كتيب عن الدويهي... كان أبًا للصغار

المرجع: كتيب عن الدويهي... كان أبًا للصغار، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 1990.
 


صفحة مشرقة في سيرة البطريرك


مار اسطفان الدويهي

عندما أصيب البطريرك مار اسطفان الدويهي ببصره، وهو بعد طالب فتي في روما، صلّى للعذراء مريم، ونذر لها نذرًا، فشفي في الحال، وبقي بصره سليمًا حتى آخر أيام حياته. "وكان لشفائه فرح عظيم عند الجميع وقدموا معه الشكر لله تعالى ولتلك التي استجابت دعاه كالأم الشفوق. أما النذر الذي أوجبه عن ذاته فلم يخبر أحدًا به. وطلب إليه كثيرون من أصدقائه فيما بعد أن يكشفه لهم فأبى، وكان يقول إنه شيء يسير، وكان يظهر الانذهال كيف أن البتول قبلته ومنت عليه بالشفاء لأجله...".

إذا ما تأملنا مليًا في حياة الدويهي، في تفاصيلها ودقائقها، استطعنا، ولو بالاستنتاج، التوصل إلى معرفة هذا النذر، لأن قديسنا إن لم يبح به، فقد عاشه.

بعد شفائه، رأينا الدويهي الطالب، يقيم مجمعًا باسم السيدة الطاهرة، ويعيد إلى المدرسة عادة كانت متبعة في المدارس الرومانية، وهي إقامة مجادلات لاهوتية وفلسفية بين الطلبة.

ويطوف مدارس روما ومكتباتها باحثًا في المؤلفات القديمة والحديثة عن كل ما فيه ذكر للموارنة فينسخه.

ويصنف كتابًا في الفردوس الأرضي باللاتينية زاعمًا أن إهدن، مسقط رأسه، هي عدن، ويرفض البقاء في أوروبا محاضرًا في جامعاتها الكبرى، ومقيمًا في دار أحد أكابر روما مقابل أربعين دينارًا رومانيًا كل شهر.

أما اسطفان، يقول البطريرك سمعان عواد، فلم يلتفت إلى كل هذا، وإنما كان يوجه كل اهتمامه لنفع بني المشرق عمومًا وبني طائفته خصوصًا.

وإذا انتقلنا مع الدويهي العظيم من روما إلى لبنان، ألا نجده مستمرًا في هذا النهج؟

لنقرأ ما كتبه هو عن نفسه: "... وسنة 1655 كانت عودتنا إلى البلاد، وكرم علينا مجمع انتشار الإيمان أن نكون من جملة المرسلين، وفي ترددنا في البلاد اعتنينا على علم الأولاد، وعلى الوعظ وتهذيب الشعب بدرجة الكهنوت. وعندما طلبوا جماعتنا (الموارنة) الحلبية من المرحوم بطريرك جرجس (البسبعلي) أن نكرز عليهم، ثبتنا عندهم نكرز عليهم ونعلم أولادهم ونتعاطى في أمورهم مدة ست سنين. وعندما في سنة 1668 توجهنا من عندهم إلى زيارة المواضع المقدسة، في العودة مسكنا البطريرك المرحوم وقدمنا إلى درجة المطرانية على أسقفية قبرص، فزرناهم وتعبنا فيهم جهدنا. وفي السنة الثانية عندما انتقل البطريرك جرجس ابن الحاج رزق الله إلى رحمة خالقه ألزمونا رؤساء الكهنة ورؤساء الشعب في درجة البطريركية. وفي كل هذه المدة احتملنا مشقات واضطهاد لا يوصف من جور العصاة، حتى أننا طفرنا إلى بلاد كسروان وإلى بلاد الشوف. ولأجل هذه الديورة والكنائس والنصارى التزمنا نرجع لأجل حفظهم، وإلاّ كانوا دشروا، ولله الحمد قايمين بحملتنا وفي عمار الكرسي والطائفة، وفي كل هذه المدة تعبنا تعب بليغ حتى جمعنا غالب رتبها... وعمال نتعب بسبب مدرسة الموارنة برومة ونفعها ونشر تلاميذها. ومن غير تعبنا مع طائفتنا ما تأخرنا أيضًا عن نفع الطوائف التي بجيرتنا...".

