البطريرك مار إسطفان الدويهي: بمستوى مار مارون... ومار يوحنّا مارون

 المرجع: كتيّب عنوانه: البطريرك مار إسطفان الدويهي: بمستوى مار مارون... ومار يوحنّا مارون، تحقيق الخوري ناصر الجميّل، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 1992.
 


مقدمة

إنّ سمعان عواد الحصروني الماروني، مؤلّف "مختصر حياة أبينا البطريرك مار إسطفانوس الدويهي الماروني، بطريرك انطاكية"، هو أول من أبرز شخصية البطريرك الدويهي فكتب سيرة حياته. وصار "مختصره" المرجع الأول والفريد عن حياة هذا العظيم من بلادنا وغدت شهادته فيه الأهم لأنها الأقرب إلى الزمان والمكان، ومنه أخذ كل من كتب سيرة حياة إسطفان الدويهي.

I- من هو سمعان عواد؟

والده هو الشيخ يوسف شقيق البطريرك يعقوب عواد (1705 – 1733) واسم أمه بريجيتا ( + 13 ك2 1745) ولد في حصرون سنة 1686، ومنذ حداثته أخذ يتردد مع أترابه على دير قنوبين، وهناك التقى البطريرك الدويهي كما سنرى. ولمّا صار عمره عشر سنوات أرسل إلى المدرسة المارونية في روما، سنة 1696، شأنه شأن تلامذة عديدين من تلامذة المدرسة المذكورة الذين كانوا يتركون ذويهم ويرسلون إلى روما قبل سن الرابعة عشرة لأسباب أمنية واقتصادية إبان حكم الأتراك في لبنان. رفاقه هم يوسف شمعون السمعاني واندراوس اسكندر وابراهيم المطوشي ويوحنا وهبة الدويهي وبولس قشوع.

لم يكن يدري سمعان عواد أنّه سيبقى في المدينة الخالدة إحدى عشرة سنة، درس خلالها الآداب والعلوم الإنسانية والفلسفة واللاهوت وقد نال على ذلك تقديرًا مميزًا بهذه العبارة اللاتينية:

Cum Laude optimi ingeniis. تشير الوثائق أنّه أبرز قَسَمَه، حسب قوانين المدرسة في 14 حزيران سنة 1699. ولما تأكّدت عودته إلى لبنان طلب من مجمع انتشار الإيمان، في 26 تشرين الثاني سنة 1706، مجموعة من الكتب والمعاجم التي يصدرها المجمع المذكور والتي قد تفيده في رسالته المستقبلية؛ فحصل عليها في كانون الثاني من السنة التالية.

يوم ترك روما في 20 آذار 1707، قاصدًا طرابلس التي وصلها في الثالث من أيار من السنة ذاتها، كان عمه يعقوب عواد قد صار بطريركًا، وهو الذي سوف يرفعه إلى الدرجة الكهنوتية في 10 حزيران 1708 ثم إلى الدرجة الأسقفية على أبرشية دمشق في 27 كانون الثاني 1716 بعمر ثلاثين سنة، وكلّفه برعية صور وصيدا. فأقام في مشموشة وبنى الدير المعروف باسم البلدة وسلّمه إلى الرهبانية اللبنانية المارونية في 10 آب 1734. زار الأراضي المقدّسة سنة 1732. وحضر المجمع اللبناني المنعقد سنة 1736. وبعد وفاة البطريرك يوسف ضرغام الخازن هو الذي سيحظى بانتخاب الأساقفة له بطريركًا على الكنيسة المارونية، سنة 1742. لكنه رفض بادئ ذي بدء قبول الانتخاب زهدًا وتعففًا ولم يرضخ له إلاّ بأمر الكرسي الرسولي وذلك لتفادي المشاكل والخلافات التي نشبت نتيجة الصراع على البطريركية بين المطرانين الياس محاسب وطوبيا الخازن.

لن نأتي على ذكر دوره في تطبيق مقررات المجمع اللبناني ولا في المحافظة على القنصلية الفرنسية لنوفل حصن الخازن، ولا عن شكواه ضد اليسوعيين بخصوص مدرسة عينطورة وبخصوص الراهبة هندية، ولا عن المجامع الثلاثة التي عقدها أثناء بطريركيته، قبل أن توافيه المنية في 12 شباط 1756. إنّ الأحداث التي رافقت بطريركيته لكثيرة ومتشعبة وقد نعود إليها في أبحاثنا المستقبلية. همنا الآن إبراز ما نحن بصدد تحقيقه ونشره ألا وهي حياة البطريرك مار إسطفان الدويهي الإهدني.

* النسخة الأصليةموجودة في مكتبة الفاتيكان، مخطوط سرياني 400، الذي تم نسخ قسم منه سنة 1700 ويناسب كتاب "المقالات العشر". لا قرينة تؤكد سنة كتابه هذا "المختصر"، إنّما الأرجح أن تكون كتابته بعد وفاة صاحب الترجمة أي بعد 3 أيار 1704 وقبل أن يعود سمعان عواد من روما إلى لبنان سنة 1707.

* في مكتبة بكركي، جارور البطريرك الدويهي، ورقة 2، ترجمة فرنسية لها ولكن بتصرف وفيها مثلاً يعود تاريخ ولادته إلى سنة 1625 بدل 1630. وهي ضمن مغلف كما فهرسها الأب ابراهيم حرفوش، المرسل اللبناني. لا ذكر لاسم المترجم.

* اعتمد عليها الخوري ميخائيل عبد الله غبرئيل الشبابي، تاريخ الكنيسة الانطاكية السريانية المارونية، 1904، ص 495 – 540، في معرض كتابة سيرة حياة البطريرك إسطفان الدويهي.

* نشرها بتصرف أيضًا مع المحافظة على مضمونها بطرش سبلي، ترجمة أبينا المغبوط اسطفانوس بطرس الدويهي بطريرك انطاكية، 1913، 255 ص. وأعيد طبعها سنة 1970.

* والآن إننا ننشرها كما هي، على علاتها، بلغتها العامية أحيانًا، وحاولنا أن تكون مع ذلك سهلة القراءة، فوضعنا لها عناوين وأرقامًا وبعض الشروحات. وإنها تسهم في التعرف على هذا البطريرك – المحور للكنيسة المارونية خاصة وللكنائس الشرقية عامة، في التفتيش عن أصالتها على صعيد الليتورجيا والتاريخ والرعائيات، وفي علاقتها مع كنيسة روما، بشكل علمي أكاديمي.

المخطوط الذي ننشره ونحققه هو أصلاً بالكرشوني نسخه سنة 1713، في روما، "موسى ابن منصور حنا مويس باسم شماس من قرية دلبتا من معاملة كسروان". والناسخ هو من تلامذة المدرسة المارونية الرومانية دخل إليها في 8 كانون الأول 1707 وعاد إلى البلاد في 6 شباط 1713. وكان قد نسخه إذن في السنة التي عاد فيها إلى البلاد وهو بعمر 19 سنة. وقد يكون هو الذي أتى به إلى لبنان لأول مرة بعد أن ألّفه سمعان عواد.

لهذا "المختصر" أهمية بالغة على الصعيد التاريخي لأنّ واضعه عرف إسطفان الدويهي معرفة شخصية مباشرة. وإنّه يشير صراحة انه التقاه يوم كان فتى يلهو مع الأولاد في دير قنوبين. وانه يعرف عن ذلك كما يلي في معرض سرده لفضائله:

"... وكان يشخص يؤانس الأولاد وينصحهم على القراءة ومخافة الله ويطلع هو بنفسه إلى القلاية ويجيب لهم العنب والحلاوة وما أشبه من التحف ويأكل معهم. وأنا الحقير قد تشوتفت (شاركت) بعض الأوقات من التحف المذكورة من يد قداسته وكان يحبني كثيرًا. فطلعت دفعة (مرة) إلى عنده للقلاية فوجدته يصنّف (يؤلف) فقال لي: "وأنت أي متى تصنف مثلي؟". وما ذكرت ذلك إلاّ اني أفتخر جدًا كوني عرفت هذا الرجل الصالح وتكلمت معه...".

