عصر الدويهي الكبير

المرجع: كتيّب عنوانه: عصر الدويهي الكبير، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافيّة، 1990.
 

مناجاة... البطريرك الدويهي الإهدني

أنت معي الآن في وسط إهدن – إهدن التاريخ والروح – تقف أمام تمثال الدويهي، وتنظر إليه. تعال نحدّد أنا وإياك، من هناك، من قلب المركز، جغرافيًا الإنسان في لبنان، معالم الأرض والروح، خطوط العرض والطول، من موطئ القدم إلى السمت الأعلى. تعال نستكشف أنا وإياك، من هناك، أسرار الجهات الأربع، المنقلبات الأخرى للبصر، والمنحدرات التالية للآفاق، باتجاه الأعماق. إذا كنت معي، هكذا في وسط إهدن – إهدن التاريخ والروح – تقف أمام تمثال الدويهي وتنظر إليه، بالروح، فاخلع إذًا نعليك من رجليك، فإنّ الأرض التي تطأها مقدّسة هي، قبل عليقة موسى بآلاف السنين وقبل جبل حوريب في سيناء، بعشرات القرون. إذا كنت معي في وسط إهدن – إهدن التاريخ والروح – وبعد أن تكون قد خلعت نعليك من رجليك، فلا تسر على أقدامك من جديد، فللضواري وللكواسر أقدام، للضباع وللحيوانات البكم أقدام... أنت في إهدن الروح، إهدن الأمل والألم والقلم إذا أنت تمشي على فلذات الذات، على ألواح من أرواح، أنت في قلب القلب، في حرم الحياة، أنت في قلب النواة. هنا لا قبل إلا للفكر، أنت في البدايات البكر... هنا لا حدود للإنسان: أنت في إهدن – في قدس أقداس لبنان...

الآن حدّق معي مليًا بعين الروح، حدّق بالدويهي الكبير. ماذا ترى؟

خلفه الصنوبر وجبل السن و"باب الهوا" مقر الصنم القديم، البعل والبعول، ثم امتداد الجبل الأبيض حتى أوغاريت ورأس شمرا وإنطاكية ومصب العاصي وجبل اللكام ومنطلقات الريح والروح الشمالية...

أمامه، أنت، والبقية الباقية من إهدن التي تمتدّ حتى وادي قزحيا وقاديشا وقنوبين – قدس أقداس الموارنة – وبقية لبنان، حتى المسيح...

عن يمينه، الميدان وباب البويب وسيدة الحصن، وزغرتا والمتوسط الأزرق باتجاه امبراطوريات الطموح اللبناني، الذي لا نهايات له...

عن يساره، جبل مار سركيس ونبعه، بقوفا ودير الصليب ضهر القضيب وفم الميزاب والمكمل مقر الإله الأوّل: إيل...، ثم بعلبك والبقاع والسلسلة الشرقية حتّى منابع النور...

تحته، هيكل إهدن القديم، المكرّس لإله الشمس بعل لبنان، والممتد من مار بطرس إلى مار يوحنا إلى مار غالب إلى مار ماما إلى مار إسطفان... وتحته أيضًا ستة آلاف ونيف من تراب التراث اللبناني المقدّس الخالد...، والضارب بالعراقة والأصالة، حتى حرارة نيران قلب الأرض الأم...

فوقه؟ انتبه هنا: لا شيء فوق الإهدني!... اللهم سوى السماء الزرقاء التي ضفرت كإكليل دهري فوق رأسه، ثم الله خالقه...

هل تدري الآن بالروح أين أنت؟ هل تدرك بالروح لا بالعقل فقط، أمام من تقف؟ وإلى من تنظر؟ وبمن تحدّق؟ هذا هو الدويهي الكبير، ابن إهدن، كما المسيح ابن الانسان... فالدويهي هذا، هو في الحقيقة، الإنسان الإهدني النموذج والمثال!

عملاق بهذا الحجم الأسطوري – وإهدن هي مشتل العمالقة – حري بنا وبكم وبالجميع، قبل أن نتحدّث عن حياته وشخصه، عن أعماله ومؤلّفاته ومآثره، عن إشعاع قداسته، حري بنا أوّلاً أن نتعرّف عن كثب، ونحن في صدد الإعداد لتطويبه فتقديسه، أن نتعرّف إلى بيئته وعصره. من هنا جاء هذا الحديث الممهّد، والذي عنوانه عصر الدويهي الكبير...


بهذه المناجاة استهلّ الأب الدكتور يوسف يمين محاضرته بدعوة من لجنة البطريرك. وكان عنوانها "عصر الدويهي الكبير".

"صفحة الثقافة" تنشر ما سلّطه على الدويهي الأب يوسف يمين كاملاً، وفي حلقات، بخاصّة وأنّ هذه المحاضرة تأتي إثر موافقة مجمع الأساقفة الموارنة الذي انعقد في بكركي على تقديم دعوى تطويب البطريرك إسطفان الدويهي أمام حاضرة الفاتيكان، من ضمن سلسلة محاضرات تتناول آثار الدويهي العلمية والتاريخية وأعماله الدينية والرعوية والاجتماعية يشترك فيها نخبة من المفكّرين.

عصر الدويهي

كان فخر الدين مؤسّس لبنان الحديث، هذا اللبنان الذي وعاه عن حق استمرارًا طبيعيًا للبنان التاريخي، لبنان الستة آلاف سنة ونيّف. وبين 12 كانون الأوّل 1624، و11 أيلول 1625 كان يدين للأمير اللبناني الكبير سوريا بكاملها من حدود حلب إلى الاسكندرونة شمالاً ومن نهر الفرات شرقًا إلى المتوسط غربًا، وكذلك صفد والجليل والمناطق الجبلية في شمالي فلسطين ودمشق وكل حوران والجولان... وخلال هذه الفترة رتّب الضرائب وبنى القلاع والحصون (بفضل العلاّمة جرجس عميرة الإهدني) وأخضع المترّدين ووطّد الأمن والنظام ومنع الشغب وحدّد أسعار القمح والحاجيات الغذائية وبنى وعمّر وشجّع الانفتاح والثقافة والعلوم وأطلق حركة إنمائية عمرانية شاملة.