هذا هو نذر البطريرك الدويهي: أن يقف حياته على خدمة بلاده والكنيسة، بشجاعة وصبر القديسين، ودون كلل أو تذمر؛ في التعليم، والوعظ والإرشاد، والتأليف، والاهتمام بالكهنة، والسهر على مصالح الشعب الروحية والزمنية، وإرجاع الخراف الضالة إلى الحظيرة... وهل يمكن أن ينذر الدويهي سواه؟

رب قائل يقول: هذا كثير بالنسبة إلى عبارة "يسير" التي وصف الدويهي بها نذره.

أجل، هذا يسير إذا ما عرفنا أن البطريرك القديس ظل طوال حياته مشمولاً بالعناية الإلهية، فوهبه الله نعمًا كثيرة وفضائل جمة، فاشتهر بغزارة العلم، ورجاحة العقل، ونقاء القلب، وصفاء النفس، وقوة الصبر، وعظمة التواضع، وطهارة المحبة، والقدرة على اجتراح العجائب والكرامات.

وبفضل هذه النعم الإلهية استمرّ في خدمة الكنيسة والوطن كاهنًا وأسقفًا وبطريركًا، فلم يهدأ حتى الرمق الأخير. ونقول مع القائل: "انه من حين رجوعه من روما إلى لبنان لم يضع ساعة واحدة من وقته الثمين إلاّ كرّسها في سبيل نمو الكنيسة وازدهارها الروحي والزمني. فقد علّم وعمل باذلاً ذاته عن الخراف، على مثال السيد المسيح الكاهن الأعظم وراعي الرعاة".

هذا الراعي الذي عرف اليتم طفلاً، والذي قيض له الله من اعتنى به وأرسله إلى المدرسة المارونية في روما، كان، على ما نعتقد، في طليعة ما يشغله، عندما نذر نذره، وهو ساجد أمام والدة الله، أن يكرّس وقتًا واهتمامًا للصغار والفتيان أمثاله. ولا نعرف، في تاريخ البطريركية المارونية، من ساوى بطريركنا في بذل العناية والجهود في سبيل تعليم الناشئة وتهذيبها، إذ إنه فور عودته إلى لبنان، باشر فتح المدارس لتعليم الأولاد في إهدن، وفي حلب، ثم في قنوبين "غير مدع بعلم ولا متطلب عالي المراتب والوظائف... كان يدعو الصغار إليه. ويسقي أبكار عقولهم بغيث معارفه ويفسر لهم الأشياء البسيطة بالوداعة وأناة الروح...".

يشهد البطريرك سمعان عواد فيقول: "كان يؤنس صغار التلامذة ويحرضهم على مواظبة العلم ومخافة الله ويأتيهم بالحلوى والمآكل بنفسه ويأكل معهم. وأنا الحقير سمعان عواد قد شرفني بمؤاكلته جملة مرات وكان يحبني إكرامًا لعمي المطران يعقوب. وقد دخلت عليه مرة وكان مشتغلاً بالتأليف والتصنيف فلاطفني وقال لي: متى تأخذ في مثل هذا فليبلغكه الله. فأنا أذكر هذا وأفتخر بأني من الذين قد عرفوه وتكلموا معه".

وكان الدويهي شديد العناية بطلاب الكهنوت، فيرسل النابغين منهم إلى المدرسة المارونية، التي تخرج منها وأحبها حبًا جزيلاً، فلم يكن يدع فرصة إلاّ يغتنمها لحث التلامذة على الجد في سبيل العلم ليستفيدوا ويفيدوا. يقول البطريرك عواد انه كان يعتني بهم ويدربهم ولا يحتمل من يؤذيهم، ومن كان يمسهم كان كمن يمس حدقة عينه، ولهذا غلب عليه لقب "أميمة" تلامذة روما. وقد كتب إليهم، وهم في المدينة الخالدة، رسائل عدة يحرضهم فيها على الدرس ويعدهم بمحبته وتكريمه إذا افلحوا. منها هاتان الرسالتان اللتان حفظهما مؤرخه البطريرك عواد:


الرسالة الأولى


"أيها الأبناء الأحباء البركة والسلام

يعلم الله الآب جزيل شوقنا لاستماع أخباركم السارة مع حسن سعيكم في اكتساب العلوم وحفظ شريعة الله المقدسة. وبعد، فتعرفون أنكم تغربتم عن الأوطان وتركتم الأهل رغبة في تحصيل العلوم الإلهية وتحملتم لهذه البغية مشقة الأسفار ومرارة الاغتراب فادأبوا إذًا في طلب العلم لتكون النهاية كالبداية والنتيجة الناجحة ضمن المقدمات الفالحة. فإذا كنتم منذ نعومة أظفاركم فضلتم اكتساب العلوم على الأهل والآباء وجب عليكم أن تبذلوا نفوسكم في تحصيلها وتسهروا هجعات الليالي بمسامرتها. ومثلكم كالشجرة المغروسة على مجرى الماء تخجل أن تبخل بأثمارها، وكالأرض الجيدة أيضًا التي تمطرها السماء طويلاً ليس ممكنًا أن تشحّ في إعطاء الغلال. فهكذا أنتم المقيمون على مجاري العلوم وتستقون من مياه الدروس صباحًا ومساء نتأمّل وأملنا وطيد أنكم تزدادون عملاً وعلمًا وفضلاً وفضيلة. ونحن نتعهد لكم أننا نكافئكم على أتعابكم بأجل المراتب وذلك بعد عودتكم إلينا موقرين بالعلوم والفضائل. وأما التلميذ الكسلان فبأي عين يقابلنا وأي مكافأة نعدها له سوى قوله تعالى "من له يعطى ويزاد ومن ليس له يؤخذ منه" فنرغب إليكم أيها الأبناء الأعزاء أن لا تتوانوا في النعمة التي أعطيتموها ولا تستخفوا بما دعيتم إليه لأن الرب انتخبكم من بين ألوف، ورقاكم إلى درجة العلماء، وكفاكم كل الحاجات لتزينوا نفوسكم بالفضائل والصالحات أملاً بأن تفيدوا قريبكم بعلمكم وعملكم. ونحن نعلم أن الطريق لا تخلو من مشقة وشقاء كما أن حياة الإنسان على وجه الأرض كلها نصب وعناء فمن تحمل هذه الصعاب بالصبر الجميل وجاهد على ما في السنة فربحت وزناته وفاز بالأكاليل. ونحرضكم بالأكثر على حفظ المحبة بعضكم لبعض والطاعة لرؤسائكم ونعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم وتعطيكم فهمًا ثاقبًا وعلمًا وعملاً آمين".


الرسالة الثانية


"أيها الأبناء الأكرمون

لا يخفى على حذقكم أن الحصاد كثير والفعلة قليلون وأننا ما أبعدناكم عن أهلكم وبلادكم ولا أرسلناكم إلى بلدان بعيدة برًا وبحرًا إلا لتتلقوا العلوم الإلهية من مظانها وتعودوا فتفيدوا غيركم وتتاجروا بالوزنات لتنالوا ضعف أرباحها لأن الشرق مفتقر إلى من يعلم ويهذب ويعزي على مضض الاضطهاد. وعليه فكل منكم ملتزم بأن يجد ويجهد عملاً بنيات الكرسي الرسولي مؤسس المدارس ومجري الأوقاف لفائدة القريب. فمن تهامل فيما دعي إليه يلقى في الظلمة البرانية. ولهذا ننصحكم يا أولادنا أن لا تضيعوا الزمان بالكسل وألا تزدروا بالدرجة المدعوين إليها لأنها تضاهي درجة الرسل الأطهار الذين انتخبهم السيد المسيح لينذروا العالم بأسره. وأنتم فإن الله انتخبكم على يدنا حتى ترجعوا وتتلمذوا القريب وتهذبوا الشعوب بمواعظكم وخدمتكم الأسرار الإلهية حتى إذا جاء رب البيت ورأى أعمالكم أعطاكم ما وعدكم به على مثال الأنصار الأطهار الذين وعدهم أن يجلسوا على اثني عشر كرسيًا. وأما من كان كسلان وأهمل وزنة سيده ولها بأباطيل الدنيا بدل مهمات الروح فيكون من نصيبه نار الجحيم حيث البكاء والكلب الجهنمي أعاذنا الله منه. فنناشدكم الله أن تتيقظوا، وإياكم وتبديد الزمان بالباطل لأن الزمان غال، فلازموا الطاعة والخضوع لمدرسيكم ومدبريكم والمحبة بعضكم لبعض وأكثروا من الاعتراف والتناول وجدوا في تحصيل الفضائل وطلب العلوم لتستفيدوا وتفيدوا، ضمن عمل بكلامنا فالرب يزيده نعمة وخيرًا وله عندنا أجل الكرامة والذي دعاكم إلى ما أنتم فيه وهو يتولى منحكم النعمة الضرورية لتفهموا ذلك ونخصكم بسلام الرب والدعاء".