إن سؤال البطريرك الدويهي: "أي متى تصنف مثلي؟" لاقى آذانًا صاغية عند سمعان عواد الذي سار على خطاه ووفق تمنياته فحفظ للتاريخ سيرة هذا البطريرك الفريدة، ووضع مثله التصانيف الثمينة. والله وليّ التوفيق.

الخوري ناصر الجميل


عين الخروبة – بكفيا


في 2 آب 1992


ذكرى ولادة البطريرك إسطفان الدويهي 1630


هذا مختصر حياة أبينا البطريرك


مار إسطفانوس الدويهي الماروني


بطريرك انطاكية


تأليف البطريرك سمعان عواد الحصروني الماروني

1- منشأؤه:

إنّ البطريرك مار اسطفانوس الدويهي كان منشاؤه من قرية تدعى إهدن، موقعها في جبل لبنان المبارك، بالقرب من مدينة طرابلس الشام، من والدين محتشمين شريفي النسب يتّقيان الله وهما مخايل الهدناني والحاجة مريم من عيلة (عائلة) الدويهي المسمية. فسلمه والده منذ ظفار نعومة لاكتساب العلوم والأدب في المدارس، وكان ذا عقل فايق (فائق) كثير العبادة وجزيل الغيرة.


2- دراسته في المدرسة المارونية في روما:

ثم لشدة عشقه في العلوم، سار إلى رومية بهمة عمه المطران الياس وقرابته البطرك جرجس عميرة، صحبة القس سمعان التولاني والشماس يوسف فتيان الحصروني، في سنة ألف وستماية وواحدة وأربعين. وكان وصوله إلى رومية في شهر حزيران فقبله البادري تريلا بيسنسيوس (Troilus Bisentius) الايسوعي (اليسوعي) مدبر مدرستنا أحسن القبول، وحسبه بين جملة التلاميذ. وابتدى (ابتدأ) يعتني على الدرس والعبادة بكل احتراس وعناية. ولم يمض زمانًا طويلاً إلا وسبق بقية أرفاقه (رفاقه) على شبه النسر الذي يفوق كل الطيور بالطيران. فكان معلمه يحبه غاية المحبة لأجل غيته في الدرس ولأجل طهارته وقداسة حياته. وقيل أنّه كان البادري موروس الايسوعي (اليسوعي) المشهور بالعلوم الفيلسوفية (الفلسفية) واللاهوتية، وكان كل أرفاقه يكرموه ويعزوه كأنّه هو الأكبر بينهم. ولم يجد من يعترض له بشيء أو يقاومه البتة. وكان يلالي بين أولاد المدارس كالشمس بين الكواكب. ومن شدة اجتهاده وشوقه إلى تحصيل العلم، وقع مريضًا وامتنع عن درسه مدة زمان، ولو أنّه صحّ في ما بعد واتّبع خيط قراءته كما كان سابقًا. وكان كل يوم ينمى ويزتاد حكمة ونعمة عند الله وعند الناس. وذكر لنا هو نفسه أنّه كان يواظب الدرس والعلم في كل أوان وكل مكان حتى في الأماكن العامة وفي وقت اللعب والتنزه. وكان يقوم في الليل وينور سراجه ويقرأ بعض الأوقات ساعة أو ساعتين أو ثلاث أو أربعة حسب الإمكان. وما زال يفعل هكذا حتى عدم بصره ونور عينيه وصار غير قادر أن يقرأ أو يكتب أصلاً. ولهذا السبب التزم أنّه يمكث في البيت زمانًا طويلاً، لئلا يبطل عن درسه كان يتوسل إلى ارفاقه ليقرأوا أمامه ما كتبوا في المدارس، وكان يفسر لهم كل ما يحتاجون إليه. وعلى هذه الصفة كان يتعلم ويجدّ بتحصيل العلوم. ولكن عندما عاين رئيس المدرسة أنّه لم يشف من وجع العينين جعل يهم برجوعه إلى البلاد. ولما اتصل به الخبر التحقه حزن عظيم وغم بالغ. ولساعته نزل إلى الكنيسة ورمى ذاته أمام أيقونة مريم البتول، التي كان عابدًا لها بغير قياس، ونذر لها نذرًا إذا أشفته. وفي الحال رجع إليه نظره وصار يبصر أحسن مما كان يبصر سابقًا قبل ابتلائه بالوجع المذكور. ومن ذلك اليوم لم يعدم شيئًا من نظره حتى إلى مماته مع أنه لم يبطل عن الدرس والقراءة في كل مدة حياته. وكان يقرأ عند شيخوخته الخط الرفيع من بعيد ولم يستعمل العوينات أبدًا. وهذا كله قد جرى له حيث كان معتنيًا على درس الفيلسوفية. وأما من جهة النذر الذي نذره لمريم البتول فلم نطلع على أمره وهو لم يكشفه لأحد. فتوسّل إليه كثيرون ليظهر لهم إياه فلم يظهره أبدًا بل كان يقول أنه شيء يسير. وان أخذه العجب حيث شاهد أنّ مريم العذراء قد رضيت به واستجابته من أجله. فلما تم علم الفلسفة عمل مجادلات وأظهر علمه أمام الناس وكان يقول الجميع ان لم يجد في بلاد إيطاليا من يفوق على عقله ومعرفته. وكانت حينئذ مدرستنا مكرمة ومعروفة في البلدان الغربية كرامة له. ولما دخل في العلوم اللاهوتية جعل يجدّ في الدرس غاية ما يوصف حتى بعد مدة يسيرة من الزمان وقد أظهر للجميع حسن عقله وثمرة ضهنه الرفيع حتى ان البادري سبارسا معلمه، الذي كان علّم سنين متعدّدة في بلدان مختلفة، كان معتاد يقول انه لم ير قط تلميذًا هكذا فاهم وعالم مثلما كان اسطفانوس. ولما كان يجادل لم يفتح معلمه فمه ولم يجاوب عنه كلمة بل كان يتركه ليرد هو وحده على المعلمين والفهماء المعترضين لرأيه ولم يقو عليه أحد منهم أبدًا حتى ان كانوا يعجبوا للناس جماعتهم من كثرة فهمه ومعرفته ومتى كان يريد يجادل كان يشيع خبره وكان كثيرون يتركوا أمورهم وأشغالهم حتى يسمعونه. وذكر هو نفسه للبعض من أصدقائه ان الرهبان كانوا يتقاتلون عليه ليسحبه كل واحد منهم إلى رهبنته وان المجمع المقدس المعروف بانتشار الإيمان الارثوذكسي قد قصده ليكون معلمًا في الفلسفة واللاهوت. وواحد من أكابر رومية قد دفع له أربعين غرشًا بالشهر إذا قعد عنده في رومية. ولكن هو لم يلتفت إلى هذا العز والإكرام بل كل قصده وهدسه (هاجسه) كان بمنفعة أهل طائفته وجميع أهل المشرق. وفي كل هذه التباجيل والمدائح ما كان يفتخر ولا يتكبر بوجه من الوجوه بل كان يحسب ذاته أدنى الجميع وأوطى الكل ولهذا كان يوقّر الجميع ويطيع الكل ولا يخالف أحدًا. وغاية درسه كان تحصيل الفضائل واكتساب الأعمال الصالحة والابتعاد عن كل خطيئة حتى أن مستعرفه (الكاهن المعرف) كان يقول انه لم يجد فيه بعض الأوقات مادة ليحله من خطاياه. وهذا نفسه كانوا يثبتوه (يثبتونه) في ما بعد كل مستعرفينه. وكان يقول أرفاقه الذين درسوا معه انه لم يفعل شيئًا يمكن أن يكون خطيئة عرضية ومن هنا نطلع على نقاوة روحه وطهارة حياته. وفي الصلاة كان يكتّف يديه ويحني رأسه ويميل عينيه إلى الأرض ويجلس أمام حضرة الباري تعالى بكل خضوع وحشمة وكان يميت نفسه وأحواسه (حواسه) بالأكل والشرب والنظر فلم يذوق (يذق) أبدًا الأثمار الجديدة التي كانت توضع على المائدة أول مرة. وكان يترك دائمًا كل ما كان يعجبه بالأزيد (كثيرًا) من المأكل والمشرب. وكان يقول بعض الأمرار انه لم يقم أبدًا عن المائدة وهو شبعان. وسأله دفعة واحد من أصدقائه لأجل أي سبب كان يفعل ذلك فكان جوابه له: "أما تريد أن نميت تارة الجسد بشيء قليل ونربح لنا شيئًا يفيد نفوسنا؟" وأما قبل خروجه من مدينة رومية فصنّف كتابًا جميلاً في الفردوس الأرضيفي اللغة اللاتينية وما نعرف من أخذه وربما هو نفسه يكون أخذه معه إلى البلاد. وصنّف غيره أيضًا لأنه في أيام الآحاد والأعياد والبطالات ما كان يواظب إلاّ زيارة الكنائس والمكاتب التي في رومية. وما كان يجد نصًا يتكلّم عن الموارنة إلا وينسخه. وذكر التلاميذ أرفاقه انه ما كان يهدس (يشغل باله) إلا بحفظ عوايد كنيستنا القديمة وفي رد الجواب على من يقول ان الموارنة هراطقة أو أنهم قد وقعوا في هرطقة. ونحن نشاهد أن هذا كله قد أتى بعمله في ما بعد على أكمل الوجوه كما يبان من كتبه التي صنفها عن الملة المارونية وهي موجودة عندنا في المدرسة، وهو قبل طلوعه من بلاده كان قبل درجة قص الشعر. وفي رومية تدرّج في بقية الدرجات الصغار. ولم يسافر بعد تكميل علمه للوقت بل بقى نصف سنة بالزود (وأكثر) ليوجد له رفيقًا.


