"كتيّب عن البطريرك إسطفان الدويهي - مسيرة قداسة"

المرجع: "كتيّب عن البطريرك إسطفان الدويهي - مسيرة قداسة" منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، سنة 2001.
 

قراءة للتاريخ الروحي والكنسي في لبنان

من خلال

البطريرك إسطفان الدويهي


بقلم د. طانيوس نجيم


يمرّ في تاريخ الشعوب رجالات عظام فيطبعونها بطابعهم المميّز ويغدو التاريخ قبلهم كأنّه مسار إليهم، وبعدهم كأنّه صنع يديهم في مداه القريب، ووحي من تطلّعاتهم وتوجّهاتهم في مداه البعيد. قدّر الله للموارنة أن يعرفوا على امتداد تاريخهم ومعاناتهم في لبنان والشرق، أقلّه في الماضي، رجالاً من هذه الطينة: أعلام نور وحضارة، ركائز حق وحرية ووطنية ومنارات زهد وقداسة في دروب الأرض إلى السماء. بين هؤلاء الرجال، بعد القديس مارون المثال الأول والقديس يوحنا مارون رائد الوطنيّة، وفي سلسلة البطاركة الأبطال والقديسين على غرار إرميا عبيد الدويهي العمشيتي، جبرائيل ابن حجولا، دانيال الحدشيتي، موسى العكاري، وإلى جنب وجوه نيّرة مثل القديس شربل والطوباويين رفقا والحرديني، ورموز ساطعة مثل ابن القلاعي، عميرة الدويهي، السمعاني، الحاقلاني والصهيوني، إلى ما هنالك من أعلام وأعلام، يحتلّ البطريرك إسطفان الدويهي مقامًا مرموقًا فيه الإشعاع الحضاري والاندفاع الوطنيّ والمثاليّة الدينية. في هذه القسمات المتلألئة من شخصية الدويهي، سوف نتكلّم بعد أن نعرض سريعًا للمحطات الرئيسة في سيرة حياته، علّ الحديث يكون منطلق تأمل ويقودنا ليس إلى معرفة الأصالة المارونية المسيحية فحسب، بل إلى اعتبار تراثنا حق قدره فكرًا وغنًى إنسانيًا وإلى اتّخاذ العبرة منه معالم دعوة مميّزة وأملاً بالمستقبل والقيامة على الرغم من دياجير الحاضر وسكرات الموت التي تنتابه.

أوّلاً: حياة الدويهي:

ولد اسطفانوس ابن الشدياق مخائيل ابن القس موسى ابن يوسف الدقيق ابن القس موسى ابن الخوري يعقوب ابن الحاج ابرهيم الدويهي في إهدن في الثاني من شهر آب سنة 1630، نهار عيد القديس اسطفانس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء. ويطول بنا الحديث مستفيضًا لو أردنا التعريف بإهدن وبالعائلة الدويهيّة، فكلتاهما أشهر من نار على علم، تلك لؤلؤة بين بلدات لبنان الشمالي معقل الموارنة، موقعًا ومنظرًا ومناخًا، وهذه في أرومة العائلات المارونية أصالةً وطيبة ونبوغًا وإقدامًا. ولئن استقى اسطفان بانتمائه إلى هاتين الجفنتين إرثًا من الخصال الحميدة وشرف المحتد والطاقة الإنسانية المتميّزة، فإنّه، كما صاحب الوزنات الخمس، أعلى شرف نسبه وأخصب بذور تربته فأعطت الواحدة مئة وفق التعبير الإنجيلي.


أ) البداية في القرية

في مدرسة قريته، تحت السنديانة، تعلّم إسطفان اللغة السريانية واكتسب بالتعلّم والممارسة مبادئ الديانة المسيحية وطقوس الكنيسة المارونية. وللنبوغ عنده، منذ الصغر، دروب كلّها إلى القمّة، كلّها من معين التقوى تستقي وإلى الله ترتقي. فالعلم درب النور سلكها منذ الطفولة وتألق، ممّا حدا بالمطران الياس الدويهي الإهدني وبالبطريرك جرجس عميرا الدويهي الإهدني الشهير إلى اختياره وإرساله إلى روما مدينة النور الخالدة، ليعبّ من نور العلم ما وسعت طاقاته. والفضيلة درب القداسة مشاها منذ الصغر وحلّق، ممّا أكسبه بين أهله ومعلّميه وشعبه وهجًا ليس مثله لإقناع من لا يقتنع وهداية من لا يهتدي؛ إنّه وهج الحق في حيّز الفعل، تخترق قوّته كل الحواجز المنطقيّة والنفسيّة والأخلاقيّة حتى الماورائيّة، وتلزم المستنيرين به اعتباراً وامتثالاً.

ب) الذهاب إلى روما

وصل إسطفان إلى روما في حزيران 1641 واقتفى برعاية الآباء اليسوعيين في المدرسة المارونية الرومانية التي كان البابا غريغوريوس الثالث عشر قد أسّسها سنة 1584، أثر من سبقه من الموارنة اللامعين أمثال اسحق الشدراوي، يوحنا الحصروني، جبرائيل الصهيوني، نصر الله شلق العاقوري، جرجس عميرا الدويهي، ابرهيم جرجس الحلبي اليسوعي الذي مات شهيدًا ، وابرهيم الحاقلاني ومرهج نمرون الباني. وفاق إسطفان رفاقه، كما يقول البطريرك سمعان عواد في ترجمة حياته "على شبه النسر الذي يفوق كل الطيور بالطيران... وكان يلالي بين أولاد المدارس كالشمس بين الكواكب" (بطرس شبلي، اسطفانوس بطرس الدويهي، بيروت، 1970، ص 17). ويضيق بنا المجال هنا لذكر ما شهد بإسطفان معلّموه ورفاقه عن نجابته ورجاحة عقله، عن تقواه وسيرته الفاضلة، عن كل مزاياه الحميدة التي اجتذبت إليه محبة القلوب واحترام العقول. استعيض عن وصف كل هذه السجايا والفضائل بسرد حادثة واحدة فيها من التعبير ما يكفي للدلالة على حبّ إسطفان للعلم وتقواه وقوّة إيمانه، كأنّي به يختصر الشخصيّة المارونيّة الأصيلة عبر العصور.


ج) إلحاح عجيب على التعلّم

في منصف دراسته، بعد أن أتقن اللغة اللاتينية وأحكم الفصاحة والعلوم المنطقيّة والرياضيّة، تعرّض إسطفان، نتيجة كدّه في سبيل العلم والمعارف وسهره الليالي في القراءة على نور السراج، لمرض في عينيه كاد يودي ببصره. لازم غرفته وما كان يقدر على المطالعة ولا الكتابة، ولكم شقّ عليه هذا العجز، هو الذي طمح في العلم إلى القمم وعقد عليه معلّموه الآمال الكبيرة! احتال على المرض، إذ كان يستدعي بعض رفاقه ويكلّفهم بأن يتلوا عليه ما ألقي على مسامعهم. وبهذه الواسطة لم يخسر شيئًا، لا بل كان يفسّر لرفاقه ما أُشكل عليهم من الشروح. لكن الحيلة لم تُجدِ دون تفاقم المرض. فهمّ رئيس المدرسة بإرجاعه إلى لبنان. ويا لخيبة إسطفان إزاء علّة لا دواء لها! لكنّه، على حد قول مؤرّخي حياته "لما درى أنّ العلاجات والوسائط البشرية لم تنجح، التجأ إلى تلك التي لا يعسر أمر على شفاعتها القديرة، ولساعته نزل إلى الكنيسة وخرّ أمام أيقونة العذراء مريم وابتهل إليها من صميم فؤاده ونذر لها نذرًا ألزم ذاته به إن التمست له الشفاء من ابنها المجيد. وفي الحال، بعد أن فاه بنذره، رجع نظره إليه وصار أحسن ممّا كان عليه قبل ابتلائه بالمرض المذكور. ومنذ ذلك اليوم لم يفقد شيئًا من حدة نظره طول حياته، رغمًا عن إكبابه على الدرس والتأليف إلى آخر أيامه. وشهد بعض من عرفه أنّه في شيخوخته كان يقرأ الخطوط الدقيقة دون نظّارات. وكان لشفائه فرح عظيم عند الجميع، وقدّموا معه الشكر لله تعالى وتلك التي استجابت دعاه كالأم الشفوق. أمّا النذر الذي أوجبه على ذاته فلم يخبر أحدًا به، وطلب إليه الكثيرون من أصدقائه في ما بعد أن يكشفه لهم فأبى، وكان يقول أنّه شيء يسير وكان يظهر الانذهال كيف أنّ البتول قبلته ومنّت عليه بالشفاء لأجله" (شبلي...، ص 19).

هذا سلاح المؤمن في نضاله اليومي، وفي شدائده، وما أمضاه سلاحًا ذلك الإيمان الذي بقدر حبة الخردل يقلب الجبال وينقلها. إيمان الدويهي من إيمان الموارنة. فلئن حوّل بإيمانه نور العين المريضة إلى نور يتلألأ بصرًا وبصيرة، ألم يقلبوا قبله الجبل الوعر والصخر القفر إلى أساتيل من الدوالي وجنة غناء تنزل السماء في جلال الأعالي وحفافيها بشهادة الرحّالة الأجانب وواقع المقلب الغربي لجبل لبنان. وحده الإيمان يجترح المعجزات، والعمل لولا الإيمان ضياع وهباء. بهذا الإيمان إذًا صمد الدويهي إزاء المرض وتغلّب على كل الصعوبات، وكان له من العلم قدر الحلم وحاجة طائفته إلى مجاراة العالم في حضارته الإنسانيّة الشاملة.