وإذا ما نظرنا إلى الآيات التي صنعها الله على يد البطريرك الدويهي وبشفاعته، وجدنا بعضها خص به الصغار وتلامذة روما، سواء أكان في حياته أو بعد وفاته.

يقول المطران شبلي: "... ولما كان البطريرك في بكفيا كان أحد الأولاد مريضًا وقد أشرف على التلف، فلما رأى أبوه حاله أرسل أحد بنيه إلى الكنيسة حيث كان البطريرك اسطفان يقدّم الذبيحة الإلهية وأمره أن يأخذ في آخر القداس قليلاً من التراب الذي كان واقفًا عليه، ففعل الولد كما أمره أبوه، ثم أخذ التراب وذوبه بقليل من الماء وسقى ابنه المريض منه، فلما شرب الماء عوفي، وفي الغد قام يلعب مع الأولاد. وهذا الولد انخرط بعدئذ في سلك الكهنوت، وصار أسقفًا وهو المطران فيليبس الجميل. وخبر هذه الأعجوبة وغيرها... حرره القس مخائيل القرطباوي تلميذ رومة وأرسله إلى المدرسة الرومانية بتاريخ 20 آب 1705 وشهد أنه كان معلم الصبي المذكور وأن والديه أقسما له أن الأمر جرى حسبما ذكرناه".

ويخبر البطريرك سمعان عواد عن آية شاهدها بنفسه عندما كان تلميذًا في روما. يقول: إن ابرهيم جلوان السمراني أحد تلامذة المدرسة مرض مرضًا ثقيلاً واشتدّت عليه حمى خبيثة وأشرف على التلف، فجاءه معلم اعترافه بذخائر القديس لويس والقديس اغناطيوس فلم يشعر بفائدة ولم ينل فرجًا. فلما رأيته أنا سمعان عواد بهذه الحالة أخذت كتابًا من كتب البار اسطفانس ووضعته على رأسه وقلت مصليًا: اللهم الذي زينت حبرك بالفضائل والاستحقاق أسألك انه كما كان لنا أبًا على الأرض فليكن لنا شفيعًا لديك ونسألك بواسطته أن تشفي عبدك هذا. ثم فتحت الكتاب وقلت له أن يقبل خاتم البطريرك وخط يده وجعلت الكتاب فوق رأسه ونزلت إلى العشاء. وبعد قليل صعدت إلى غرفته فأخذني العجب لأني فارقته مضطجعًا يتقلى من شدة الحمى، ووجدته عند رجوعي إليه جالسًا معافى، وعجبت مع إخوتي التلاميذ الذين عاينوا الآية ومجدنا الله تعالى".

ونحن بدورنا نصلي: اللهم نسألك اليوم أن يكون البطريرك الدويهي شفيعًا لأولادنا لديك، ونسألك أن تبعد عنا، بواسطته، ويلات الحرب والمصائب، وتحفظ لبنان.