3- عودته إلى لبنان سنة 1654 وسيامته كاهنًا

وفي الثالث من شهور نيسان سنة ألف وستماية وأربعة وخمسين قد توجّه نحو البلاد. وفي حال وصوله إليه قد انسام كاهنًا وجعل يعلّم أولاد في إهدن ويكرز ويدبر الشعب برياضة الأعمال الصالحة وبمخافة الله حتى ان البطريرك مار جرجس البسبعلاني وجده ناشطًا من أهل العلم والعبادة.


4- في حلب

وقد بعثه كاروزًا إلى حلب واقتبله للبلاد بكل فرح وسرور ومكث هناك قرب عشر سنوات يعلم ويتلمذ ذلك الشعب القاتوليكي حتى ان شاع مجد علمه وفاحت روائح قداسته ليست فقط في مدينة حلب بل وفي كل بلدان الشام فجذب كثيرين من الروم والسريان والكلدانيين إلى الرأي المهذب وكثيرون كانوا يطلبون مفاوضته وأن يقتادوا بمشورته. ومن بعد ما جوّد كل عنايته في فلاحة كرم الرب في مدينة حلب وصنف مجلدين في العظات قد لزمه البطريرك المذكور ليعاود إلى دير قنوبين.


5- أسقفيته:

ووسمه مطرانًا على قبروس برضى كل أولاد الطايفة وأهل المشرق وكان ذلك في سنة ألف وستماية وثمانية وستين.


6- بطريركيته:

ولما انتقل إلى رحمة مولاه البطريرك مار جرجس البسبعلاني في اليوم الثاني عشر من شهر نيسان المبارك سنة ألف وستماية وسبعين اتفق كل الأساقفة والعوام على انهم لا يقيموا بطريركًا عليهم إلا المطران إسطفانوس، وان تلك الدرجة لا تليق إلا لمن كان مثله. ولكن هو لما سمع بهذا هرب واختفى ولم ينال مقصوده لأنهم ألزموه بقبول البطريركية. وبالحقيقة فانه قد جمّل بيعة الله في جلوسه على الكرسي الانطاكي وصار يضيء نور حياته وشعاع قداسته فيها كالمصباح الموضوع فوق المكيال. وحيث الكل كانوا مسرين بانتخابه، الشيخ ابو نوفل (الخازن) لا غير لم يرضى بذلك لأنه صار بعجلة بغير استئذانه. ولكن عاد رضي وقبله أحسن القبول. فأرسل القس يوسف شمعون الحصروني، الذي سامه مطرانًا في ما بعد على مدينة طرابلس، إلى رومية لأجل الطاعة وطلب التثبيت وكان قدومه إلى رومية في العاشر من شهر تشرين الثاني سنة ألف وستماية وسبعين مسيحية. ولكن بسبب ان الشيطان الذي هو أبدًا باغض الخير لما رأى المنفعة التي كان لها أن تصدر عن سياسة هذا الأب الفاضل وان كثيرون ينالون الخلاص لأجل تعاليمه الحميدة وتماثيله المبجّلة صار انه حرك قلب البعض من المطارنة والعوام واجتمعوا ضد البطريرك مار إسطفانوس واعترضوا لرسامته ووقع السجس في كل الطائفة حتى ان القس يوسف التزم أن يقرّ (يبقى) في رومية مدة طويلة من الزمان. أخيرًا رسل (كذا) له البطريرك مكتوبًا ليعاود بغير تثبيت. وعندما جاء يختم المكتوب فلم يأخذ الختم أصلاً وجره على المكتوب ثلاث دفعات ولم يظهر إشارة البتة حتى انه بعثه بغير ختم ليطلع على أن رسامة هذا البطريرك لم تصير إلا من قبل الله... ولأجل ذلك ما عاد حدث إلا الخير وثبته البابا على رئاسة انطاكية وسائر المشرق وأنعم عليه بلبس الدرع والتثبيت وأمر انه يكون مسموع الكلمة ومنقام الحرمة في جميع ما يخص تدبيره في الروحاني والجسداني. ومن يقدر يصف عظم غيرة هذا الراعي الصالح ويشرح حسن سياسته وتدبيره.


7- تآليفه:

فانه في حال انتخابه إلى الكرسي الانطاكي جعل يطوف في كل رعيته وقسم عليها قسوسًا وكهنة ونقى كل كتبنا من البدع والهرطقات التي زرعوها (زرعها) فيها أولاد الهلاك ورد كل عوائدنا القديمة ورتبها أحسن الترتيب. وكان بعثها سابقًا إلى رومية ليطبعوها وهي الآن موجودة في المجمع المقدس ودرس كتب البيعة درسًا بليغ وغربل أخبار القبائل الشرقية وصنف تواريخ الأزمنة بأشد ما يكون ورتب كتبًا جميلة تطابق معرفته وفهمه الجزيل، منها كتابين في القداس وهما العشر منائر. ومنها ثلاثة في الملة المارونية، وكتاب في تورايخ الأزمنة وكتاب في الشرطونية وكتاب في التلاحين البيعية. وكتابين في العظات وغيرها. وأكثرها موجودة عندنا في رومية في المدرسة. ومن قرأ هذه الكتب فيطلّع على التعالم العميقة المحتوية فيها وعلى عقله الفائق ضهنه (ذهنه) الشامخ. فالقس مرهج ابن نمرون الماروني كان معتاد يقول عن البطريرك مار إسطفانوس الدويهي في تصنفاته المطبوعة برومية إذا سلّمنا بوجود رجل عالم فاهم في كل المسكونة فلم يكن إلا إسطفانوس الدويهي. والمطران يوسف شمعون الحصروني يسميه الأب – الفاضل والمعلم الكامل. والبعض كان يدعوه قبة الحكمة ومعلم المشرق. والبعض وحيد عصره وفريد دهره في العلم والقداسة. والكتاب الذي في سنة ألف وستماية وخمسة وثمانين أمر بطبعه الكاردينال السامي الحسب والنامي النسب نرلي (Nerli) المكرم صاحب الفضل والإحسان بسبب الفضل الذين تأدبوا بمدرسة رومية وتكملة الماية سنة منذ نشوئها هكذا يقول عنه: "ليس من مديح يوفي هذا الحبر حقه لأنّه يفوق كل ثناء. رقي إلى الملك فوجد أعلى من هذا المقام واجتهد في أن يفوق ما سواه لا بالعظمة بل بالصلاح والفضل. كتب تواريخ أمته ووطنه وطقوسهما فاستحق بذلك المدحة. فلتذع إذن مناقبه ليس الأجيال الحاضرة وحدها بل الأعصار السالفة والمستقبلة أيضًا. سار سيرة رهبانية. وكان يتفرّغ لشأن ولخدمة الله كمن ليس له رعية يهتم بتدبيرها، وكان يهتم بالآخرين كمن ليس له انشغال بذاته وبالله وكان يسعى في أن يغني غيره. يا لها من ديار سعيدة أخذت الجزية من رئيسها بدلاً من أن تدفعها لولي أمرها".

