مسرحية الطابية... عن البطريرك الدويهي

المرجع:مسرحية الطابية... عن البطريرك الدويهي، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، 1991.
 

الطابية

مسرحية في ثلاثة فصول للأب ميخائيل معوض

بمناسبة اليوبيل المئوي الثالث للعلامة الدويهي 1970


الفصل الأول: الرؤيا

الفصل الثاني: السهم

الفصل الثالث: الصفقة

الأشخاص:

إسطفان: يبدأ بعمر 12 سنة

مريم: والدته

موسى: شقيق إسطفان الأكبر

ترويلس: رئيس المدرسة

كابون: الكردينال

سمعان تولاني: رفيق إسطفان من لبنان في روما

بلوندينا: الخادمة

بلاتشا: الخادم

سركيس: كاهن في قنوبين

توما: كاهن في قنوبين

أبو يوسف: قروي إهدني

حردان: من رجال الفندور

طعان: من رجال الفندور

بولس: شماس المطران

الفصل الأول

الرؤيا

ملاحظة:الوقت ليل، في نحو الساعة الثانية صباحًا، داخل بيت في غرفة واحدة متسعة وطويلة يسند سقفها في وسطها عمود واحد، وفي إحدى الزوايا ستارة بيضاء حشيت خلفها الزاوية بأكثر أشياء البيت، أما إلى الجانب الآخر فقد اصطفت على الأرض الفرش حيث يغط في نوم عميق أفراد العائلة وبينهم الأم وإسطفان.

المشهد الأول

(إسطفان وحده)


يضاء المسرح بسراج خافت، يتراقص نوره الشاحب على جدران الدار، فيتحرك العمود والجدران وجميع أشياء البيت، كما لو أن يدًا خفية هي التي تحرّك الأشياء...

يمر خيال على الحائط الخلفي، يتبعه ظل يمتد حتى إلى فراش الصغير إسطفان، يتململ النائم في الفراش، تعود الظلال لتمر متلاحقة، على الحائط وعلى الفراش الصمت ثقيل لولا رنين بعض الحشرات. يمر وقت، حين يستقر ظل لبضع ثوان على النائم الصغير...

موسيقى بعيدة، ناعمة، ترافق الظلال، تشبه إلى حد ما ضوء السراج. تقوم مريم الأم فتغطي الصغير إسطفان، تحتار، كأنها تسمع شيئًا...

مريم: (تتأمل وجهه) ملاك، لك الله. (تقبله) تعال إليّ، تعال... (تتركه بضع خطوات ثم تقف متجمدة، فكأنّما هنالك ما أوقفها).

يقلقني شيء. لعله هو قلق. كم يتململ! ليلة فريدة. آه، أين هو الوالد! (تشهق بالبكاء فتغطي عينيها).

(تعود الموسيقى وكأنها امتداد لصرخة الوالدة)

هل صحيح أنّ الأحلام جانب آخر من الحياة؟... أما أنا في الحلم؟ لو قلت لهم غدًا اني سمعت موسيقى لعدوني مجنونة... واني كذلك... فلأنم.

(وانصرفت تنام بعد أن تأكدت من صحة كل شيء).

الموسيقى من جديد. ولكن هذه المرة بشيء من العنف. إنها تشبه الرياح التي تفاجئ بعد أن كانت نسائم.

(يرفع إسطفان رأسه قليلاً ثم يلقيه بثقل على الوسادة...

تعود الظلال متتابعة،

ولكن فيها تلاحق سريع،

يذكر بالموسيقى المنبعثة من جوانب البيت.

وتتكاثف الظلال على الحائط،

بتكاثف الموسيقى المنبعثة من كل مكان.

ثم ترافق الموسيقى المنخفضة أصوات).

- (من زاوية) تعال، تعال، تعال... (سوبرانو)

- (من زاوية أخرى) تعال، تعال، تعال... (ألتو)

- (من زاوية ثالثة) تعال، تعال، تعال... (تينور)

- (من زاوية رابعة) تعال، تعال، تعال... (باس)

- (ومن الزوايا الأربع معًا) تعال، تعال، تعال... (على أربعة أصوات)

تكرر عدة مرات ولكن بانخفاض متدرج حتى يموت الصوت تمامًا، عندها ينهض إسطفان مذعورًا

يركض في كل الجهات بثياب النوم

يقف عند كل زاوية،

يلصق أذنه في الجدار

يعود إلى الركض،

يتلاعب ظله في كل مكان،

يظهر القلق في عينيه...

ثم يركع أمام الفراش، عيًا، لاهثًا يقول:

إسطفان: هل كانت الأحلام لتزعج النائمين؟ كأني ولدت من جديد طفلاً!...

لا، ما كان أسعدني في سماع ما سمعت!

أجل إنّها أحلام...

جميلة الأحلام!

يعيش الإنسان مرتين: مرة في الوعي ومرة في الغفلة.

كدت أقول: حياة الغفلة أجمل،

وأنا أقول ذلك،

ذكرتني أمي، مرة بأحلامها وقالت يومها أنها تكره بعض الأحلام لأنها تتم في النهار.

(ثم نهض إسطفان الصغير (12 سنة) لينام من جديد، وما إن انقضت ثوان على النائم تحت الظلال المتلاعبة كما في السابق حتى راحت الأصوات من جديد ترافقها، تندرج من النحيفة اللاهثة إلى الصخبة المتفجرة).

الأصوات: تعال، تعال، تعال...

تعال، تعال، تعال... ... ...

المشهد الثاني

(الأم مريم، الابن إسطفان)


إسطفان: (في نصف نهوض) ماذا؟ ألن ينتهي هذا الحلم!؟

مريم: (في نصف نهوض من فراشها) هل تسمع أصواتًا، يا ابني؟

إسطفان: نامي، نامي... إنه حلم.

مريم: ولكن، أصوات سمعتها بأذني... تكررت.

إسطفان: قيل لي أن الأصوات هي أيضًا من الأحلام.

مريم: أصوات النائم، الحالم.

إسطفان: نحن لم نصوت!

مريم: إذًا، واهمون!

إسطفان: (يقوم ليقف أمام والدته) لو تعرفين، يا أمي، كم كان حلمي جميلاً: طاردتني جوقة عصافير، من ألف عصفور وأكثر... هربت، ركضت، خفت... طوقوني وهم ينشدون. ما أجمل تلك الأناشيد. ثم رفرفت تلك الطيور الصغيرة حولي وبمناقيدها اللطيفة اختطفتني وصعدت بي إلى السماء... ثم تهت... ولكن، في قليل، أفقت على أنغام ساحرة فإذا أنا هنا، يا أماه، أنا هنا أطارد ظلي... ماذا ترين؟

مريم: (حائرة، مفكرة)... لم يبق من الليل إلا القليل... تعال نفيد من هذا القليل.

إسطفان: يصعب علي النوم.

مريم: وأنا أيضًا.

إسطفان: تلك الأشباح والأصوات والخيالات على جمالها تروعني...

مريم: هل تعني أن في الأمر سرًا وأن للأسرار حقائق؟

إسطفان: حقائق؟!!

مريم: ماذا؟

إسطفان: حقائق؟!!

مريم: إسطفان!

إسطفان: حقائق؟!!

مريم: أين أنت؟

إسطفان: حقائق...

مريم: يا ابني...

إسطفان: حقائق (في شبه همس)

مريم: يغيب...

إسطفان: (هامسًا يكاد لا يسمع الهمس)... حقائق!...

مريم: ربي! رحماك. ماذا حل به؟ إسطفان... إسطفان...

(ينحني إسطفان نحو الفراش فيسمع له شبه حديث مع مجهول... تصغي مريم)

المجهول: ...

إسطفان: بلى، سمعت. من يناديني.

المجهول: ...

إسطفان: أجل، أرى شيئًا... هناك، هناك! ماذا أرى؟ هل هي الأرض المستديرة؟ إنها عملاقة، وجميلة!

المجهول: ...

إسطفان: كلا!

المجهول: ...

إسطفان: كلا! كلا! لا أتبين لها طريقًا... لا أتبين لها طريقًا... لا...

المجهول: ...

إسطفان: تقول؟

المجهول: ...

إسطفان: هوذا أنا...

(ينهض إسطفان فيركض مع ظله في البيت مستديرًا، حوالي العمود... والأم حيرى، جاثية على ركبتيها، رافعة يديها الاثنتين...)

(يستيقظ الشقيق الأكبر موسى)


المشهد الثالث

(مريم، إسطفان، موسى)


مريم: (هامسة) يا ربي! استيقظ موسى.

موسى: (من فراشه) ما هذا الضجيج؟

(لا جواب. في حين يستمر إسطفان في الدوران)

موسى: (ينهض قليلاً) هل أصبح البيت في الليل ساحة لعب للصغار؟ ماذا يعمل إسطفان؟

مريم: نم، نم، يا عزيزي...

موسى: أريد أن أعرف ماذا يصير في بيتنا!؟

مريم: لا ترفع الصوت. أخوك في رؤيا...

موسى: رؤيا رؤيا؟... ما هذا، رؤيا (يتبين أخاه ركضًا).

هل جنّ صغيرنا إسطفان؟

(يقوم من فراشه عملاقًا، ينظر شذرًا...)

إسطفان أما كفاك لعبًا في النهار؟.. إلى الفراش.

(يستمر إسطفان بالدوران ولكن وعيًا)

قلت لك كفى لعبًا... نحن بحاجة إلى النوم.

(ثم يمسك به ويضعه في الفراش)

إسطفان: ما أجمل الراحة!.. (وكمن في غيبوبة): سلامًا، سلامًا، غدًا نتلاقى.

موسى: (في زاوية الدار القصوى مخاطبًا نفسه): غدًا نتلاقى!.. مجنون هذا الولد... أإلى الآن بعد لم نتلاق؟ هل يتهدّدني؟ تخافني البلدة برمتها... يتهدّدني!؟

مريم: (تأتيه على مهل، تطيب خاطره): ما بك يا ابني، كأني سمعتك تخاطب أحدًا... أما تريد أن تنام؟

موسى: لن أنام بعد اليوم...

