صديقه المطران اخيجان السرياني وكان قد عرفه في روما. وبعد ثمانية اشهر قفل راجعًا الى اهدن ليرمم دير مار يعقوب الاحباش ويعلم فيه الاولاد طوال خمس سنوات ولدير مار يعقوب تاريخ قديم فكان مركز مطرانية ومسكنًا للرهبان الفرنسيسكان ومحبسًا لدى شاسطويل العابد الفرنسي الذي انتقل منه سنه 1638 وسكن دير مار سركيس النهر واطلق اسمه على المحلة فتعرف الى اليوم بأرض الحبيس.

وعندما طلب الحلبيون الدويهي اوغده اليهم البطريرك البسبعلي سنة 1663 واقام هناك خمس سنين يرشد ويعلم يقول البطريرك عواد حتى اهتدى على يده كثير من الملكية والنسطورية واليعقوبية (16) وظل الدويهي يرعى مدرسة حلب بعد صيرورته بطريركًا فبعق اليها كاتب اسراره الخوري بطرس التولاوي المشهور بغزارة علمه.

ويقول الخوري بطرس روفائيل في مؤلفه "دور المعهد الماروني الروماني" ان المدسة المسيحية التي علم فيها التولاوي اكتسبت بفضله وبسرعة شهرة كبيرة حتى زاحت المدارس الاسلامية الشهيرة في ذلك الزمن في حلب وقد اصبحت مركز الحركة الثقافية التي امتدت شيئاً فشيئاً الى سوريا. وكان التولاوي يعلم الاتينية والايطالية وكان طلابه من جميع الطوائف ومن ابرزهم: جبرائيل حوا وعبدالله قرالي وجرمانوس فرحات اللذين اسسوا الرهبانية اللبنانية وصاروا اساقفة ونقولا الصائغ وعبدالله زاخر اللذان أسسا الرهبانية الشويرية واصبحا مجدًا لطائفتهما (17).

وانا لنجد الدويهي في اساس هذه النهضة الثقافية المباركة.

الدويهي المؤلف:

واعتمد الدويهي القلم في قيامته بوظيفة التعليم الأسقفية. فكان طلعة يحب التنقيب منذ ايام الدراسة وغالبًا ما كان يقضي وهو طالب اوقات النزهة في المكتبات بحثًا عن المخطوطات. وقبل ان يغادر روما بعد انجازه دروسه قضى نصف سنة وهو يطوف على دور الكتب العامة والخاصة ليطلع على كل ما يتعلق بالموارنة... فكان يقرأ وينسخ كل ما رأى فيه فائدة (18).
وظل هذا دأبة طوال حياته في حلب وقبرص ولبنان وكلما عشر عل يكتابة في كتاب صلاة او شحيم او مجلد قديم نسخها حتى توفر لديه مادة تاريخية غزيرة.

وبالرغم من ان الدويهي لم يتمكن من الاستقرار لاضطراب حبل الامن ووقوع المظالم في زمنه فانه قد وضع تأليف قيمة في العقيدة والتاريخ والطقسيات والرتب الكنسية والاسرار بلغ عددها في زعم المطران شبلي كاتب سيرة حياته، سبعة عشر مؤلفًا ونيفت في زعم سواه على الثلاثين (19 و20)

ويكفينا ان تورد عناوين هذه المؤلفات لنكون فكرة عن نشاط الدويهي الفكري في سبيل نشر مبادىء الدين وترسيخ الايمان في النفوس والدفاع عن شرف طائفتنا.

لقد كتب في التاريخ:

1- تاريخ الازمنة وهو اشهر مؤلفاته اورد فيه وفقًا للتسلسل الزمني الحداث التاريخية في الحقلين الديني والمدني منذ ظهور الاسلام حتى يومه.

2- سلسلة بطاركة الطائفة المارونية منذ مار يوحنا مارون تتى زمنه

3- البراءات الباباوية الموجهة الى الموارنة منذ القرن الثالث عشر.

4- سيرة حياة تلامذة مدرسة روما المارونية المؤسسة سنة 1584 وقد تناول تلامذتها منذ سنة 1639 الى 1685

5- الفردوس الارضي باللاتينية وضعه في روما زاعمًا ان اهدن هي هذا الفردوس

6- تاريخ الطائفة المارونية وقد اثبت فيه صحة نسبة الموارنة ورد ما رشقوا به من تهم

وكتب في الطقوس:

1- منارة الاقداس وهو اهم كتبه ويقع في جزئين كل منهما يحتوي على خمسمائة صفحة وقد تناول فيه كل ما يمت بصلة الى القداس نقله الاب بطرس مبارك الى اللاتينية لكنه لم ينشر بالطبع.

2- الشرطونية وهو كتاب السيامات

3- تصحيح التكريمات

4- رتبة الاسكيم الرهباني

5- النوافير

6- التبريكات والرتب الكنسية

7- الجنازات وقد نقح قسمًا كبيرًا منها

8- الالحان السريانية وقد جمعها وحللها وفقًا لنظم الشعر السرياني.

ان مجمل ما تقدم ان لم يضعه الدويهي فقد نقحه ونسقه وشرحه بحيث اننا مدينون له بتنظيم ما عندنا من طقوس اصبحت بحاجة الى اعادة النظر فيها.

وكتب في العقيدة مقالات قيمة توزعت في كتبه الطقسية وقد تناول فيها وجود السيد المسيح في القربان المقدس وعقيدة الحبل بلا دنس وما سوى ذلك مما يدل على طول باعه في علم اللاهوت.

وله آليف دفاعية رد فيها مزاعم القائلين بهرطقة الموارنة وأهمها كتاب الاحتجاج. أما طريقة تأليف فكانت تقوم على أن يضع الكتاب ثم يدفعه للنساخ ثم يستعيده ليدقق فيه ولعله كان يضع كتبه في المغاور والكهوف (21) وأما الشدائد والنكبات التي أصابته في حياته يقول البطريرك عواد فلا يحيط بها الوصف حتى يصح القول من غير مبالغة انه لم يدق طعم الراحة يومًا واحدًا من حياته فقد جرت في أيامه حروب كثيرة ومظالم متعددة.

ولهذا كان يعاني أنواع الاضطهاد وكثيرًا ما هرب من بلاد الى أخرى أو اختفى في المغاور والوديان حتى في أيام شيخوخته وكثيرًا ما كان يلبث اليومين والثلاثة من غير أكل والشرب (22).

وكان برغم هذه الويلات ينفخ روح العلم حيثما حل ومن مآثره وهو في دير ما شليطا مقبس يقول الأب ابراهيم حرفوش انه نفح في صدور سكان هذا الدير روح محبة العلم فحدا بهم الى نسخ الكتب وعزز المكتبة بأن أحضر اليها مجلدات عديدة (23).

وظيفة التدبير:

بعد وظيفة التعليم اضطلع الدويهي بوظيفة التدبير وقد حدد المجمع الفاتيكاني الثاني هذه الوظيفة بقوله: "ليكن الأساقفة في وسط شعبهم كالذين يخدمون وهم يمارسون مهمة الأب والراعي وليكونوا رعاة صالحين يعرفون نعاجهم ونعاجهم تعرفهم وآباء حقيقيين يتسامون بروحهم المحبة المخلصة نحو الجميع فتلاقي السلطة التي قبلوها من فوق رضى الجميع مع الامتنان.عليهم أن يجمعوا كل عائلة قطيعهم وأن ينعشوها بحيث ان الكل وقد وعوا واجباتهم يحيون في شركة المحبة ويعملون بها (24).