وسأله دفعة (مرة) واحد من أصدقائه هل انه قد كتب شيئًا في مصنفاته بغرض وعناد ام لا فجابه (فأجاب) انه لا يكتب إلا الذي كان يبان له حق وصدق بغير غش أو غرض البتة. وبالحقيقة من قرأ كتبه وخاصة التي صنفها في الملة المارونية فيطلع على حشمته وأدبه في الخوض إذ هو لم يقرّع أحدًا بالكلام ولا يستخفه بشيء والأمر عسر جدًا على من صنف كتبًا مثل هذه لئلا تخرج من فمه كلمة تلدع الغير. وصار في عهد هذا المعلم الزاهر ان بطريرك الروم جعل يزرع في المشرق بدعة الروم وربما يكون قد أذن بذلك الباري تعالى ليظهر مجد عبده إسطفانوس ويخزي ذلك الهرطوقي. فكان يقول ان تقديس الخبز والخمر لم يصير بقول الكاهن على الخبز: "هذا هو جسدي"، وعلى الخمر: "هذا هو دمي" ولكن بدعوة روح القدس على اثنينهما. فاعترض له البطريرك مار إسطفانوس على اسم كل المؤمنين الذين في المشرق وبعث له رسالة يبين له فيها من نص الكتب المقدسة ومن مراسيم المجامع الطاهرة ومن شهادات الآباء القديسين ومن براهين العقل القويم ان تقديس الخبز والخمر جسد المسيح ودمه ليس بممكن انه يصير بدعوة روح القدس البتة. وان الهرطوقي عند قراءته الرسالة ارتكبه الحزن والغيظ ولم يعرف يجاوبه بشيء ولهذا التحق به الخزي والعار عند كل أهل المشرق. وليبيّض قيمته ويقيم بشأنه قد حمل ذاته وجاء إلى عند البطريرك إسطفانوس مع خمسة وعشرين أسقفًا من أساقفته وأقام مجادلة ضده أمام أمير الدروز بشرط انه يصير مؤمنًا قاتوليكيًا معتقدًا بكل ما تأمر به الكنيسة الرومانية مع كل أساقفته إذا كسر شوكته مار إسطفانوس البطريرك وإلاّ بخلاف ذلك. ولما جاء اليوم المعيّن لإقامة المجادلة اجتمع كثيرون ليروا القضية. والبطريرك إسطفانوس توسّل إلى الله وإلى أمه البتول وجميع القديسين ليرشدوه ويعينوه لينتصر من عدوه ويقيم بشأن البيعة المقدسة. ثم مضى وابتدأ يقول بهذا النشاط والحرارة حتى ان الأمير حيث عاين ان بطريرك الروم لم يعرف يجاوب كلمة قد التفت إليه وقال له فأنت صرت الآن ملزومًا ان تقبل تعليم البطريرك إسطفانوس. فقال: نعم. وشكر الجميع الرب الذي قد خزى ذلك الهرطوقي ورده إلى حضن الإيمان الارثوذكسي. ولكن هو بعد قليل سافر إلى بلاده وعاد إلى ما كان سابقًا عليه مع بقية أساقفته ما عدا اثنين منهم وهما أسقف صيدا وأسقف بيروت. وعمل إسطفانوس مجادلات أخرى ضد هراطقة ومسلمين ولم يجد من يقاومه بشيء أو يقوى عليه أصلاً حتى ان صح فيه ما قيل في الاصحاح السادس من أعمال الرسل: "فكانوا يجادلون إسطفانوس. ولم يكونوا يطيقون الثبوت مقابل الحكمة والروح الذي كان ينطق".


8- شدائد وبلايا... ومواقف

وأما الشدائد والبلايا التي احتملها فتفوق الوصف حتى انه ما وجد يومًا مريحًا لأن في زمانه صارت معاونات مقرفة بين المشايخ والباشوات ولم يكن للجبة حاكم ثابت ولو انه كان يجدّ ليلاً ونهارًا ليقيم لها رأسًا واحدًا. وكم مرة جمع مشايخها وغضب عليهم، وكم مرة بكّتهم وأهداهم إلى الصلاح بغير فائدة. وفي ذات يوم دعاهم إلى ضرب الديوان (أي إلى الاجتماع) لأجل تدبير البلاد. وكان ذلك تحت شجرة تين. وبسبب انهم لم يتفقوا ولم يسمعوا لكلامه طعنهم بالحرم ولعنهم وغضب عليهم. ويا للعب، للوقت يبست التينة بالكلية ونثرت كل ورقها. وبعدها يابسة إلى يومنا هذا في أيطو. ثم على زمان هذا البطريرك يا ما صارت ركوبات (هجومات) على بيت حماده وطفروا (هربوا) وعادوا ورجعوا ويا ما حدثت حروبات وكون أم بين مشايخ كسروان أم بين مشايخ الجبة وبيت حماده وغيرهم. ولهذا السبب كان يقاسي كثيرًا حتى أنّ الشدائد التي قاساها ما جريت لأحد. وكم مرة صارت له بهدلة وتشتيم وكم مرة التزم يهرب من بلاد إلى بلاد. وكم مرة اختفى بين المغر (الكهوف) والشقفان (الصخور) والأودية أم في لهيب الشمس بنصف الصيف أو في البرد والثلج والزمهرير بنصف الشتوية. فلذلك شرف على الموت مرارًا متعددة وكان مات لو الله تعال لم ينجيه ويرد له عافيته. والتزم دفعة عند شيخوخته انه يطوف في الحراش والوديان على شبه البهايم والوحوش حتى كاد يموت من شدة البرد والزمهرير الذي صابه. فانه نزل في قلب الليل مع يازجيه لا غير من مغارة موقعها تحت الحدث وعند وصوله إلى سيدة الكرم كشف رأسه وصلى قدام باب الكنيسة قرب ربع ساعة. ثم قطع النهر وتوجّه صوب دير قنوبين. ولما وصل إلى فوق الطاحون عجر عن المشي بالكلية وارتمى في نصف الطريق. وكان ضو القمر يلالي كالنهار. فنصحه يازجيه ليقوم من هناك لئلا يصدفه أحد من العداء، أو لئلا يضره الهواء الجلي من ناحية النهر لأنه كان عرقانًا. فقام وعرض عن الطريق وجلس في ظلال الجبل الذي كان بالقرب من الطريق. وكان ماسكًا بيده العصاة وتاكيًا رأسه عليها ويرتقص من أوله إلى آخره. وذكر لنا يازجيه الخوري الياس شمعون الحصروني الذي كان معه انه رق قلبه عليه حينئذ وتحير في أمره أشد ما يكون متوهمًا انه يموت بلا شك. فجلس نصف ساعة حتى وصلت إليهم مكاريّة الدير الذين كانوا يستنظروهم وجعلوا يمشون نحو دير حوقا. وما وصل إليه البطريرك حتى صار مثل الميت لأن العقبة كانت عسرة وطويلة ولم يمكنه الركوب فيها وكان زمان ليل وبرد وهو كان هرمًا ابن سبعين سنة والذي زاد عليه عذاب وآلام هو أنه احتمل بردًا لا يتاق مستنظرًا قرب ساعة أمام باب الدير لأنه كان مقفولاً ولم يكن معهم المفتاح. فالتزموا أن يبعثوا واحدًا ليأتي به من دير قنوبين. ولما دخلوا البيت تمتع البرد في اليازجي وأخذ يعاقبه كثيرًا. فقام البطريرك وشعّل (أشعل) النار وسخّنه وجاب له العرق وأسقاه وما زال يعتل بحاله كالأم الحنونة حتى شفاه بالكلية. وكان ماضيًا مرة إلى بلاد في قلب الثلج وبينما كان جائزًا على ظهر جبل التحقه برد لا يحد وكادت الخيل تتهدى من شدة البرد. فلما رأى أرفاقه سقعانين حزن عليهم ونزل عن فرسه وابتدى يمشي أمامهم ويشجعهم مع أنه كان هرمًا وأرفاقه شباب وكلهم راكبين على الخيل فأراد الأب الرحوم انه لا يرحم حاله لكيما يرحم أرفاقه وأحب انه يزيد شدائده ليخفف شدائد أصحابه. وبالحقيقة لو شرحنا كل البلايا والشدائد التي احتملها هذا البطل لقد طال الشرح والكتاب حتى ان مطارنته وأساقفته نفسهم اجتمعوا مرة ضده وأرادوا أن يعزلوه عن كرسي انطاكية. وكانوا نالوا مقصودهم الخبيث لو هو لم يبعث يحرمهم ويحرم كل من يرى برأيهم. ولهذا السبب كان يتنهد بعض الأوقات ويقول ان البطريركية حمل ثقيل وان لم يعرف به إلا الذي جربه. وكم دفعة كان ناويًا يكتب للبابا لينزل عن درجة البطركية لولا الطايفة تمنعه عن ذلك. أما الذي يحير جميع الضمائر والعقول فهو ان في كل الشدائد والبلايا التي كانت تصيبه ما كان يتشوّش ولا يتلاوم ولا يجتبن ولا يحزن بل كان مسرًا وفرحانًا ومطابقًا بالعمل الإرادة الإلهية وموجهًا كل أفعاله. حبًا لاسمه تعالى. وأغلب كتبه قد صنفها بالمغر والوديان إذ هو لم يكفّ عن القراءة ساعة واحدة. وكانوا (وكان) يلتجوا إليه خرافه المظلومين من كل النواحي وهو كان يقبلهم لا فقط كالراعي الصالح ولكن كالأم الحنونة. وكان يعضد الواقعين ويرشد التائهين ويعين المحتاجين. ويقضي حاجة المساكين ويحامي عن المقهورين. ولما كان يجي إلى عنده أحد الفلاحين كان يلاقيه إلى عند الباب ويقعده على كرسيه ويجي بالخمر ويسقيه بيدهبالقدح المعتاد أن يشرب فيه. وكان يقضي له كل مصالحه ولا يبعثه إلا مجبور الخاطر.