ولكن ما إن قضى الأتراك على فخر الدين (1635)، حتى بدأوا يمعنون في تمزيق جسم الوطن اللبناني وتقطيع أوصال كيانه. وقد ركّزوا على المناطق المارونية الركيزة الأولى لاستقلال لبنان. فعمدوا إلى إلحاق البقاع بالشام، وتقسيمه بين آل حرفوش في الشمال وآل الصغير وفريخ وغيرهم في الجنوب. وكذلك فصلوا صيدا ومنطقتها عن الجسم اللبناني وجعلوها ولاية مستقلة على رأسها باشا، بعد أن كانوا سلخوا طرابلس عن الوطن اللبناني وكوّنوا منها ولاية مستقلة أيضًا تتبعها عكار. أمّا المنطقة المارونية قلب الإمارة اللبنانية فقد مزّقوها تمزيقًا إذ فصلوا بين كسروان من جهة وبلاد جبيل والبترون من جهة ثانية، فألحقوا كسروان بالشوف التابع لولاية صيدا، وأتبعوا جبيل والبترون والجبة بطرابلس. وهكذا طوّقوا الجبل بولايات فصلوها عنه وهي من صميمه كطرابلس وصيدا اللتين جعلوهما خاضعتين للباب العالي مباشرة الذي كان يولي على كل منهما حاكمًا تركيًا برتبة باشا أو وزير خاضع مباشرة للباب العالي. وقطعوا البقية الباقية من لبنان إلى أجزاء يخضع بعضها لولاية صيدا وبعضها لولاية طرابلس وبعضها الآخر لولاية الشام. وإمعانًا في التنكيل والهدم والتمزيق اتّبعوا خطّة التلاعب بهذه الأجزاء فكانوا أحيانًا يلحقون ما هو تابع لولاية طرابلس بولاية صيدا أو دمشق، وما هو تابع لصيدا بطرابلس أو دمشق، وما هو تابع لدمشق بصيدا أو طرابلس وذلك بدون قاعدة وتبعًا للأهواء والمزاج والانتقام، بغية ضعضعة كل أثر للوحدة اللبنانية وطمس معالمها...

وضمن الولاية الواحدة (وطرابلس بنوع خاص...) كانوا لا يستقرون على نظام ثابت أو قانون في تعيين الولاية والحكام. فما إن يقيموا حاكمًا على طرابلس مثلاً حتى يعزلوه أو ينقلوه بعد قليل من الزمن ممّا يؤدّي إلى خلخلة مستمرّة في الأنظمة والأحكام وإلى تهديم للاستقرار والعمران، والإمعان في ابتزاز أموال الشعب وإقلاقه وظلمه. فضلاً عمّا كان يرافق هذا التقلب من الفتن والثورات والتمرد والاضطراب والإخلال بالأمن والخراب والبؤس...

وحاول الأتراك خنق الإرادة الوطنية وقتلها وسحقها والقضاء على تلاحمها وتماسكها بإثارة الفتن والمبالغة في البطش والتعسف وسائر فنون الإرهاب والإرهاق. أضف إلى كل هذا الجشع الذي لا يشبع من مال الشعب ولا يقف عند حد في استنباط طرق الابتزاز والاستبداد في جمع الأموال وفرض الضرائب الباهظة وتكالب الحكّام على السرقة والنهب والجور وامتصاص دماء الشعب... مع كل هذا ظلّت الإرادة الوطنية اللبنانية حية، وظلّت شعلة الحرية لامعة ومنارة الحضارة ساطعة فوق ربى لبنان بفضل صمود أبنائه وخاصة الموارنة منهم ودوام اتصالهم بمنابع الحضارة في الغرب ومثابرتهم على رسالتهم الإنسانية الحضارية الروحية. استطاعت القوة التركية الغريبة والغاشمة أن تفتت وحدة الأرض اللبنانية ولكنها لم تستطع تفتيت الإرادة اللبنانية. تمكّنت من تعذيب الجسد ولكنّها عجزت عن قهر الروح اللبنانية التي ظلّت منتصبة كجبال لبنان العالية والشامخة فوق العواصف والغيوم...

الضيق والغلاء والظلم

إنّ الحقبة الممتدّة من سقوط فخر الدين إلى ظهور الأمير بشير هي بدون شك، أظلم حقبة في تاريخ لبنان على ممر العصور من الناحية السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية والعزة الوطنية والاستقلال. فيها أحكم العثمانيون قبضتهم على البلاد وأمعنوا في تحطيم استقلالها الذي بناه المردة وجدّده فخر الدين. وفضلاً عن التمزيق المريع الذي أصاب الوطن، فهنالك العاهات والأمراض الفتاكة التي نهشت جسم هذا الوطن من سوء الإدارة إلى التناحر بين الحكام والتصارع على السلطة بين أبناء البيت الواحد إلى الرشوة والابتزاز والتكالب على المال. وبلغ الضيق والتضييق والغلاء والظلم والاضطهاد وانتهاك حرية الإنسان وكرامته مبلغًا قلّما بلغت إليه تواريخ الأمم والشعوب...

وإليكم صورة لهذا الظلم رسمها البطريرك الدويهي نفسه بواقعية وصدق في رسالة وجّهها إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر في 20 آذار سنة 1700: (قبل أربع سنوات من وفاته...)!

"... إنّي أنا وطايفتنا المارونية الكائنين بالجبة في جبل لبنان من مدّة دهور عديدة وأعوام مديدة تحت عبودية الأغراب وجورهم الذي في عصرنا هذا بلغ بلوغًا لا حدّ له ولا منتهى حتّى أنّهم صاروا يستوفون المال ظلمًا من الكهنة والرهبان من الرجال والنسوان واليتامى والأرامل ومن الأولاد الصغار الذين لم يدركوا السن وغيرهم، وذلك من بعد أصناف مختلفة من العذابات... وبعد حبس الرجال والنسوان والأولاد كانوا يعلّقون النسوان على الشجر في صدورهن كما رأينا بأعيننا وحريق قلوبنا شيئًا لا صار له مثيل ولا انسمع إلى يومنا هذا. وان جميع الأماكن والقرى في البلد المذكور خربت بالكلية وسكّانه تشتتوا وتبدّدوا في بلدان بعيدة وأمم كفرة وغريبة عادمين كل رئاسة وسياسة روحانية. وما كفاهم ظلم الشعب فقط بل مدّوا أيديهم إلى شخصنا ومطاريننا وبهدلونا بسواة الرعية. وهلقدر عاملونا حتى مرارًا كثيرة التزمنا نلبس طراز العامية ونهرب من أمامهم ونسكتن في الأودية والمغاور وفي الشقفان والجبال تحت جور الأزمنة والأيام بالرغم من تقدّمنا بالسن لكيما نخلص من أيديهم الظالمة... (الخوري بطرس غالب، صديقة ومحامية، بيروت، 1924، 276).