مريم: النوم حاجة لنا.

موسى: النوم للمائتين.
مريم: نومهم أبدي... أما الأحياء...

إسطفان: (من فراشه كالحالمين)... لا ينامون... لا ينامون!...

موسى: قلت أن صغيرنا مجنون.

مريم: الأحياء ينامون ليجددوا الحياة.

موسى: بعد اليوم لن أنام.

إسطفان: بعد... اليوم لن... أنام!..

موسى: (يركض إلى الزاوية الأخرى فيستره بنصفه الباب): ... أخي ينام ولا ينام... غائب... يتكلّم... كيف يكون الجنون؟

مريم: (من زاويتها): هل جن الاثنان معًا؟ لا هذا يفهمني ولا ذاك يعي لما يقول؟!

إسطفان: آ.... خ...

موسى: حالم!

مريم: يخاطب مجهولاً!

موسى: هل يحلم الأولاد؟

مريم: هل يجن الصغار؟

إسطفان: من يخاطبني؟

موسى: الليل!

مريم: هل ينتهي الليل؟

موسى: ما هو الليل؟

مريم: أصبح يخيفني الليل؟

إسطفان: هل الليل من الوجود؟

الثلاثة معًا: هل الليل من الوجود؟

كل على حدة: هل الليل من الوجود؟

الثلاثة معًا: هل الليل من الوجود؟

موسى: ظننتني في غير حياة! وهذا الذي أحسه بأعصابي!.. غير الذي أحسه بالنهار!.. أحلام، كأنها واقع!.. كلام بغير معانيه! حركات! هل نحن من الجن؟.. هل أنام لأعود إلى الوجود؟ هل الليل من الوجود؟.. هل الليل من وجود الأرض؟

إسطفان: (في غير وعي) من يسمعني؟.. هل أنا في غير هذا الوجود؟.. ما هذا الذي ينتصب كعمود يصل إلى السماء... ما هذا المارد؟..

(يصغي موسى بلهفة في حين تأتي أمه فتلتصق به بذراعيها الاثنتين وكل جسمها كالخائفة المرتعبة).

إسطفان: (يكمل)... تعالوا نذهب مع العصافير (تسمع موسيقى) تعالوا نلحق العمود... هذا المارد يدلنا على الطريق... تعالوا... تعالوا... لقد طلع الصبح... وتبدّد الظلام... وما عاد الليل من الوجود...

(يتطلّع موسى فإذا أشعة الصبح تخترق شقوق النوافذ).

(يكمل إسطفان)... لا، لا... لن أتأخر... اليوم... وليس غدًا... مناقير العصافير قوية... لا يمكن أن أقاوم...

(يسمع همس منه بعد ذلك ثم صمت)

موسى: (يتملص من والدته) ما هذه اللغة التي أسمعها من إسطفان؟

مريم: هل تحاسب الولد الحالم؟

موسى: أكاد لا أصدق أنّ ما أسمع هو حلم!

مريم: وماذا تعني هذه الكلمات؟

موسى: جو هذه الليلة ليس طبيعيًا... قلت لك ذلك... أريد أن أعرف ماذا يحاك في الخفاء.

مريم: اسأل الله...

موسى: سأسأل صغيري إسطفان.

مريم: ماذا سيقول؟

موسى: سنرى...

(يذهب موسى فيقف قبالة إسطفان النائم، الوالدة تبقى مكانها بعيدة ولكن متيقظة، إسطفان النائم مع بعض حركات في أصابع اليدين، وفي الرأس، يتلفّظ بأحرف لا واعية، لا معنى لها...

يجلس موسى إلى جانبه على الفراش وبيده اليمنى ينهضه نصف نهوض إسطفان في ذهول، يتطلّع في كل الجهات تحت أنغام موسيقية ناعمة).

إسطفان: ذاهبون؟

موسى: أجل! ذاهبون يا حبيبي...

إسطفان: أين العمود؟..

موسى: ألا تراه؟

إسطفان: والعصافير؟

موسى: ألا تسمع زقزقتها في الجوزة أمام البيت؟

إسطفان: صوتها جميل... هل تذهب معي؟

موسى: هل تسمع العصافير؟

إسطفان: لن تقدر على حملنا معًا والطيران بنا نحن الاثنين... (ثم يصمت ليعود إلى الكلام)... من يقف هناك، وراء العمود؟

موسى: ألم تعرف أمك؟

(يقوم إسطفان تاركًا موسى، ويركض نحو أمه معانقًا إياها)

إسطفان: ماذا تعملان؟ هل طلع الضوء؟ لم لا تنامان؟

مريم: صباحك جميل يا ابني! (تفتح النافذة) أنظر تدفق النور: ما أجمل شربين جبلنا وصنوبره وأرزه...

إسطفان: (يسارر أمه) أمي... قال لي الملاك أن أذهب من هنا!..

مريم: إلى أين تذهب يا ابني؟.. يا ابني الصغير؟

إسطفان: قال أنّ مفتاح الطريق بيده... لا أعرف أنا إلى أين...

مريم: وتذهب هكذا؟..

إسطفان: هكذا!..

مريم: تتركنا؟

إسطفان: لأعود إليكم؟

مريم: كيف... وأنت لا تعرف شيئًا!...

إسطفان: المعرفة غير الشعور... في داخلي لهفة!

مريم: لهفة؟

إسطفان: أجل لهفة، أحس معها بلهيب.

مريم: هو لهيب نفسي...

إسطفان: (بعد أن يترك أمه، يقول من بعيد):

تصعب علي هذه الساعة... ما أصعب أن لا يفهم الإنسان ما يختلج فيه!.. كيف؟.. في الحياة ما يتخطانا؟.. ما معنى أن نكون إذًا في الحياة؟.. ما بها أمي تتكوى؟ ماذا تعاني في داخلها؟.. قط ما كانت مثلما هي الآن... صحيح ما يقولون: الأم شيء من الأولاد!.. فلأذهب إليها.

(يأتي موسى إلى حيث كان إسطفان، فيقف وقفته، في حين يتجمّد هناك، الأم والابن الصغير يلتصقان)

موسى: هل هي شياطين أم ملائكة؟..

ماذا قالت الأم في قلبها... أمهاتنا ألغاز...

وشوشات طوال الليل... أنغام ورؤى!..

حركات وأحلام... لا هي قالت ماذا في الأمر، ولا هو باح بسره.

أراها تتحامل على نفسها بكآبة... كمن هو في غير دنياه...

وأراه هو بكل ما فيه تهلل!... كأنه في غير دنياه...

سنرى ماذا تعني هذه الرموز.

(يتجه نحوهما... فيقف ويقفان دون كلام حين يطرق الباب. يدخل شخص يعرفونه وهو بولس شماس المطران).


المشهد الرابع

(الحاضرون وبولس الشماس)

بولس: (بعد التحية) يقول المطران أن باخرة ستقلع غدًا...

موسى: فلتقلع!..

مريم: صبرًا...

إسطفان: غدًا؟... غدًا...

بولس: غدًا... ظهرًا...

موسى: وماذا يعنينا منها؟

مريم: ومن سيسافر؟

إسطفان: لعلي. أنا، يا أماه.

موسى: إلى فراشك، أنت.

بولس: ويقول المطران: كل شيء حاضر لسفر إسطفان...

موسى: ماذا؟

مريم: إسطفان؟

بولس: فليتهيأ.

إسطفان: هي أصوات الليل. (على حدة)

مريم: (تضم صغيرها)... هل لنا أن نعرف إلى أين؟

بولس: ويقول المطران: لإسطفان مركز في روما... هكذا أرادت سيدة الحصن.

موسى: ابننا صغير ونحن أولياؤه، ونحن وحدنا نقرّر مصيره... هكذا يقول المطران... سلم عليه...

(يخرج الشماس مستغربًا، ويقفل موسى الباب)

بولس: (وهو يغادر الباب) أنا لا أعرف أكثر من ذلك... هكذا يقول المطران.


المشهد الخامس

(الحاضرون ما عدا بولس)

إسطفان: (حائرًا) ماذا تريدان؟

مريم: لو كان الأمر بيدنا.

موسى: الأمر بيدنا! بيد من إذًا؟

مريم: اي ابني، لن نقدر أن نعاند الله.

موسى: ومن يقول لك أنها إرادة الله؟

مريم: ألم تهزك أحداث هذا الليل؟

موسى: أوهام... فلنعش على الأرض... إسطفان، لن يغادر عتبة الدار... من كان لنا، لن يكون لغيرنا... ومن هو منا لن ينسلخ عنا! هذا الطفل! أحرى به أن يلهو معه أترابه... غدًا، عندما يبلغ الثامنة عشرة، لن أتدخّل أنا بشؤونه!..

إسطفان: ابن الناصرة كان بعمري عندما ترك والديه إلى الهيكل.

مريم: (تركع أمام موسى) لا تقف حاجزًا أمام أخيك.

موسى: من هو هذا الصوت الذي جاء ينعب في الصباح؟

مريم: (تظل راكعة) يا ابني، لا تقف حاجزًا أمام أخيك!

موسى: بيتنا لا يستغني عن إسطفان...

مريم: لا تقف حاجزًا أمام أخيك.

موسى: كلنا أميون، وحده يتعلّم...

مريم: لا تقف حاجزًا...

موسى: إنه أملنا، إذا تركنا...

مريم: لا تقف حاجزًا أمام أخيك!

موسى: بعاده عنا سيقتلنا.

مريم: لا تقف حاجزًا أمام أخيك.

موسى: لا أتصور البيت سعيدًا بدونه.

مريم: ولن يسعد بوجوده فيه... (تقف) إذا دعاه الله!

موسى: إسطفان!...

إسطفان: (يركض إلى أمام شقيقه)... أخي...

موسى: (ينحدر ليصير بمستواه) ماذا تريد أنت؟ هل تفضّل سوانا علينا؟

إسطفان: لم اعد أقوى على نفسي...