وقد كان البطريرك الدويهي الأب والراعي لجميع أبنائه على اختلاف الطبقات والمشارب فعني بطلاب الكهنوت والكهنة والمطارنة والرعايا وأحسن السياسة تجاه الأعيان والمشايخ وكانت له مواقف مع حكام البلاد والباب العالي ووثق الروابط مع فرنسا وأجرى العدل في الرعية وبذل جهد الطاقة ليحمل على تعزيز الأديار والكنائس فبنى ورمم وقنى الأرزاق ليؤمن للكرسي البطريركي من الدخل ما يمكنه من القيام بمسؤولياته الكبيرة.

الدويهي وطلاب الكهنوت:

كان الدويهي يولي طلاب الكهنوت عناية أبوية خاصة فأنشأ على ما مر بناء مدرسة في قنوبين ليختار من تلاميذتها من يتوسم فيهم الذكاء والنجابة ويتبين علامات الدعوة فيرسلهم الى روما للتحصيل. وكان هو من اختار السمعاني ومبارك والتولاوي وغيرهم مممن أصبحوا من مشاهير العلماء الذين قامت عليهم وعلى أمثالهم النهضة العلمية في القرنين السابع والثامن في هذا الشرق فاقتفى بذلك آثار ابن بلدته وسلفه البطريرك يوحنا مخلوف الذي فتح أول مدرسة اكليركية في الشرق سنة 1624 لتعد طلابًا لمدرسة روما "وسر" البابا أوبانوس الثامن بهذا المشروع وعطف على هذه المدرسة فوضع لها مرتبًا سنويًا (25).

ولفرط عناية الدويهي بتلامذة روما لقب بأميمتهم (26) فكان يشجعهم ويستحثم على الاقبال على والتمرس بالفضائل ووعدهم بالمراتب السامية على ما يتضح من هذه الرسالة التي وجهها اليوم وقد قال فيها:"نتعهد لكم بأجل المراتب عندما تعودون الينا بالسلامة موقرين بالعلم والفضائل" وذكرهم في رسالة ثانية بغاية سفرهم فقال:"ولا بعتناكم الى بلدان بعيدة برًا وبحرًا إلا لتتعلموا العلوم الالهية وترجعوا فتفيدوا غيركم وتتاجروا بالوزنات لأن الشرق مفتقر لمن يعلمهم ويهذبهم ويعزيهم على قبول الاضطهادات" (27). وقال البطريرك عواد عنه:"انه كان يوانس صغار التلامذة ويحرضهم على مواظبة تحصيل العلم ومخافة الله ويأتيهم بالحلى والمآكل بنفسه ويأكل معهم وأنا الحقير سمعان عواد قد شرفني بمؤاكلته جملة مرات وكان يحبني إكرامًا لعمي المطران يعقوب (28).

الدويهي والكهنة:

وما كان اهتمامه بالكهنة بأقل منه بطلاب الكهنوت فكان يثني على غيرة الفضلاء منهم ويؤدب المتوانين وهذا ما أكده البطريرك عواد بقوله:" أما الكهنة الذين يرعون قطيعهم على مثال الراعي الصالح فكان يكرمهم أشد الاكرام واذا توفي أحدهم يحضر بنفسه جنازة ويقيم لأجله الصلوات بخلاف الكهنة المتوانين فانه كان يوبخهم ويعاقبهم على ما يزلون فيه من مقتضيات درجتهم (29).

الدويهي والمطارنة:

كان الدويهي يعتمد على المطارنة في سياسة الطائفة فيوفدهم الى الرعايا قيامًا بالواجبات الأسقفية. وقد ذكر مؤرخو سيرة حياته انه رقي أبان بطريركيته الى الدرجة الأسقفية أربعة عشر مطرانًا ، أي بمعدل مطران كل سنتين. وقد اهتدينا الى أسمائهم بالاستناد الى ما ورد عن معظمهم في تاريخ الأزمنة وهم:

سنة 1671 = 1: المطران لوقا القبرصي الذي خلفه على ابرشية نيقوسيا ويبدو انه لم يعمر.

سنة1674 = 2: المطران بطرس مخلوف الغسطاوي وقد جرت حفلة ترقيته بحضور سفير فرنسا في استنبول في أرز الرب وهو الذي أسره القرصان عندما كان متوجهًا الى روما حاملا كتاب تهنئة من البطريرك الى البابا زخيا الحادي عشر وافتداه هو ومن معه أحد الايطاليين الأغنياء وهو الذي أوفده البطريرك الى لويس الرابع عشر سنة 1695 في سبيل قضية اسناد قنصلية فرنسا الى الشيخ حصن الخازن، كما سنرى وعين على قبرص.

سنة1675= 3: المطران يوسف شمعون الحصروني مطران طرابلس وقد جرت حفلة ترقيته في دير مار شليطا مقبس وكان كاتب أسرار البطريرك الدويهي وقاصده الى البابا اقليموس العاشر وقد عاد اليه بدرع التثبيت. وكان موفد الدويهي الى القدس في قضية خلاف نشب بين الطائفة والرهبان الفرنسيسكان ومات سنة 1695 قبيل البطريرك بتسع سنوات.

سنة 1677 = 4: المطران يوحنا ابراهيم مطران البترون.

سنة 1680= 5: المطران بطرس ابن القس ابراهيم الأهدني على صيدا مات سنة 1683.

سنة 1683= 6: المطران يوسف مبارك الريفوني مطران صيدا. رقي في دير مار شليطا مقبس وعينه الأساقفة بطريركًا بعد أن أنزلوا البطريرك يعقوب عواد سنة 1710 لكن روما أبطلت تعيينه وأعادت البطريرك عواد سنة 1713 وفيها مات البطريرك عواد سنة 1713 وفيها مات البطريرك مبارك (31).

سنة 1689= 7: المطران حنا محاسب رئيس دير مار شليطا مقبس.

سنة 1690 = 8: المطران جبرائيل الدويهي ابن عم البطريرك وقد رمم له البطريرك مار سركيس اهدن واسكنه فيه. وظل المطارنة يتعاقبون على دير مار سركيس اهدن حتى سنة 1812 فكان آخرهم المطران اسطفان الدويهي وبعد وفاته الحقت اهدن - زغرتا بالبطريركية.

سنة 1690 = 9: المطران جرجس عبيد بن يمين الأهدني مطران اهدن الملقب بالكاروز لشهرته بالوعظ أسس مدرسة زغرتا واعتزل المطرانية سنة 1714 ودخل الرهبانية اليسوعية (32).
سنة 1691 = 10: المطران يوحنا حبقوق البشعلاني وقد عين على دير قزحيا.

سنة 1691=11: المطران يوسف الشامي مطران بيروت. أوفده الدويهي صحبة كاتبة الخوري الياس الحصروني سنة 1966 الى القدس لتسوية خلاف نشب بين الطائفة ورهبان مار فرنسيس.

سنة 1691 = 12: المطران يوليان رامير الفرنسيسكاني مطران صور.

سنة 1695 = 13: المطران يوسف سليمان رئيس دير سيدة حوقا.

سنة 1698 = 14: المطران يعقوب عواد مطران طرابلس الذي خلف الدويهي والبلوزاني على عرش البطريركية وأنزل مدة ثم أعيد (33).