9- عدله

وما كان يأخذ بالوجه أحدًا بل كان يشرع بالقسط والعدل حتى ان رفع إليه مرة أمر اثنين من مدينة حلب. أحدهما شريف النسب والآخر فقير محتاج. فرأى ان الحق مع الرجل الفقير. فأمر لمخاصمه أن لا يتعدى عليه بشيء. وأراد الشريف ان يجذب البطريرك إلى ناحيته بالدرهم ولكن هو أجاب وقال ان لو امتلى كل الوادي قنوبين دراهم لم يشرع ضد ذلك المسكين بشيء أصلاً.


10- محبته لكنيسته

وأما المحبة التي كان يودّ طائفته فتفوق الحد حتى انه عند وقته لقد كان يقدم عنقه للسيف من أجلها. وبالخاصة قد بانت غيرته وتباهت في حفظ عوائد كنيستنا القديمة وجاهد كثيرًا مع المرسلين الذين في بلاد المشرق حيث رآهم دون الصواب يبحثون ليغيروا عوائد ملتنا ويجعلوا ان الموارنة تتبع طقوس كنيسة رومية. ولم يعتبروا على الحق ولا على ان رتبتنا نقية كما هي نقية رتبة الكنيسة الرومانية. ثم كان غيوري جدًا في الأمور الروحانية وكان يؤدب الكهنة حيث يعرف انهم متكاسلين في الأمور الكنائسية ولم يرعوا شعبهم كما يجب ويليق. وبخلاف ذلك من كان يتعب ويكد في خلاص شعب رعيته ذا سيرة جميلة هو نفسه كان يمضي ويدفنه بيديه عند مماته ويشرفه بحضوره وبحضور كل مطارنته وأساقفته ويقيم من أجله صلوات وقداديس وغير أمور صالحة مفيدة لنفسه. ومنع كل الكهنة والناس الكنائسيين عن شرب التتن ولم يكن يشاء أن يشربه أحد أمامه، ومن كان يجاسر على ذلك فكان يعاقبه بالملايم البيعية ويدعيه محرومًا من الله ومن قداسته.


11- اهتمامه بتلاميذ مدرسة روما

وغاية محبة هذا البطريرك كانت نحو تلاميذ مدرسة رومية فانه كان يعتني عليهم ويدربهم غاية ما يكون ولا يحتمل من يغيظهم ومن كان يدقرهم مثلما يكون قد دقر ببة (بؤبؤ) عينيه ولهذا الشعب كان يسمي إسطفانوس ميمة تلاميذ رومية. فأقام منهم أربعة مطارين وهم المطران بطرس ابن مخلوف الغوسطاني والمطران يوسف شمعون الحصروني والمطران جرجس بنيامين الهدناني والمطران يعقوب عواد الحصورني الذي صار بطريركًا فيما بعد. وعرض المطرانية على غيرهم ولم يقبلوها. وكتب إلى التلاميذ الذين في رومية مكاتيب عديدة يرشدهم بها على الدرس والعناية ويوعدهم بأنه يعزهم ويكرمهم كثيرًا ويرفعهم إلى أعلى الدرجات.


12- فضائله

وأما فما نقول عن فضائله الحميدة. فانها كانت عالية وممدوحة على غير قياس. فكان متضعًا أكثر مما يكون خادم المطبخ ولو ان بين الشعوب والناس كان يقيم بعزه ويبيّن في تصرفاته أمام الأمم انه كان بطريركًا وعالم بدرجته العالية. فكان حليمًا وشافقًا ورحومًا وكان عادلاً ومجازي الناس المستحقين ومؤدب الرذيلين المذنبين. وما كان يتطلع لا على قرايب ولا على صحايب بل على أصحاب الاستحقاق لا غير. وكان يشخص ويؤانس الأولاد الصغار وينصحهم على القراءة ومخافة الله ويطلع هو بنفسه إلى القلاية ويجيب لهم العنب والحلاوة وما أشبه من التحف ويأكل معهم. وأنا الحقير قد تشوتفت (شاركت) بعض الأوقات من التحف المذكورة من يد قداسته وكان يحبني كثيرًا. فطلعت دفعة إلى عنده للقلاية فوجدته يصنّف فقال لي: "وأنت أي متى (تصل) تصنف مثلي؟ وما ذكرت ذلك إلاّ أني مفتخر جدًا كوني عرفت هذا الرجل الصالح وتكلمت معه. فرجع مرة يازجيه من طرابلس إلى قنوبين وكان حكمه قليل من الشتي والمطر فوجد البطرك ملقيًا على الفراش بسبب أن رجليه الواحدة كانت توجعه. وهو كان يصيبه وجع الملوك مرارًا شتى في مدة حياته. فلما رآه البطريرك حن قلبه عليه وقام لساعته عن الفرشة وجعل يمشي على رجل واحدة حتى وصل إلى السندوق (كذا) ففتح وجاب له قميصًا ليغير ثوبه، وقدح وشعل نارًا وأدعاه ليصطلي حتى انه تعجب اليازجي من كثرة جوده وإحسانه وهو كان قرايب الخوري الياس شمعون الحصروني. وكان البطريرك إسطفانوس ماسكًا ذاته عن أكل اللحم حتى وهو مريض لم يرد يأكله ولو ما يأمره مستعرفه. وكان غيورًا على حفظ المسكنة قنوعًا وضيقًا على نفسه كثيرًا وأما على الغير ذو شفقة ورحمة جزيلة فكان يمتنع عن المواكيل الفاخرة ويرتضي بكل ما يأكلونه رهبانه لا غير. وكان يلبس قمصان عتيقة واللبوسات مخزقة من داخل ويبان أمام الناس ببرد أزرق قد لبسه سنين متعددة. وحدث أن أهداه دفعة واحد شريف الأصل من مدينة حلب قطعة حرير حسن اللون وغالي الثمن ليقطع له ثيابًا منه ويلتحف بها. فقال البطريرك لو كان عمل بدلة منه أو بدلتين من أجل الكنيسة لكان عمل أحسن ولم يريد لبسه بل قد خلعه لواحد من إخوته المطارين وأخذ منه رستميته العتيقة ولبسها. في نصف الليل في قلب الشتوية ويصلي ويتوسل إلى الله ساعات متطاولة. وسمعوه مرارًا كثيرة يتكلم مع مريم العذراء التي تراءت له دفوعًا شتى وخاصة حيث كان يهرب ويختفي من أعدائه الطالبين قتله وقالت له مرة أنه لا يخاف على مال الدير لأن قشة منه لا تفنى كما جرى بالحقيقة لأن كان يبتعد عنه شهور وسنين وتأتي الكفار والظلام ولم يلتحق به ضرر البتة. فدخل واحد من الرهبان ذات يوم إلى قلاية البطرك فوجده يبكي وينوح فسأله عن السبب فكان جوابه له ما كان يمكنهم أن يأخذوا من مريم البتول أولئك اللصوص الذين صدفوها في الطريق فانه كان يتأمل هربة البتول إلى مصر. ومن يقدر يطلع على قدر ما كانت ترضي الله أعمال هذا الأب الفاضل فإن ما غضب إلى أحد أو حرمه ومات موتة صالحة.