والذي ترجم رسالة البطريرك هذه إلى الملك دون على هامش الترجمة أنّ الضريبة الرسمية المفروضة على منطقة الجبة تبلغ ستة آلاف قرش. أمّا والي طرابلس، وكان وقتئذ إرسلان المطرجي فطلب أربعة عشر ألف قرش! (المرجع نفسه ص: 211).

كان الأمير فخر الدين قد جعل مال الجبة أي مجموعة الضرائب الشرعية المترتبة عليها أربعة آلاف قرش فقط (نقلاً عن وثيقة بيد البطريرك الدويهي، الخوري بولس قرألي، المجلة البطريركية، السنة 12 (1949) ص 87). ولكن بعد سقوط فخر الدين أخذ ولاة طرابلس العثمانيون يبالغون في التعسف والظلم، فمصطفى النشنجى مثلاً والي طرابلس في 1635 كان يرسل جنوده لتحصيل الضرائب فيأخذون نصف الغلال والمحاصيل كضريبة ويبقون النصف فقط لأصحاب الملك (المرجع السابق نفسه ص 88)...


ولاة طرابلس أيام البطريرك الدويهي


وأهم الأحداث التي جرت على أيامهم

في عام 1964، وكان الدويهي ابن أربع سنوات، تولّى قاسم سيفا التركماني ايالة طرابلس، ثمّ ما لبث أن تظاهر بالجنون وهرب. أقيم ابن أخته علي واليًا على المدينة فدبّرها شهرين فقط ثمّ أزاحه عنها خاله عساف سيفا. التجأ علي سيفا إلى علي علم الدين التنوخي من أمراء الغرب وانضمّ إليهم بعض الأعوان من المستراحية الشيعة وآل الصواف الدروز كما ناصر عساف سيفا بيت حماده الشيعيين نشبت المعركة الحاسمة عند نهر رشعين، قرب زغرتا، وانتهت بانتصار علي سيفا على خاله عساف سيفا، نزل علي برؤوس القتلى إلى طرابلس وحكمها مع بلاد جبيل والبترون (كما يقول الدويهي نفسه في تاريخ الأزمنة، صفحة 331). حصل كل هذا في سنة واحدة فقط. فيمكننا أن نتصوّر هكذا مدى الفوضى والفساد والخراب الناجم عن ذلك.

وفي عام 1635 عيّن الباب العالي مصطفى النيشنجي التركي واليًا على طرابلس. وعندما توجّه هذا إلى الحج فوّض حكم طرابلس إلى عساف سيفا المذكور أعلاه. غضب علي سيفا لهذا التفويض فصبّ جام غضبه على بلاد الكورة ونهب أميون ونكّل بسكّانها. فشهر عليه خاله عساف الحرب وكسره واستقرّ في الحكم. ثمّ صالح بدوي اعرابي اسمه طربوش الغال عساف مع ابن أخته علي.

في 1636 انتصر شاه العجم على كجك باشا قائد الجيوش التركية ووقع هذا الأخير أسيرًا وقتل من عسكره خمسون ألفًَا. وطلبت الدولة العثمانية ذخيرة من طرابلس فأغلقت المدينة وبطل فيها البيع والشراء لشدة الجور والقحط ثمّ انتدب مصطفى باشا الوالي الأصيل مرادًا آغا متسلمًا على ايالة طرابلس أي قائمقامًا للإدارة وجباية الأموال. نادى هذا بالأمان وسلّم الحكم في عكار لعساف سيفا المذكور. وجاء برجال أحمد باشا ليتسلّم طرابلس من قبل الدولة العثمانية فرفض مصطفى باشا أن يسلّمه المدينة فنشبت معركة بين الاثنين انتصر فيها برجال على مصطفى ودخل برجال طرابلس مع آل سيفا أعوانه.

في 1637 تكوّنت جبهة مناوئة لرجال المتسلّم مؤلّفة من عساف سيفا وملحم معن أمير الشوف وعساف الحياري البدوي وناصر برجال علي سيفا وعلي علم الدين من الشوف. تغلّب عساف سيفا وأعوانه على برجال ومناصريه وعزل برجال وعيّن شاهين باشا واليًا على طرابلس من قبل الباب العالي. وفور وصوله اعتقل شاهين باشا عساف سيفا وشنقه على بوّابة طرابلس وقتل رجاله واستخدم الوالي الجديد اسماعيل الكردي من رأس نحاش وعلي حماده ودفعهم إلى محاربة بيت سيفا وأنصارهم. هرب بيت سيفا وانقرضوا إلى غير رجعة من ايالة طرابلس التي ما انقطعوا عن إقلاقها طوال خمسين سنة.

في 1638 عزل شاهين وعيّن درويش واليًا على طرابلس. وعلى أيّامه فصلت جبيل والبترون والجبة عن طرابلس وألحقت بولاية الشام.

في 1639 عزل درويش وعيّن محمد الارناؤوط واليًا على طرابلس. وما أدراك ما الارناؤوط؟ إليكم مثلاً عن أعماله: يقول الدويهي نفسه في تاريخ الأزمنة (ص 341):

"... وفي سنة 1642 (وكان قد مضى على وجود إسطفان في رومة سنة واحدة)، عمر الارناؤوط القصر على نهر رشعين ورمى (أي فرض) شاشًا وبوابيج على الرعايا (الشاشات عبارة عن نسيج خفيف غالي الثمن تصنع منه عمائم وزنانير) (والبوابيج جمع بابوج وهو الحذاء الخفيف أو البانتوفل). وكانوا يتكلّفون على حق الشاش أربعين قرشًا. وكانت سنة مريعة على الناس من زود المال ومن السخرة في العمارة ومن البلص (أي الضرائب غير الشرعية التي كان يبتكرها الظلم التركي) ومن محل (فشل الموسم) القز حتى كثيرون تركوا الخصاص (خيام معدة لتربية دود الحرير) وانهزموا...".