مريم: (لموسى) لا تقف حاجزًا أمام أخيك.

موسى: (لإسطفان) ماذا قلت؟

إسطفان: في ما هو أقوى مني...

موسى: إذًا، لسوانا؟..

إسطفان: لست أدري... ولكنكم في إلى الأبد.

مريم: دعه يا ابني... وافتح له الأبواب...

موسى: ما دام لسوانا... لن أكون مسؤولاً عنه. له أبوابه جميعًا، له سبله، قوته في داخله. ملائكته يطيرون به... الباخرة تنتظر. صغيرها يصل إلى هنا. صغيرها يزعزع الأركان... هكذا قال سيادته! لا، لن أقف حاجزًا أمام أخي. هكذا تريد أمي، هكذا يريد أخي، هكذا يريد الملائكة، هكذا تريد الباخرة... هكذا يريد الليل!... هذا ما تريده العصافير!..

وداعًا يا أخي، وداعًا يا صغيري!

من هنا أتبينك، أتبينك هناك...

أتبينك محطمًا... أتبينك ضائعًا في الأرض.

لا ترى طريقك... لن ترى وجهنا.

لن ترى وجه أمك... لن ترى الكتاب، لن ترى الصليب!

لن أسأل عنك،

لك ملائكتك، ملائكة الليل،

لك العصافير...

اذهب بسلام، اذهب أحلامك،

وقل لموسى: تحنط في أرضك،

وقل لأمك: موتي عن جفوني.

وقل لبلدتك: كوني مدفنًا لهم جميعًا...

(يبتعد قليلاً، قليلاً، ... جانبيًا حتى يصل إلى الباب الخلفي فيقول):

لا، لن ألعنك...

سألعن نفسي وسأقول لجبل شربيننا، ارتفع ارتفع أيضًا، وليرتفع شربينك ولتحبل الأرض، ولتتشقق الصخور، أليس في الأرض سوى الملائكة..

اذهب بسلام،

ولتصفر الباخرة،

ولتنح أمك.

ولينس شقيقك...

بيتك صار من السماء

لن أكون مسؤولاً...

(ويتوارى... ثم تلتصق مريم بالحائط، باتجاهه، رافعة اليدين والرأس في حين يتدلّى شعرها الطويل على ظهرها: فتناجي):

مريم: ما أنا بشيء... أم؟ لمن؟ ماذا يقول موسى؟ هل هو الجنون؟ بلى، بلى، يا ابني... فيك ما هو أقوى...

اذهب... انسلخ.

هل هو ظلم؟ من هو المسؤول؟

فيك ما هو أقوى...

اذهب لئلا أراك... من ورائي، في عتمتك!

فقد تدمع عيني، إن شهدتك تتوارى...

وقد يتشقق صدري،

وقد يدمي فمي!..

اذهب قبل أن أنهار... هل أنا مسؤولة...

ماذا يتنبأ أخوك؟

اذهب،

وليتمجد من يدعوك...

اذهب... اذهب... اذهب...

(على مهل يأتي إسطفان، فيطبع قبلة على مؤخرة رأس الوالدة... ثم يعود على مهل؟، مترددًا ويخرج من الباب...)

(في تلك اللحظة ترسم الأم على رأسها إشارة الصليب وتنهار على الأرض...)

يسدل الستار


الفصل الثاني

في قاعة مدرسة روما


بعض أشخاص هذا الفصل الجدد: الكردينال كرافا، الكردينال كابون، رئيس المدرسة الأب ترويلس، رفاق له... سمعان تولاني ويوسف الرامي.


المشهد الأول


(يفتح الستار على رئيس المدرسة الغارق في قراءة ملاحظات الأساتذة عن طلاب اللاهوت)

ترويلس: (مع ذاته...) كأنه من غير طينتهم!... يأتون من المشارق والمغارب فيتفوقون على أبنائنا القاطنين هنا.

(ينظر في اسم آخر، فيظهر غاية الامتعاض)

إضاعة وقت! ... لو تركناه وشأنه أما كان لخيره ولخير المدرسة؟ سأحضر تقريره!.. سبحانك يا رب! كيف توزع النعم...

(ومن كثرة امتعاضه يجلس إلى الارمونيوم فيعزف بعض القطع، في حين يدخل عليه الكردينال كابون).


المشهد الثاني

(الرئيس ترويلس والكردينال كابون)

(يدخل الكردينال مازحًا)

كابون: ما أصفى بالك! أنتم الرؤساء، متى انتهت ساعات الدروس نبذتم عنكم كل هم!

ترويلس: بل عندها تتراكم علينا المتاعب... أو تظنني لفرط اغتباطي أعزف على هذه الآلة؟ إني أستعين بها على ألم في نفسي...

(ثم نهض على الآلة وأخذ دفتر العلامات ففتحه على اسم إسطفان الدويهي، وقال له: انظر...)

(وراح الكردينال يتأمل باغتباط ظهر على تقاطيع وجهه وعلى حركات عينيه وقال):

كابون: مدهش!!! تلميذ أم أستاذ! (ثم نظر إلى أسفل الصفحة)

ماذا أرى هنا؟ هذه ملاحظاتك؟

ترويلس:أجل اقرأ

كابون: (ويقرأ كابون بصوت عال حتى إذا ما أتم القراءة صفق لوحده):

منذ أن بدأت التعليم، ذلك يرجع إلى خمسة وعشرين عامًا، لم يمر عندي طالب لاهوت بهذا الذكاء والاجتهاد... وبعد أن تفحصت سجلاتنا القديمة لم أر علامة تداني علامات إسطفان... ستتحدث عنه الكنيسة غدًا...".

ترويلس: (حركة رضى)... ماذا ترى؟ يا نيافة الكردينال؟

كابون: دعني أفكر... (وينتحي زاوية من القاعدة يقلب ببعض أوراق، بينما ذهب الأب الرئيس يكمل تصفح دفتر العلامات... ولم تمض برهة حتى عاد الكردينال كابون) يقول:

هذا الولد يجب أن يبقى هنا... الكوريا بحاجة إلى مواهبه ورصانته.. فور انتهائه من الدروس وسيامته كاهنًا، سيحتل أرفع منصب في الفاتيكان...

ترويلس: ما أعظمها بشرى!

كابون: غدًا سأنوه باسمه عند قداسة البابا... لقد سمعت عنه كثيرًا، وكم أخبرني نيافة الكردينال كرافا... ولكن ما كنت أتصوّر أنّ تلميذًا من أبعد البلدان ستكون له هذه المكانة!..

ترويلس: ولم يصل إلى هذا التفوق بذكائه وعبقريته فقط... اجتهاد مثالي! الكور والكتاب هما رفيقاه الدائمان، حتى في الليالي الدامسة... حتى بتنا نخشى عليه...

كابون: ألا يكتفي بالدرس المفروض؟

ترويلس: كل ساعات النهار وقسم كبير من الليل يحسبها مفروضة لتحصيله...

كابون: لا!!!

ترويلس: وفي ساعات مرضه...

كابون: في مرضه؟..

ترويلس: يستدعي رفيقًا فيقرأ له...

كابون: جريمة!

ترويلس: ما العمل!

كابون: امنعوه... امنعوه ما دام قادرًا على التحصيل والتفوق بدون أوقات إضافية!

ترويلس: وفي فراغه يذهب إلى مكتبة الفاتيكان فيغوص في مخطوطاتها وينقل بيده كل ما جاء عن بلاده وطائفته...

كابون: أهكذا؟...

ترويلس: حتى تجمع لديه ألوف من الوثائق التي سيكون لها بحسب تعبيره هو: "شأن خطير في تاريخ بلادي"!

كابون: قلت جريمة، وأكرر... جريمة... جريمة... جريمة... وأنت المسؤول!

ترويلس: أنا المسؤول؟

كابون: ألا تعرف أن الإنسان يجهل أمور نفسه مهما علا شأنه! منذ غد، لا أكثر... امنعوه من كثرة الدرس... وإلاّ كنتم المسؤولين! مثل هذا يجب الحفاظ عليه بكل حيلة. (قال وغادر القاعة في شبه غضب).

(ترويلس وحيدًا، كما لو أنه أدرك خطورة الموقف، عكف يستكشف نفسه... عزف على البيانو لحنًا مرتبكًا... توقف عن العزف لحظة، ثم عاد إليه بشيء من السخط... تناول من جديد دفتر العلامات... ثم أخذ من أحد الأدراج أوراقًا يظن أنّها من كتابات الدويهي اللاهوتية، ثم أمعن في قراءتها وتوقّف عند قراءة الأخيرات منها... وكانت له هذه الملاحظات).


المشهد الثالث

(ترويلس وحده)

ترويلس: الفارق كبير... بدأ يظهر منذ نحو أسبوعين... أعني قبل ثلاث مسابقات... الخط مضطرب... زاد اضطرابه في المسابقة الأخيرة... بيد أنّ الأفكار والتحاليل على غاية ما يرام من العمق والتنوع...

(يحدق في الأسطر وفي الأحرف فيزداد قلقه)

عجبًا!... هل هو إهمال!؟.. ما عهدي به مهملاً في شيء! ظاهرة غريبة!... هذه هي كتاباته الأولى... السطور منتظمة، جميع النقاط على الحروف، جميع الحروف متناسقة، الكلمات منسوبة...

ماذا حصل؟ في هذه الأوراق الأخيرة؟... في آخر صفحة خاصة: تمايلت الأحرف، انحرفت النقاط، تضعضعت نسبة الكلمات!...

الكردينال على حق..

غضبته واتصالها بالواقع،

ارتجافه المفاجئ..

مغادرته القاعة على هذا الوجه...

علي بالتحقيق...

ولكن قبل فوات الأوان..

أنا المسؤول، كما قال الكردينال...