أما المطارنة الذين توفوا في عهد الدويهي فقد اهتدينا الى أسماء بعضهم وهم:

1- المطران جرجس حبقوق.

2- المطران ابراهيم في دير قزحيا سنة 1677.

3- المطران يوحنا التولاوي سنة 1680.

4- المطران بطرس بن القس ابراهيم الأهدني مطران صيدا سنة 1683.

5- المطران يوحنا جلوان السمراني رئيس دير قزحيا سنة 1690.

6- المطران يوسف شمعون الحصروني مطران طرابلس سنة 1695.

7- المطران مخائيل الغزيري مطران الشام سنة 1697.

8- المطران لوقا القبرصي.

واذا كان الدويهي قد عرف كيف يعتمد على المطارنة في المهمات العادية والرسمية فانه قد عرف كذلك كيف يضع حدًا لمطامع بعضهم الدليل: حدث مرة أن كتب اليه المطران جرجس حبقوق البشعلاني مطران العاقورة وكبير الأساقفة سنًا ودرجة ورئييس المجمع الذي انتخب الدويهي بطريركًا يتوسط لديه ليسمح لبعض الأساقفة بأن يجمعوا لفائدتهم الشخصية عشور جوار قنوبين وقد شفع كتابه بتوصية من مشايخ آل الخازن. فأجابه الدويهي بلهجة جازمة. قال:"وتذكر لنا مشافعة المشايخ،نعم ان لهم عزازة وكرامة ولكن في المعقول بحيث لا يصير ضرر للكرسي ولا حيف على البطريرك. ويتابعالدويهي رسالته بقوله:"حاصله يا أخانا حملة قنوبين لازمتني وضيقتهها على كتافي فما يمكن أن أعطي نورية (لي عشور) قنوبين الا الذي يجيب كداده(أي ثمرة كده) ويسكن عندي. وأما انه يحيا ويأكل ويشرب من قنوبين ويكون معلق في دير أم في قرايب أم في اولاد هذا هذا الشيئ ما يمكن. هذا أول الكلام وآخره وهو المرضي لنا ولكم وللمشايخ وللطائفة كلها. قصدنا علمك ... لأن ما مرادنا الاعمار الكرسي وكل من يريد أن يسعى بخلاف ذلك ما يكون قصده عمار الكرسي بل مصلحة نفسه (34).

ويبدو ان من توسط لهما المطران جرجس حبقوق والخوارنة كانا المطرانين يوسف مبارك الريفوني وجبرائيل البلوزاني وقد رآهم البطريرك يسعيان لمصلحتهما ويأبيان السكنى معه في قنوبين وقد كتب عن المطران مبارك بمرارة قائلا:" ما وقع بيده كتاب أم عدة (أي بدلة) أم كاس أم غيره الا قشه الى ريفون الذي مراده منا رعية يطلع يسكن كجاري العادة في مزارع بريسات وبلوزا وكفرزينا وسرعل ويقاتل عنا قدام المشائخ والحكام.

واما انه ينقر ويطير ويعمل له عشيرة وينقل رزق قنوبين الى برا وأنا أبقى أتقلى وحدي هذا الشيئ لا يكون ولا عاقل يقوله".

وسنرى ان الدويهي لم يرق المطران مبارك الى الدرجة الأسقفية الا على كره منه على ما يظهر ونزولا عند رغبة مشايخ آل الخازن. افترى لهذا السبب قال فيه ما قال؟ وكيف يمكننا أن نوفق بين قوله فيه وقول المطران جرمانوس فرحات بأنه كان "رجلا متورعًا مشهورًا" له الفضل عند كل أحد؟ (35).

الدويهي وأبناء الشعب:

كان الدويهي يعرف كيف يلين مع الضعفاء ويخشوشن مع الأقوياء لذلك قال فيه البطريرك سمعان عواد "أما عدله في أحكامه وشفقته على رعيته فحدث عنهما مهما شئت ولهذا كانوا يفدون اليه من كل جهة يعرضون له شؤونهم ولم يكن يعاملهم كالراعي الصالح فقط بل كالأم الرؤوف أيضًا فيعين المحتاجين ويهدي الضالين ويقضي بالقسط للمساكين ويدافع عن المظلومين. ولم يكن ستخف بأحد على الاطلاق وقد بلغ من اتضاعه انه كان اذا جاءه احد الفلاحين لاقاه الى الباب وأجلسه على كرسي وسقاه الخمر بيده واسرع الى قضاء حاجته (36).

وقد وجد الدويهي متسعًا من الوقت لينظر في ما ينشب بين ابنائه من خلافات كان يحمسها بروح العدل والمحبة. واليكم نموذجًا من احكامه يرقى الى 1681.

وحدث ان وقع خلاف على عقار بين رئيس دير مار شليطا مقبس ورئيسه دير حراش فكتب البطريرك الى المتداعبين يقول بعد منح البركة والدعاء بلغنا انه صار بينكم خلف بسبب الزيرة والطاحون الخربانة و(والزيرة ارض للزرع على مجرى ماء) وشهادة من ولدنا القس افرام. ان الخوري سركيس اتفق هو وأخته الحجة رفقة بأنها لا تستخير نفسها عليه وان تبقى تستفقده في زريعة ام في قصب.

وانتقلوا الى رحمة الله على هذا الرأي ثم يتابع قائلا: انكم اتفقتم امامنا ان الخوري حنا يأخذ له حملتين ثلاثة قصب وتماضيتوا على هذا الحال منذ ست سنين. القصد انتم اهل وقرايب والموضعين وقف والدعوى زهيدة لم تحرز كل هذه الخلفة بقي الممكن ان في كل عام تعطي رئيسة حراش لرئيس دير مار شليطا مية قصبي تكون فحلي (اي غليظة) وخمسين تني (مضى على نبتها سنتان) على رضى الفريقين وترتفع من بينكم كل خصومة وقلقلة. نؤكد عليكم ذلك بعد تجديد البركة والسلام" (37).

ونشب خف بين الخوري سليمان خادم رعية جعيتا وأبو سليمان عون أحد أبناء الرعية على أرض سليخ فحسمه البطريرك يوم كان في دير مار شليطا مقبس سنة 1683 بحكم عادل استند فيه الى أقوال الشهود وكشف حسي اجراه رئيس دير ريفون على رأس لجنة خبراء مؤلفة من اثني عشر فلاحًا وبرأ ذمة الكاهن (38). وحدثت خصومة على ماء المغسل في وطى الجوز في جرود كسروان بين اصحاب الأراضي التي بقربه، وكان المتداعون رئيس دير مار شليطا ورئيس دير مار عبدا هرهريا وراهبات دير حراش فحكم الدويهي بقسمة الماء مثالثة على حد تعبيره وكل واحد يأخذ له عدان في الأسوات (أي بالمساواة) من غير خصومة ويكون البدو من الأرض الأقرب للماء والله اعلم بالصواب.

تحريرًا في 15 أيار سنة 1685 مسيحية (39).

ولم يتوان الدويهي في الدفاع عن أرزاق البطريركية ولو كان المعتدي من أقرب الناس اليه وقد أبطل ادعاء انسبائه اولاد عميرة على بساتين دير النهر في زغرتا وهذا ما اكده بقوله: ثم في سنة 1693 اندعوا أولاد عميرة على بساتين دير راس النهر في قرية زغرتا وكنا غائبين فدفعنا لهم ثلاثين غرشًا وأبطلنا دعوتهم قدام اولاد الضيعة وكتبوا لنا حجة ان ما لهم حق ولا مستحق في دير راس النهر ولا بشيئ من رزقه ساحل جبل. تحريرًا في سنة 1693 (40).