د) إنتصار على إغراء البقاء في روما

أتمّ الدويهي درس الفلسفة بما فيها من علوم أجنبيّة، فكانت له الأساس المتين لتحصيل العلوم الإلهيّة، حيث أبدع جامعًا بين الاجتهاد العقلي والذوق التصوّفي والمراس الليتورجي والخبرة الحياتيّة لمعرفة الإلهيّات.

ولمّا أنهى دروسه القانونية، لم يسافر حالاً إلى لبنان، لكن بقاءه في روما مدة ستة أشهر لم يكن رغبة في الابتعاد عن وطنه ولا تخليًا عن مسؤوليّاته إزاء طائفته، ولا حتى طمعًا بوظيفة وسمعة قد يكسبهما في أوروبا شأن الكثير من تلامذة المدرسة المارونية الرومانية الذين استطابوا بقاءً في جامعات الغرب وبلاطات الأمراء والملوك، معلّمين ومترجمين وحافظي مكتبات ومؤلّفين. ولئن أسهم هؤلاء في ركب الحضارة العالميّة ونقلوا تراث الشرق إلى الغرب فأفاد الاثنان منهما، فإنّ إسهام الدويهي قد استهدف تثقيف أبناء طائفته ووطنه قبل الجميع والبحث في أصالتهم وشخصيّتهم على ضوء المفاهيم الغربية، ومن ثمّ نقل الصورة واضحة وصحيحة إلى الغرب بالذات، دونما تشويه كالذي شاب شهادات المرسلين الأجانب المضخّمة بعبير الطموحات ومآرب الإنجازات الشخصية.

على الرغم من كل الإغراءات التي تعرّض لها للانخراط في سلك الرهبنة اليسوعية أو للبقاء نزولاً عند رغبة آباء المجمع المقدّس بصفة معلّم للفلسفة والإلهيّات إلى ما هنالك من عروض ماليّة مغرية تلقّاها من الأغنياء الأوروبيين، على الرغم من كل ذلك لم يستجب الدويهي إلاّ لنداء الحاجة عند قومه. وما بقاؤه في أوروبا إلاّ لإكمال ما كان قد ابتدأه تلميذًا، ألا وهو جمع كل ما يتعلّق بالموارنة في مدارس روما ومكتباتها من مؤلّفات قديمة وحديثة ومخطوطات متنوّعة. "لم يترك مؤلّفًا إلاّ وطالعه ولا مصحفًا إلاّ وتصفّحه ليجد فيه ذكرًا للموارنة. وكان ينسخ كلّ ما عثر عليه من الفوائد" (شبلي... ص 22).

ولا عجب، فرؤياه بعيدة المدى وهدفه أن يعتمد يومًا على هذه المخطوطات المتنوّعة وغيرها لكتابة تواريخ طائفته والدفاع عنها، مؤمّنًا بذلك وصلاً بين الماضي والحاضر مختطفًا من غياهب النسيان ورفوف المكتبات وأيدي الدمار نتفًا من تاريخ أمّته مكدّسة في الغرب، سوف يضمّها إلى نتف مبعثرة بين الغبار في أقبية الأديار والكنائس والسكرستيّات في الشرق طعمًا للعثّ والفئران والنيران، ويحيي منها كلّها ماضيًا يؤمّن للشعب الحي بعده التاريخي وقاعدته لبناء مستقبل ترتسم فيه شخصية الأصيلة. يقول في بدء تاريخ الموارنة: "طفنا جميع الكنائس والأديرة وغربلنا الكتب التي وقفنا عليها، وجمعنا رسائل الباباوات وأصحاب الولايات المبعوثة إلى البطاركة وفحصنا كافة رتب البيعة وشرحنا على تواريخ بلدان الشام منذ بدء الهجرة إلى وقتنا هذا ممّا نظرناه في كتب النصارى والمسلمين لنحظى بحصة الأخبار" (ص 12).

ولا عجب بعد هذا أن يقول فيه المطران بطرس شبلي في مستهلّ عصرنا: "لو لم يأت ويسوس طائفتنا ويجمع تواريخنا ويحفظ طقوسنا وينقّح كتب بيعتنا ويخبرنا كيف كنا في القرون الغابرة ويردّ على الذين ادّعوا أنّا خرجنا عن الإيمان الصحيح وعن الحظيرة الكاثوليكية، لكنّا أتعس الناس أمة بجهل ماضينا وأصلنا ومعتقدنا القديم وتقلبات الدهر علينا" (شبلي، ص 24).

عاد إسطفان إلى لبنان سنة 1655. عامًا بعد ذلك، رقّاه البطريرك يوحنا الصفراوي إلى درجة القسوسيّة على مذبح دير مار سركيس رأس النهر في إهدن، وراح إسطفان يعلّم الأولاد في قريته ويدرجهم في مبادئ القراءة.

هـ) مناصرة الكاثوليك الشرقيين

ولا بدّ هنا من سرد واقعة في حياة الدويهي تعبّر خير تعبير عن خط الموارنة الرسولي إزاء المسيحيين الشرقيين. ارتدّ أحد السريان اليعاقبة، أندراوس أخيجان إلى الحظيرة الكاثوليكية وأرسله البطريرك يوسف حليب العاقوري سنة 1646 إلى مدرسة الموارنة في روما. وعند عودته إلى لبنان اقتبل درجة الكهنوت من يد البطريرك يوحنا الصفراوي وذهب إلى حلب حيث ساعده القنصل الفرنسي Piquet، وطلب هذا الأخير من شمعون بطريرك اليعاقبة، ومن ثمّ بطريرك الموارنة يوحنا الصفراوي تسقيف أخيجان، ولكن دون جدوى. إلاّ أنّ الدويهي الذي كان عرف أخيجان في روما أقنع البطريرك يوحنا بتسقيفه، وشجّعه وذهب بنفسه معه إلى حلب حيث مكث ثمانية أشهر يسانده ويعظ السريان المرتدين ويثبتهم في حقائق الإيمان الكاثوليكي. وبعد ذلك أصبح أخيجان أول بطريرك إنطاكي على السريان الكاثوليك باسم اغناطيوس اندراوس. إن كان لهذه الحادثة من مغزى، فهو أنّ الموارنة كانوا ورؤساؤهم معهم قبل الدويهي صلة الوصل بين روما والطوائف الشرقية. لدى الشرقيين يمثلون الاتحاد بروما، ولدى الغربيين يمثّلون المسيحية الشرقية وشمولية الكثلكة الفعلية.

وعندما رجع إسطفان من حلب رمّم دير مار يعقوب الأحباش في أرض إهدن وأقام فيه خمس سنوات يدرّس الأولاد ويخدم النفوس، إلى أن أرسله البطريرك يوحنا كاروزًا إلى حلب نزولاً عند طلب سكانها الذين سبق وعرفوه واعظًا غيورًا. أمضى في حلب خمس سنوات يدبّر النفوس ويرشدها ويجذب بفصاحة لسانه ودماثة أخلاقه قلوب الجميع، فيردّ الكثيرين إلى حضن الكنيسة الكاثوليكية من روم ويعاقبة ونساطرة وأرمن.

و) الأسقف

غادر حلب سنة 1668 في زيارة للأماكن المقدسة برفقة والدته وأخيه الحاج موسى، ومن ثمّ عاد إلى وطنه حيث استقبله أقرباؤه باحتفاء وسرور ورقّاه البطريرك جرجس السبعلي أسقفًا على كرسي مطرانية قبرص وكان المطارنة حينها يعيشون كما الرهبان قرب البطريرك في قنّوبين. وأوفد المطران إسطفان من قبل البطريرك لزيارة أبناء الطائفة، فأخذ يتجوّل بين رعايا الجبة والزاوية وعكار. ثم أبحر إلى قبرص حيث مكث حتى سنة 1670 يقوم بواجباته الأسقفية كالراعي الصالح ويتفحّص الكتب والمخطوطات بحثًا عن تواريخ الطائفة.

ز) البطريرك

وانتخب المطران إسطفان بطريركًا على الكنيسة المارونية في اليوم العشرين من أيار سنة 1670. وكان من أولى صعوباته كسب رضى بعض أشراف الطائفة الذين لم يحضروا انتخابه فعارضوه، مثل الشيخ نادر الخازن أبي نوفل. ولم يصعب ذلك على دعوة الدويهي، فكلّف نفسه المجيء شخصيًا إلى كسروان هربًا من جور الحكام الذين كانوا في الجبة وابتغاء الوقوف على خاطر معارضيه من أعيان الطائفة. وسرعان ما فاز برضاهم، فأرسل قاصده يوسف الحصروني إلى روما ليقدّم باسمه الطاعة للكرسي الرسولي ويلتمس من رئيس الأحبار التثبيت ودرع الرئاسة جريًا على عادة أسلافه البطاركة الموارنة. وممّا ختم به رسالته إلى البابا اقليمس العاشر التي حرّرها في دير مار شليطا مقبس في الرابع والعشرين من شهر آب 1671، قوله: "وكان في خاطرنا أن نجيء نحن بأقنومنا نتشرّف بنظركم الكريم ونقبّل أيديكم الطاهرة ونتبارك من فم قدسكم، لكن أحاطت بنا قوة الظالمين وشتتوا رعايانا وطردونا من مواطننا" (شبلي، ص 59).
عاد البطريرك إلى قنوبين في أواخر سنة 1671. واستقبل المركيز De Nointel موفد الملك لويس الرابع عشر بحفاوة بالغة في تموز 1674، دالاً بذلك على انفتاح الموارنة على الغرب وفرادتهم.