يا أيها المكرم


إلى البطريرك العظيم مار اسطفان الدويهي

كما أعادت مريم
إلى عيونك الضياء
أعد إلى الشعب الرجاء
يا أيها المكرم

من إهدن الفردوس أنت
من كنزها الروحي اختزنت
رعيت للرب الخراف
وما وهنت
وبالاتضاع والعفاف
زدنا علاء
يا أيها المكرم...

يا خادم الله الأمين
اسمك هدي الخاطئين
إليك نرفع الصلاة
أنت المعين
لنا على هذي الحياة
فيك الرجاء
يا أيها المكرم

لبنان ينظر إليك
يا من أمانيه عليك
خلصه من ليل الشرور
مد يديك
هما له جسر العبور
إلى السماء
يا أيها المكرم


1988

أنطوان القوال

قائمقام بشري


ترجمة

البطريرك اسطفان الدويهي

لكاتب مجهول


تمهيد

عثر الأب إبراهيم حرفوش م.ل. (1872-1949) في مكتبة دير الكريم على مخطوطة لتاريخ الأزمنة للدويهي، وصفه بقوله: "إن هذا الكتاب هو بقطع نصف خط دون أدنى ريبة في عصر المؤلف في مار شليطا بدليل أن عليه بعض حواش بخط يده الكريمة وينتهي إلى سنة 1704 أي سنة وفاة الدويهي. وعندما وصل الناسخ إلى هذه السنة رمى القلم من يده أسفًا (لا نعلم الناسخ) فأخذه كاتب آخر (ولعله) المطران يوسف الحصروني كاتب أسرار الدويهي الذي رقاه إلى كرسي أسقفية طرابلس سنة 1675 كما يشير إلى ذلك في تاريخه وكتب ما يلي من العبارات التي تحرك الدموع في المآقي نوردها بحروفها: سنة 1704م في 3 أيار صوت سمع في لبنان الموارنة يبكون وينتحبون على فقد أبيهم وراعيهم القديس الأب ماري اسطفانوس بطرس البطريرك الأنطاكي الدويهي المعظم ولم يريدوا يتعزوا لفقده لأنه لم يكن". ثم يبدأ هذا الكاتب يسرد حياة هذا البطريرك العلامة وفي هذه الترجمة تفاصيل لا توجد في ترجمة حياته التي كتبها سمعان عواد والتي علقها طابع تاريخه الفاضل على أول الكتاب".

لنا على ما أورد الأب حرفوش جملة ملحوظات: أولاً: أخطأ الأب في ظنه ان مكمل الكتابة هو المطران يوسف الحصروني كاتب أسرار الدويهي، لأن هذا المطران توفي في قنوبين في 11/12/1695.

ثانيًا: الكاتب الحقيقي، وإن ظل مجهولاً، فهو لا شك معاصر للدويهي، وربما كانت له علاقة بخريجي المدرسة المارونية في روما، لأنه استخدم نفس العبارة التي بدأ بها الشماس يوسف بن جرجس الحلبي الماروني عندما كتب إلى تلاميذ روما، على أثر وفاة الدويهي، يقول: "صوت سمع في لبنان، الموارنة يبكون وينوحون على أبيهم ولم يريدوا أن يتعزوا لفقده لأنه لم يكن. قد يبس السوسن وذبلت الوردة وانتهت التعاليم وكملت القداسة...".

إنّ الكاتب ليس من خريجي المدرسة المذكورة لأنه في سرد حياة الدويهي أخطأ اسم معلمه في روما تريلا بنسنسوس، فكتبه هكذا ترالا موروس ينسنساس. كذلك ذكر أن البابا اينوشنسيوس الحادي عشر (1676-1689) هو الذي أنعم على الدويهي بدرع التثبيت، والصحيح هو سلفه البابا اقليموس العاشر (1670-1676).

ثالثًا: هذا الكاتب، كما يستفاد من النص، دون ترجمة الدويهي بعد سنة 1733 أي بعد أن أصبح ضرغام الخازن بطريركًا.

رابعًا: يؤكد النص على أن معاصري البطريرك الدويهي كانوا يؤمنون به قديسًا، ويتناقلون أخبار العجائب والآيات التي صنعها الله على يده، ويسمون الشهود.