الدويهي رجل العمران:

لقد رأينا ان الدويهي كان يصدر احكامه تارة في كسروان وحينًا في قنوبين وهذا دليل على انه غالبًا ما كان يتجول ليتفقد شؤون الرعية ويعمل على ازدهارها وقد بلغ عدد الكنائس التي كرسها خمسًا وثلاثين كنيسة أي بمعدل كنيسة في كل سنة من سني بطريركيته وكانت موزعة في الشمال والجنوب (41) وأنشأ ورمم الكثير من الأديار والكرسي ومنها:

1- حارة مار بطرس قرب دير مار شليطا مقبس وقد كتب بهذا الصدد في تاريخه يقول:"وبجانبها (أي بجانب كنيسة مار شليطا) بنينا دارًا لسكنى البطاركة اذا عرض توجههم الى ذلك الجانب وكان ذلك سنة 1672 على يد القس جرجس العازر الأميوني الذي لبس اسكيم الرهبانية على يد القس يوسف كاصف وتبع الكنيسة الرومانية.

2- دير مار عبدا القائم على شاطئ نهر الكلب (والمعروف اليوم بمار عبدا المشمر) وألحقه بدير مار شليطا (42).

3- جدد سنة 1690 مجلس دير مار سركيس اهدن راس النهر وقد أشار الى ذلك في تاريخه بقوله:"وضعنا يدنا عليه (أي الدير) وعزلنا القناطر كلها وأقمنا حائط متين في الوسط وعمرنا قنوبين في السوق الجواني قدام كل كنيسة قبو وفوق منهم قلالي والسوق البراني وأقمنا الحائط الغربي من الأرض وطالع وكانوا معلمين أربعة من رشيما والمتكلم عليهم ولدنا القس جرجس البنا الماروني أصله من اميون الكورة ودورنا طاحون وكل دايرتها خير ما كانت أولا ثم اننا رفعنا ابن عمنا القس جبرائيل الى درجة المطرانية وصرفناه فيه (43).

4- عمر سنة 1691 دير مارت مورا وكان كله خربًا ما عدا الكنيسة وعمر السوق الشمالي والخزانة التي بين الكنيسة والشير وأقبية وفوق منهم عليتين.

5- أصلح دير سيدة حوقا.

6- جدد كنيسة مجدل معوش سنة 1683 وبنى له ولمن معه بيتًا بقربها. وفوق ذلك وفى الدويهي ديونًا كانت تراكمت على الكرسي البطريركي بسبب ظلم الحكام وصروف الدهر واشترى له ارزاقًا في حدشيت وسرعل واصنون وطرابلس وغيرها من المقاطعات تأمينًا لمورد لها ثابت (44).

الدويهي والحكام الوطنيون:

كان الدويهي ابن خمس سنوات عندما أعدم فخر الدين المعني هو وأولاده في اسطنبول وكان عهد فخر الدين عهد خير على لبنان على ما قال الدويهي في تاريخه:"وفي أيام فخر الدين ارتفعت رؤوس النصارى وعمروا الكنائس وركبوا الخيل بسروج ولفوا شاشات (أي عمائم) بيضاء (45).

وحدثت بعد فخر الدين قلاقل وحروب واستولى على الحكم من بعده ابن شقيقه الأمير ملحم وفي ايامه استشهد ابو كرم الحدثي سنة 1641 في طرابلس وابو رزق البشعلاني سنة 1654 (46). وخلف الأمير ملحم ولداه احمد وقرقماز وفي آخر سنة من عهد الأمير احمد اشتشهد ابن ابي رزق البشعلاني سنة 1697 وهي السنة التي توفي فيها الأمير احمد فانقرضت معه سلالة المعنيين بعدما حكمت البلاد 577 سنة وانتقل الحكم منهم الى الشهابيين. فكان لذلك عهد الدويهي عهد قلق واضطاب. وكان في ايامه يحكم الجبة الحماديون وكسروان واحيانًا جبيل والبترون الخازنيونولهذا غالبًا ما كان الدويهي يهرب الى كسروان من ظلم حكام الجبة وقد لجأ اليها اقله خمس مرات.

1- سنة 1670 اثر انتخابه بطريركًا ذهب الى كسروان يسترضي مشايخ آل الخازن الذين لم يستشاروا وفقًا لمألوف العادة لدى انتخابه وعقد في هذه المناسبة اجتماعًا في دير مار شليطا مقبس وقرر فيه ايفاد رسول يطلب له درع التثبيت لكن رسائل المشايخ كانت على ما يظهر قد سبقت الرسول الى روما فاضطر هذا الرسول ان ينتطر سنتين في روما ليحصل على درع التثبيت اي حتى اواخر سنة 1672.

2- سنة 1675 أتى الدويهي كسروان هربًا من ظلم الحكام، وسكن دير مار شليطا مقبس.

3- سنة 1683 كان الدويهي قد قدم كسروان عندما راح الخازنيون يلحون عليه ليرقي الى الدرجة الأسقفية القس يوسف مبارك ويجعله مطرانًا على صيدا. وكان الخازنيون ينتخبون عملا بالتقاليد ثلاثة مطارنة. فكان فرع قانصو ينتخب مطران بعلبك وفرع ابي ناصيف مطران دمشق وفرع ابي نوفل مطران حلب (47). ونزل البطريرك عند رغبتهم على كره منه ولكن بعضًا نمهم حاولوا اقناعه بترقية غيره فرفض وذهب الى مجدل المعوش مقتفيًا آثار سلفه ومواطنه البطريرك يوحنا مخلوف الذي ذهب اليها من قبله على اثر خلاف وقع بينه وبين ابن سيفا حاكم طرابلس والشدياق خاطر واستأجر الدويهي هذه القرية من الأمير احمد واقام فيها سنتين واصدر رسالة رعوية ندد فيها بالذين يتدخلون في شؤونالدين لغايات بشرية ولم يرجع الى قنوبين إلا بعد أن استغفره الحماديون ووعدوه بألا يعودوا الى تعدياتهم.

4- سنة 1695 جاء كسروان دير مار شليطا مقبس وتبعه جمع من الموارنة وفي هذه السنة وجه كتبًا الى ملك فرنسا يطلب فيه وساطة الملك لدى الباب العالي لرفع التعديات عنه وعن شعبه ويبدو انه بقي هذه المرة أربع سنوات.

5- سنة 1704 ذهب الشيخ ضرغام الخازن الذي صار فيما بعد البطريرك يوسف ضرغام الخازن على رأس كوكبة من الخيالة الى قنوبين وأتوا بالبطريرك الدويهي الى كسروان عندما عرفوا ان الحماديين حنثوا بوعودهم وعادوا فاعتدوا على البطريرك ولطمه عيسى حادة ولعله القاه ارضًا. وأقام الدويهي هذه المرة في مار شليطا مقبس اربعة اشهر عاد من بعدها الى قنوبين ليرقد فيها رقدته الأخيرة.