معاناة التهجير: وبين أواخر 1674 وأوائل 1675، غادر البطريرك الدويهي دير قنوبين وتوجّه إلى كسروان إلى دير مار شليطا طالبًا في جوار الشيخ أبي نوفل وجه هذه المقاطعة شيئًا من الراحة التي حرمه إياها آل حماده. لا بدّ من التذكير هنا بحكم الحماديين التعسّفي في مناطق جبيل والبترون والجبة وكسروان. يروي المطران شبلي أنّ حسن باشا متسلم طرابلس طارد "آل حمادة بسبب تأخر المال المطلوب منهم. وبعد أن طاردهم بعسكره إلى رأس الجبل فوق أفقا في شهر أيار صارت هدنة بينهم فاستدعاهم في 27 تموز إلى وليمة وفتك بالبعض منهم، فهاج آل حمادة كالدبابير التي خرب وكرها كما يقول الدويهي ووثبوا على نصارى بلاد جبيل ونهبوا أو حرقوا وقتلوا كل ما وقع تحت يدهم. ثمّ نهبوا قرى بلاد البترون والجبة، فهرب الناس إلى المدن القريبة وصار ضيق عظيم على النصارى وكان الحماديون يلقون القبض على أعيان القرى في الفتوح وبلاد جبيل ويضعونهم في السجون ويطلبون إليهم أن يفتدوا أنفسهم بدفع المال اللازم لتكملة ما كان متأخّرًا للدولة. وعند وقوع مثل هذه الكوارث، كان يلحق بالكرسي البطريركي وسكانه أضرار جسيمة. وكثيرًا ما اضطرّ البطاركة إلى الهرب من وجه الظالمين وإلى الاستغاثة بعدالة الباب العالي" (شبلي، ص 88).

عن هذه المعاناة يتكلّم الدويهي نفسه في رسالة التهنئة التي أرسلها إلى البابا Innocent الحادي عشر بمناسبة انتخابه في 8 أيلول 1679. يقول: "كنت عزمت على نفسي بالقدوم حتى أتبارك من قدسكم وأهنّئ غبطتكم بالدرجة السامية والسلطنة العالية، لكن ما قدّر الله من المحن والمشقات ما لم يره شعب اسرائيل من الفراعنة. فإنّ ضياعًا كثيرة خلت وبعض الديورة احترقت والكنائس انهجرت وتقتّل شعب كثير والباقي تفرقوا بين الأمم الغريبة من تغيير الحكام وقساوتهم. ثمّ دخلت هذه السنة بالجرد والزحاف حتى غطوا وجه الفلك والأرض. ثم تبعهم القحط والغلا حتى زادت الأسعار خمسة أضعاف كما كانت أولاً. لكن أحكام الباري غير مدروكة، ومهما يجينا من جانبه مقبول على الرأس والعين" (شبلي، ص 103).

- الذهاب إلى الشوف: ويعود الدويهي إلى قنوبين لكنّه لا يلبث أن يغادرها سنة 1683 إلى كسروان، ومنه بسبب الخلاف بين مشائخ الناحية إلى الشوف حيث استأجر من الأمير أحمد المعني قرية مجدل المعوش وأدخل العمران إليها. وجدّد كنيسة السيدة فيها واستهمّ الشيخ أبا صابر من رشميا على تتميم بناء الدير الذي شرع في تشييده في القرية المذكورة. وبعد ثلاث سنوات عاد على قنوبين لكنّه فرّ منها إلى كسروان سنة 1695 لأسباب الجور والاضطهاد نفسها.

- حادثة عيسى حماده: لا بدّ هنا من ذكر حادثة جرت للدويهي في آخر حياته، تعبّر خير تعبير عن العذاب الذي تعرّض له. يقول مؤرّخ سيرته المطران شبلي عن خصومته مع الشيخ عيسى حمادة: "لما رجع (أي الشيخ عيسى) إلى الجبة، شرع في جمع الدراهم المتبقية عليه ليؤديها إلى متسلّم طرابلس، لم يستحرم سبيلاً للوصول إلى غايته المذكورة. فحضر إلى جير قنوبين مع جمهور من ذويه وطلب من البطرك مبلغًا من المال فلم يستجب طلبهم. فغضب عيسى المذكور وصاح بالبطريرك وخاصمه ورفع يده الشقية ولطمه لطمة قوية أوشكت أن ترميه إلى الأرض لو لم يستند إلى الحائط، فوقع المنديل من على رأسه. أمّا البطريرك فاحتمل هذه الإهانة بصبر ولم يجبن أو يفشل ولم يطرد من الدير أولئك الظالمين الأنذال، بل صعد إلى غرفته وكتب إلى الشيخ حصن الخازن وأخبره بما جرى له" (شبلي، ص 226-227). ممّا حدا بالشيخ حصن إلى أن يرسل أخاه ضرغامًا ضارب السيف الماهر الذي سوف يصبح في ما بعد بطريركًا، على رأس فرقة عسكرية ليأتوا بالبطريرك إلى كسروان. وما همّ بعد ذلك أن يعتذر الشيخ عيسى تحت ضغط العسكر ويتوسّل إلى البطريرك ألاّ يذهب إلى كسروان خوفًا من غضب الأمير بشير عليه، ويقول للبطريرك: "أسألك يا مولاي أن تغفر لي زلّتي ولا تنتقل إلى كسروان وأنا قدامك من الآن ورهين أمرك في كل ما تريد وإن شئت تدوس رقبتي الآن فافعل ما تشاء". فإنّ حواب البطريرك، إن نمّ عن شيء، فعن حسّ وطنيّ وشعور بكرامة الطائفة لا يضاهى: "إنّي أغفر لك جميع ما فعلته معي وإنّي لمستعد وأشتهي أن أحتمل أكثر من ذلك حبًا بسيدي الذي لأجلي تألّم ومات. لكن شعبي لا يدعني أن أمكث في الجبّة" (شبلي، ص 229).

وبالفعل، ذهب الدويهي إلى كسروان حيث مكث ثلاثة أشهر، لكنّه بعدها نزولاً عند تمنيات والي طرابلس والأمير شهاب ووثيقة كتبها آل حمادة بالذات، عاد إلى قنوبين حيث توفّاه الله في الثالث من أيار سنة 1704 بعطر القداسة في كرسيّه، كأنّما الله سمع ما طلب منه حين بارح قنوبين متوجهًا إلى كسروان لما جثا على قبور البطاركة في مغارة القديسة مارينا متوسلاً أن يموت في كرسيّه قرب أسلافه.

- حصيلة مشرّفة: هكذا كان الدويهي طيلة بطريركيته قلقًا على مصير طائفته يفرّ من مخبأ إلى آخر ومن واد إلى آخر، إلى الشوف مرة وإلى كسروان مرارًا كأنّما كتب له أن يختصر بمعاناته الشخصية معاناة الطائفة المارونية منذ ما قبله حتى يومنا هذا. لكنّه لم ييأس يومًا إزاء نوائب الدهر وجور البشر، ولم يكن يومًا ذلك العبد البطال: حتى أثناء هربه كان يكتب في مخابئ الوديان، أوراقه والمخطوطات معه أنّى ذهب. وأينما حلّ، كان يقوم بواجباته الرعائية، بيني ويرمّم الكنائس والأديار، يرسم قسوسًا وكهنة وأساقفة، ينقّح الكتب البيعية ويضبط كتب الطقوس الليتورجية، يستقبل موفدي الغرب ويطلب إلى ملوكه الانعام على أشراف طائفته ليس كرمى لأشخاص معيّنين بل إعلاءً لشأن الطائفة بأسرها. يهتمّ بمدرسة روما المارونيّة اقتناعًا منه بأهميتها في دور الطائفة الحضاري شرقًا وغربًا، يوفد إليها التلامذة ويعيّن لخرّيجيها مهام ومسؤوليات كبيرة في حلب وقبرص وجميع الأصقاع اللبنانية. يدافع عن حقوق طائفته ولا ينسى الطوائف الكاثوليكية، يدير الكرسي البطريركي ويسوف طائفته كما الراعي الصالح ويؤمّن لها ببعد نظره شروط الاستمرارية والعمران، إذ لا يكتفي بإبراز جذورها التاريخية ودورها الحضاري، بل يسهر على إعداد جنود وقديسين منها، يشجّع على تأسيس الرهبنة اللبنانية كأنّما يرى فيها ضمانة للدفاع عن الطائفة وللحفاظ على أصالتها.