13- الكرامات التي قام بها:

معلوم أنّ الرب سبحانه وتعالى قادر هو المنتقم من عاملي السوء ضد عبيده ولكن ما فعل ذلك مع أحد بأفضل نوع مثلما فعل ذلك مع عبده إسطفانوس فإنّ المحرومين منه البعض ماتوا ماتوا على الخازوق والبعض مسممين والبعض مقوّسين والبعض مسكوهم الأعداء وأماتوهم موتة شنيعة. ونحن لم نذكر أساميهم ها هنا شفقة عن أقاربهم الذين متبقين بالحياة أيضًا ومن أجل أن الله تعالى قد أحب كثيرًا عبده هذا فقد كان محتاجًا نعمة وقوة على فعل العجايب والآيات وجعله مسميًا مشهورًا في كل أقطار المسكونة ليكون مصباحًا في بيعته يضيء لكل من كان محتاجًا وراغبًا إلى السلوك في طريق الحياة والخلاص. وبسبب انّا لم نطلع على الأيام والسنين التي جرت بها العجائب المذكورة فنحن نشرحها ها هنا بغير اطلاع على الأزمنة التي صارت فيها:

- قيل ان وقع نار في صيرة (حظيرة) واحد من الدروز وكان البطريرك مار إسطفانوس في مجد المعوش حينئذ جعل الدرزي يتوسل إلى قدسه ليطفوا تلك النيران لكن بغير فائدة. فقال له الشعب الحضّار: شتوسل إلى شيخ مجد المعوش أي إلى مار إسطفان. فتوسّل وفي الحال طفيت تلك النيران من غير انها تضره بشيء. ولما كان الغد أخذ رأس معزه وغير ذلك حسب الإمكان وأهداها لمار إسطفان وشرح له القصة بالتفصيل.

وحيث كان في مجد المعوش أيضًا اتفق البعض من الأماكن القريبة ليأخذوا هدية ويسيروا إلى مجد المعوش ليقبّلوا أقدام البطريرك وينالوا بركته. فلما جاء الصباح نقص واحد منهم كان غائبًا ولم يشوا ان يستنظرونه فلما رجع وعرف انهم مضوا بلاه اغتاظ غيظًا شديدًا وحار أية هدية يأخذ إلى البطريرك وخاف يواجهه فان كان رجل فقير. أخيرًا اعتمد على انه يأخذ له شمبل قمح ويمضي بالمسير إلى تقبيل أقدام البطريرك. فاقتبله البطرك بكل حنية وبشاشة وبارك إليه وعلى كل ماله وأرزاقه. ولما رجع إلى بيته رأى أن مخزن القمح ممتلئًا من قمح فأخذه العجب من ذلك وعلم سيده الذي كان درزي (كذا) بذلك فمضى الدرزي وأخبر الأمير بكل ما جرى فقال الأمير لا تتعجب من ذلك لأنّ البطريرك إسطفانوس قد عمل آيات تفوق هذه الآية وهذا الأمير كان يقول عن إسطفانوس ان له دالة عظيمة عند الله. وكان يقول ان أيضًا الملة المارونية إذا عدمت هذا البطريرك فلا يبقى لها حال.

وكانت دفعة امرأة تشتم أختها وتثلبها بأمور شريرة لم تفعلها بتحقيق أمام البطريرك فقال لها البطرك هذا اللسان خرجه الربط. وفي الحال انربط لسانها.

ولما كان في بكفيا صار ان لم تشتي (كذا) منذ مدة طويلة من الزمان فكان يبس الزرع والأشجار وكان يتساقط ورق التوت وتيبس الأنبات فتوسل أهل البلاد إلى إسطفانوس ليعمل دوارة ولما كان اليوم الثاني قدس البطريرك. وبعد القداس مضى بالدوارة وما جلسوا على المايدة ليتغذوا إلا واستمعوا للرعد ثلاث دفعات فظن البعض أنها مدافع غلاوين قوست في دخولها إلى مدينة بيروت التي تبان من بكفيا ثم بعد قليل جعلت تمطر وتشتي حتى انها أسقت الأرض والأشجار أزيد ما كانت محتاجة إليه. وكان يوجد هناك، واحد تركي كان قال انه يصير قاتوليقيًا إذا أمطرت ولكن عندما عاين الشتي هرب إلى بلاد الدروز خوفًا لئلا يقوم بميعاده ويصير مؤمنًا. وأما الله سبحانه وتعالى فانتقم منه لأن بعد مدة يسيرة من الزمان قد قتل.

ولما كان البطريرك في بكفيا أيضًا وقع صبي مريضًا وشارف إلى الممات. فلما رأى أبوه سوء حاله أمر لواحد من باقية أولاده ليمضي إلى الكنيسة ويستنظر إلى أن ينتهي قداس مار إسطفانوس فيأخذ قليلاً من التراب الذي كان تحت أقدامه ويأتي به إلى البيت ففعل ابنه كل شيء أمره به. ثم اخذ التراب ومزجه بقليل من الماء فأسقاه لابنه المريض، ويا للعجب فللوقت المريض صح ونجى (كذا) من خطر الموت حتى ان في الغد مضى يلعب مع الأولاد أرفاقه وكل هذه العجائب قد وجدناها محررة في اللغة اللاتينية في المدرسة التي في رومية. وكان رسل لنا إياها سابقًا الشدياق مخايل القرطبانيالمكرم تلميذ المدرسة المذكورة في عشرين من آب سنة 1705 ربانية ويشهد انه ما سمعها إلا من الذين قد جرت لهم أو شاهدوها بعينيهم. وعن العجيبة الأخيرة يذكر هو نفسه انه كان معلم ذلك الصبي وأن أبيه وأمه كانا يحلفان له أن الأمر كان جرى حسبما ذكرناه.

ولما كان البطريرك في معاملة كسروان جاسر واحد وسل سكينه عليه ناويًا أن يضربه وفي الحال ابتلى بالجنون ومن بعد ما بعثوه إلى دير مار انطونيوس وصح قليلاً مات بعد أيام يسيرة.

وصار دفعة انه لم ينزل مطر على الأرض بعد زمان طويل حتى كادت تيبس الزروعات فمضى البطريرك مع المطارنة والأساقفة وبقية الإكليروس بالزوارة من دير قنوبين إلى كنيسة القديسة مارينا حاملين شاهدها وملتحفين بسائر اللبوسات الحبروية فما فما عادوا إلى الدير إلا وهم مرنخين في المطر. وهاتين العجيبتين قد سمعتها من قرايبنا الخوري الياس شمعون يازجي البطريرك وهو شاهدهما بعينه.

وصديقنا الشماس يوحنا وهبه ابن أخي البطريرك إسطفانوس متكلمًا عن البطريرك المذكور في كتابه عن الأمور المشهورة التي صارت من سنة (1695) إلى سنة (1704) ربانية يذكر ان إسطفانوس قد فعل هاتين العجيبتين اللتين أنا أذكرهما بكلامه لئلا أغير منهما شيئًا وهما على هذه الصفة.