وبما أن هذا النص يعتبر من المراجع القديمة التي استند إليها مؤرخو الدويهي في ما بعد، نعيد نشره كاملاً كما أثبته الأب حرفوش، رحمه الله، في عدد المشرق المذكور في الهامش رقم 1.

أ.ق


ترجمة

البطريرك اسطفان الدويهي

لكاتب مجهول


"سنة 1704م في 3 أيار صوت سمع في لبنان الموارنة يبكون وينتحبون على فقد أبيهم وراعيهم القديس الأب ماري اسطفانوس بطرس البطريرك الأنطاكي الدويهي المعظم ولم يريدوا يتعزوا لفقده لأنه لم يكن".

إنّ هذا المغبوط منذ نعومة أظفاره أسلمه والداه إلى المدارس واكتساب العلوم ثم لزود حسن عمله أرسله إلى رومية لمدرسة الموارنة التي ابتناها البابا غريغوريوس فتهذب بالعلوم اللاتينية وأحكم الفصاحة والبلاغة والعلوم النحوية والمنطقية والطبيعية والرياضية واللاهوتية حتى لم يكن أعلم منه في بني عصره غربًا وشرقًا وأحذق باليونانية والرومية والعبرانية وأفصح بالسريانية. وانه لما كان متوسطًا بالعلوم صدفه وجع في عينيه حتى ما عاد يقدر أن يقرأ فحزن لذلك معلمه البادري ترالاموروس ينسنساس لما كان يظهر من قداسته وطهارة حياته ولأنه كان نامي بالعلوم كنمو السوسان فنزل إلى الكنيسة بالمدرسة وجثا على ركبتيه أمام أيقونة أم الخلاص وطلب منها. فيا للعجب حالاً شفي غير أنه نذر لها نذرًا لم يعلم به أحد حينئذ ففرح الجميع بشفاء اسطفانوس. وبعدما أكمل كافة العلوم أخذ يطوف مدارس وكاتب رومية وينسخ كل شيء يجد مذكور فيه الموارنة. ثم أنه أراد الرجوع إلى جبل لبنان بلده فايست منه الرهبان انه يدخل في رهبنتهم فلم يعلموا إلى ما كان الله داعيه إليه لأنه حين وصوله قبل وضع يد القسوسية ثم البرديوطية وأرسل منذرًا إلى حلب فأخذ يعظ الشعب ويعلّم ويتلمذ في سائر الطوائف حتى أنه صار كالمصباح في بيعة الله.

فلموضع قداسته طلبت الطائفة إلى السيد البطريرك ماري جرجس أن يقيمه مطرانًا فأجاب سؤالهم وقسمه أسقفًا وأرسله إلى جزيرة قبرص. وبعد قليل من قسمته حدث أن في غيابه انتقل إلى ملاقاة ربه البطريرك جرجس البسبعلاني في مار شليطا مقبس. ومن زود الطاعون ما قدر السادات المغبوطون المطارين المحترمون أن يجتمعوا لإقامة بطريرك. أما اسطفانوس فلم يبلغه خبر انتقال البطريرك غير انه كان تمم تدبير مرعيته القبرصية ونزل في قوف إلى طرابلس فوصل بيومه فوجد اتفاقًا مكارية الكرسي بالمدينة المذكورة فحمل حوائجه وتوجه إلى دير قنوبين فوجد هناك المطران جرجس حبقوق والمطران جبرائيل والمطران بولس وأخبروه عن نياحة البطريرك وفي الغد قدموه إلى هذه المرتبة العالية وهي البطريركية الأنطاكية وكتبوا إلى بقية المطارين وأرسلوا عرفوا نادر الخازن قنصل بيروت الماروني.