ثانيًا: وحدة مميّزة في شخصية الدويهي:

هذا قليل من الكثير الذي صنعه الدويهي، ويضيق بنا المجال إن حاولنا ذكر كل ما صنع، لكن بوسعنا أن نستلخص من سيرته وفعاله وجوهًا ثلاثة مميّزة: الدويهي العالم والمعلم، الدويهي طالب القداسة، الدويهي الماروني ورائد القومية اللبنانية.

1- الدويهي العالم والمعلّم

يحفظ التاريخ من الدويهي وجهه العلمي قبل كل شيء. كلّما ذكر اسمه اقترن بالعالم والمؤرّخ واللاهوتي والليتورجي. رأيناه صغيرًا ينبغ بالعلم والتقوى، فيختاره المطران الياس الإهدني والبطريرك عميرة إلى مدرسة روما المارونية تلميذًا نجيبًا. ورأيناه في مدينة النور الخالدة يدرس ويطالع حتى يكاد يفقد بصره لولا عون من العذراء ورحمة من الله لشعبه. رأيناه يحلّق في الفلسفة واللاهوت، يفحم خصومه في المناقشات ويثير إعجاب معلّميه وأولي الثقافة في الغرب، فيدعونه للبقاء في روما طمعًا بعلمه وبمواهبه. رأيناه ينكبّ أثناء دراسته على زيارة المكتبات وجمع المخطوطات والوثائق وعيًا منه، في إشراقة العمر الباكرة، أنّ من شاد بناء متقنًا خالجًا وجب عليه استحضار حجارته مسبقًا، وإعداد المكان الخاص المناسب لكلّ منها في البنيان. هذا حجر به يدرأ سهام المعتدين، وذلك قفل للعقد متين، تلك قاعدة عليها يستقيم عليها البنيان، وتلك زاوية تصلح للأساس، وتلك حنية للقبّة؛ هكذا كان الدويهي يعدّ حجارته في سني الدراسة وأحلامها، ويتصوّر مداميكه تعلو الواحد بعد الآخر ضمن رؤيا شاملة ومخطّط مسبق.

ورأيناه لاحقًا ينقّب في تجواله بين حلب وقبرص وكنائس لبنان في الخفايا والزوايا عن معالم الزمن الغابر وآثار الأجيال السالفة، فيرفع عنها برقع الغبار والإهمال والنسيان ويعيد إليها نبضًا وحياة في عمارات علمية قيّمة وفي وعي الأجيال اللاحقة من أبناء طائفته، إيمانًا منه ومنها بأن شعبًا لا يعرف ماضيه وجذوره يجهل مستقبله ويضيع في آنية حاضره العشواء دونما استمرارية ولا إخلاص للذات والحقيقية.

ولئن كان عمله العلمي هذا هادفًا منذ باكورة العمر، فهذا لا يعني انحيازًا عن الموضوعية والحقيقة المجرّة. إنّه على العكس التزام مبكر بكشف الحقيقة كلّها في ما يختصّ بطائفته. وليس بالغريب أن يقوى هذا الالتزام عند صقله بالمنهجية العلمية التي تشرّبها الدويهي في الأوساط الرومانية التي كانت النهضة العلمية الإنسانية قد اختمرت فيها عند مطلع القرن السابع عشر. ومن كانت هذه مواهبه واستعداداته وتربيته وتطلّعاته، لا بد أن يحقّق مبتغاه ومراميه العلمية والوطنية بصدق الشاهد ومنطق الفيلسوف وموضوعية العالم وإخلاص المؤمن.

عند رجوعه إلى لبنان، بدأ الدويهي عهده بالعطاء تعليمًا، وكان له الإغناء بعد الإغتناء. فالكنوز التي اكتسبها ليست حكرًا له، إنّما هي ملك الجماعة وكل المتعطشين إليها شرقًا وغربًا. وليس مثل العالم الإنسان الخيّر ليدرك افتقار الآخرين إلى غناه وحاجتهم إلى علمه. من هنا واجب الإسراع في العطاء وانتهاج الدويهي سبيلين إليه: أحدهما آنيّ مباشر حيّ، والآخر بعيد المدى غير مباشر خالد. الأول تعليمي رعائي، والثاني تأليفي مبدع خلاّق.

أ- الدويهي المعلّم

بدأ الدويهي عمله معلّمًا وأيّما معلّم، كما السيد معلّم أطفال يلقّنهم حروف السريانية والعربية ودروب الخير والحق والجمال. معلّمًا تحت السنديانة في إهدن كان بادئ الأمر، وانتهى به المطاف معلّمًا على منابر حلب يسحر السامعين ببيانه وصدق إيمانه. بارعًا في الفصاحة كان، قويّ الحجة، ساطع البرهان، تنفذ كلماته إلى الأذن فالعقل فالقلب فأعماق الضمير حيث تستقرّ قناة ومعتقدًا. يقرن القول بالعمل، فيغدو المعلّم المرشد والمثال ولا غلوّ. ها نحن نقرأ في كتاب محفوظ في خزانة الكرسي الأسقفي الماروني في الشهباء شهادة أحد الحلبيين فيه، يقول: "ثم وكمل هذا الكتاب... بأيام رياسة الرؤساء والأبهات المتوج بأعلام الشرف والكرامات المعلم الفاضل والعالم العامل. الفيلسوف الروحاني، فم الذهب الثاني، الراشد لرعيته غاية الإرشاد، المناضل في سبيل الحق والسداد، السريع بالجواب في معرفة الجدال، الوارد لممتحنيه أوراد الرجال الأبطال، الهادم منازل أفكار الضالين بواضح المقاييس والبراهين، الذي تعاليمه جوهرة تحيي النفوس، السعيد بالله البطريرك الانطاكي مار اسطفانس السالك في آثار القديسين... كان سابقًا بهذه الكنيسة يكرز وينهي عن الإضرار... ولم يسمع عندنا مثل كرزه" (شيلي، ص 36: المشرق سنة 1902، ص 687)... إلى ما هنالك من عبارات التقريظ والتمجيد.

ولا نغالي القول مهما أطنبت لهجته. فالواقع يتخطى الكلام ومثالية الرجل أبعد من أن تفيها الكلمات حقها. أدّت خصاله به إلى سدة البطريركية وأقنعت معارضيه من أعيان الطائفة يوم اعتلاء المناصب لم يكن حسبًا ونسبًا وتحزبًا، بل أهليّة ومناقبيّة. ولئن نضح إناء الدويهي بما فيه وانسكب علمه مثاليّة حياتيّة وتعليمًا مدرسيًا فعليًا، فقد رسم بذلك خطة عمل لتلامذة روما من بعده ونهج حياة فاعلاً في تثقيف الشعب بكامله.

- تعميم التعليم وتنظيمه:
أجل، لم يقتصر دور الدويهي التعليمي على العمل الفردي الذي قام به شخصيًا، بل تعدّاه إلى عمل تنظيمي شبه مؤسّسي يؤمّن استمرارية أطول وفاعلية أشمل. خبر بذاته أهمية المدرسة الرومانية لصالح الأفراد والطائفة، فاختار لها حين أصبح في حيّز المسؤولية التلامذة الكفؤ وما انفك يكتب إليهم ويحسّسهم بدورهم المستقبلي والمسؤولية التي تنتظرهم. يقول لهم في إحدى رسائله: "المراد منكم يا أولادي الأحبّاء أن لا تتهاملوا في النعمة التي أعطيتموها من الله ولا تستخفوا بما دعيتم إليه، لأن الرب انتخبكم من بين ألوف ونقلكم إلى ما بين العلماء وأجل الصفوف وكفاكم من سائر الأمور والحاجات لتزينوا نفوسكم بربح الفضائل والصالحات، لتفيدوا قريبكم بعلمكم وعملكم" (شبلي، ص154). ويقول لهم في رسالة أخرى: "إنه ما خفي عن علمكم أن الحصاد كثير والفعلة قليلون، وما غرّبناكم عن أهلكم وبلدانكم ولا بعثنا بكم إلى بلدان بعيدة برًا وبحرًا إلاّ لتتعلّموا العلوم الإلهية وترجعوا تفيدوا غيركم وتتاجروا بالوزنات لتنالوا ضعف أرباحها لأن الشرق مفتقر لمن يعلمهم ثم يهديهم" (شبلي، ص 155).

كلام الدويهي واضح بمراميه الثقافية الشاملة. إنّه يطمح إلى تثقيف الشعب بأكمله من خلال تلامذة روما. باهتمامه بهم وبتوجيههم، يسهر على تأمين التربية التي يريد لأبناء طائفته ويرسم لها المستقبل الذي يريد وسط بيئتها الخاصة. ونعم السياسة! ألا ليتنا دائمًا نتبيّن المستقبل الذي نتوخّاه لشعبنا وأرضنا ونعمل على إدراكه من خلال التعليم والاهتمام بإعداد المعلمين الكفؤ وتشجيعهم. لنسمع ما قاله البطريرك الحكيم لتلامذة روما معلّمي الطائفة في ما بعد: "كما ان الشجرة المغروسة على مجاري المياه تستحي أن تبخل في الثمر، والأرض الجيدة التي تقبل المطر البكّير واللقيس، ما يمكن أن تشحّ بالغلّة، هكذا أنتم المقيمون على مجرى العلوم وتقبلون الدرس صباحًا ومساء، أملنا بكم أن كل يوم تزدادون علمًا وعملاً وهكذا نحن نتعهد لكم بأجلّ المراتب عندما تعودون إلينا بالسلامة موقرين بالعلوم والفضائل" (شبلي، ص 154).