هذا يعني أنّ محمد الارناؤوط ولابتزاز المال من الشعب، ألزم الناس بشراء شاشات وبوابيج، الشاش بأربعين قرشًا والبابوج بعشرين. ولم يكتف بذلك بل سخر الناس أي شغلهم بدون أجرة في بناء قصره عند نهر رشعين وتفنن في البلص. وإذا أردتم أن تكونوا فكرة عن هذا الظلم فيجب أن تعلموا كم كانت قيمة القرش في تلك الأيام. فثلثا القرش كانا كافيين لشراء شنبل أي خمسين رطلاً أي نصف قنطار من الحنطة كما يتّضح من كلام الدويهي نفسه (تاريخ الأزمنة، ص 337). أمّا الشاشة أي الخرقة التي كان يبيعها الارناؤوط للناس مكرهين ليصنعوا منها حذاء فكان سعرها أربعين قرشًا والبابوج عشرين!..

في 1644 عزل محمد الارناؤوط عن ايالة طرابلس وخلفه حسن باشا.

في 1646 عاد الارناؤوط واليًا على طرابلس من جديد...

في 1647 عزل الارناؤوط وخلفه محمد الصوفي، ثمّ عزل الصوفي وأعيد الارناؤوط في نفس السنة...

في 1649 عزل الارناؤوط مجددًا وتولّى صهره عمر.

في 1651 عزل عمر وتولّى حسن باشا للمرة الثانية.

في 1652 عاد الارناؤوط واليًا على طرابلس للمرة الرابعة.

في 1653 عزل الارناؤوط إلى غير رجعة، وعيّن مكانه قرا حسن.

في 1654 عزل قرا حسن وتولّى محمد الكبري.

(في هذه السنة بالذات أنهى الدويهي دروسه في مدرسة رومه) (وعاد في السنة التالية إلى لبنان).

في 1656 نقل الكبري وخلفه محمد الطباخ.

في 1659 عزل الطباخ وولي قبلان باشا.

بين 1659 و 1673 عزل قبلان باشا وتغيّر على طرابلس جملة ولاة متعاقبون لفترات قصيرة كان آخرهم محمد باشا الذي عزل في 1673 وخلفه حسن باشا (وفي هذه السنة كان قد مضى على انتخاب الدويهي بطريركًا ثلاث سنوات). وبعد حسن باشا تعاقب على ولاية طرابلس تسع ولاة خلال ما تبقّى من بطريركية الدويهي. وها هي أسماؤهم.

في 1677 عيّن محمد باشا واليًا على طرابلس.

في 1680 نقل محمّد إلى صيدا وخلفه محمد آخر واليًا على طرابلس.

في 1686 عيّن علي باشا النكدي واليًا على طرابلس. وخلال ولايته التي دامت سنة واحدة حصلت خلافات دموية بينه وبين آل حماده في الجبة. وقد أمات على الخازوق 12 رجلاً من بني حماده...

في 1687 عيّن حسن باشا مجددًا واليًا على طرابلس.

في 1691 عيّن محمد باشا مجددًا واليًا على طرابلس.

في 1692 تولّى طرابلس علي اللقيس.

في 1693 خلفه ارسلان المطرجي.

في 1694 خلفه قبلان باشا.

وفي 1698 عيّن ارسلان المطرجي للمرة الثانية واليًا على طرابلس. وعلى أيام هذا الوالي توفي البطريرك الدويهي (1704).

ومجرد إلقاء نظرة على هذا البيان يريكم مبلغ الفوضى والبلبلة في العهد التركي – وخاصة في ولاية طرابلس- إذ كان يعزل أو ينقل أو يتبدّل الوالي أحيانًا مرات عدة في خلال السنة الواحدة، إمّا عن طريق الفتن والانقلاب بالعنف والقوة العسكرية وإمّا بإرادة الباب العالي... وغني عن القول أنّ سكان هذه الولاية والمنطقة المحيطة كانوا يتأثرون بهذه الفوضى، وذلك من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية...

الوضع الإداري والوظائفي في ولاية طرابلس أيام الدويهي.

البيان المفصّل

إليكم بيانًا مفصلاً في الوضع الإداري والوظائفي في ولاية طرابلس يحدّد المراتب والوظائف فيها مع الرواتب وأصحاب المهن وغير ذلك. نورده هنا لإلقاء الضوء على جشع وفساد الدولة العثمانية، وزيادة في توضيح ما كانت عليه الإدارة في ولاية طرابلس في القرن السابع عشر، أيام البطريرك الدويهي...

1- هناك أوّلاً الباشا أو نائب السلطان يتقاضى من الولاية حوالى 12 ألف تركي راتبًا مقطوعًا. وله 8 بارات (القرش 20 بارة) على كل رأس غنم يمرّ في الولاية سنويًا. له الأموال المبتزة من السكان بالجزاء النقدي والبلص والقشلق وسائر أنواع الضرائب غير القانونية... وله أيضًا الغنائم من الحرب...

2- هناك ثانيًا المتسلم أو المحصل يتقاضى المال الأميري لحساب الباشا أو الوالي وله عشرة بالمائة من الأموال المجموعة. لذلك كان يستعمل الإرهاب والقوة تارة والوعيد والحيلة طورًا وغير ذلك من الوسائل الظالمة لتحصيل أكبر مبلغ ممكن من المال ليزيد ربحه، بدون الأخذ بعين الاعتبار الضريبة المرتبة شرعًا وقانونًا. المهم ابتزاز ما يمكن من المال بالطرق المشروعة أو غير المشروعة تحت ستار الدولة...

3- هناك ثالثًا الكيخيا أو الكاخية وهو المدير أو الوزير المعاون للباشا. له عشرة بالمائة من المال الداخل للباشا، ويتقاضى المال أيضًا من المتقاضين في الدعاوى أو الملتجئين إلى ديوان الباشا لقضاء الأشغال والمصالح... ويرسله الباشا في المهمات الكبيرة...

4- هناك رابعًا الخازندار وله ثلاثة بالمائة من مدخول الباشا...

5- وهناك خامسًا كاتب الخازندار وله ثلاثة بالمائة من مدخول الخزينة... وهو سكرتير الخازندار ومفتش حساباته.