وأما القديس اسطفانوس فانه أحضر الشماس يوسف الحصروني وقسمه قسيسًا وأرسله إلى رومية لتقبيل الأعتاب الرسولية ورمي الطاعة لقدس الحبر الروماني كالعادة وأصحبه مطارين الطائفة وأعيانها بمكاتيب توسل إلى قدس الحبر الأعظم ماري اينوشنيوس طالبين من قدسه أن ينعم عليهم ويثبت لهم اسطفانوس المذكور. فلما وصل القاصد إلى رومية قبله الحبر الأعظم أحسن قبول. وفرح كثيرًا بمكاتيب السيد البطريرك والمطارين والطائفة وأنعم عليه بدرع كمال الرئاسة. ورجع القاصد بغاية السرور ووصل إلى بين أقدام السيد البطريرك وقرأوا منشور البركة والتثبيت المرسول من الحبر الأعظم بحضور المطارين وأعيان الشعب. وأخذ البطريرك المذكور في تهذيب الكهنة وقسمتهم وفي السعفة ببنيان الكنائس ورتب طائفته واستقامت له الأمور. ثم انه لزود غيرته على طائفته أخذ بتصنيف كتب عديدة يوضح فيها أصل طائفته ونسبتهم ودوام اتحادهم بالكنيسة الرومانية وجاوب واحتج عن طائفته إلى كل من تكلم بحقها جوابات صادقة وحجج ثابتة وجمع في ذلك كتبًا عديدة. وفحص كتب القديسين ومصاحف المؤرخين بحثًا مدققًا فلم يجد انه كان رجل اسمه مارون آراتيكي أصلاً لأنه كان كل تصنيفه لابراء عرض طائفته وتكذيب الذين تجنوا عليها بالكذب وعن قداسة الأب العظيم قدره مار مارون. ثم انه صنف الكتاب الملقب بالمنارة وهو عشر كتب في قداس الموارنة ورتبتهم وقد نقلهم إلى اللغة اللاتينية القس بطرس بن مبارك الغوسطاني الذي لفضله كان ترجمان الكرندوكا وهو طلب إليه أن يطالع له كتب اسطفانوس كوكب الشرق البطريرك فطالعهم باللاتينية وأمر بطبعهم لاتينيًا. وصنف كتب عديدة غير هذه من جملتهم انه جمع هذا الكتاب الذي هو تاريخ عن أمور الشرق من تاريخ أول الهجرة إلى زمانه ثم انه عاش عيشة الأبرار وناله تجاريب كثيرة حتى انه قضى أغلب رياسته في الاختفاء من جور الأعداء بالمغر والوديان وان الله تعالى منحه موهبة الآيات والجرائح حتى انه يوم كان في بكفيا بلد الدروز وهو عمال يقدس اتفق ان رجل له ولد شارف الموت فأتى وأخذ تراب من بين رجلين هذا الجليل وهو عمال يقدس وأخذ التراب وذوبه في ماء وأسقاه المريض فحالاً قام من سرير أوجاعه. وفيما بعد صير أسقفًا وهو باق إلى اليوم يعرف بالمطران فيلبوس ابن الجميل. ثم اتفق أن وهو في بكفيا صار قيظ عظيم فعمل زياح وصلى فقبل الله صلاته وانحدر المطر حالاً. وأعجوبة أخرى أن امرأة تكلمت قدامه بحق امرأة أخرى فقال لها القديس: "إن لسانك طويل الله يسكتك" فيا للعجب أن الله سمع صفيه عاجلاً وانربط لسان تلك المرأة إلى أن ماتت.

وعمل عجائب كثيرة في حياته وبعد مماته جميعها مذكورة في سيرته المطبوعة في كتبه لاتينيًا. ومن جملة العجائب التي فعلها بعد موته انه كان رجل مريض من زمان في قرية بلوزا يسمى بطرس كبيش فطلب إلى قرايبه بأن يحملوه ويأخذوه إلى المغارة حيث دفن البطريرك لكيما يطلب شفاعته ويشفيه. فحمله أهله إلى المغارة الخارجية عن الدير حيث مدفن البطاركة موضع تنسكت القديسة مارينا وهناك تركوه طريحًا ودخلوا الدير ليتغدوا. أما المريض فأخذ يستغيث في القديس حينئذ ظهر له متوشحًا بثوب الحبرية متوجًا بتاج الرئاسة منعكفًا بدرع السلطنة على منكبيه بصورة شريفة. ففاحت للحال روائح لذيذة وأخذ ذاك يستغيث بحرارة فخاطبه البطريرك بهذه الألفاظ العذبة قائلاً: يا بطرس كبيش ما هو مرادك؟ أجابه: يا سيدي أريد أن أشفى. فقال له: المسيح يشفيك، وغابت عنه الرؤيا فحالاً نهض وأخذ يمشي مستويًا مع انه كان جاء محمولاً ودخل الدير وأخذ ينادي علانية فلما شاهدوه الذين جابوه محمولاً تعجبوا ومجدوا الله الجميع واتفق أنّ هناك كان موجود بادريه اثنين فرنسيسكانيين فلم يصدقوا ذلك حتى أنّهم أدخلوا الذي كان مريضًا إلى الكنيسة وحلفوه على الجسد والصليب والإنجيل المقدسين.