(وخرج راكضًا وبيده الأوراق)


المشهد الرابع

(إسطفان، سمعان التولاني)

إسطفان: (وحده أولاً) كلمات موسى الأخيرة!... أحسست بها كالسياط... لسعتني في تلك الليلة!.. هل كان يحلم كالأنبياء؟ آه من دعاء الاستسقاء... آه من داء الاستسقاء! تنفذ إلى العظام... إلى العظام... وأمي صلبت نفسها، وجهها إلى الجدار، لا تبكي ولكن لتجوز عليها نبوءة موسى، لأختفي عنها كالظل في الليل...

(ويفتح الكتاب ليقرأ فتتعذّر عليه القراءة، فيلقي بالكتاب على الطاولة وينام بوجهه عليه إلى أن يدخل رفيقه سمعان التولاني)

سمعان: (مبغوتًا) لأول مرة عيناك تشيحان عن الكتاب.

إسطفان: (في قلق) اقرأ لي أيضًا...

سمعان: أما كفتك جلسة الصباح؟

إسطفان: الوقت دخان، كلما تصاعد، كلما تبدد!

سمعان: هل أقرأ؟

إسطفان: وماذا إذًا؟

يقرأ سمعان مقطعًا من كتاب اللاهوت، ثم هو يتوقف...)

سمعان: هل يكفيك السماع؟

إسطفان: لو كان يكفي لما خلق الله النظر!!

(ويتأوه... ثم هو ينظر في نقطة لا محدودة ويضع رأسه بين يديه... ثم يعود إلى الإصغاء).

سمعان: ما بك يا رفيقي؟

إسطفان: (يقوم فيتكئ على خشب البيانو، وبشيء من التنهد الممزوج بالصبر) قد قضي الأمر.

سمعان: عليك؟

إسطفان: أجل، علي...

سمعان: لا تقل، هكذا.

إسطفان: تساوى عندي الليل والنهار. أنت والشجرة شيء واحد. السهل والوادي لا يتميزان. ما عاد في الوجود الأصفر والأحمر والأسود! التيبر وقبة ميكلانجلو وجدرانيات السيكستين وشربين مار سركيس وجبل السيدة... هل هي من الأرض؟

سمعان: هذيان!...

(يمشي إسطفان في الغرفة دون هداية)

سمعان: (بقلق ظاهر)... ربي! ماذا أرى؟!

إسطفان: (من طرف القاعة، بعد أن كاد يهوي إذ اصطدم بكرسي): لقد انطفأ النور من عيني... أجل نور أمي التي أهدتني إياه في الولادة... انطفأ... انطفأ...

سمعان: (مرتبكًا)... عزيزي، إسطفان...

إسطفان: أخي!...

سمعان: سأركض إلى الطبيب.

إسطفان: ما منعه الله لن يرده الإنسان.

سمعان: الله المانع؟

إسطفان: لم أفقد بصري بقتال، أو بحادثة أو بحمى محرقة... فقدته دون أن أعرف السبب! كيف يفقد الإنسان حاسة من جسمه أو قوة من قواه!!! الباقي من السنين؟... عود إلى الوراء! هل يرجع الزمان إلى الوراء؟! كل ما تعلمت، عاد إلى الوراء... الجهل عودة إلى الوراء... سنون تمحى من عمر الزمان... انطفأ نوري، تقلص عمري!... يا عزيزي

سمعان: (يقوم إليه فيطوّقه عاطفًا) الله الذي حرمك النور أغدق عليك بالذكاء: فستعوّض بذكائك عن نور عينيك. على كل، شيء لا يصدّق!

إسطفان: أجل، لا يصدق.

سمعان: (يبتعد قليلاً) ماذا أحمل في يدي؟ (يحمل صليبًا)

إسطفان: ... (لا جواب)

سمعان: أين أنا؟

إسطفان: في هذه الغرفة؟

سمعان: (يضحك) طبعًا

إسطفان: أجل هنا!

سمعان: (يرفع يده مفتوحة) كم إصبعًا أمامك؟

إسطفان: لا تتعب قلبك.

سمعان: إسطفان. (ثم يتوارى من أمامه إلى جهة أخرى من الغرفة)

إسطفان: هات يدك، يا سمعان.

(وعندما لم يجب سمعان بشيء أدار إسطفان وجهه إلى كل الجهات فلم يتبين رفيقه الواقف خلفه).

إسطفان: (لوحده) هل خرج من الغرفة؟ (يتقدّم بحذر بضع خطوات) كيف اختفى سمعان تولاني! (يعود إلى الوراء) عجبًا! أنا أعرف سمعان! لا يتركني هكذا... (يمشي أيضًا في الغرفة إلى جهة أخرى حتى يصير على خطوة من سمعان) لا أحس بوجوده... سمعان!... سمعان!...

سمعان: (يظهر باكيًا، ينشف دموعه بمحرمته، ولكن يتحاشى أن يسمع إسطفان بكاءه)

إسطفان: كأني أسمع شيئًا! عزيزي، سمعان، قل لي إذا كنت هنا!

سمعان: (يمعن بالبكاء، فيسمع منه بعض الشهيق)

إسطفان: هذا أنت، يا سمعان؟ هل أسمع بكاء!؟

سمعان: (يبتعد بهدوء عن إسطفان ويزداد تهاطل دموعه)

إسطفان: يا عزيزي، اسمعني فقط صوتك، لأتأكد من وجودك هنا!

سمعان: (يتجالد على نفسه ويقول بصورة مقتضبة) اعذرني، سأعود بعد قليل... (وهو يغادر الباب يهمس): ليت ما حل به حل بي!

المشهد الخامس

(إسطفان وحده)

(يلتمس الصليب في الغرفة حتى تقع يده عليه فيجثو أمامه)

الحياة، يا ربي، ملكك، وحواسنا من الحياة.

أخذت أجمل ما عندي...

والآن، ماذا تريد؟

قالوا: الموت والعمى سيان!

إذا لم لم تفضل لي الموت؟

هل لي بعد أن أخدمك؟

هل صحيح أنك تتمجد بالعمى؟

إذا لم خلقت البصر وجعلته في قمة الحواس؟

ماذا ينتظرني بعد الآن؟

لو عرفت أمي، وعرف موسى بما حدث!

ربي، هل هو ظلم منك أم هو رحمة؟

كيف ما كان، ستظل نور عيني...

وسأبقى لك في ما بقي لي من حواس

(يقولها وهو يغادر القاعة متلمسًا جدرانها حتى الباب)


المشهد السادس

(الخادمة بلوندينا والخادم بلاتشا)

بلاتشا: (يدخل وهو يهمهم بصوته) هذا علي أيضًا؟ (يدل على أوراق تناثرت في جنبات القاعة).

بلوندينا: (تدخل راقصة مع مكنستها) جميل ما يعلمه الرهبان! هذا الصليب وهذا الكتاب وهذا الملف... وماذا بعد؟... بلاتشا، هذا عليك.

بلاتشا: (يرفع غطاء البيانو، ويعزف على هواه) ألا تطربك ألحاني؟ دعي الهموم جانبًا.

بلوندينا: هذا من تأليفك؟ (ترفع يديه عن البيانو) من بعثر كل هذه الأشياء هنا؟

بلاتشا: (ينشد) فيتا دولتشي، فيتا دولتشي، بلوندينا.

بلوندينا: (تنشد) فيتا دولتشي، فيتا بلاتشا، بلاتشينا.

الاثنان معًا: (ينشدان) فيتا دولتشي، فيتا دولتشي، بلاتشينا، فيتا بلاتشا، فيتا بلاتشا، بلوندينا!!

(يضحكان، حين يتماسكان)

بلوندينا: (تنحني على البيانو)، تعال. آثار دموع.

بلاتشا: (يركض) ولم تنشف بعد على خشب البيانو!

بلوندينا: هل يبكي الرجال؟

بلاتشا: هل يبكي الرجال؟

بلوندينا: أجل، هل يبكي الرجال؟

بلاتشا: لم لا يبكون؟ أما لهم مآق؟

بلوندينا: كلا! ليس لهم... أبك أنت.

بلاتشا: (يأخذ سلته ويزج فيها ببعض الأوراق المتناثرة في أرض الغرفة) حان لنا أن ننظّف الغرفة وحان للرئيس أن يطل.

بلوندينا: (بعد أن تكنس بمكنستها إحدى الزوايا، تقول): لم لا يبكي الرجال؟

بلاتشا: (بعد أن يدلها على آثار الدموع فوق البيانو) أما هو من فعل الرجال؟

بلوندينا: هل تظن؟

بلاتشا: ومن هنا غير الرجال؟

بلوندينا: يتغيرون عندما يصيرون رهبانًا!

بلاتشا: أقول، يزدادون رجولة!

بلوندينا: أما يتناقصون عندما يتركون في بيوتهم أحباء؟

بلاتشا: وهذا ما يكثف صمودهم...

بلوندينا: وهذه الدموع؟ أما تبينتها؟

بلاتشا: أجل، يا بلوندينا... وما أظنها إلا بديل النور! لقد سمعتهم يتوشوشون أنّ الدويهي فقد بصره... (يهم بالبكاء) ما أتعس هذا الشاب اللطيف!

بلوندينا: (تلوح عيناها بالبكاء) يا خبيث، ماذا دفعك لأن تصدمني بهذا النبأ؟

بلاتشا: ليته يأتي!

بلوندينا: تعيد إليه نور عينيه!

بلاتشا: لو قدرت، ما تراجعت. قط ما شعرت بقرب إلى إنسان مثله!.. أما يكفيني أنّه يحترمني!

بلوندينا: ما مررت يومًا بمكان إلاّ وبادرني هو بالسلام، كأنّه المسيح!

بلاتشا: آه! قد يعيدونه إلى بلاده.

بلوندينا: (تشهق بالبكاء) ظلم! ظلم! ظلم!..

بلاتشا: وظلم أن يفقد مثل الدويهي النور!..

بلوندينا: كدت أكفر... أين هو الله؟

بلاتشا: أجل، أين هو الله... أين هو الله (يقولها بصوت عال)

(يسمع في الخارج جلبة)

(يكفان عن الحديث وينصرفان بسرعة لتنظيف القاعة)

بلوندينا: (بهمس) أسرع يا بلاتشا، أسرع يا بلاتشا، إنك بطيء...