وكان الأمير بشير الشهابي الأول الوصي على الأمير حيدر شهاب الذي أل اليه الحكم وقد وجه بهذه المناسبة كتابًا الى البطريك قال فيه:

"الى حضرة اعز الأصدقاء والمحبين البطريرك اسطفان المكرم حفظه الله تعالى أولا مزيد الأشواق الى رؤياكم في خير وعافية وبعد بلغنا ان الشيخ عيسى نزل لعندكم وصار منه تكبيد في حقكم وأخذ منكم دراهم بغير وجه حق ونحن هذا الشيئ ما منرضى فيه خصوصًا في حقكم ونحن ارسلنا الى الشيخ عيسى مكتوبًا نعرفه خاطرنا بالكلية ونتلاوم عليه على هالفعلة التي صدرت منه في حقكم (48).

الدويهي والباب العالي:

كان البلاط العثماني في عهد الدويهي مسرحًا للمؤامرات والدسائس بعدما فقد السلاطين صفاتهم الحربية وأصبح همهم الأوحد ابتزاز الأموال فعمت الرشوة واصبحت الوظائف تباع وتشترى بالمزاد العلني وراح من يشترونها يرهقون الرعية لاسترجاع ما دفعوا.

وأصاب لبنان ما أصاب غيره من مناطق الدولة برغم انه كان ينعم بنوع من الاستقلال الذاتي ولم يكن للدولة عليه من سلطة الا في ما خص فرض الضرائب وادارة السياسة العامة العليا واما ما تبقى من شؤون فقد ترك للحكام المحليين وكان المعنيون اعلاهم مقامًأ لدى الباب العالي. ذلك ان فخر الدين الأول كان الى جانب السلطان سليم العثماني يوم فتح سوريا ومصر سنة 1516 فأقامه السلطان أميرًا على الشوف وصيدا وأولاه الحق بأن يولي على الاقطاعات الصغيرة اميرًا او مقدمًا أو شيخًا بحيث تكون الوظيفة إرثًا ينتقل عن الآباء الى الأبناء (49).

وتوالى على البطريرك الدويهي ستة سلاطين: والد وثلاثة اخوة وحفيدان اخوان هم:

1- ابراهيم الول وقد اغتيل سنة 1649.

2- محمد الرابع ابن ابراهيم خلف أباه وعمره سبع سنوات فحكم اربعين سنة من 1648 الى 1688 ثم حجر عليه مدة 5 سنوات حتى وفاته سنة 1693.

3- سليمان الثالث أخو السابق حكم ثلاث سنوات من 1688 الى 1691.

4- أحمد الثاني أخو السابق حكم أربع سنوات من 1691 الى 1695.

5- مصطفى الثاني ابن محمد الرابع حكم ثماني سنوات من 1695 الى 1703 ثم حجر عليه وكان أبرز من تولى الوزارة في هذه الفترة كبرولو الأب والابن وكانا يعرفان لبنان ونزعته الاستقلالية فسيرا على الجبل غير حملة وكانت نكبات عانى الدويهي منها الكثير فكتب الى أحد هؤلاء السلاطين يحتج على جشع الجباة فأصدر السلطان فرمانًا شاهانيًا قال فيه:

"نعرفكم ان رافع هذا الفرمان اسطفان بطريرك الموارنة في دير قنوبين التابعة ايالة طرابلس من جبة بشري قد قدم عرض حال الى سدتنا العلية بخصوص الحقوق والرسوم اللازم دفعها واداؤها بموجب الدفتر والقانون. فانني راض بادائها وتسليمها كالعادة. ويتابع قوله:"لا تطلبوا منهم زيادة ولا تتعدوا عليهم والذي يقاوم ويخالف امرنا تكتبون لنا اسمه ورسمه مع الواقع وتعرضوا ذلك علينا (50).

وغالبًا ما كان الدويهي يستعين بفرنسا على الباب العالي.

الدويهي وفرنسا:

يوم كان الدويهي جالسًا على عرش انطاكية كان الملك الشمس لويس الرابع عشر جالسًا على عرش مملكة فرنسا ولا فارق كبيًا في العمر بينهما.ولد الدويهي سنة 1630 ولويس الرابع عشر سنة 1638 ومات الدويهي سنة 1704 ولويس الرابع عشر سنة 1715. وكانت العلاقات بين فرنسا والموارنة وطيدة وهي ترقي الى العهود الصليبية وزادت متانة في عهد الامتيازات التي بدأت مع فرنسيس الأول ولاسيما في عهد لويس الرابع عشر وكان قد اصدر سنة 1649 كتابة بناء على طلب البطريرك العاقوري تعهد بموجبها بحماية الموارنة فتسلم الكتابة البطريرك الصفراوي خلف العاقوري فكانت فاتحة عهد جديد مع فرنسا.

وما ان رقي الدويهي عرش البطريركية حتى توجه الى ملك فرنسا يطلب وساطته لدى الباب العالي ليسمح له بالمحافظة على امتيازاته فكتب لويس الرابع عشر في 3آب سنة 1670 بهذا الصدد الى سسفيرة في اسطنبول يقول:

"لما كان البطريرك قد سألني ان آمرك بأن تدعم المطالب التي تقدم بها الموارنة من الباب العالي. ولما كان الملوك أسلافنا ونحن قد كنا دائمًا حماة لجميع الكاثوليك في الشرق ولاسيما الموارنة اننا نتوجه اليك بهذا الكتاب لنعرب لك عن ارادتنا بأن تقوم بجميع المساعي التي تراها لازمة إما لدىالسلطان وإما لدى وزرائه للمحافظة على الامتيازات التي اعترف بها دائمًا للموارنة (51).

ونجحت الوساطة ولم يطلب البطريرك الماروني الفرمان السلطاني اسوة ببطاركة المشرق برغم ان بطريرك اليعاقبة في حلب كان يستعدي الباب العالي على البطريرك الماروني لتنعمه عن طلب الفرمان.

وفي سنة 1671 كتب الدويهي الى قنصل فرنسا في صيدا يقول:

" اننا نذكر في قداساتنا وصلواتنا صاحب الجلالة المسيحية ولاسيما لويس الرابع عشر المتناهي في السخاء ووالدته التقية اللذين نال منهما كرسينا الانطاكي نعمًا وخيورًا وفيرة فحذا بذلك الدويهي حذو سلفه السبعلي الذي كان يحفظ في السكرستيا في قنوبين لوحة كبيرة تمثل لويس الرابع عشر على ما اكد الرحالة الفرنسي دارفيو يوم زار قنوبين سنة 1660 وكان البطريرك يرفع الصلوات كل يوم على ما اكد لزائره في القداس على نية الملك(53) ويذكر دارفيو عينه انه دعي الى وليمة في اهدن شرب الأساقفة اثناءها نخب البطريرك وملك فرنسا.

وفي سنة 1674 زار نوانتيل سفير فرنسا لدى الباب العالي بمناسبة مجيئه الى القدس البطريرك الدويهي فذهبا معًا الى الأرز وكان يوم عيد الرب فأقام البطريرك قداسًا رقي خلاله الخوري بطرس مخلوف الغسطاوي الى درجة الأسقفية وقدم للسفير قطعة من خشب الأرز من قلب الشجرة ليحفر فيها رسم الملك (54).

وفي سنة 1695 أوفد الدويهي المطران مخلوف المشار اليه سابقًا صحبة أحد الوجهاء من موارنة قبرص الى باريس ليتوسط ونجحت الوساطة برغم ان القانون يحذر اسناد القنصلية الفرنسية الى غير فرنسي مثلما نجحت وساطة البطريرك الصفراوي الذي اوفد سنة 1662 المطران اسحق الشدراوي الى الملك عينه بعية تعيين الشيخ ابي نوفل الخازن قنصل فرنسا في بيروت (55).