ثم أنه لما أهانه أعني البطريرك المذكور الشيخ عيسى الرافضي بلغ الخبر إلى الأمير حصن الخازن فوجّه عسكرًا ووجّه أخاه الشيخ ضرغام الذي لسمو حسن سيرته وشرفه تشرف وارتقى رئاسة الكرسي الأنطاكي وسبب توجههم كان حتى يجيبوا البطريرك من ذلك الطرف: "فلما طلعوا من قنوبين وصلوا إلى مقبرة البطاركة ذكرناها وصلى هناك وطلب قائلاً: اللهم أسألك ألا تجعل لي موتة إلاّ هنا عند إخوتي. وكان يوم توجههم شتاء كثير لأنه كان زمن الشتاء فتوهم العسكر من الوحل والتبلل ونحن بقوة ذاك الذي سمع دعاء اليا نمنع المطر وما بيصير مطر حتى نوصل لقرية غزير". وهيك جرى أنه ما صار شتاء حتى وصلوا لغزير مع أنه كان يصير الشتاء في مواضع كثيرة غير طريقهم. وهذه أيضًا أعجوبة عظيمة وقد شهد لها الشيخ ضرغام الذي كان مع البطريرك اسطفانوس وشهادته تكررت منه إذ صار بطريركًا وكل الذين كانوا مع البطريرك المذكور.

(وفيما كان البطريرك اسطفانوس عائدًا من طرابلس إلى كسروان مارًا بوطا البربارة في بلاد جبيل وإذ كان بعض الفلاحين هناك دعاه للاستراحة بظل شجرة رأى أرضًا واسعة غير مزروعة فسأل عن علة ذلك فقيل له أن في هذه الأرض دودة تأكل الزرع، ولهذا قد تركت: فطلب منهم جرة ماء وصلّى على الماء وأمرهم أن يرشوه عليها ويزرعوها لأنه حينئذ كان وقت الزرع ففعلوا ولم تؤذها الدودة وصاروا يزرعونها في كل عام. غير أنه عادت إليها الدودة بعد وفاته ومن ثم تركت ولم تزرع. ولما كان الشيخ يوسف العاقوري الماروني يجمع المال الأميري من طرف الشيخ اسمعيل حمادي المتوالي من تلك القرى قصوا عليه هذه الحادثة فقال لهم: إذهبوا إلى دير قنوبين وخذوا من تراب ضريحه والقوه في أرضكم واطلبوا شفاعته لدى الله فتبيد الآفة وهكذا جرى وأعطت تلك الأرض غلالها حتى إلى يومنا هذا وشهد بهذه الآية كثيرون. فيا لعظيم إجابة الله سؤال عباده بشفاعة قديسيه وأبراره المشفعين.)

وبعد أن جاء البطريرك المذكور اسطفانوس إلى كسروان كتب الباشا ضابط طرابلس إلى الأمير أحمد ابن معن بسبب عودة البطريرك وأرسل بيورلديًا ليطيب خاطر البطريرك. حينئذ عاد للرجوع إلى قنوبين وهناك هجع هجوع الأبرار وكان مولده في أيار وارتقاؤه كرسي البطريركية في أيار وكان انتقاله في أيار رحمنا الله بصلواته المستجابة وطلباته المستطابة آمين استقام في البطريركية 34 سنة إلا 17 يومًا.


أنطوان القوال