أجل، نعم السياسة التي أعطت ثمارها كمّا لا أغزر ولا أبهى: نهضة شاملة في الطائفة ما فتئت أن امتدت إلى لبنان بأسره فالشرق كله. كان الدويهي ينتظر قدوم الكهنة الراجعين من مدرسة روما ويوزعهم على القرى الأشد احتياجًا إلى تعليمهم إدراكًا منه بأن القيادة في الطائفة للمتعلمين وفي البلاد للطائفة المتعلّمة، ألا ليتنا نتّعظ من الماضي ونأخذ منه العبرة ونبني بالعلم مجتمع الغد، فيكون أبناؤنا وأحفادنا في القيادة وينجحون حيث فشلنا.

وإكمالاً لرسالته التعليميّة، استثمر الدويهي كل ما شاءت العناية الإلهية أن توفره من إمكانيات. كلّف تلامذة روما بالتعليم ووكل إلى عناصر لا تقلّ عنهم أهمية في تاريخ الطائفة مهمة التبشير الحياتي والعملي، وكل إلى رهبنة مار أنطونيوس التي ألبس مجدديها ومؤسسيها جبرائيل حوا الدويهي، عبد الله قره ألي ويوسف بن بتن الاسكيم الرهباني سنة 1695 وثبت قانونها سنة 1700 كما رسوم ورتبة رهبان مار اشعيا الأنطونية سنة 1703، وكل إلى الإثنتين معًا مهمة المثالية الحياتية التعليمية، فإذا قبالة تلميذ روما معلم الحروف في مدرسة تحت السنديانة وما اشتق عنها من مدارس كبيرة، بالراهب المعلم في الحفل ومناسك الوادي والجبل على مدار السنة وطقوسها الليتورجية اليومية.

نعم الشاب الذي يندفع إلى العلم ولا يتقاعس والكرمى لمن يدفع الآخرين إلى العلم والتعليم. وما قولنا عمن يقوده بعد نظره وحسه بالمسؤولية فيتطلّع إلى أجيال فأجيال ويخلد لها عصارة فكره وعلمه كتبًا قيّمة تخترق حواجز الزمن إلى حد بعيد كما التراث الذي تغتذي منه الأجيال الطالعة، فيكون في أساس الشخصية القاعدية للجماعة اللاحقة عبر الزمن.

أجل، تعلّم الدويهي وعلّم. اختار تلامذة روما واستحثّهم على أن يعلّموا الشعب، لكن فضله الأكبر كونه تخطّى غياهب الزمن إلى الوعي الفردي والجماعي عند شعبه. ما نعرفه اليوم عن الموارنة مرّ إلى وجداننا عبر وجدان الدويهي وشفافيّته. نحن نعي شخصيتنا كما أظهرها لنا علم الدويهي. إنّه معلّمنا ما افتقدنا إلى تعلّمه في مدارسنا اليوم وأهملناه على سبيل المسايرة والمساومة وأيّما مساومة هي التي تتنكّر للذات وتقصينا عن ماضينا وجذورنا في التاريخ.

ب- الدويهي المؤلّف

يتمحور علم الدويهي حول كشف الذات المارونية على أصالتها، وبعث التاريخ الماروني وإحياء التراث الليتورجي واللاهوتي الماروني دونما قصور في الرؤيا التي تشمل انطلاقًا من محور الموارنة هذا دائرة المسيحيّة الشرقية بأسرها، لا بل تتعدّاها، في مجال التاريخ، إلى دائرة المشرق كله وما يرتبط بشؤونه من التفاعلات الغربية.

مؤلّفات الدويهي كثيرة، وأغرب ما في الأمر أن يكون في ردهة من الزمن كعمره وضمن مسؤوليات جسام كمسؤولياته وعلى الرغم من معاناة كمعاناته واضطهادات كالتي عرفها، توصّل إلى تأليف ما ألّف وبالطريقة العلمية التي بها أتحف. تقسم مؤلفات الدويهي إلى نوعين: ليتورجية وتاريخية.

- الدويهي الليتورجي:
مؤلفاته متنوعة: منها ما هو تنقيح الكتب الطقسية لئلا يكون في معانيها أو عباراتها شيء يشوب الحقيقة الكاثوليكية. على سبيل المثال، قابل عدة نسخات لكتاب السياميد وهي الشرطونية: أصلح ما حرّفه الجهلة، وحذف ما زاده غيرهم وأعاد ما أسقطه النساخ حبًا بالاختصار ونسخ الكتاب بيديه وأرسله إلى البابا Innocent الحادي عشر، متمنيًا عليه طبعه "لأن الكتب التي عندنا كلها خط ومن عكاشة النساخ وجيرة الأمم الغريبة وطولة مدى الزمان دخلها رهقان وتغييرات غير قليلة" (شبلي، ص 189).
* اعتنى بتنقيح رتبة لبس الإسكيم الرهباني وتكريس الرهبان والراهبات لخدمة الله تعالى بمساعدة المطران بطرس مخلوف والمطران يوسف شمعون.
* وقف على تصحيح رتبة تكريس الكنائس وآنيتها طبقًا للنسخ القديمة.
* جمع ونقّح كتابًا يدعوه كتاب الصلوات، ربّما يكون كتاب الشحيمة.
* جمع النوافير المقبولة في الكنيسة المارونيّة ونقّحها وصحّحها في كتاب القدّاس.
* جمع في كتاب واحد أسرار البيعة (لم يعثر على نسخة من هذا الكتاب).
* جمع في كتاب أعياد السنة الرتب التي تقيمها الكنيسة في الأعياد الكبيرة.
* شرع في تنقيح كتاب الجنازات ولم ينهه.

تلك كانت مهمة الدويهي الليتورجية الأولى، وهي تنقيح الكتب وردّها إلى أصالتها. وما أعمق العبرة! إن الطقوس الليتورجية تعبير عن الذات. بقدر ما نحتفظ بأصالتها نحافظ على أصالة الذات. فلئن اعتنى الدويهي بتحديث الطائفة وتثقيف أبنائها فهو لم يدّخر وسعًا لكشف حقيقتها والحفاظ عليها منزهة من كل الشوائب.

أما مهمته الليتورجية الثانية، فكانت شرح الكتب الطقسية:
* حمل بعض الكهنة والأساقفة على استخراج قصص القديسين من السريانية إلى العربية ليفهمها المؤمنون حين تتلى على مسامعهم في الاحتفالات البيعية.
* وضع للشرطونية شرحًا مطولا كشف فيه رموز الدرجات المقدسة ومعانيها وأورد القوانين التي سنّتها المجامع المقدّسة والرسل والأحبار.
* وضع شرحًا عظيم الفائدة للتكريسات التي تصير على يد رؤساء الكهنة وأودعه ملحوظات تاريخية وأورد فيه عوائد طائفتنا القديمة.
* إلى جانب اعتنائه بجمع النوافير الأورثودكسية، كتب سيرة القديسين والأحبار المغبوطين والآباء الأطهار الذين ألّفوا هذه النوافير.
* جمع في كتيّب مطالع الألحان السريانية التي تسمّى الرشقلات وحلّلها بمقتضى قواعد نظم الشعر السرياني وأشار إلى الألحان المختلفة التي يمكن كل وزن أن يقال عليها.

ومن مؤلفاته الهامة في الليتورجيا واللاهوت كتاب المنائر العشر أو منارة الأقداس في القربان المقدس، حيث قرن التاريخ واللاهوت والليتورجيا وقابل بين الطقوس الشرقية والغربية، ولم يترك شيئًا مما يتعلّق بخدمة سر الإفخارستيا إلاّ وتكلّم عنه.

هذه بعض منجزات الدويهي في حقل الليتورجيا وما كان أهمّها لبلورة ومدّنا بشريان لاهوتي حيوي يؤمّن الاستمرارية من الجذور إلى الجذع وفروعه. ولا عجب، فإنّ أحد العاملين في حقل الليتورجيا، الأب عمانوئيل خوري، يرى عند الدويهي برنامجًا ليتورجيًا متكاملاً (المنارة سنة 25، عدد3، 1948، ص 441-474).