وفي سنة 1700 اوفد البطريرك الدويهي كاتم اسراره الخوري الياس شمعون الى لويس الرابع عشر وزوده رسالة اليكم بعض ما جاء فيها:

"حتى انهم (أي الحكام) صاروا يستوفوا المال ظلمًا من الكهنة والرهبان ومن الرجال والنساء واليتامى والأرامل والأطفال الذين لم يدركوا السن وذلك من بعد اصناف مختلفة من العذابات وبعد حبس الرجال والأولاد والنساء اللواتي صاروا يلقوهن على الشجر... كما رأينا بأعيننا وحريق قلوبنا شيئ م صار له مثيل ولا انسمع الى يومنا هذا... وما كفاهم ان يظلموا الشعب فقط بل مدوا ايديهم الى اقنومنا ومطاريننا وبهدلونا بسواة الرعية وهلقدر عاملونا حتى مرارًا كثيرة التزمنا ان نلبس طراز العامية ونهرب من امامهم ونسكن في الأودية والمقابر وفي الشقفان والأجيال تحت جور الأزمنة والأيام لو اننا انطعنا في العمر لكي نخلص من ايديهم الظالمة (56).

واستجاب لويس الرابع عشر الطلب وزود الخوري الياس شمعون رسالة الى سفيره في اسطنبول السيد فاريول يوصيه فيها ببذل جهد الطاقة لتحقيق مطالب البطريرك وكتب الملك الى البطريرك يعلمه بهذا الأمر ويؤكد له حمايته للدين الكاثوليكي في بلاد الموارنة قائلا:"لكي تشعروا بمفاعيل حمايتي (57) وامتدت هذه الحماية الى موارنة قبرص فحصل لهم سفير فرنسا في اسطنبول على بضع امتيازات سنة 1686 خففت عنهم بعض ما بهم (58).

وفي سنة 1701 طلب لبطريرك الدويهي من ملك فرنسا منحًا دراسية للطلاب الموارنة في معهد لويس الكبير فوعد خيرًا وبعد وفاته تحقق الوعد وبدأ الطلاب الموارنة في سنة 1706 يسلكون طريق باريس مثلما سلكوا لمائ وعشرين سنة مضت طريق روما لينهلوا العلوم من معاهدها (59).

وما أوردنا هو خير دليل على ما كان للبطريرك الدويهي من تقدير لدى لويس الرابع عشر.

وظيفة التقديس:

وتمرس الدويهي بوظيفة التقديس وهي الوظيفة التي حددها المجمع الفاتيكاني الثاني بقوله "فليتذكر الأساقفة وهم يمارسون مهمتهم التقديسية بأنهم اخذوا من بين البشر واقيموا لأجل البشر في ما هو لله وليقدموا قرابين وذبائح عن الخطايا ويضيف المجمع قائلا: وبصفتهم معلمي كمال، ليعمل الأساقفة بكل قواهم كي يتقدم في القداسة الكهنة والرهبان والعلمانيون كل حسب دعوته الخاصة ذاكرين كل مرة ان من واجبهم الخاص ان يكونوا مثال القداسة بمحبتهم وتواضعهم وبساطة حياتهم (60).

بيئة تقي:

عاش الدويهي في بيئة سلهت عليه السبيل ليتقدس نفسه ومن وكلت اليه رعايتهم وهي بيئة كل ما فيها يحمل على التقوى- فهناك الكنائس تغص بالمؤمنين والأديار تأهل بالرهبان والمحابس تعمر بالنساك من مار يعقوب الأحباش الى مارت مورا الى مار ماما الى دير مار سركيس النهر الى سيدة الحصن. وهناك الى جانب اهدن الوادي المقدس الذي انقطع فيه عدد غير يسير من أهل التقي الى اعمال العبادة، وقد بلغ عددهم في فترة من الزمن الثمانمائة حبيس وكانوا يقومون بتقشفات مذهلة كان الناس لا يزالون في عهد الدويهي يتناقلون اخبارها. وقد ذكر عن يونان المتريتي انه لم يكن يأكل الا مرة واحدة كل يومين وذلك طوال الأربع سنوات السابقة لوفاته وابان الصوم الكبير كان يأكل أيام السبت والأحد فقط ولم يكن يشرب الا ايام سنوات السابقة لوفاته وأبان الصوم الكبير كان يأكل أيام السبت والأحد فقط ولم يكن يشرب الا ايام السبت وكان يوالي السجدات حتى يتصبب العرق منه وكان يقوم في أسبوع الآلام بأربعة وعشرين الف سجدة وما فاقه في هذا المضمار الا تلميذه يوحنا اللحفدي الذي بلغت سجداته في المدة عينها ستة وعشرين الف سجدة (61).

وتأثر الدويهي بهذا الجو التققوي وحاول الاقتداء بالسلف الصالح من مطارنة وكهنة وحبساء كان له فيهم انسباء فكان على مثالهم يأخذ نفسه بالشدة فلا يأكل اللحم الا اذا مرض أو اوجبه عليه مرشده الروحي متقيدًا بأوامر مجمع حراش المنعقد في عهد البطريرك العاقوري سنة 1644 والذي نص في باب وصايا الكنيسة البند السابع على ان كل من يصير مطران أو بطرك لا يعود يقدر يتزفر (62) ويؤكد البطريرك سمعان ان الدويهي لم ينهض عن الأكل شبعان ولم يأكل فاكهة جديدة ويترك كل ما كان يشتهيه (63). ومن يرى غرفته في قنوبين وقد فتح لها برغم صغرها بابًا ينفذ منه الى متخت الكنيسة حيث كان يقضي الساعاتالطوال في الصلاة ليلا نهارًا لاجئاً الى القربان المقدس كلما اعتاص عليه فهم قضية او صعب عليه حل مشكلة يدرك اي روح من التقوى كان يملأ جوانحه.

وقد رسخ في يقين الدويهي ان الأسقف لا يستطيع أن يتمرس بمهمة التقديس ما لم يظل على صلة وثقى بمن اقمه السيد المسيح رأسًا لكنيسته ووكل اليه امر تثبيت اخوته في الايمان ولهذا كان الدويهي على اتصال داءم بالكرسي الرسولي يطلب منه النور ويعرض عليه ما يطرأ من مشاكل ولا خيشى قول الحق بجرأة وإقدام.

الدويهي والكرسي الرسولي:

تعاقب على عرش بطرس ابان بطريركية الدويهي خمسة باباوات وهم:

1- اقليموس العاشر 1670-1676 – دامت حبريته 6 سنوات.

2- زخيا الحادي عشر 1676-1686- دامت حبريته 13 سنة.

3- اسكندر الثامن 1689-1691- دامت حبريته سنتان.

4- زخيا لثاني عشر 1691-1700- دامت حبريته 9 سنوات.

5- اقليموس الحادي عشر 1700-1721- دامت حبريته 21 سنة.

وكان للدويهي ان يقيم علاقات مع اكثرهم. فالأول منهم هو من أولى الدويهي درع التثبيت وقد كتب الحصروني الذي وجهتموه الينا لأجل طلب التثبيت ان يعود ليكم دون ان نصحبه بعبارة العطف نحوكم ونحو الخاضعين للكرسي الرسولي في جهاتكم.