وفي خدمة الباشا هناك عدد يتراوح بين المائة والمائتين من الخدم والحشم... حسب ثروة الباشا وإمكانيات الايالة ويسمّون ايش اغاسي. يختار الباشا منهم المستشارين والحرس والضباط والموظّفين. ولكل من هؤلاء الضباط والموظفين والحرس اسم خاص وراتب معيّن بالإضافة إلى ما يتقاضاه من الناس في مناسبات عديدة أو بخشيش أو مداخيل برانية حسب مقدرته وشطارته في الابتزاز من الناس وأصحاب المصالح والضيوف والزوار وأصحاب المهن والتجار والفلاحين والعمال والخدم وغيرهم وفيما سوى هؤلاء هنالك عشرة موظّفين خاصّين تحت أمرتهم عشرات من الموظّفين الثانويين والجنود والعمّال...

كل هذه الفئات من الموظّفين لا علاقة لوظائفهم بالمصلحة العامة على الإطلاق ولا يعملون أي شيء يذكر لخير المجتمع وخدمة الناس. كل أعمالهم ووظائفهم ورتبهم محصورة بخدمة الباشا الشخصية وراحته وأبهته وملاذه. ويتّضح هذا من استعراض كل من الوظائف الرئيسية والثانوية التالية:

- الخازندار يقوم بأود الجنود وهو مدير السجون ورئيس الايش اغاسي المذكورين أعلاه ويتعهّد مطبخ الباشا.

- سكرتير الخازندار وهو الكاتب ومفتش الحسابات وله معاونون.

- اونكشار اغاسي وكيل المجوهرات والمذهبات والفضيات والجبخانة. له واحد بالمائة من مدخول الخازندار، وله مداخيل برانية من مبيع المجوهرات...

- رهوان اغاسي، وهو وكيل سرج الخيل وعدّتها الذهبية والفضية.

- السلحدار آغا يحمل السيف واقفًا إلى الجانب الأيسر للباشا أو وراءه.

- الجوخدار وهو حارس ثياب الباشا...

- المرهدار حامل الختم يوقّعه على البيلوردي الصادر من الباشا.

- الدوتدار يحمل رسائل الباشا ويوصلها إلى أصحابها.

- البيرقدار يحمل علم الباشا الخاص.

- الباشجاويش يرئس ثمانية جنود يسيرون أمام الباشا لابسين ثيابًا خاصة جميلة مرصّعة.

- القهوجي يقدّم القهوة للضيوف والزوار.

- البشكير باشي أو المسؤول عن سفرة الباشا ومائدة طعامه.

- البخوردنجي أو حامل المنقل يشعل البخور أمام الباشا.

- القفطان اغاسي يضع الوشاح على كتفي الباشا ويتعهّد حفظ ثياب الباشا كالصوف والحرير...

- السفرجي بابشي يهتمّ بحفظ أواني سفرة الباشا ويتعهّد حفظ ثياب الباشا كالصوف والحرير...

- السفرجي بابشي يهتمّ بحفظ أواني سفرة الباشا ويتعهّد الخبز لمائدة الباشا وموظّفي السرايا.

- المحاسب يمسك دفاتر حسابات الداخل والخارج في دار الباشا.

- الحراماجي يشرف على حمام الباشا ولوازمه.

- المعجون اغاسي يقدّم المرطّبات والمشروبات.

- الكتبجي يحفظ المكتبة والأوراق والمخطوطات.

- التتنجي باشي يهتمّ بكل ما له علاقة بالتتن والدخان.

- الشماشرجي أو حارس الثياب والبياض للباشا وتحت يده جماعة من الغسالين والخياطين.

- البربرجي باشي أو رئيس الحلاقين في بلاط الباشا.

- المحرمجي باشي أو الموكل على المناشف في بلاط الباشا.

- الابريقدار آغا يحمل الإبريق للباشا.

- الايش مختار باشي مكلف العناية العامة ببلاط الباشا وأبنيته أي ما يتعلّق بتجهيزها وترتيبها وتنظيفها.

- الشمعدان باشي يضيء المصابيح ويطفئها في بلاط الباشا.

- الكلارجي باشي يعنى بالخضار والفواكه في البلاط.

وكل من هؤلاء الموظّفين تحت أمره عدد من الأزلام لا يقل عن ثلاثة. وللكاخية رجاله وخدامه كالباشا ولكن على نطاق أصغر.

- وهناك أيضًا ديوان أفندي يقرأ أوامر الباب العالي، ويكتب أوامره ورسائل الباشا.

- القبجلار خط أوضه سي يقف حارسًا في الغرفة الثانية المؤدّية إلى غرفة الباشا.

- الأمير اخور يعنى بخيل الباشا وتحت أمره السايس باشي ومعاونوه.

- العربند باشي يعنى ببغال الباشا.

- سروان باشي يعنى بجماله.

- السلام اغاسي ينادي بالسلام للباشا عند مروره بين الجمهور.

- الحرم كيخياسي وتحت أمره الطواشية أو الخصيان السود والعبيد والجواري.

- السلاخور اغاسي يسير أمام الباشا وحوله خمسة رجال يحمل كل واحد منهم غصنًا من الكرز.

- المصرف كاتبي يحمل صندوق المال خارج البلاط.

- المظهر باشي أو رئيس جوقة الموسيقى وتحت أمره عدّة رجال يعزفون على مختلف الآلات الموسيقية كالطنبور والطبل والمزمار والنقارات وآلات الأوتار والبوق وغيرها... ويعتمرون القبعات المزيّنة بريش النعام ويرتدون الثياب الفاخرة من المخمل المرصّع بالذهب والفضة ويمسكون العكازات المجملة برؤوس الفضة والملبسة بالمخمل المرصّع بالذهب والفضة ويمسكون العكازات المجملة برؤوس الفضة والملبسة بالمخمل الأرجواني ولهذه الجوقة أتباع من التلامذة المتدرّجين. وبيرق الباشا رمح كبير تعلّق في رأسه ثلاثة أذناب خيل بيضاء.