- الدويهي المؤرّخ
أما مؤلفات الدويهي التاريخية فنوعان: منها ما ينحصر بالتاريخ الماروني واستجلاء معالمه دفعًا للاتهامات والمثالث التي رميت بها الطائفة من خصوم منحازين أو مرسلين مدّعين وإيقاظًا لوعي جماعي عند أبنائها بأصالة الجذور والاستمرارية على الرغم من الاضطهادات، ومنها ما يتناول تاريخ الشرق بأسره حيث المارونية تتفاعل مع محيطها سلبًا وإيجابًا.
نذكر في تاريخ الماروني المحض:
* سلسلة بطاركة الطائفة المارونيّة: هذا الكتاب الذي يجمع أسماء البطاركة وينظّم حلقات سلسلتهم أصبح مرجعًا في هذا المضمار. وقد أخذ عنه السمعاني وغيره، وLe Auien في كتابه "الشرق المسيحي". ولا تخفى على أحد غاية الدويهي في هذا الكتاب: يريد أن يبيّن شرعيّة واستمرارية البطاركة الموارنة على كرسي انطاكية منذ أواخر القرن السابع حوالى سنة 685 ردًا على جميع الاتهامات أيًا كان مطلقوها. وما أحوجنا اليوم بالذات، في غمرة الضياع هذه حيث تتقاذفنا أفواج الانتماءات المتضاربة إلى صفاء الينابيع نتبيّن من خلاله حقيقة ذاتنا وأبعاد وجودنا الأصيلة، فلا نذوب ونغور في رمال الشرق، ونحن من النبع في الأصل عند التقاء الأغوار في فجرة الصخر الركين. ولا نغيب مع الشمس في غروبها، ونحن في الشرق ركن وللغرب فيه معين.
* من مآثره التاريخية المارونية، جمعُه البراءات البابوية المرسلة إلى الموارنة في مصحف واحد يعرف اليوم بسجلّ الدويهي، حتى إذا فقد منها شيء يعتاض عن الأصل بالنسخة. كلّف بكتابتها المطران يوسف شمعون الحصروني فنسخ الرسالات البابوية عن الأصل وضمّ إليها ما حفظ من رسالات البطاركة والحكام وحجج أملاك الكرسي البطريركي. يا لحسّ البطريرك التاريخي وتقديره للوثائق والبيّنات. حرصه على وثائق الماضي تطلع مكفول إلى المستقبل لأن العناية بتاريخية الطائفة تجذّر في الماضي واستقواء على طوارئ المستقبل. واهتمامه بعلاقات الطائفة مع الباباوات والحكّام قناعة منه بدورها الإنساني العام وتفاعلها الإيجابي مع الشرق والغرب. هو هذا الدور الفاعل في العالم الذي يوجب وجودها ويضمن بقاءها في سنّة التطوّر بقاء كل مفيد ومُجدٍ وهو هو خوف العالم من اندثار آثار الماضي البيّنة ومحاولة الحفاظ عليه كما اليوم أصحاب المكتبات والمتاحف بالميكروفيلم.
* أما المؤلّف الثالث في تاريخ الطائفة المارونية هو كتاب المحاماة أو تاريخ الطائفة الذي يقسم إلى ثلاثة أجزاء: الأول يتكلّم فيه المؤلّف عن أصل الموارنة والقديس مارون والبطريرك يوحنا مارون وانتسابهم إليه، والثاني باسم ردّ التهم ودفع الشبه يفنّد التهم التي وجهها سعيد ابن بطريق ومن بعده توما الكفرطابي وغيوم دي نير ضد الموارنة. والثالث باسم الاحتجاج عن الموارنة يدحض الأضاليل التي وجهها الرهبان الافرنج ضدهم ويثبت صحة إيمانهم. يقول الدويهي في مقدمة هذا الكتاب: "أما نحن فقد حملتنا الغيرة في هذا المختصر لنشرح عن ملّتنا المارونية، لا لأجل الثناء والافتخار، ولا لنلتمس محامدها ولنصف للقارئين شرف السلفاء والخلفاء من رؤسائها بل لننقذها من الثلب الباطل الذي أوجبه أصحاب التواريخ من زعمهم الباطل" (الشرح المختصر، ص 3). ويكمل "ألحّ علينا كثيرون غرب وقرب من أصحاب العلم والصداقة حتى نمدّهم بصحة الإعلام عن أصل جماعتنا الوارنة وعن اتّحادهم مع الكنيسة الجامعة، بسبب أننا طفنا جميع الكنائس والأديرة، وغربلنا الكتب التي وقفنا عليها، وجمعنا رسايل البابية (البابوات) وأصحاب الولايات المبعوثة إلى البطاركة، وفحصنا كافة رتب البيعة، وشرحنا على تواريخ بلدان الشام منذ بدء الهجرة إلى وقتنا هذا مما نظرناه في كتب النصارى والمسلمين لنحظى بصحة الأخبار. ومن حين كنا في المدارس عملنا سعي مختص حتى جمعنا شهادات أصحاب القصاص والتواريخ التي تخص هذه الطايفة. فلأجل خاطر المحبين، ولأجل غيرة الطائفة التزمنا نحمل ضعفنا هذه المشقة زود (ازيد) عن المشقات والانشغالات التي علينا في هذا الدهر العسير" (Liber Brevis, T. 1, pp. 21-31)

يتضح من هذه المقدمة أن هذا الكتاب عصارة فكر الدويهي وغاية أبحاثه ومؤلفاته كلها. إنه الخمير الذي يبعث الحياة في المعجن كلّه. إنّه الألف والياء في أبحاثه العلميّة، الألف لأنه المحرّك الأول الذي انوجد منذ أيام الدراسة، والياء لأنه يكلّل مجموعة المؤلفات ويضفي عليها غائيّة واضحة: قيل في الماضي: من أنكر أصله لا أصل له، ونزيد: من لا يعرف أصله كمن لا أصل له. إن الحكمة، كل الحكمة، عند سقراط تبتدئ بمعرفة الذات. وحكمة الدويهي من هذا القبيل سبر لأغوار هذه الذات في أعماق التاريخ وجذوره في شتات الانجازات وتشعّبات الحياة في تعرّجات الصراعات الفكريّة والعمليّة.

وما أحوجنا اليوم، فيما القلق يكتنف وجودنا وهويّتنا، أن نعود إلى أصالة الذات فتستقيم الهوية ويقوى الوجود. إنّ تخاذلنا أمام هذه الهجمة ليس وليد هذه الأيام العدوانيّة السوداء، فإن شبابنا قد استماتوا في الدفاع والتضحية حتى الشهادة، ولا لوم عليهم على الرغم من بعض المذلات التي تلازم كل حرب. إنّ تخاذلنا الفعلي قد ابتدأ منذ ما تجاهل سياسيّونا وجوب معرفة أبنائنا لذواتهم، وأغفلوا فرضها في برامجنا التربويّة. لست أقول هذا على سبيل التعصّب الطائفي، لكنّما جهل الذات فقدان لها والانفتاح على الآخرين من حصن الذات ومستلزماتها أجدى وأغنى للآخرين من الضياع بينهم دونما لون ولا رائحة ولا طعم. بقدر ما ندرك أبعاد شخصيّتنا وفرديّة ذاتنا، نحترمها ونقدّر عند الآخرين فرديّة ذواتهم ونحترمها. إن اتصال المثل بالمثل لا ينبت جديدًا، بل الغنى في التقاء المثل والآخر. وانفتاح كل منهما وفق فرديّته على غيريّة الثاني. لا معنى للقاء دونما غيريّة وليس من إنسان صورة طبق الأصل عن غيره. في التعدد غنى بقدر ما نحترم الغيريّة. ما أقوله هنا ليس من وحي الأحداث التي نعيش، إنّما هو من وحي الدويهي بالذات ونظرته إلى دوره الخاص ودور الموارنة بشكل عام. وهذا ما يظهر في مؤلّفه "تاريخ الأزمنة".

في الواقع، لم يكتف الدويهي بكتابة التاريخ الماروني مظهرًا ما يُحمد عليه من سعة العلم والتدقيق، من المنطق السليم في الجدل والمحاججة في إطار من الاحترام الأكيد للآخرين، بل تعدّى ذلك إلى كتابة التاريخ الشرق بأسره. ولئن أهمل طائفته المؤرخون المنتمون إلى طوائف غيرها عمدًا أو نسيانًا، فهو قد ابتدأ تاريخ أزمنته بحلول الهجرة في الشرق. وما همّ أن يبدأ إحدى مخطوطاته عند قدوم الصليبيين فالبوابتان تظهران الموارنة في تفاعل مع أحداث الشرق أنّى كان اتجاهها. ولئن كان الدويهي يشدّد على هذه الظاهرة في تاريخ، فهو لا يهمل جماعات صغيرة مثل طائفته يغفل ذكرها مؤرخو الشرق الرسميون، أخصّ بالذكر منها الدروز والشيعة. فهو من أول المؤرخين الشرقيين الذين يبرزون دور الأقليات بمختلف انتماءاتها، كأنما الاهتمام هذا تبصر مسبق لحقيقة الكيان اللبناني وتفاعلاته.

صحيح أن كتاب الدويهي "تاريخ الأزمنة" لا يتعدّى كونه حوليات مثل كل الحوليات، لكنه خير دليل على التزام الموارنة بتاريخ الشرق وعلى وجهة نظرهم التعددية إلى الوجود اللبناني والشرقي، وهو من هذا القبيل نفي لكل عزل وانعزال. مغزاه أنّ وعي الذات المارونية لا يكتمل إلا بوعي انتمائها الشرقي وبالتزامها التعدّدية في محيطها وبانفتاحها إلى الغرب على الرغم من كل الأخطار وخيبات الأمل. في "تاريخ الأزمنة" تخطّ للطائفية المحدودة بغية لقاء الإنسان ومعرفته أيًا كان انتماؤه وأيةً كانت طائفته. هذه هي الروحانية المارونية الأصيلة التي نستمدّها من إيماننا بسرّ التجسد الذي كان لتحديد مفهومه اللاهوتي الفضل الأكبر في وجودنا متميزين ضمن مختلف الجماعات المشرقية بعد المجمع الخلقيدوني.