بلاتشا: النساء! ما أكثر ثرثرتكن!

(يدخل الرئيس والشماس سمعان والكردينال)


المشهد السابع

(الكردينال، الرئيس، سمعان)

(بلاتشا وبلوندينا ينحنيان لتحية ممزوجة بحب الاستطلاع والسؤال، وينصرفان وما تزال أطراف أنظارهما إلى الوراء)

الرئيس: ما العمل، يا صاحب النيافة؟

الكردينال: (نحو سمعان) أما من بصيص في عينيه؟

سمعان: ما دام لم يتبيّن شبحي في الغرفة! وأنا منه على مد ذراعه!

الرئيس: وإذا؟

الكردينال: وإذا؟

سمعان: وإذا؟

الكردينال: هذا ما كنت أخشاه...

الرئيس: ... وما لم أكن أنتظره!

الكردينال: هذا ما أردته!

الرئيس: ... ما لم يكن بيدي!

الكردينال: (ينتبه لوجود الشماس معهما)... يكفي، يكفي! غدًا ملتقانا.

(وإلى الشماس) ما يزال الدويهي في عمله؟

سمعان: (ببراءة) أنا، يا سيدي، لسانه ونظره!

الكردينال: يعني؟..

الرئيس: يعني، يقرأ له... وهذا يكفيه.

الكردينال: يكفيه الآن!.. أما غدًا وبعد غد، وفي بلاده؟

(يكمل) أرى أنّنا خسرناه!.. أما من طبيب يعطي تقريره؟

الرئيس: (لسمعان) في اثر الطبيب، ركضًا.

سمعان: (بعد أن يهمّ بالخروج) صحيح... هذا يومه عندنا. لعلّه يفحص الطلاب (ويخرج).

المشهد الثامن

(الكردينال، الرئيس)

الكردينال: (يلاعب الصليب بين يديه، ويقول همسًا): هل يرد الطبيب ما خلقته أنت وما نزعته؟

الرئيس: (باتجاه رسم شفيع المدرسة على الحائط، همسًا): ماذا جنى هذا الفتى النشيط هل انتهى كل شيء؟

الكردينال: (همسًا باتجاه)... أجل، أجل، أصبح لبلاده!

الرئيس: (همسًا باتجاهه)... كان وطنه ينتظره معلمًا!.. يعود أعمى؟!

الكردينال: (إلى الرئيس): رأى الطبيب فيه، كقدرته على شفائه؟

الرئيس: (إلى الكردينال) وهذا لا بد منه في كل حال.

الكردينال: ما هو تقديرك؟

الرئيس: أريد أن أراه بصيرًا، ولكن ليس باليد حيلة!

الكردينال: اسمع ما أقول: مقاعد المدرسة نضن بها على العاطلين... الدويهي حبيبنا صار منهم. لسبب أو لغير سبب فقد أعز حاسة الدراسة. غيره، من بلاده أو من غير بلاده، أحق منه الآن بالمقعد... أسفي عليه!

الرئيس: أما من أمل؟

الكردينال: حبذا، كنت أبذل لذلك ما بوسعي.

الرئيس: (يبدو عليه الحزن، يقرا في دفتر العلامات، يجلس إلى البيانو ولكن دون أن يعزف ثم يقوم فيقول بشبه الهمس):

هذا صحيح! كنا نبذل ما بوسعنا! ولكن هو القانون.

(يدخل سمعان ببطء وتثاقل)


المشهد التاسع

(الحاضرون ثم سمعان)

الكردينال: ماذا؟

الرئيس: النتيجة؟

(لم يجب سمعان بشيء، وظلّ مطرق في الأرض).

الكردينال: أما تسمع السؤال. شماسي، قل ماذا عرفت؟

الرئيس: ما أثقل همومه! أما ترانا بأي حال! تكلّم يا سمعان.

سمعان: هذا هو تقرير الطبيب... أما أنا فتبيّنت قلق عينيه...

سيدي، سيدي... أما من دواء؟.. بلى، بلى، ولكن ليس بيد الطبيب... لعله بيدك. أنقذه يا سيدي... في أقل من يومين هزل، ومصل لحم وجنتيه... أنقذه يا سيدي!

الكردينال: (يقرأ بشيء من الذعر) "الدويهي إسطفان مصاب بشلل في عينيه قطع وصال الحدقتين... الرؤية عنده معدومة تمامًا. أية عملية جراحية مستحيلة. من الآن فصاعدًا فليتجنب ليس فقط القراءة، وهذا طبيعي بسبب عماه ولكن أيضًا أي تعب عقلي...".

الطبيب كروتشينبانو

الكردينال: (لسمعان) شكرًا! يمكنك الذهاب.

(يبقى الكردينال والرئيس)


المشهد العاشر

(الكاردينال والرئيس)


(الكردينال يلاعب بين يديه تقرير الطبيب)

(الرئيس يفتش عن شيء في جيبه)

(الكردينال يأخذ سبحته ويتمتم بعض حباتها)

(الرئيس يقفل البيانو ويطرح عليه غطاءه)

(الكردينال يضع التقرير على الطاولة وينفرد)

(الرئيس تناول التقرير ويمعن في قراءته)

(الكردينال يعود وبإشارة بطيئة بيده الحاملة السبحة)

الكردينال: سيذهب... سيذهب!

(لم يحاول الرئيس التدخل حتى ولم ينظر إلى الكردينال)

لقد تقرّر ذلك... تقرّر! ما أنا الذي قرّر.

(بقي الرئيس في اتجاهه)

الكردينال: من الناس من يعيدونك إلى إنسانك... فتبكي أو تضحك. وكلا الضحك والبكاء سيان.

الرئيس: (يعود على مهل زائد) لن أضحك!

(الكردينال لا يعير اهتمامًا)

ما أكثر الناس الذين يضحكون!

(الكردينال لا يبالي)

إذا نزلت إلى الساحة، أية ساحة، وجدتهم جميعًا يضحكون... بصرتهم بنومي يقهقهون ويضحكون...

الكردينال: (يعود الهوينا) ليسوا أناسًا إذا لم تمتزج دموعهم بضحكتهم! غصتي تقلقني!.. ما هذا الذي يقتل الإنسان في داخله؟

الرئيس: أنا لن أضحك!..

(يتناول الكردينال التقرير بيده)

ما هذا التقرير بين يديك!؟

الكردينال: نبوءة... أجل نبوءة لفظتها شفتا إنسان لا يضحك!

الرئيس: أنا لن أضحك!... هل تعني شيئًا هذه الورقة؟

الكردينال: (يصحح)... هذه النبوءة.

الرئيس: النبوءة التي لا تضحك!

الكردينال: (واجمًا، دائرًا ظهره) الدويهي... سيذهب.

الرئيس: الدويهي سيذهب؟

الكردينال: إلى تلك البلاد التي أعطته النور!

الرئيس: من بلاد أعطته الظلام؟

الكردينال: سيستقبلونه بالبكاء بعد أن ودّعوه بالدعاء.

الرئيس: وسنودّعه بالبكاء بعد أن استقبلناه بالترحاب.

الكردينال: الإنسان الذي لا يبكي لا يضحك.

الرئيس: لن أضحك حتى لا أبكي.

الكردينال: وأخيرًا، قل له النبوءة.

الرئيس: أنا لست نبيًا.

الكردينال: قل له القرار! أنا لا أطيق أن تلفظ شفتاي القرار.

الرئيس: أما سمعت صرخة سمعان؟ ذلك التوسل؟ تلك الدموع! هل أتلو عليه القرار؟

الكردينال: أتل القرار، ولا يصل صوتك إلى أذني!

الرئيس: أخشى أن تتمرّد شفتاي... في شيء يصدني! هل في الإنسان قوتان؟

الكردينال: أتل القرار، ولا تسمع أذناك... أنا ذاهب، أنا ذاهب... ربي، ماذا تعد؟

(يقول ذلك وهو يغادر القاعة وفي يده الممدودة إلى الأمام سبحته)

الرئيس: "الدويهي إلى إهدن، غدًا..." من سيتلو القرار؟

(يخرج الرئيس وبيده الممدودة الورقة من الجهة المقابلة).


المشهد الحادي عشر

(بلوندينا – بلاتشا)

(يحملان كل أدوات عملهما)

بلوندينا:... بلى، سمعتها، تلك الكلمة!

بلاتشا: هل تراني، أنا بلا أذنين!

بلوندينا: بالله عليك ما أبلدك!

بلاتشا: لعلك أنت بمائة أذن وألف لسان!

بلوندينا: غدًا إلى إهدن؟... إلى تلك البلاد البعيدة؟... قالوا عنها أنّها أجمل بلاد في الأرض. ام... م... م...!!! ولكن ما نفع ذلك لأعمى؟! إنّها والبشاعة سيان... لو أتيح لي، أنا أزورها يومًا!

بلاتشا: بلاده جارة القدس، يقولون... ويقولون، على أرضها مشى المسيح، حيث خاطب تلك الكنعانية بين صيدا وصور...

بلوندينا: وهل صحيح أنّ إهدن محرفة عن عدن وأنّ الفردوس الأرضي كان هناك...

بلاتشا: من أين لك هذه الأخبار؟

بلوندينا: أما تذكر يوم تحلّق الشمامسة حول الدويهي يستوضحونه عن هذا الأمر؟...