وهناك الدالاتية وهم الجنود ركاب الخيل، يرأسهم الدليباش ويعاونه: الباش دالي، الباشلو اغاسي والزنجير باشاويش، الميدان استاذ، البلوك باشي والتفكنجي باشي. وهناك آلاف تفكنجي باشي يساعد الباشا على امتطاء جواده، والجولا جقوداري أو رئيس حراس الليل يسير إلى جانب الباشا. التاتار اغاسي أو صاحب البريد. الباشجو قدار وتحت أمره عدّة رجال لمرافقة الباشا عند خروجه من البلد. والمطرجي باشي يحمل قربة الماء. التخشي باشي يحمل أذناب الخيل، والاربه أميني الموكل على الشعير للخيل... وهنالك الانكشارية وهي فرقة خاصة من الجنود ذوي التصرف الفظ والعنيف تستخدم في المهمات الصعبة، وقائدهم يسمّى السردار. وهناك أخيرًا عشرات الجواري والسراري والحريم من كل نوع...

كل هذه الحشود من الموظّفين وغيرهم الذين كان يعجّ بهم بلاط أو الوالي لم يكن لأي منهم أي فائدة للخير العام أو الخدمة العامة. كلّهم كانوا لخدمة الباشا وراحته الشخصية وملاذه. ولا علاقة لهم بالعموم إلاّ من حيث تحصيل الضرائب القانونية وغير القانونية... ويكونون في عوز عند دخولهم الخدمة فيخرجون منها أغنياء...

وكان الباشا والموظفون الكبار يشترون عادة وظائفهم بالمال ثم يستعيضون عن نفقاتهم بأموال الأهالي. وفوق نفقاتهم كانوا يبتزون أموال الشعب لإحراز الثروات الضخمة.

والباشا صورة مصغّرة لمن فوقه من أرباب الدولة حتى السلطان رأس الهرم. وهو أيضًا نموذج لمن دونه من الحكام والموظفين. وهكذا أصبحت الدولة العثمانية نوعًا من التنين الضخم ينهش الشعب ويمتصّ دماءه باستمرار بدون تأدية أي فائدة له. فلا عجب إذا عمّ البؤس والجوع وبلغ بالناس أحيانًا حد اليأس والنقمة الكبرى...


أوضاع منطقة الجبة في عصر


البطريرك الدويهي


نصوص وتواريخ وحكام ولاة

حكم منطقة الجبة المقدمون الموارنة منذ عام 1380 حتى 1622. انتهى إذًا عهد المقدمين قبل أن يولد الدويهي بثماني سنوات. وفي عام 1622 ولّى فخر الدين المعني الكبير (1590-1635) أبا نادر الخازن على الجبة وأشرك معه الشيخ أبا صافي الخازن وجعل مقدمي البلاد تحت أمرهما. وهكذا تتابع في حكم منطقة الجبة، منذ 1622 حتى 1690، الآتية أسماؤهم:

الشيخ أبو نادر الخازن بالاشتراك مع الشيخ أبي صافي الخازن، وأبو كرم يعقوب الحدثي، وأبو جبرايل الإهدني، والشدياق حنا أبو ديب الإهدني، زين الدين الصواف اليمنى بالاشتراك مع أبي عدن ابن الفمة، وأبو صعب البشعلاني، وأبو شاهين ابن العجال من بشناتا، وأبو نوفل الخازن، وأحمد محمد قانصوه حماده، ومراد أبي اللمع، وفارس بن مراد أبي اللمع، وأحمد محمد حماده، وفياض الخازن، وأحمد حماده، وأبو كرم بشارة الإهدني، وحسن حماده، وموسى أحمد حماده.

ومنذ عام 1690 (على أيام بطريركية الدويهي) حتى 1759 حكم الجبة بنو حماده الشيعيون بشكل متواصل تقريبًا. وفي سنة 1759 ثار عليهم مشايخ إهدن ومطرانها يواكيم يمين، ومشايخ الجبة، وأعادوا حكم الجبة إلى أبنائها، بشكل نهائي.

بعد موت فخر الدين (1635) وكان الدويهي ابن خمس سنوات، عادت السلطة على الجبة إلى والي طرابلس. ففي هذه السنة عيّن الباب العالي مصطفى النيشنجي التركي واليًا على طرابلس. وبعد تسلّمه الولاية فوّض النيشنجي حكم الجبة إلى الشيخ أبي كرم يعقوب ابن الريس الياس الحدثي، والشيخ أبي جبرايل يوسف الإهدني وبزوال سلطة المعنيين عن الجبة وعودة سلطة ولاة طرابلس زال عهد الأمان والسلام والراحة والازدهار وعاد عهد الفتن والاضطرابات والقلاقل مع ما تجرّه من الجور والخراب.

ففي 1636 نشبت معركة بين آل سيفا حكّام طرابلس السابقين ومصطفى النيشنجي الذي عيّنته الدولة العثمانية واليًا. وكان من فصول هذه المعركة أن نهب منصور سيفا دير قزحيا وعذب المطارين والرهبان وأخذ نحو خمسة آلاف قرش...

في 1638 فصلت الجبة عن ولاية طرابلس وضمّت مع منطقة جبيل والبترون إلى ولاية الشام. كان الدويهي آنذاك ابن ثماني سنوات يتابع دراسته الابتدائية في إهدن تحت جوزات مار بطرس في حي آل الدويهي شمالي البلدة.

في 1639 عيّن محمد الارناؤوط واليًا على طرابلس فقدّم بعض حكام المقاطعات للسلام عليه. وبعضهم لم يحضر فانتقم الوالي من الذين لم يمثلوا لديه. وبعضهم لم يحضر فانتقم الوالي من الذين لم يمثلوا لديه. من هؤلاء أبو كرم الحدثي شيخ الجبة. وجد الوالي في البحث عن أبي كرم ليقبض عليه. فكان يرسل الجنود لمداهمة الأديار والقرى والبيوت للتفتيش عنه. وحصل من جراء ذلك ضيق عظيم للأديار والكنائس والقرى التي كانت تتعرّض للتنكيل والتعذيب لحملها على الإقرار بمكان وجود الشيخ أبي كرم. تجاه هذه الأحوال حضر هذا الأخير من تلقاء نفسه لدى الوالي الذي أمر باعتقاله في قلعة طرابلس التاريخية المعروفة. ثم سامه عذابات مبرحة ومتنوعة. وأخيرًا خير الوالي أبا كرم بين الإسلام أو الموت. فاختار الشيخ أبو كرم الموت. وأميت على الكلاب...