2- الدويهي طالب القداسة

نستعجل التوضيح في مستهل الحديث عن عرف القداسة في سيرة الدويهي. إن رأينا هذا ذاتيّ وإن ارتكز إلى شهادات كاتبي سيرة الدويهي والقرائن التي يبرزونها. حديثنا على سبيل الاخبار إحياء لتراث وتقاليد ووفاء لعطاء البطريرك، وقناعة شخصيّة منا بمثاليّته، على أنّ إيماننا النهائي في هكذا موضوع رهنٌ بموقف من وَكَل إليهم الروح القدس تدبير الكنيسة.

العلم عند الدويهي ليس الغاية في حد ذاته، بل شيء عنده سبيل إلى الله. وهو وحده يشبع النفس دون سواه، خاصة إذا كان صاحب هذه النفس مثاليًا كما الدويهي. وليس بالغريب أن يعتبر شخص مثله العلم محطة إلى الله هو الذي خبر منذ صغره نعمة الإيمان الحي بالله. تعلّم ليخدم طائفته والله. وإن تحلّى بصفات العالِم ومزاياه من موضوعيّة وتواضع وصدق ودقة ويقين ومنطق وتجرّد ونزاهة، فدافعه إلى ذلك لم يكن العلم بحدّ ذاته، إنما مستلزمات الحياة المسيحية. فبل أن يكون عالمًا، كان المسيحي المثالي. التزم الدويهي بمسيحيّته دعوةً إلى الكمال الإنساني وما العلم إلا أحد عناصر هذا الكمال. أما باقي العناصر فأهمها التزام الزهد والقداسة نهج حياة يوميّة والدفاع المستميت عن حقوق الطائفة وشخصيّتها والإسهام من خلال ذلك في بناء الكيان اللبناني.

قيل الكثير عن الدويهي العالم. لعلّه من هذا القبيل إلى جانب السمعاني والحاقلاني والصهيوني من أشهر تلامذة روما والمؤرخين الموارنة، لا بل اللبنانيين في حقبة القرن السابع عشر. لكن أحدًا لم يف الدويهي السالك في دروب القداسة حقه. غير أن السراج لا يضاء ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة ليضيء على من في البيت. من على هذه المنارة أطلّ وجه الدويهي أخيرًا ودبّرت العناية الإلهية في 3 أيار 1982 أن "وافق مجمع الأساقفة المنعقد في بكركي برئاسة الكاردينال مار أنطونيوس بطرس خريش على إمكان إدخال قضية المثلث الرحمة البطريرك الدويهي العلامة أمام الدوائر الرومانية المختصة بغية تطويبه قديسًا، وقد وافق المجمع على أن يهتمّ سيادة المطران اغناطيوس زيادة مطران بيروت بهذا الأمر". والواقع أن دعوى تطويب الدويهي قد اتّخذت مسارها الصحيح، وإن ببطء. أن يكون الدويهي عالِمًا، أجل دون أدنى شك. أما أن يكون قديسًا، فهذا ما يبحث اليوم على صعيد الكنيسة جمعاء.

لا بدّ هنا من التنويه بالمسلك الماروني العام والاكليريكي منه بشكل خاص في عصر الدويهي. سقى الله أيامًا كان فيها الشعب الماروني بأسره يطمح إلى القداسة كما إلى ميزة حياتية، أيامًا كان فيها وادي قاديشا اسمًا على مسمّى، وادي القديسين فعلاً، وقنوبين Cnobium مناسك جماعية، والمنيطرة Monasterium مناسك فرديّة. ألا ليت الذكرى تعود يوم كان ينذهل أمام اتّضاع أساقفتنا وزهدهم الرحالة الأجانب المعتادون على نمط عندهم من الأساقفة أمراء الكنيسة! يا لشهادات تؤنّبنا اصداؤها اليوم مثل شهادة لوران دارفيو عن أساقفة ذلك الزمان عندنا: عصيّهم من خشب، لكنهم أساقفة من ذهب! تراه ولّى ذلك الزمان يوم كنا بني القديسين؟ ليت لا، وليت الذكرى عبرة فنستعيد عهدنا بالقداسة، ويستعيد الجبل المقدّس نوره ويغدو الأرز أرز الرب عن حق. في ما مضى كان مقاتلونا يتحدّون الموت أن يزيل شعورهم بالكرامة والحرية، وفلاّحونا يتحدّون الصخر ألا ينبت ثمرًا وأزهارًا يقينًا منهم بأن لهم رصيدًا عند الله لا يُقهر من الصلوات والتضحيات. ولا شك ان إسهام الدويهي في هذا الرصيد كان مجليًا.

عهد الدويهي بالطموح إلى القداسة مبكر منذ الصبا. نختصر لمامًا بعض ما ذكرناه من حياته على ضوء تجربة القداسة هذه. ألم يُشفِه إيمانه وتقواه حيث عجز الطب وألزمه ذلك بنذر وفاه مدى العمر؟ يقول عنه المطران بولس شبلي: "البطريرك إسطفان الدويهي كان خلاصة الشعب الماروني، وفيه تقمّصت الفطرة المارونية بكل صفاتها الحسنة، وذلك منذ صغره ولما تسنّم المراتب العالية واطلع على أخبار سلفائه الأبرار أخذ من أمثالهم سبيلاً لممارسة الفضائل كلّها، فعاد بإيمانه كابراهيم الخليل وشابه باتكاله على عناية ربّه وتدبيره أيوب الصدّيق، وأحبّ السيد المسيح كالتلميذ الحبيب، وزيّن عنقه بقلادة الفضائل الانجيليّة، فأمسى مثال الرعاة الصالحين" (شبلي، ص 211).

أجل، حقّت الشهادة ولا اطراء ولا غلوّ. يجمع رفاق الدويهي على أنه اكتسب رضى معلميه ومحبتهم ليس باجتهاده في الدرس فقط بل بقداسة حياته وطهارة سيرته، ولم يكن الإجماع وقفًا على الرفاق وحدهم. فالمرشد والمعرّف (لا خطايا مميتة) وكل من عرف الشاب إسطفان يشهد بمزاياه الخلقيّة. من هذه المزايا التي تحلّى بها طيلة حياته وفي مختلف المسؤوليات التي وكلت إليه فضيلة التواضع. لقد نبغ أثناء دراسته وتحلّقت الجموع حوله في المحاورات التي كان يجريها في المدرسة، لكنه لم يتكبّر قط، بل كان يوقّر الجميع من حوله ويصغي إليهم. عندما عاد إلى قريته لم يطلب المناصب ولا المديح، بل اختبأ في دير واعتنق الانفراد الرهباني طوعًا وتفرّغ للأعمال الوضيعة ولتعليم الأولاد. وعند انتخابه بطريركًا فرّ هاربًا وتخفّى. ومن غريب الأمور أن البعض اعترضوا على انتخابه بطريركًا، فكتب يدعو الموفد الذي كان قد أرسله إلى روما ليعود دون الحصول على البراءة. إلا أن الخاتم ما كان ليترك صورة أو أثرًا على الرسالة كأنما في ذلك تعبير عن مشيئة الله. ويشهد خلفه البطريرك سمعان عواد بأنه "كان متضعًا على السدة البطريركية أكثر مما لو كان خادمًا في المطبخ" (شبلي، ص 263).

ولم يكن الاتضاع عنده ضعفًا، بل على العكس تلازم عنده الاتضاع والقوة والشجاعة في ما تعلّق بحقوق طائفته خاصة. تحمّل بقوة وشجاعة الكثير من العذابات الجسديّة والنفسيّة. يروي الكثير من معاصريه أنه "قَبِلَ الشتم والعار مرارًا وكان يفرّ هاربًا أمام مضطهديه من مقاطعة إلى أخرى واختبأ كثيرًا في المغاور بين الصخور غير مبال بلهيب الشمس في الصيف وبقرص البرد والزمهرير في الشتاء. وكابد مرائر الجوع أيامًا طويلة واقتحم الموت مرارًا، وما كان نجا منه لو لم تحفظه العناية الربانية" (شبلي، ص 214). وما أكثر التضحيات التي كان يقوم بها منذ صغره، كان يميت حواسه في الأكل والشرب والنظر، ولم يذق قط بواكير الأثمار الجديدة. قال مرارًا انه لم ينهض قط على الأكل شبعانًا وقد شرح ذلك لأحد أصدقائه: "أما تريد أن نميت الجسد أحيانًا بشيء يسير ونربح شيئًا يفيد نفوسنا ". انقطع عن أكل اللحم طول حياته ولم يذقه في أوقات مرضه إلا بإشارة مرشده وأمره، وكان يمتنع عن المآكل الفاخرة ويرضى بكلّ ما يأكله رهبانه. ولكن انقطع في المغاور والأودية حيث كان يختيئ للصلاة والتأمل فيقضي بهما وبالإيمان على كل المصاعب.