ذات يوم حدث ان علقت حريقة في وادي قنوبين وقدت مدة سبعة أيام من تحت الحدث إلى بريسات وما كان يمكن أحد يمرق من تلك النواحي من جهة الشقفان والصخورة التي كانت تتدركب وتفقع من لهيب النار العالقة في كل الشغر من النهر إلى روس الجبال. فيوم من الأيام ظهرية نهار، طلع السيد البطريرك يتفرج إلى الحريقة وطلع معه المطارين وبعض من الكهنة ومن شدايقة وغير انفر وأنا أيضًا والشماس سمعان عواد رفيقي معه، وأنا وإياه دوم قرينا جملة وكنا أيضًا مترافقين جملة ولما الجمع كانوا شاهقين من شدة النيران المطمرة فقعت صخرة كبيرة وانشقت من الشير، الذي تحت بريسات وسقطت هابطة على الجزيرة التي قبال الطاحون في قاطع بريسات فصرخوا للوقت جميعهم قائلين: راحت الجزيرة. فلكن السيد البطريرك رفع يمينه وصلّب صوب الصخرة "اتّهدي يا مباركة". فتهدوما نقلت من مكانها وهي على نصف الطريق التي تؤدي على بريسات. وجميع السائرين هناك يتأملوا ويتبحروا بها.

والخوري ابراهيم الغزراني الذي جابنا (جاء بنا) على رومية كان يقص لنا كم عجيبة عملها السيد البطريرك أمام عينيه وبالخاصة التي اجترحها في بلد الدروز مع ناس كفره وماقتين المسيح وهي ان لما البطريرك كان في تلك البلدان يسلي رعيته بزيارته لها ذات يوم أتوا رجلان من الدروز وجعلوا يتخشعوا (كذا) ليازجيه ولشدائقته ولبقية أرفاق السيد البطريرك حتى انهم يطلبوا من فضله ليكلف خاطره يمرق من صوب دكاكينهم لأنهم كانوا صباغين. وكان لهم سنين كثيرة تعبوا في تلك الصنعة من غير أن يصح لهم التعب. وانهم كانوا يترجوا في صليب بطريرك الموارنة إذا هو أراد أن يعمل معهم هذه المنة يصلب بيده على آلاتهم. بسبب أن سيط السيد البطريرك كان شاع وانشهر لا بين النصارى فقط بل وبين ماقتي المسيح. فوصلت القضية إلى الحبر فحلم وأمر ان عند الخروج يمرقوا من هناك ولما وصل على قبال دكاكينهم فجعلوا يتضرعوا (كذا) إلى وجوده ليرفع يمينه إلى صوبهم. فرفعها وأمر أنهم يرموا الشقائق في الصباغ. وفي لحضرة أخذت واتلونت وما عاد جرى لهم ما قد جرى سابقًا. إلى ها هنا الشماس يوحنا الدويهي المقدم ذكره وأنا نفسي أشهد بهذا كله لأن العجيبة الأولى قد شاهدتها بعيني. ولمست الصخرة التي هدّاها البطرك بيديه. والعجيبة الثانية قد سمعتها من الخوري ابراهيم السابق ذكره. وبالقرب من حصرون قلعة على جانب الطريق كل من جاز من هناك فتراءى له القدر بزي سعدان فيضره بعض الأوقات. فلما جاء مرة إلى حصرون البطريرك إسطفانوس توسل إليه الحصارنة ليصلب على القلعة. فصلب وأمر أن كل من هناك يجوز يرسم ذاته بالصليب. فلم يضره القدر منذ ذلك الحين أبدًا. وكان خوري في بلاد صيدا يكتب كتب محرمة فحرمه البطريرك. فمات بعد ثلاثة أيام. وقد طال الشرح لو قصينا ها هنا كافة المعجزات التي يخبرها عنه أهل طائفتنا فنكف عنها.


14- أيامه الأخيرة وموته:

فلنذكر الآن عن انتقاله السعيد من هذا العالم. فان لما عاودوا بيت حماده إىل الجبة من بعد ما كان طلع فيهم أمر من السلطنة ان لا يسكنوا تلك النواحي، فحدث ان البعض منهم أتوا على دير قنوبين صحبة كبيرهم الشيخ عيسى. ومن بعد معالجة طويلة بينهم وبين البطرك، فرفع عيسى يده على البطرك ولطمه لطمة حتى انه كاد يقع لو ما يجي متكيًا على الحائط. فوقعت الفوطة عن رأسه، ثم من غير يحزن أو يجتبن أو يطرد أولئك الظالمين من الدير، قد طلع لأوضته وأرسل مكتوبًا إلى الشيخ حصن (الخازن) يخبره به عن كل ما جرى. فلما بلغه الخبر الأمير حصن بعت أخيه (أخاه) مع أربعماية جند بالتقريب إلى دير قنوبين لنقل السيد البطريرك من الجبة إلى معاملة كسروان. وعند وصولهم إلى الدير حضر الشيخ عيسى أيضًا أمام البطريرك طالبًا منه مسامحة وغفران على كل ما جرى منه. فنام عيسى تلك الليلة خارج الدير في العلية بين الخيل والفرسان. وفي الغد دخل على الدير فصعد على الصطح (السطح) وعاين جنود الأمير مصفوفة على صفين. ومن بعد قليل ها البطريرك قد خرج من قلايته وتوجه صوب السطح فجاز في نصف الجنود إلى متى وصل إلى آخر السطح وهناك جلس مع أخي الأمير حصن، وكان الشيخ عيسى واقفًا على قدميه كالمذنب أمام حاكمه. والكل يهزأ به حتى ان جنود الأمير قد نتفوا كل قاووقه. ثم بعد ذلك دعا البطريرك من ناحية وجعل يتخشع إليه جاثيًا أمامه قائلاً: "فأنا أسألك يا مولاي بأن تغفر لي زلتي ولا تشأ (تشاء) أن تنتقل إلى كسروان لأني أنا قدامك من اليوم وصاعدًا في كل شيء تأمرني به. وإن أردت تدوس رقبتي الآن وافعل بي كل ما تشاء وتريد". فأجابه السيد البطريرك قائلاً: "فاني أنا أغفر لك كل ما فعلته معي. بل وأنا راغب أن أتألم لأجل حب سيدي الذي لأجل محبته لي قد تألّم ومات ولكن شعبي لم يدعني أن أمكث في الجبة". ثم رجع عيسى إلى مكانه والسيد البطريرك مضى إلى كسروان. فقبلوه الكساروه أحسن القبول بالقواس والزغاليط والتلاحين والهدايا وغير ذلك. واجتمعوا عليه من جميع القرى والمزارع ليأخذوا بركته. ومن كثرة الشعب الذي أحاطه التزم أن يلبس الغفارة ويمسك الصليب بيده ويركب الفرس ليبارك الشعب وينظره الجميع شيء لم يصير (يصر) قط في الأزمنة السالفة. فمكث في معاملة كسروان نحو أربعة أشهر ثم عاود إلى ديره بهمة المشايخ الخوازنة ودخل على قنوبين نهار السبت في الخامس والعشرين من شهر نيسان سنة ألف وسبعماية وأربعة مسيحية. وكان فرحه في دخوله على الدير على غير ما يوصف حتى ان جميع الرهبان والحاضرين قد أخذهم العجب والحيرة على كذا فرح وسرور. فمكث متعافى السبت وفي اليوم الثاني وهو الأحد قدس قداسًا كبيرًا ومنح غفرانًا على اولئك الذين رافقوه من كسروان على قنوبين. ومن بعد الغداء تودع منهم وباركهم. ويا للعجب فانه ما خرج من الدير ليودع الكساروه إلا وما عاد يستطيع ان يرجع على اوضته. فالتزم شماسه أن يحمله. واما هو فكان يقول: "أشكرك يا سيدي لأجل انك استجبتني وما جعلت لي موتة إلا في كرسيّ، ولا دفنة إلا مع سالفيني البطاركة". ثم التفت على شماسه وقال له: "قد وصل زمان نياحتنا. فلنا زمان كثير ونحن في الكرسي، فهو واجب ان نترك الكرسي لغيرنا". وبالحقيقة هذا كان شيء عجيب، لأنه هو في حال سفره من قنوبين على كسروان طلب من الله بأن لا يجعل له موته إلا في مارينا موضعًا يثبرون البطاركة. فأعطاه الله طلبته وحمله من كسروان على مارينا. ومن العلايم التي أظهرها كان يبين انه كان يعرف بانتقاله من هذه الدنيا. فوصل على الاوضة وارتمى في الفراش. وكانت السخونة تنمي وتزتاد عليه دائمًا حتى انهم يوم الثلاثاء بعت وراء حكيم شاطر قاطنًا في مدينة طرابلس ليأتي ببعض أدوية، فمكث الحكيم يومين عند البطريرك. ولما رأى أن المرض كان يثقل على الدوام قام حمل ذاته ورجع إلى طرابلس ليأتي ببعض أدوية تطابق ذاك المرض. فشعر بذلك السيد البطريرك، وقال للحاضرين ان الحكيم لم يجده بالحياة عند رجوعه من طرابلس لأنه سوف يموت في غيبته كما جرى بتحقيق.