ووصف الدويهي موت الشهيد أبي كرم على الشكل التالي: "... وفي 16 نيسان 1640 (كان الدويهي ابن عشر سنوات، وقبل أن يسافر إلى روما للدراسة بسنة واحدة) أرسل الارناؤوط باشا صارجية (جنودًا) وبيت حماده وبيت الشاعر واسمعيل الكردي ليقبضوا على الشيخ أبي كرم. وإذ لم يعثروا عليه صار بلا وظلم على كل البلاد وعلى رفاق أبي كرم وأرزاقه وخاصة على دير قنوبين. فنزل البطريرك (وكان يومئذ العلامة جرجس عميرة الإهدني) قدّم مالاً للباشا واستصدر منه مرسومين وحصل الفرنج (قنصل فرنسا في طرابلس) على مرسوم يقضي بأن لا يتطاول أحد على دير قنوبين... ولمّا نظر أبو كرم أنّ الشر يتفاقم كل يوم نزل بنفسه إلى طرابلس وكان نزوله على يد القاضي. فأمر الباشا بأخذه وأخذ ابن عمه إلى القلعة. ثمّ أمر بصلبه على جمل وجره هكذا من القلعة إلى المينا وسائر المدينة. ثم عرضوا عليه الإسلام فتمنّع ومات على الكلاب...

... ثم ادّعى الباشا على دير قنوبين أنّ أبا كرم أودع فيه ثلاثة أكياس من المال، فقبض على البطريرك والرهبان وتكلّف الدير نحو ألفين ومائة قرش غير الرشوة وكفالات الفرنج..." (تاريخ الأزمنة للدويهي، ص: 339-340).

وفي سنة 1641، وهي السنة التي سافر في خلالها الطالب إسطفان الدويهي إلى روما للدراسة، توفي الشيخ أبو جبرايل يوسف ابن الشماس جرجس الإهدني شريك أبي كرم في مشيخة الجبة. وقد دامت مشيخته سبع سنوات، وخلفه أخوه الشدياق أبو ديب. غير أنّ هذا الأخير ما لبث أن اغتيل في زغرتا على يد محمد العراك بدسيسة من بيت حماده وبالاتفاق مع مصطفى الصهيوني كأخيه الارناؤوط والي طرابلس. وتولّى حكم الجبة بعد الشدياق أبي ديب زين الدين الصواف يعاونه أبو عون ابن الفمة. والظاهر أنّ الحاكم الجديد على الجبة كان مسؤولاً لدى الارناؤوط والي طرابلس ممّا يدلّ أنّ فصل الجبة عن ولاية طرابلس وإلحاقها بولاية الشام، والذي حصل كما ذكرنا سنة 1638، هذا الفصل لم يدم أكثر من أربع سنوات أو أنّه كان اسميًا فقط...

وفي 1644 تولّى الشيخ أبو رزق البشعلاني حكم الجبة. وكان رجلاً حكيمًا قديرًا ومقربًا جدًا من والي طرابلس، عمر بك، ولذلك اتّخذه هذا الأخير كاخية له سنة 1649. وعندما عزل عمر وحلّ محلّه حسن باشا، أقيم مصطفى الصهيوني كاخية للوالي بدلاً من أبي رزق البشعلاني. وولّى الصهيوني على مشيخة الجبة أبا شاهين على العجال من بشناتا، وهي قرية في الضنية.

في 1652، أعيد محمد الارناؤوط واليًا على طرابلس فأعاد إلى رتبة كاخية للوالي أبا رزق البشعلاني المار ذكره والذي كان مقربًا وكاخية للوالي الأسبق عمر صهر الارناؤوط. أنا أبو رزق البشعلاني، العائد مجددًا إلى رتبة كاخية للوالي، أناط حكم الجبة والزاوية والغينة وعكار بأخيه أبي صعب. وعظم شأن أبي رزق ومنح رتبة شيخ المشايخ وتقرّر له راتب من قبل الباب العالي فكثر حساده ممّا أدّى إلى هلاكه فيما بعد. ويقول الدويهي في هذا الصدد: "... ورفع الارناؤوط والي طرابلس أبا رزق البشعلاني إلى رتبة شيخ المشايخ ودقّت له النوبة فحسده أكابر البلاد وقالوا أنّه غير واجب أن تنقاد الإسلام إلى رجل نصراني..." (تاريخ الأزمنة للدويهي ص: 348). وكانت نهاية شيخ المشايخ أبي رزق البشعلاني على الشكل التالي: في سنة 1653 قدم إلى دار أبي رزق في طرابلس جماعة من بيت حبيش من مشايخ كسروان، قدموا ليشتروا من طرابلس ما يلزم لعرس أحد مشايخهم. فاستغلّ الظرف الحساد وأصحاب المآرب وصوّروا القضية للأرناؤوط والي طرابلس على غير حقيقتها إذ أوهموه أنّ قدوم بيت حبيش كان لأخذ البشعلاني مع عياله وذويه وأصحابه إلى بلاد ابن معن الأمير ملحم الذي كان يحكم آنذاك الشوف وكسروان... أمر الأرناؤوط باعتقال البشعلاني وأولاده وبني حبيش الذين كانوا مجتمعين في داره وأوثقهم بالجنازير وسجنهم في القلعة. ونهبت داره واستبيحت أرزاقه. ثم عزل الأرناؤوط وانتقل إلى حماه فأخذ معه أبا رزق وسائر المعتقلين وسجنهم في حماه. ثمّ أطلق سراحهم وعاد أبو رزق إلى طرابلس. وفي 1654، انتقل أبو رزق إلى جبله فاللاذقية. وعندما رفع بشير باشا إلى رتبة وزير مضى إلى الأستانة مصطحبًا معه أبا رزق. ولدى وصوله إلى أضنة أوغر أصحاب المآرب صدره ضد أبي رزق إذ أدخلوا في ذهنه أنّ أبا رزق يساير المعنيين في الخفية وأنّ أخاه أبا صعب قاتل مع الأمير معن في معركة وادي القرن. فقتل بشير باشا أبا رزق، ولمّا وصل بشير إلى الأستانة قتل هو أيضًا. وخلال هذه السنة، 1654، عزل حسن باشا من ولاية طرابلس وخلفه محمد الكبري. فولّى هذا الأخير على مشيخة الجبة أحمد محمد بن قانصوه حماده، وذلك بواسطة الأمير ملحم معن والشيخ أبي نوفل الخازن.