بلاتشا: ما أكثر فضولكنّ، النساء!... كنت، أجل حاضرًا، ولم أنتبه لشيء. على ذكر الفردوس صرت أبغض إهدن، إذا صحّ ما تقولين... أما هنالك جرتنا أمك حواء إلى الخطيئة، فالشقاء؟

بلوندينا: (من جديد، تصرخ): غدًا؟.. غدًا... (وتشهق بالبكاء)

بلاتشا: غدًا... غدًا!!! (يجثو في زاوية ويعمل صليبًا أمامه بعصاتين)

بلوندينا: غدًا؟.. لو ذهب الكل وبقي هو! (تجثو في الجهة المقابلة، متوكئة على مكنستها وبيدها الأخرى مسبحة طويلة)

(من الداخل تنبعث أنغام حزينة، فكأنما الخادم والخادمة بفعلهما نشوانان)

(وبعد فترة تكلّمت فيها الموسيقى وحدها، سمعت هذه المناجاة للخادمين، كل من جهته، دون سابق اتفاق):

بلوندينا: أعطه الشفاء...

بلاتشا: أعده إنسانًا مثلنا.

بلوندينا: أقدم عيني.

بلاتشا: أقدم بصري.

بلوندينا: فليكن مثل طيما.

بلاتشا: مثل أعمى أريحا.

بلوندينا: ليبق هنا...

بلاتشا: ليبق هنا...

معًا: يبقى هنا.

(يدخل سمعان أولاً، فيسمع المناجاة. ولكثرة تأثره، ودون أن يعلمهما بوجوده يأخذ زاوية ثالثة، فيظهر عليه الانفعال... ثم يلتفت إلى بلوندينا وبلاتشا، فيأمرهما بالخروج).

سمعان: أخليا المكان.


المشهد الثاني عشر


(الدويهي وحده – ولكن يختبئ الخادمان خارجًا في مكان يظهر للحضور).

(يخرج سمعان في حين يخلي المكان للدويهي الذي يدخل متلمسًا الأشياء، مستهديًا إلى الصليب فتصيب يداه الصليب الخشبي الذي ارتجله بلاتشا فتركه في مكانه...)

الدويهي: "عزيزي إسطفان الدويهي يؤلمني أن أبلغك قرار إعادتك إلى بلادك وقد صار يتعذر عليك الدرس نظرًا لعماك الذي ما عاد يرجى له الشفاء بحسب تقرير طبيبك. أتمنى لك الخير ولبلادك".

الكرادينال غابون


شكرًا!... ليس بيده أكثر مما بيدي.

لا يؤلمني أنّي أصبحت ضريرًا،

يؤلمني أنّي سٍأعود إلى بلادي ضريرًا...

لن أرى بعد بلادي، (يظهر الخادمان في حركة تأثر)

لن أرى شربينها ونبعها والجبل الشامخ. (دموع من بلوندينا وبلاتشا)

لن أرى قببها...

لن أرى وجه والدتي... (ينخفض صوته)

لن أرى وجه موسى... موسى الذي تنبأ بعماي

لن أرى تلك القاعة من البيت حيث تراءت لي جوقة من العصافير فطارت بي في الفضاء...

(يتنهد ويضع يديه الاثنتين، وهو جاث، على عارضتي الصليب ثم يقول):

لا، لن أرى بعد هيكل والدتك...

لن أرى سيدة الحصن، لن أرى سيدة زغرتا...

ربي... اشفني وإني أنذر لك... (بصوت منخفض) بأن أعمل في بلادي...

(وينخفض صوته حتى يختفي تمامًا... فينحني...)

(وتتعالى الموسيقى تدريجيًا وقتًا من الزمن)

(تهجم بلوندينا إلى الداخل كأنها تريد مساعدة الدويهي)

(ويمنعها بلاتشا فيعيدها إلى المخبأ، فيترقبان)

وتصخب الموسيقى حتى تفقد كل نعومة، وكأن نوطاتها اختلطت البعض بالبعض فخيل أنه رعد، وفي لحظة حدث شبه برق توالى... وتزايد النور في الغرفة بصورة مرعبة فكأنما الشمس هناك ثم فجأة ينطفئ كل نور، فتصير القاعة في ظلمة قاتمة، وتعود الموسيقى إلى النغم الخفيف الناعم، وبرهة من الزمن، ثم تولد أنوار واحدًا بعد واحد، كما ولدت الموسيقى... وبجلال:

ينهض إسطفان

أولاً دون حركة سير،

ثم يمشي ببطء...

ثم يعود إلى الصليب الخشبي فيقبله،

ثم يفتح دفتر العلامات الموضوع على حافة البيانو، فيقرأ علاماته... (دهشة غريبة من الخادمين وخوف)

ويأخذ من جيبه كتاب صلاته فيقرأ فيه صلاته المفضّلة... إلى أن يهتف:

الدويهي: شكرًا لك رب، هذا هذا صحيح؟!

(وينتفض إليه الخادمان مع دموعهما فيقبلانه كثيرًا ودون أن يقولا شيئًا، يخرجان ركضًا من القاعة بحيث يسمع قرع الأجراس بعد ثوان ثم يحضر ركضًا الكردينال والرئيس يصحبهما سمعان وجماعة المدرسة).

الكردينال: هذا أنت، يا إسطفان!

الرئيس: لا تصدق عيناي.

سمعان: سيدي مزق التقرير.

الكردينال: وليتمجّد الله.

الجميع: وليتمجّد الله.

يسدل الستار


الفصل الثالث

في قنوبين

(في شبه قبو قليل النور، يظهر من بعيد على ضوء السراج في غرفة صغيرة مظلمة البطريرك الدويهي مكبًا على الكتابة، وبعد برهة يغلق باب تلك الغرفة.)

(يفتح الستار على راهبين في عملهما: واحد يغسل في جرن نقال عباءته السوداء، والآخر أمامه الشحيم الكبير يلزق أوراقه الممزقة ويتحاوران...)


المشهد الأول

(البطريرك من بعيد لا يتكلّم

وكاهنان هما سركيس وتوما)

سركيس: كم عمر هذا الشحيم، تقدر؟

توما: قرأت مرة على ورقة لصق في آخره تذكر اسم متتيا. ومتتيا هذا "لحقه الأب توما البالغ التسعين من عمره!..

سركيس: يعني لا يقل عمره عن السبعين عامًا؟

توما: ربما المائة والسبعين: عندما أصلحه متتيا، يعني كان الكتاب ممزقًا مهلهلاً.

(يقلب سركيس بعض الصفحات فيجد اسم متيتا)

سركيس: آه من تقادم العهد... كاد الاصفرار والعث يقضيان على الاسم، ولولا ذكرك الاسم لتعذرت علي قراءته.

(يهتم سركيس بعباءته في حين ينصرف توما إلى تصليح شحيمه)

توما: كم من أفواج تعاقبت عليه...

سركيس: هل لاحظت كثرة الثقوب في الصفحات؟

توما: (يضحك) هنا ثقب يمحو كلمة "سوتونو" (الشيطان)

سركيس: حبذا لو يمحى من قلبنا ومن خيالنا!..

توما: هل تعود تشعر بلذة النعمة؟

سركيس: يعني لذة النعمة بالخطيئة؟

توما: أما هكذا قال بولس الرسول؟

سركيس: يكفي ما يعلمنا بطريركنا من لاهوت، اهتم الآن بعملك...

توما: (يضحك أيضًا) وهنا ثقب يطيح باسم "يسوع".

سركيس: (يضحك) للتوازن.

(ثم يشعران بأنهما يزعجان البطريرك فيغلق أحدهما الباب)

توما: (بعد أن يعود) ألا يتعب هذا البطريرك؟

سركيس: وهنا أيضًا، لا لذة بالراحة إلا بعد تعب.

توما: عملي أنا في تصليح الشحيم يوازي عمله هو في تأليف...

سركيس: (يكمل)... تاريخ الأزمنة، منارة الأقداس...

توما: وهل علمت أنه يعد تاريخ الأسر في لبنان...

سركيس: وإصلاح طقوس الطائفة المارونية جميعًا...

توما: ... ولعلّه لم يصل إليك انه يلخص هذا الشحيم ليصلح صلاة للأفراد وخارج الكنيسة...

سركيس: (يترك عباءته في الجرن ويذهب إلى الخزانة فيحمل رزمة من الأوراق والكتب العتيقة)

هذه كلها وثائق استقدمها معه من روما! لولا معرفتي له لوصمته بالجنون!

أما كانت هذه الوريقات الصفراء تصح طعمًا للنار؟..

توما: في صواب. إنّها سخافات الناس.

سركيس: شتائم!...

توما: اتهامات...

سركيس: شكاوى...

توما: قدح...

سركيس: هناك أسرار...

توما: انتقام...

سركيس: و...

(يصل البطريرك فيتظاهر الأب سركيس بضبط الأوراق وتنظيفها في حين يتابع توما بتصليح شحيمه الضخم...)


المشهد الثاني

(الموجودان – البطريرك)

البطريرك: (بيده السراج الذي يكاد ينطفئ) هل لواحد منكما وضع زيت فيه؟

(يهب الاثنان ثم ينتبه إلى أوراقه) ماذا تعمل الأوراق هنا!؟

سركيس: (يتلعثم) يعني... يعني...

توما: (يكمل) يضبطها وينظّمها.

سركيس: أجل، أجل وأنظفها من الغبار ومن العث الذي بدأ يقضهما...

(ثم يتوارى مع السراج تاركًا رزمة الأوراق على الطاولة)

البطريرك: حذار من ورقة تضيع... وبركة الله فيكم!

توما: هل يسمح سيدي... بسؤال؟ (يقولها بتلعثم)

البطريرك: (يطوقه بذراعيه) لك، لك...

توما: ما نفع هذه الأشياء؟

البطريرك: هذه مفاتيح الماضي، يا ابني... سيكون لها صدى بعيد غدًا... سيتركز عليها وعلى غيرها، بعد أن أنسقها... تاريخنا...

توما: تجاوز عن جرأتي، سيدي... لو كانت بيدي لأتلفتها... أما الماضي فقد مضى.

البطريرك: ولكنه فينا...

توما: وتبخّر وامّحى من خيال القرون اللاحقة... إنّه كالخيال الذي يترك وراءه غبارًا يتبدّد في قليل...

البطريرك: إنّه حجر أساس الغد.

توما: وإذا كان فاسدًا؟.