وقد حركنا حبنا لطائفتكم المارونية العزيزة الى ان نوصي بها غيرتك اذ انك راعيها ولكوننا نسهر دائما على حفظها نأمر تقواك ان تعنى بنشر عبادة الله في القطيع الموكل اليك امره. فاذا عكفت باجتهاد على اتمام هذا العمل الرفيع الشأن تكون قد قمت بأعباء الوظيفة التي تشرفت بها. ونحن كلما سنحت الفرصة نبلغك تمام رضانا بكتابات خصوصية وينهي قوله وعلى هذا نعانقكم انت وكل المؤمنين بالمسيح الذي تحت ولايتك ونعدكم جميعًا بمد يد حمايتنا اليكم في تلك الأقطار (64).

وفي عهد زخيا الحادي عشر وقع خلاف بين البطريرك الدويهي ورهبان مار فرنسيس الصغار في القدس وقد أراد هؤلاء ان يخرجوا الموارنة في تلك المدينة عن طاعة بطريركهم فكتب الدويهي:"بألا يتعرضوا على حد تعبيره لطائفة الموارنة في وجه من الوجوه من قبيل انهم لم ينقذوهم من أيدي البربر ولا ردوهم عن بدعة فلم ينتصحوا بقولنا فراسلناهم ثانية ووجهنا اليهم اخانا المطران يوسف الحصروني.. فلبث هناك ثلاثة اشهر ينذرهم أن لا يفعلوا وهم يجيبون ان الكنيسة كنيستهم وان بطريرك الأمة المارونية له السلطة على بطريركيته الانطاكية لا غير "وسيقوا البطريرك الى رفع الشكوى الى روما لكن الدويهي عرض المشكلة بدوره لروما وابطل مدعاهم فأمرهم المجمع المقدس بأن لا يعارضوا الموارنة في عوائدهم ولا في طاعتهم لرؤسائهم والزموا وكيلهم أن يأتي بنفسه ويؤدي الطاعة للبطريرك. وجرى ذلك في تموز سنة 1689 بينما كنا، يقول الدويهي في بيروت (65).

وتغير الرئيس فعادت المشكلة الى سابق حالها ورفع البطريرك الأمر الى الباب زخيا الثاني عشر سنة 1697 فأصدر البابا أمرًا ينهي فيه الرهبان وفع البطريرك الأمر الى البابا زخيا الثاني عشر سنة 1697 فأصدر الباب أمرًا ينهي فيه الرهبان عن التدخل في شؤون الموارنة فتجاهلوا الأمر وعاد البطريرك فأرسل اليهم المطران يوسف الشامي وكاتم أسراره الخوري الياس الحصروني وبينا يقول الدويهي ان اعماله (أي رئيس الفرسيكان) مخالفة للعدل الرياضي والالهي..

وان الأمة المارونية التي نشأت في الدنيا قبل أن يولد مار فرنيسي بخمسمائة سنة هي خاضعة لبطريركها... وبرغم جميع ما قدم الدويهي من براهين وبرغم أوامر روما ظل الرهبان على موقفهم حتى استصدر بطريرك الروم في القدس امرًا سلطانيًا.. مآله ان جماعة الروم ينبغي أن يكونوا تحت طاعته. ولما لم يكن لرهبان الافرنج، يقول الدويهي، أن يحموا سكان بيت لحم وغيرهم بلقب افرنج، وما امكنهم أن يغالطوا الناس بجحود أصلهم الرومي... اضطروا أن يقلبوا كل كاثوليكي اقبل عليهم بلقب ماروني لأن الأمة المارونية من جملة رعايا السلطان فأخذ القاضي آنذاك بيدهم وقيد في السجل انهم موارنة حتمًا.

ويستخلص الدويهي العبرة بقوله:"لنتأمل كيف ان الافرنج لما أرادوا أن ينزعوا هذه التسمية عن اهلها اجبروا أن يدخلوا تحتها من ليس منها واعترفوا بأن أصلا الموارنة هي لهم سند عظيم ولجميع الكثلكة في جهات القدس وغيرها من بلاد الشرق (66).

وهذه الحادثة تنبئ عما كان يلجأ اليه الدويهي من صبر ويظهره من رؤية مقرونة بالجرأة والحزم في معالجة المشاكل.

وكان الدويهي في منتهى الجرأة يوم كتب في 21 ايلول سنة 1676 الى زخيا الحادي عشر ليهنئه بتبوئه عرش الباباوية فوصف ما يلقى هو وشعبه من ويلات، قال:"وكنت عزمت على نفسي بالقدوم حتى أتبارك من قدسكم... ولكن ما قدر الله من كثرة الضنك والاضطهاد الحادث على شعبكم الماروني وخاصة هذه السنوات الثلاث رأوا من المحن والمشقات ما لم يره شعب اسرائيل من الفراعنة فان ضياعًا كثيرة خلت وبعض ديورة احترقت والكنائس انهجرت وتقتل شعب كثير والباقي تفرقوا بين الأمم الغريبة من تغيير الحكام وقساوتهم... ثم يتابع قوله وما قصدنا بهذه الأخبار تكدير خاطركم الشريف لكن لتأخذوا بطرف نظركم الكريم صلتكم المارونية ويجد في نفسه الجرأة على القول :"وبين جميع ملل الشرق ما احد طائع لشريعتكم سوانا ولا نحن ممقوتون بالزائد الا بسببكم (67).

وكان البطريرك الدويهي على جرأته المعروفة عندما اقدم سنة 1691 على ترقية الرهبان، الفرنسيسكان وهو الأب يوليان راميره الى درجة الأثقفية وجعله مطرانًا على صور ورفع الرهبان الأمر الى روما فجاء الحكم في جانب البطريرك وقد اعتمد على التقليد الذي تمشي عليه اسلافه وكانوا يقيمون كهنة وأساقفة من جميع الطوائف المسيحية في الشرق ومن اللاتين ايضًا ولم يعترضهم الكرسي الروماني بشيئ مطلقًا يقول الدويهي مع عمله به بل أثبته ايضًا (68).

الدويهي والعمل المسكوني:

كان الدويهي منفتحًا على الوح المسكونية منذ عهد الشباب يوم رافق المطران اخيجان السرياني الكاثوليكي الى حلب ليسهل امر تسلمه ابرشية وبذل ما باستطاعته ليساعد البطريرك اغناطيوس والمطران اسحق السرياني ومطران مرعش الأرمني وغيرهم ممن وجدوا لديه ضيافة سمحاء وفي لبنان ملجأ أمينًا (69) وروى البطريرك مسعد في معرض كلامه عن عودة الكنيسة اسطفانوس الدويهي بطريرك الموارنة الأنطاكي مع البطريرك كيرللس الملكي الحلبي وأربعة من اساقفته (70) وقد جرى هذا الجدل في دير القمر بحضرة امير الدروز (المظنون انه كان الأمير موسى علم الدين) على شرط أن يتبع المغلوب الغالب. وكانت الغلبة للدويهي بعدما سألها من الله بصلاة حارة(71).

ولم يكن الدويهي بغريب عن ارتداد الأقباط الى الكثلكة لأنه هو من أرسل القس جبرائيل النائب العام للرهبانية اللبنانية معتمدا الى روما فأرسل مجمع انتشار الايمان هذا المعتمد الى مصر لمباحثة مطران الأقباط بشأن العودة الى الكثلكة (72).