فان الحكيم طلع من قنوبين وتوجه صوب مدينة طرابلس نهار الجمعة. وثاني يوم نهار السبت رجع وقبل وصوله إلى الدير بساعة كان قد انتقل إلى رحمة ربه البطريرك. فمن يقدر يوصف ما فعل إسطفانوس في هذا مرضه اليسير؟ فما اجتبن أبدًا ولا حزن بل كان مسرًا وفرحانًا وخاضعًا لكل مستعرفينه ولجميع من كان يزوره. وما زال يرتل مزامير وصلوات ويلحن طلبات من ميامر الآباء والقديسين أقاويلهم أبدًا أم مع أساقفته حيث كانوا يطلبون زيارته، أم مع الرهبان أم مع الحاضرين عنده. والأغلب كان يرتل المزمور (سبحوا الرب من السماوات...) كأنه يزعمش كل الخلايق ليشكروا سيده في ذاك الوقت حيث هو لم يكن قادرًا على ذلك بالكلية وليحمده على كل خيراته وانعامه التي فعلها معه في كل مدة حياته. وهذا الأب الفاضل من كثرة محبته لرعيته ما زال يعتل بحالها أصلاً حتى وهو مريض كان يقضي كل المصالح ويهم بكل تدبير الطايفة حتى ان ما كان يهين على المطارين والرهبان يجي (يأتي) الناس إلى قنوبين لأجل قضي مصالحهم قائلين لهم: "دعوه يموت في السلامة"، قبل أن ينتقل من هذا العالم بيوم، أي نهار الجمعة عند التاسعة نزلوا كل المطارين والأساقفة مع الرهبان والراهبات على الكنيسة حتى يجوا بالقربان المقدس ويناولوه الزاد، ولما عاودوا على عند البطرك ما دخل إلا المطران حامل جسد المقدس مع البعض من الشمامسة والباقي وقفوا خارج باب الأوضة يبكون وينتحبون على البطريرك انتحابًا عظيمًا. فسمع البطريرك الصريخ فسأل شماسه قائلاً: "ما شاهدوا يموت أحد غيري؟ ولم ذلك؟ إلا أن البطريرك مار إسطفانوس لم يخاف من الموت بل مستنظره في كل الأزمنة والأوقات قائلاً مع الرسول: "أهوى أن أحل وأصير مع المسيح". قتناول سر القربان بعباده وتقى لا نقدر على وصفه. وكان تقرب هو بيده لو المرض لم يمنعه عن ذلك. فعادوا بعد ذلك الأساقفة والرهبان بالقربان على الكنيسة وجعلوا يقولوا (يقولون) الطلبة ويتلوا صلوات لأجله. ولما كان نصف ليلة السبت، عطش البطريرك فطلب ماء ليشرب على شبه السيد المسيح الذي عطش وهو على خشبة الصليب. فمن بعد حل المربوطين وكل المحرومين، وبارك على رعيته وكل الحاضرين الغائبين. ثم كتف يديه على صدره شكل صليب من تلقاء ذاته. وبعد مدة يسيرة من الزمان ارتبط لسانه. وما زال زمانًا طويلاً إلا واتبق عينيه على هذا العالم. وانتقل من دهر الشقاء إلى دهر البقاء في الثالث من شهر أيار من السنة المذكورة من بعدما جلس على كرسي البطريركية أربعة وثلاثين سنة إلا سبعة عشر يومًا لأنه انتخب على الكرسي الأنطاكي في سنة ألف وستماية وسبعين في العشرين من شهر أيار. ومات في اليوم الثالث من الشهر المذكور سنة ألف وسبعماية وأربعة مسيحية كما تقدم. وكان عمره حيث درج بالوفاة خمسة وسبعين سنة بالتقريب. رحمنا الله ببركة صلواته.

فنزّلوه حينئذ من الأوضة على الكنيسة وكان جالسًا على الركسي لابسًا لبوسات الكهنوت، والتاج على رأسه. والخاتم بيده والعصاة بيمينه ولون وجهه ورهجته لم يتغير عن ما كان سابقًا أصلاً. وان الذين ما بلغهم مماته كانوا يظنون انه عايش حتى قال واحد: "عملتوها معنا يا رهبان؟ شيعتوا أنه مات وها هوذا جالس على الكرسي كعادته". فاجتمعت للوقت كل أولاد الطايفة على قنوبين وعلى الخصوص أولاد الجبة. وقاموا بكاء ونوحًا عظيمًا عليه كاليتامى على أبيهم. وأناس فهماء قد قصوا فضائله الحميدة للشعب. ولهذا السبب أكابر الطائفة قد شملهم الحزن. وجعلوا يطلبوا (يطلبون) كالخراف لراعيهم الجامع شتاتهم المخلص لهم. فالبطريرك مار جبرايل خليقته متكلمًا عن البطريرك إسطفانوس هكذا: "قد يبس السوسان وذبلت الوردة. وانتهت التعاليم وكملت القداسة. ولكن الرب سبحانه وتعالى الذي ما تخلى عن عبده إسطفانوس وهو في الحياة. فلم يتخلى (كذا) عنه بعد الممات أيضًا. لأن في الحاضر المسقومون يأخذون من تراب قبره الذي في مارينا ومن العشب الذي ينبت عليه ويتباركون منه فيشفون للوقت من جميع أمراضهم. ومن نكر ذلك في أيامنا هذه فانه نكر الشمس. ونحن لو عددنا كل الآيات التي فعلها بعد مماته فطال الكتاب. لكن لئلا نتركها بأجمعها تحت خيط السكوت فلنكتفي ها هنا بشرح البعض منها.


15- عجائب بعد مماته

ابتلي واحد بسخونة عظيمة فتوسل إلى القديس مار سركيس ليشفيه. فلم تقبل صلاته. فمضى إلى قبر مار إسطفانوس حيث جاه (جاءه) الرقد (الرقاد). فرأى البطريرك إسطفان في الحلم قائلاً له: "بطرس كبيش أيش جيت تسوّي هون؟ أنت ساخن، امض لأنك طبت". ومع قول البطريرك هذا، استيقظ المريض ناصحًا وخاليًا من كل وجع وسخونة. فهو راجع إلى مكانه، فالتقى مع اثنين من الفرنسيسكانية عند حوقه وقص لهم (لهما) ما كان صابه، وانه رأى البطرك إسطفان في الحلم واتكلم (وتكلم) معه. وأما الرهبان لم يصدقوا ذلك على متى حلّفوه على الإنجيل أن الأمر كان هكذا.

وابن رزق بركات اعتراه السخونة والبردية. فنام على قبر مار إسطفانوس. فقام بريئًا من كل مرض ووجع.

وأخيرًا مرض، واحد يسمى براهيم ابن جلوان من تلاميذ رومية. فتخشع البطرك إسطفان أن يشفيه من ذلك المرض بعدما باس (قبّل) خاتمه الذي هو في هذا الكتاب فساعته شفي بالكلية.

ولئلا يشك أحد بقداسة هذا الأب الفاضل فليكن عالمًا ان لا النصارى فقط، بل والدروز والمسلمين أيضًا في أمورهم الضرورية فلا يصدقوا أحد ما لم يحلف لهم بصلوات البطريرك مار إسطفانوس.

"تمت حياة هذا البار على يد أحقر التلاميذ وأرذلهم موسى ابن أبو منصور حنا مويس باسم شماس من قرية دلبتا في معاملة كسروان. طالب الذكر الصالح من الجميع التلاميذ إخوته المكرمين. وكان ذلك سنة 1713 ربانية".