هذه الصلوات وهذه القناعة وهذا التضييق على النفس ومحبة الفقر، إن دلّت على شيء فعلى فضيلة الصلاة والزهد. وما أحوجنا إليهما اليوم! أجل، نحن اليوم بحاجة إلى بطولة الزهد، هذه الفضيلة الرهبانية التي تميّز بها الشعب الماروني بأسره، وبالأخص رؤساؤه، تدلّ على الترفّع عن الغنى الزائف والأباطيل والأوهام إلى الغنى الحقيقي وأصالة الأعماق وثباتها. إنه الانصراف عن اللذة إلى الفرح والتعلّق بالله لا بالكائنات العابرة. إنه خسارة الذات في سبيل ربحها، والإماتة في سبيل الحياة. زهد الدويهي بكل شيء إلا بالله وبحقوق الطائفة. فكان له أن كسب الاثنين. ولئن تبوّأ المرتبة الأولى في الطائفة، فلم يفقده ذلك زهده، بل حافظ عليه واستطاع بذلك وبسيرته الحسنة وقوة شخصيته واتضاعه أن يغيّر رأي بعض الأعيان من معارضي انتخابه وأن يفرض هيبته على بعض المطارنة والأساقفة ممّن أرادوا أن ينزلوه عن كرسيّه. وأكثر من ذلك، فقد استطاع أن يكسب احترام الدروز في الشوف من الأمير حتى أبسط القرويّين، ولكم جرت على يده معجزات وخوارق (انطفأت بشفاعته نار في حظيرة أحد الدروز، هدية شنبل قمح يعيدها الله لواهبها، مطر في بكفيا وقنوبين بعد شح، شفاء ولد مريض شرب ماء مذوبًا مع تراب كان واقفًا عليه البطريرك أثناء القداس، أصبح الولد المطران فيلبس الجميل، إيقاف المطر والبرد في ساحل علما – إيقاف صخرة تسقط من الجبل المحترق إلى وادي قنوبين – إصلاح صباغ نسيج درزيين بمباركته بالصليب... الخ، وبعد وفاته حدثت بشفاعته آيات كثيرة نعرض الآن عن ذكرها).

المهمّ في كل ذلك أن حياة البطريرك تعبق بأريج القداسة. هكذا كانت مثاليّته: أن يجمع بين العلم والقداسة، ويقود بذلك شعبه إلى النور والحقيقة، إلى حضارة الانسان وحضور الله. من هنا، تمنّينا اليوم أن تتابع خطوة مجلس الأساقفة وأن تتألّف لجنة فتترجم حياة وأعمال وسيرة رجل الله البطريرك إسطفان الدويهي إلى اللغة الفرنسية أو الإيطالية أو اللاتينية، وترفع إلى مجمع تقديس القديسين. ليس ذلك وفاء واجبًا للرجل فحسب، إنّما استحضارًا لنعم الله على الطائفة والمسيحية المشرقية ولبنان.

3- دور الدويهي الوطني

إن وطنية الدويهي تجلّت علمًا وتعليمًا، استنارة وإنارة. فكّر بخير طائفته العام وهو بعد صغير على مقعد الدراسة، فانكبّ على جمع الوثائق يُعدّها حجارة ركائز لبناء المستقبل يوم يصبح الحلم الكبير حقيقة. وفي الواقع، جاء الانجاز ساعة الحقيقة على قدر أحلام التلميذ الصغير، وما أوسع ما كانت تلك الأحلام في ما خصّ الطائفة والوطن! أدرك التلميذ أن وعي الشعوب لتاريخيّتها يخوّلها حق البقاء ويلزمها بمسؤولية الوفاء لجذورها. فعمل طيلة حياته ومن خلال كتاباته كلها على توعية شعبه وتنقية محتوى هذا الوعي من كل شائبة قد تكون علقت به. إنّها القيادة الفكرية التي تبني مصير الشعوب وتوجهها بدفع قويم من الماضي وثقة بالحاضر والغد.

أبت وطنية الدويهي عليه عندما أنهى دراسته أن يستطيب بقاءه في الغرب ووعودًا معسولة بأموال وشهرة وآفاق رحاب، وعاد إلى وطنه يعلم أولاد قريته في غمرة النسيان وغربة البعد عن الأضواء واعتزال العظمة إلى غنى الفقر، وسكنى القفر والقلق لا القصور وسكينة خدّاعة. أجل، آثر الدويهي على مغريات الغرب ومفاتنه مشقة الجهاد في وطنه لبنان. وما أراد علمًا ولا سموًّا لشخص بل لأعيان طائفته، لقومه وبلاده. كانت سعادته في إسعاد الآخرين.

ولم يكن عمل العالِم والكاتب دون حلم الصغير ولا دون إرادة خريج المعهد الروماني. ما إن عاد إلى وطنه حتى التزم الدويهي بخدمة طائفته كما سبق ورأينا. خدمها معلّمًا، كاهنًا، واعظًا غيورًا، وخدمها مؤلّفًا ليتورجيًا ومؤرخًا. تدل كل مؤلفاته على صدق في الوطنية. منها الليتورجية التي تبغي عودة إلى صفاء الينابيع ونقاء من شوائب وغالطات عارضة. ومنها التاريخية التي تتوخى إيقاظ الشعوب الانتماء إلى جماعة معينة محددة الجذور والمرامي عبر الزمن. وتلزم أصحاب هذا الوعي بالإخلاص لأصالتهم وبالحفاظ على مقومات شخصيتهم المميزة وعناصر حضارتهم الثابتة. ويستتبع الوعي لتميّز الذات وعيٌ لحق، لا بل واجب التعبير الحر عن هذه الذات. من هنا كان وجه الشبه بين عمل الدويهي والتوعية الوطنية. ومن هنا كان دوره الوطني الفاعل في زرع البذور اللبنانية ليس على صعيد طائفته فحسب، بل على صعيد باقي الطوائف التي تشكل أقليات في الشرق تناساها مجمل المؤرخين، كأنما لا وجود لها أو كأنّ المفروض تلاشيها. أما هو فله الفضل في ذكرها وتبيان دورها وتفاعلها مع طائفته كأنما يريد من وراء ذلك الايعاز أو التنبؤ بما قد يشكّل نواة المجتمع اللبناني التعددي الحر.

ولم يكتفِ الدويهي من الوطنية بالقول، بل قرن القول والشعور بالفعل. ولقد ألمحنا إلى المقام الذي احتلّه عند الدروز بفضيلته وشخصيته وإلى شجاعته في تحمّل إهانات الحكام الشيعة دون التفريط بحقوق طائفته. وما جوابه لعيسى حماده الذي جاءه معتذرًا عن إهانته إلا خير تعبير عن الشعور بحقوق الطائفة وواجب الرعاة في المحافظة على قدسيّة هذه الحقوق. قال للمعتذر تحت ضغط المشايخ الخوارنة ورجال كسروان: "إني أغفر لك جميع ما فعلته معي، وإني لمستعد وأشتهي أن أحتمل أكثر من ذلك حبًا بسيدي الذي لأجلي تألّم ومات. لكن شعبي لا يدعني أن أمكث في الجبّه". يا لاحتياجنا إلى قادة يميّزون بين حقوقهم الفرديّة وواجباتهم نحو الجماعة ولا يفرّطون بأي قدر من مسؤوليّتهم الجماعيّة أيًا كانت النتائج والتضحيات.

ولئن جاهد الدويهي بوجه حكّام طغاة مثل الحماديين حفاظًا على حقوق طائفته وكيانها، فهو لم ينعزل بقومه عن محيطهم الشرقي. يظهر لنا كتابة تاريخ الأزمنة قناعته بوجوب التزام طائفته جورًا فاعلاً في تاريخ الشرق وبوجوب تفاعلها التعددي مع باقي الأقليات في لبنان بشكل يحفظ ليس تميّزها فحسب، بل تميّز الكيان اللبناني في واقع تركيبته العددي ضمن الواقع الشرقي الكلي. والانفتاح على الآخرين في لبنان والشرق لم يعنِ قط انغلاقًا عن الحضارة العالمية. صحيح أن الدويهي حاول جهده إيقاظ وعي الموارنة والعالم لشخصيتهم الخاصة والفريدة والمميزة، إلا أنّ أحد مقوّمات هذه الشخصية وهذا التميّز هو الانفتاح الحضاري على الغرب والشرق معًا: إناء الاثنين معًا والاغتناء بكليهما دونما تعقد أو تحجر. صحيح أيضًا أن الدويهي حاول تنظيم شؤون طائفته وتحديثها متأثرًا بتنظيمات المجمع التريدنتيني في أوروبا، لكنّه لم يتوانَ قط عن إبراز خاصيّة طائفته: إنها في الغرب جسر من الشرق أصيل وفي الشرق باب على الغرب مضيء. لا يبرح في كتابه ردّ التهم يبيّن واقع طائفته الشرقي الكاثوليكي وفي كتابه "منارة الأقداس" يظهر في كل سطر واقع طائفته الليتورجي إزاء باقي الطوائف الشرقية والغربية. كما لم يدّخر جهدًا في نضاله بوجه رهبان القدس اللاتين لإبراز حقوق طائفته. ولئن نظرنا ليس فقط إلى كتاباته بل إلى شخصيته وإلى مختلف الجوانب في حياته لوجدنا فيه مختصرًا لمعاناة الطائفة المارونية، لمقومات شخصيتها القاعدية جذورًا وفروعًا، لتطلّعاتها وتجربتها الروحيّة والوطنيّة والحضارية. إنّه رجل من أمّة وأمّة في رجل. حبذا لو تُنبت هذه الأمّة الكثير مثله اليوم. في مثاليته الروحية والوطنيّة والعلميّة الحضارية مثال يحتذى به إلى أن القمم تُطال ولا محال يُثني أصحاب الإرادات والقناعات عن بلوغها.