البطريرك: أتعظ اللاحقون (وبعد أن يتفحّص ورقة يقول بتؤدة):

الناس في توالي عصورهم وحدة متصاعدة، موصولة المستقبل بالأيام الغابرة... ما من عمل إلاّ وله الصدى البعيد، الصدى الحتمي، الصدى الفاعل؟..

توما: نحن إذًا هنا، في هذه الأعماق، في هذه الكهوف، في هذه العزلة...

البطريرك: ... أجل من فعل الأمس...

توما: وإلى متى نحن هنا، سيدي البطريرك؟

البطريرك: (يؤخذ بفعل ذاتي تأملي ثم يقول هامسًا همسًا طويلاً، مشيحًا بناظريه):

أرى سحابة تنذر بالرعود...

(ويعود سركيس مع سراجه المضاء فيسلمه إلى البطريرك الذي يختفي في غرفته البعيدة ويبقى الاثنان معًا يكملان عملهما).


المشهد الثالث

(توما وسركيس)

سركيس: ما هذه القوة فيه!

توما: لو سمعته يخاطبني!.. لم يفرق إنسان عن إنسان!

سركيس: إنسان أكثر من إنسان! كيف ذلك على الأرض؟

توما: أرجفتني لكلمته الأخيرة...

سركيس: الأخيرة؟..

توما: "سحابة تنذر بالرعود..."! خلتها صاعقة تسحقني!

سركيس: الوهم، قاتل الناس!...

توما: أنا أصدق هذا القديس.

سركيس: ما أكثر أوهامنا!

توما: ما أكثر شكوكنا!

سركيس: شكوكنا أوهامنا

توما: تقتلنا الشكوك!

سركيس: لولا الأوهام، من كان يحيا!؟

توما: هل بالوهم شفي من عماه؟

سركيس: (يسمع صوتًا من الداخل)... إنّه ينشد!

(من الداخل):

برمشو صليبو روشيم نو عل هادومي... (إلى آخر البيت الموجود في صلاة الستار الخميس)

وكأن جوقة بعيدة الصوت تعيد ترنيم البيت فيؤخذ الأبوان بما يسمعان!

توما: (يطبق الشحيم وقد أتمّ إصلاحه) بعد خمسين سنة!.. هل نكون قد تصوّرنا في صفحاته الممزّقة فيرحمنا اللاحقون؟

سركيس: (يعصر عباءته في جرنها) ضع اسمي واسمك في مكان خفي من الأوراق الملصقة، لعلّهم ينبشوننا كما نبشنا متتيا...

توما: (يخفي الكتاب في الخزانة) سمعت صدى مزعجًا من الناس...

سركيس: (يجعل عباءته في عصى وينشرها في مكان ما من الغرفة) ما تزال كلمة البطريرك تضجّ فيك؟

توما: أرى أنّها الصدى لأسرار... ماذا يحاك في الشمال؟

سركيس: (يصغي لجهة الدويهي) ما يزال ينشد!

توما: ماذا تسمع؟

سركيس: (ينشد معه): برمشو صليبو روشيم نو عل هادومي، وعبدتيلي نوطورو، ايمومو وليليو...


المشهد الرابع

(الحاضرون وعدة أطفال لا يتكلّمون)

(غالبية الأطفال في عمر العاشرة...

يلبسون لباسًا أبيض، ملائكيًا...

عند دخول أوّلهم يجمد الأبوان في الزوايا، يترقبان بدهشة...

يدخل الأول على مهل من باب ويخرج من باب... موسيقى

يدخل الثاني فيضع على المنضدة ورقة بيضاء... ويخرج موسيقى

يدخل الثالث فيلقي على المنضدة ورقة بيضاء ويخرج موسيقى

يدخل الرابع فيلقي على المنضدة ورقة صفراء ويخرج موسيقى

يدخل الخامس فيضع ورقة زرقاء ويخرج... موسيقى

يدخل السادس فيضع ورقة حمراء ويخرج. موسيقى

يدخل السابع فيضع ورقة سوداء ويخرج. موسيقى

يدخل الثامن فيضع ورقة سوداء فيخرج. موسيقى

يدخل التاسع فيضع ورقة سوداء فيخرج. موسيقى

ثم يعودون جميعًا حاملين أوراقهم الملوّنة كما وضعوها وينشدون:

أيها السامعون في الأعماق،

أيها السامعون في الأعماق...

ماذا ترى أيامكم؟...

الصخر يحطّم فوق الأرض،

فوق النهر، فوق الوادي،

نحن نمشي، نحن نمشي

كالظل الأسود، كالشمس

نحن نمشي، نحن نمشي.

يقولونها وهم يختفون الواحد بعد الآخر)

وتبقى الموسيقى بعدهم، في حين يظهر على ملامح الأبوين الاستغراب الشديد... إنّهما كالمأخوذين... يبقيان هكذا وقتًا دون أي حراك... ثم يتقدّمان دون أن يتكالما مع أنّهما يتقابلان، كالملجومي اللسان)


المشهد الخامس

(سركيس، توما، أبو يوسف)

أبو يوسف: (يدخل مثلما، يعتمر العباءة والكوفية، ويلبس الشروال مع الشملة النبيذية اللون وهو اللباس الإهدني)

سركيس: (من بعيد، وقبل أن يصل أبو يوسف) هذا إهدني... عرفته من رجوليته الإهدني لا يتلثم!

أبو يوسف: (يصل فينزع عنه تلثمه) أين البطريرك؟

سركيس: سيماؤك سيماء إهدني!

توما: أما أنا فيضيعني هذا اللثام!

أبو يوسف: أين البطريرك؟

سركيس: أما أسمعه؟

(البطريرك يكمل إنشاده بالسريانية):

"بفلغه دليليو مو دنوميت دمخت اوتي بيشو وحوزي اصليبو... عوريق مينيه ومطاشي بترو وحشخوملي. وبصفرو قمت زمريت لوخ شوبحو موريو".

توما: (يتجمّل بالكلمات السريانية)... عندما أغفو في بدء ليلي، يطلّ الشرير متلصصًا ولكن ما إن يتبيّن الصليب حتى يولي الأدبار خائفًا مذعورًا، فأنهض أنا في الصباح وأمجّد الله!.. (ثمّ يتابع) ما بال بطريركنا يكرّر هذه الصلاة!

سركيس: ما إن يتبيّن الصليب حتى يولي الأدبار... أتذكّر كلمته لك: "سحابة تنذر بالرعود..."

أبو يوسف: الجو مكفهر يا آبائي... سمعت ما لا يطمئن!

سركيس وتوما: (يتراجعان مذعورين)

ثم ينحنيان معًا نحو الأوراق الموضوعة على الطاولة... وينشدان معًا إشارة الصليب على المحيا:

"برمشو صليبو روشيم عل هدومي..."

أبو يوسف: أما لي أن أرى البطريرك؟

(يصل البطريرك لدى سماعه الضجيج والإنشاد)


المشهد السادس

(البطريرك، أبو يوسف، سركيس، وتوما)

(يجثو أبو يوسف بعفويته)

أبو يوسف: جنود أعداء يختبئون في الكهوف... دعنا نقطع الطريق.

إسطفان: ماذا يقصدون؟

أبو يوسف: الوثوب!

إسطفان: الوثوب!؟ هل نحن ذئاب؟

أبو يوسف: لأنّنا لسنا كذلك.

إسطفان: صه!

أبو يوسف: قيل أنّهم ينوون كم أفواهنا.

إسطفان: أفواهنا تصلّي...

أبو يوسف: لأنّها تصلّي.

إسطفان: صه!

أبو يوسف: وهذا الوادي المقدّس، سيحولونه صخورًا متراكمة...

قالوا: لا يقوم هنا قساوسة ولا معابد...

ووقالوا أيضًا غير ذلك...

إسطفان: قلنا نحن: لا لنا، يا رب، لا لنا، لكن لاسمك.

أبو يوسف: غبطتكم، هذا دوركم... أما دورنا نحن...

توما: هم خروا وسجدوا...

أبو يوسف: (مكملاً)... ونحن قمنا وانتصبنا

سركيس: ... وفي ظهورهم حرابنا...

إسطفان: ... هؤلاء بالعجلات وهؤلاء بالخيل!...

أبو يوسف: أما نحن فبالسواعد والإيمان... يا غبطة البطريرك، شبابنا لم يعد له بعد طاقة الصبر. لو هدموا على رؤوسكم حجارة المعبد... لو دنّسوا الأرض التي قدّسها أسلافكم... لو مزّقوا العذراء والمسيح في المنية... لو امتهنوا ثوبكم وأطاحوا بهذه العمامة.

توما: ... وقتلونا،

سركيس: وبعثروا أشلاءنا في القعر للسباع،

توما: وامتلكوا أرضنا،

سركيس: وأباحوها للفساد...

إسطفان: نبقى نحن...

(يجمد الجميع... أبو يوسف في حيرة ظاهرة... الأبوان الآخران مأخوذان... البطريرك في وقفة الأبطال... موسيقى حائرة تخف تدريجيًا...)

إسطفان: (مكملاً)... نبقى نحن... نبقى نحن... (تتردّد كالصدى)

(ينحني الأبوان ناحية ويتهامسان):

سركيس: نحن! ومن نحن؟

توما: ومن نحن؟...

سركيس: أنا وأنت؟

توما: هو وأنا وأنت؟

سركيس: آثارنا في قاديشا؟

توما: أقدامنا بين الصخور؟

سركيس: أنفاسنا في صلاة العشي؟

توما: لهاثنا في الحقول؟

سركيس: دموعنا على الفراش؟

(البطريرك ما يزال في وقفته...)

(أبو يوسف يتقدّم ليسمع تهامس الأبوين)

أبو يوسف: دموعنا على الفراش؟!!

توما: عظامنا في القبور؟

سركيس: أرواحنا في المنحنى كالطيور؟

أبو يوسف: سيوفنا في الظهور!.. (يكرّر مصرًا) سيوفنا في الظهور!

إسطفان: يدنا للجميع...