الدويهي والرهبانيات:

وكان للدويهي فضل كبير في نشأة الرهبانيات المارونية. فهو من استقبل الشبان الحلبيين الثلاثة يوسف البتن وعبدالله قرا ألي وجبرائيل حوا بعد ان قاموا بزياة الأراضي المقدسة، هو الذي أذن لهم بانشاء الرهبانية وهو من البسهم الاسكيم في 10 تشرين الثاني سنة 1695 في قنوبين واعطاهم دير مارت مورا بعدما أدخل عليه الاصلاحات اللازمة وهو من أثبت الرهبانية سنة 1700 بعدما نظر في قوانينها.

ويمكننا القول ان ما يقوم به الرهبان اليوم من عمل رسولي وثقافي واجتماعي يرجع الفضل الأول فيه للبطيرك الدويهي الكبير.

الدويهي القديس:

ماذا عسانا نقول في قداسة سيرة حياة البطريرك الدويهي وقد ذكرت منه خوارق في حياته وبعد مماته. وهذه لمحة صغيرة عن بعض الآيات التي حققها:

1- قال البطريرك سمعان عواد:"ان صديقنا الشماس يوحنا وهبه الدويهي ابن أخ البطريرك اسطفان الدويهي ذكر في كتاب له عن الحوادث الشهيرة التي صارت من سنة 1695 الى سنة 1704، أن النار اشتعلت ذات يوم في وادي قنوبين وامتد لهيبها من تحت قرية الحدث الى قرية بريسات واستمر سعيرها سبعة أيام متوالية. فاحترقت الأشجار وتشققت الصخور وأخذت تتدحرج ولم يعد أحد يتجاسر المرور في الوادي..

وعند ظهر احد الأيام هذه خرج البطريرك الدويهي ينظر الحريق وبجانبه المطارين والكهنة والشماسة وجمهور من الناس. وبينما هم ينظرون انفصل صخر كبير من الشيد الواقع تحت قرية بريسات وسقط نحو الجزيرة المقابلة، فعلا الصراخ:"راحت الجزيرة". فرفع البطريرك الدويهي يمينه ورسم على الصخرة اشارة الصليب وقال لها:"تهدى يا مباركة" فوقفت في مكانها وما تزال الى يومنا هذا (73).

2- كان البطريرك اسطفان الدويهي في جبل الشوف يتفقد الرعية في قرية الباروك.فطلب منه جماعة من الدروز أن يمر على مصبغة ويباركها لأنهم كانوا قد أنشأوها وصرفوا عليها الأموال الوفيرة ولم تأت بالنتيجة بالمطلوبة من ناحية تركيب ودمج الألوان. فاستجاب لطلبكم ومر بهم وبعد ذلك تحسنت ألوان الصباغ وصار كل شيئ على ما يرام (74).

3- ذات يوم كان البطريرك الدويهي قاصدًا كسروان. وفي طريقه، في وطى البربارة، في بلاد جبيل دعاه بعض الفلاحين ليستريح في ظل شجرة. ولما استراح وقع نظره على أرض غير مزروعة. فسأل عن السبب. فقيل له بأن في هذه الأرض دودة تتلف الزرع. فطلب جرة ماء وصلى عليها وامر ان يرشوها في الأرض. ففعلوا... ثم زرعوا فأعطت الأرض غلالا وفيرة وانقضت الدودة منها (75).

4- انحبس المطر في بلدة بكفيا، وتلفت المزروعات وكان البطريرك الدويهي هناك. فطلب منه أن يزيح القربان المقدس في الهواء الطلق...ففعل... وما ان انتهى من صلاته حتى انهمر المطر بغزارة (76).

5- استدعى البطريرك الدويهي مشايخ الجبة واعيانها للنظر في حالة البلاد. وكان محل الاجتماع تحت شجرة تين في قرية ايطو. ولما رفضوا التقيد بكلامه طعنهم بنبال الحرم وغضب عليهم وللوقت يبست التينة وتناثرت اوراقها وقال البطريرك سمعان عواد ان هذه التينة كانت باقية في ايامه (77).

6- ومرة شتمت امرأة اختها واتهمتها بأمور شريرة. فسمع البطريرك هذا الكلام وقال لها،"هذا اللسان يستوجب الربط" وفي الحال ربط لسانها (78).

7- كان أحد الأولاد في مدينة بكفيا مريضًا وقد اشرف على التلف. فلما رأى أبوه حاله أرسل احد بنيه الى الكنيسة حيث كان البطريرك الدويهي يقدم الذبيحة الالهية. وفي نهاية القداس امره أن يأخذ قليلا من التراب الذي كان واقفًا عليه. فأخذ التراب وذوبه بقليل من الماء وسقى المريض فعوفي وقام يلعب مع اترابه. وهذا الولد انخرط بعدئذ في سلك الكهنوت واصبح اسقفًا وهو المطران فيلبوس الجميل. وخبر هذه الأعجوبة وغيرها حرره القس ميخائيل القرطباني تلميذ مدرسة رومه وأرسله الى المدرسة الرومانية بتاريخ 20 آب 1705. وشهد انه كان معلم الصبي المذكور وان والديه اقسما له بأن الأمر جرى حسبما ذكراه له (79).

8- ولما كان البطريرك الدويهي في قرية ساحل علما انحدر برد شديد اضر بالأشجار. وكان اذذاك البطريرك نائمًا. فدخل عليه احد الكهنة وايقظه من نومه وقال له:"يا سيدنا قد عطلت ارزاقنا وتلفت غلالنا فاضفع بنا بصلواتك" فنهض وقال:"لا تخافوا ثم كشف عن رأسه ووقف عند الباب وأخذ يصلي لله ويطلب منه ان يتلطف بعباده ويرفع غضبه فوقف انحدار المطر حالا (80).

9- لا يزال الناس يتناقلون عن البطريرك القديس انه لما كان يصلي فرضه في قنوبين كان يمشي في الفراغ بين سطح الغرف وسطح الكنيسة والمسافة تزيد على خمسة عشرة مترًا وكأنه يمشي على أرض يابسة (81).

10- وبعد موته اصابت الحمى رجلا اسمه بطرس كبيش وكادت تهلكه. فنام ليلة على ضريح البطريرك. فظهر له في نومه وقال له:قم وامض لقد شفيت فاستيقظ الرجل وكأنه لم يكن مريضًا (82).

11- ويذكر البطريرك سمعان عواد انه كان عائدًا من روما الى لبنان مع الشماس يوحنا وهبه فهبت ريح هوجاء كادت تغرق قاربهم فاستغاثا بالبطريرك القديس. وللحال هدأ البحر ونجيا من الغرق المحتوم (83).

12- وكان من آخر كرامته انه حبس المطر يوم كان هاربًا من قنوبين الى كسروان - دير مار شليطا مقبس – غوسطا - حتى وصلوا الى غزير، وسأل الله ألا يميته إلا في قنوبين واستجاب الله سؤاله وعاد الى كرسيه في الوادي المقدس.

13- وهناك كرامات كثيرة تمت بشفاعته وبعد مماته على ما روى مترجمو سيرة حياته.

ويجب الاشارة الى ان كل الآيات السابقة المذكورة وغيرها كانت محررة باللاتنية ومحفوظة في المدرسة المارونية في روما. وقد ارسلها للمدرسة الشدياق ميخائيل القرطباني تلميذ روما في 20 آب 1705 وأثبت أنه سمعها عن الذين حدثت معهم (84).

الدراسة قام بها المطران نصرالله صفير

سنة 1970 بمناسبة يوبيل الدويهي

منشورات رابطة

البطريرك اسطفان الدويهي الثقافية