(توما لسركيس همسًا في ناحية المسرح)

توما: صلاته، في روما، يظنون!

سركيس: التي كانت مفتاحًا لعينيه؟

(أبو يوسف يتسارر من جهته مع البطريرك)

توما: وطريقًا إلى قنوبين.

سركيس: (يسمع قرع الجرس) ماذا؟

توما: (إلى البطريرك) مولاي، وقت الصلاة...

(ينتفض أبو يوسف غاضبًا، ساخطًا...)

أبو يوسف: وقت الصلاة؟!

توما وسركيس: أما سمعت الجرس؟

أبو يوسف: دعونا من صلاتكم اليوم... عقر داركم يدنس!..

سنابك خيولهم... على أجسامك... أرضكم تلتهب... صلبانكم تداس... جمعكم مبعثر... والقطيع... القطيع... في كل بلاد نعجة...

إسطفان: أما تبقى نعجة؟!

أبو يوسف: (يكمل) جرسكم؟... فليكن للنفير. صلاتكم اليوم، في حرب الدفاع... ألا هبوا. ولتتراكم صخوركم على جميع السبل، ولتنصب على جميع المفارق الشباك، ولتكن مرامي كلينكم ذخيرة في هياج... هكذا قال الله: "كونوا مستعدين" أنا ذاهب لأوقظ همم الشباب: بشري وإهدن منذ وقت في حمم... وهكذا، البلاد.

(وبعد أن يضع أبو يوسف لبادته والكوفية على رأسه ينطلق مقطب الجفنين، ولكنه يقول):

أبو يوسف: (متوجهًا نحو البطريرك) أعطنا البركة واغفر آثامنا...

(ويختفي فتبقى الغرفة في وجوم... وبعد نحو دقيقة يتحرّك الثلاثة الباقون، منشدين في سيرهم البطيء:

الثلاثة: عساكر السما محيطة معنا، بمائدة المذبح".


المشهد السابع

(البطريرك وجميع الآباء يمرون على المسرح الواحد

بعد الواحد فيتلون آية من آيات المزمور 148،

"سبحوا الرب...)

البطريرك: سبحوا الرب من السماوات، سبحوه في الأعالي، سبحوه يا جميع ملائكته، سبحوه يا جميع جنوده.

أحد الآباء: (بعده) سبحي الرب من الأرض أيتها التنانين، وجميع الغمار، النار والبرد، الثلج والضباب، الريح العاصفة...

أحد الآباء: الجبال وجميع التلال، الشجر المثمر وجميع الأرز... الوحوش... والطيور ذات الأجنحة...

أحد الآباء: (بعده) ملوك الأرض وجميع الشعوب، الرؤساء وجميع القضاة، الأحداث والعذارى الشيوخ مع الصبيان.

(ثم تمر جوقة الأطفال، ذات اللباس الأبيض الملائكي، وينشدون معًا مكملين المزمور ثم ينصرفون).

الأطفال: يسبح هؤلاء اسم الرب، فإنّ اسمه، وحده عال وجلاله فوق الأرض والسماوات، وقد أعلى قرنًا لشعبه... (ويزيدون) هللويا...

(يختفي الجميع وتبقى على المسرح أصداء الموسيقى الناعمة برهة من الزمن).


المشهد الثامن

(اثنان ملثمان: حردان وطعان)

(يدخلان معًا بشيء من العنف وقساوة النظرة،

يحملان الطبنجة والخنجر والطبر...

ينظران إلى هنا وهنا وهناك، دون كلام...

يستل واحد منهما الخنجر ويمزق العباءة السوداء المنصوبة في الزاوية، من فوق إلى أسفل... وينظر... بعجب...

يفتح الثاني الخزانة ويبعثر على الأرض جميع الوثائق والكتب المنسوخة...

ويتحاوران هكذا):

حردان: دخلنا دون اعتراض... أبوابهم مفتوحة.

طعان: قيل أنّهم لا يغلقونها!

حردان: أين هم؟

طعان: من هناك؟

حردان: (يأخذ بيد طعان ويتقدّمان نحو النافذة) أسمع إنشادًا...

(يسمع في البعيد إنشاد عميق سرياني).

طعان: هل يكونون في الكنيسة؟

حردان: جميل نهاجمهم في الكنيسة.

طعان: أفضل هنا. ذلك لن يرضي مولانا الفندور. أما سمعته يحذرنا من ذلك؟

حردان: وما الفرق ما دامت النتيجة واحدة؟

طعان: تقوم الدنيا وتقعد... نحن للأشخاص لا لمكان العبادة.

حردان: (بأعلى صوته) نحن هنا، نحن هنا!!!

(ما يزال يسمع الإنشاد)

طعان: (يرفس الطاولة برجله فتحدث دويًا كبيرًا)... أجل نحن هنا!

(الترنيم مستمر)

حردان: فكرة. سأطلق النار. وهكذا يهرولون.

طعان: (يسبقه في الطلق)...

حردان: خسئت! (يطلق طلقتين)...

(ينخفض الترنيم ثم يتصاعد)

طعان: سمعوا.

حردان: وما يزالون يرنمون!

طعان: إبدأ بالهدم. هؤلاء قوم صم. لا يتحرّكون ما لم تقع السماء على الأرض. والله سأفعل ذلك.

(ثم ينقطع الترنيم، فيطل الأب توما مستغربًا)


المشهد التاسع

(حردان، طعان، الأب توما)

توما: (دون أن ينتبه إلى حالة الغرفة) ما هذا الضجيج؟

(يرى الأشياء مبعثرة): ربي!

(وبعد نظرة رعب إلى الملثمين يهرب)

حردان: لعل الغمباز الأسود غمبازه (يضحك مع رفيقه)

طعان: أما يكفيه أنني أنزلته عن الصليب.

حردان: (يغمز) بعد أن اندلعت أمعاؤه وفاضت الروح!.. (يضحك)

(ثم يكمل) سيأتون جميعًا بالعصي والرفوش!

(يقهقهان في حين يفتح الواحد الثوب الممزق ويشك في خاصرته الخنجر كما لو أنّه مسلّح به... والثاني يرفع عرمة من الأوراق ويذريها في أرض الغرفة ويقول):

طعان: إنسانك مسلّح، أما تخشا، (يضحك)

حردان: أوراقك نار وكبريت أمطرتها السما، حذار (يضحك)

طعان: حذرك!... قد يباغتوننا بمفاجأة (يتحذران)

حردان: وهذا؟.. (يدل على سلاحه) قالوا في بطريركهم أنّه من صنف الملائكة.

طعان: أصحيح؟!... أما هو إهدني؟ هؤلاء عفاريت!

حردان: هرب مرتين إلى كسروان... من يقاوم الفندور؟

طعان: وعاد إلى هنا، وعاد إلى لعبته!

(يدخل البطريرك ويواجه آباء الدير)


المشهد العاشر

(البطريرك، حردان، طعان، آباء الدير،

من بينهم توما وسركيس)

حردان: البطريرك؟

(البطريرك ينظر)

لدينا أوامر من مولانا الفندور بإيقافك.

البطريرك: من هو الفندور؟

طعان: هو إنسان لا يرى غيره هنا!

حردان: هو الآمر! من لك بأن تطرح مثل هذا السؤال؟

البطريرك: بيتنا للجميع، فليتفضّل...

حردان: لن يتنازل...

طعان: قالوا أنّك توبئ الجو،

حردان: وتبث الأفكار

طعان: وتتحوط بالجماعة...

حردان: وتستقطب الرعية...

طعان: وتذيع بأوراقك الأسرار...

حردان: وتنشئ هنا وهناك المدارس...

طعان: ويندس أعوانك في القرى كأنهم الحاكمون!

توما: (يأخذ المبادرة) ونطال الصغار.

سركيس: ونطال الكبار.

توما: ونصعد إلى أعلى الجبل.

سركيس: وننحدر إلى أسفل الوادي

توما: تربتنا هنا جبلناها بدمنا

سركيس: لن تدوسها رجل أخرى!

(يومئ البطريرك إليهما بيديه، فيسكتان)

حردان: (باحتجاج) من هما؟

(لا جواب من أحد)

طعان: من هما؟ (يقولها بعصبية وقد ضرب الأرض برجله)

حردان: من هما؟ (يتزايد الصوت والرفس الأرضي)

حردان وطعان: من هما؟ من هما؟ من هما؟

(البطريرك يتقدّم ببطء حتى يصير على خطوة منهما)

البطريرك: أنا هنا!!!

(وحركة استفهام بالتطلع فيما بين حردان وطعان)

ليس وراءنا أحد، أنا هنا!

حردان: وتتحدى؟...

طعان: (يذهب فيأخذ حفنة من الأوراق) ماذا يحاك هنا في هذه العتمة، في هذه العزلة، في هذا الكهف... يذري الأوراق) ماذا تقصدون؟

حردان: (يفتح كتاب الشحيم "الصلاة") تكتبون بالطلاسم... ما هذه الحروف؟ ما هذه اللغة؟ أسرار، بأسرار...

طعان: بأسرار، بأسرار...

حردان: وتظنون عملكم في غفلة عنا وعن الفندور!...

البطريرك: من سمح لكم ببعثرة هذه الوثائق.

(يستلان الخناجر)

(يتحرّك الآباء كمن يريد الهجوم)

(يوقفهم البطريرك بحركة يديه)

حردان: خذها، على وقاحتك، (لطمة على رأس البطريرك)

طعان: أجل وهذه أيضًا، (لطمة على رأس البطريرك في الوقت نفسه)

(ثم في حين يهجم الآباء للدفاع يباغتون بطابية البطريرك تقف في الهواء، والبطريرك سابح في أفكاره، فيجمدون مكانهم).

(وأما حردان وطعان فيصعقان لدى هذا المشهد)

(وللحال تصدح موسيقى ساحرة، فرحة... ثم جوقة بمزمور أخاذ... وينهى المشهد والرواية بانسحاب الفريقين انسحابًا سحريًا).

يسدل الستار