في 1656، نقل محمد الكبري من ولاية طرابلس إلى مقام الصدارة العظمى في الأستانة وخلفه محمد الطباج الذي ولّى على الجبة الشيخ فارس مراد أبي اللمع.

في 1658 جدّدت الولاية على الجبة للشيخ فارس وذلك بواسطة الأمير ملحم معن، وكلّف الشيخ أبو نوفل الخازن استيفاء المال من منطقة الجبة.

في 1659 عيّن واليًا على طرابلس قبلان باشا فقرّر أن يكون المال الأميري المترتّب على الجبة اثني عشر ألف قرش، وولّى على الجبة والبترون معًا عليا ابن الشاعر على أن يستوفي مال الجبة والبترون قيتبه ابن الشيخ علي والشيخ أبو قانصوه الخازن بإشراف أمراء آل معن. في 20 أيار 1670 انتخب إسطفان الدويهي بطريركًا على الموارنة. في 1674 ولّى حسن باشا والي طرابلس أمين سره إبراهيم آغا على الجبة وكان يعاونه اثنان في المشيخة: الشيخ أبو كرم بشارة الإهدني والشيخ أبو شديد غصيبه كيروز البشراني.

في 1676 ولّى حسن باشا أبا كرم الإهدني وحده على بلاد الجبة. وفي غياب الوالي عن طرابلس حاول بنو حماده مداهمة أبي كرم وقتله في داره في زغرتا ولكن فشلوا... ويقول الدويهي في هذا الصدد، وكان له ست سنوات في البطريركية: "... وشهد عبد القادر سيد عردات والحاج محمد قاطرجي خضر آغا انهما شاهدا السيدة العذراء – وبحسب قولهما: ستنا مريم – شاهداها بالعين فوق البرج علانية (يقصد برج القلعة التي بنيت في داخلها كنيسة سيدة زغرتا)، وكانت تصون النصارى بيدها وتطرد المعتدين..." (تاريخ الأزمنة للدويهي طبعة الأباتي فهد، ص: 563).

وفي 1677 تعيّن محمد باشا واليًا على طرابلس، فولّى بيت حماده على الجبة والبترون وجبيل. وأصبح حاكم الجبة حسين أحمد حماده. وبتولّيه الحماديه – بشكل رسمي – على الجبة دخلت هذه المناطق المحيطة بها في عهد ظلم واضطهاد وفتن وعذاب دام نحو مائة سنة. وعمّ الجور والتنكيل موارنة الجبة والبترون وجبيل فيما كان ينعم موارنة كسروان والمتن والشوف بالأمان والراحة... لذلك كثر نزوح الموارنة من الشمال إلى كسروان والمتن والشوف في تلك الحقبة القاسية من الزمن. وبدأ البطاركة الموارنة ينتقلون من كرسيهم في سيدة قنوبين إلى كسروان... فالدويهي نفسه قضى شطرًا من بطريركيته بين كسروان والشوف وبعده بطاركة القرن الثامن عشر أقاموا بصورة متواصلة تقريبًا في كسروان والشوف وهجروا الشمال ووادي قنوبين.

ويقول الدويهي في احداث 1683: "... ولزيادة الظلم في الجبة ولعدم الوفق بين مشايخ كسروان توجّهنا في أوّل يوم من أيلول إلى عند الأمير أحمد معن. وضمنا من سعادته قرية مجدل المعوش وانتقلنا إليها. ثبتنا سنتين ورمّمنا كنيستها وجملة مساكن. ثم أن أولاد الجبة ارتموا إلى حضرة الأمير (أحمد معن) بمكاتيب خضوع من أولاد الشيخ أحمد (حماده) انهم ما عادوا يبدّلون ولا يغيرون شروطهم معنا فرجعنا معهم..." (تاريخ الأزمنة للدويهي، طبعة الأباتي فهد، الاه، وطبعة الأب توتل اليسوعي، ص 375).

في 1691 ولّى محمد والي طرابلس موسى أحمد حماده على الجبة. ولكن ما لبث أن عزل الوالي المذكور وعيّن علي اللقيس واليًا فغير الحكام. وعيّن الشيخ مخايل نحلوس الإهدني حاكمًا على الجبة والزاوية. وكان نحلوس حاكمًا قويًا مقدامًا، ضبط أمور الجبة والزاوية بيد من حديد وأشاع جوًا من العدالة والحرية. وهو الذي يردّد التقليد الشعبي إلى اليوم زجلية تحكي عن مآثره، وذلك نحو ثلاثمائة سنة من اغتياله، ومطلع الزجلية:

يحرز دينك يا نحلوس حميت الجبة بالدبوس

جامع رشعين هديتـه وبزغرتا دقيت ناقوس

وفي 1693 عيّن علي اللقيس وزيرًا في حكومة الباب العالي وخلفه واليًا على طرابلس ارسلان المطرجي. وفي خلال ولاية هذا الأخير تصاعدت الخلافات والمناوشات بينه وبين بني حماده وذاقت منطقة الجبة والزاوية الأمرين من نتائج هذه الصراعات الدموية. وهكذا اغتال رجل من بني حماده اسمه ابن الشقراني الشيخ مخايل نحلوس حاكم الجبة وعادت الولاية عليها إلى بيت أحمد حماده. وكان المطرجي قد عرض على الأمير أحمد معن أن يتولّى مقاطعات الحمادية ويمنع أذاهم عن ايالة طرابلس وعن الجبة والزاوية فلم يقبل الأمير المعني.

وفي 1697 نقل ارسلان باشا من ايالة طرابلس إلى إمارة الحج ونصب موضعه أخوه قبلان باشا، وفي هذه السنة مات الأمير أحمد آخر المعنيين بدون عقب ذكر. فاجتمع أعيان البلاد واختاروا الأمير بشير شهاب الأول أميرًا على الشوف والمقاطعات التي كان يتولاّها آل معن في لبنان. وهكذا بدأ عهد الشهابيين في لبنان بإمارة بشير شهاب الأول (1697 – 1705)...

وممّا يلفت النظر أنّه فيما كان أمراء الشوف من المعنيين إلى الشهابيين يعاملون بقسوة الشيعيين في الجنوب كانوا يعطفون على شيعيي الشمال أي بني حماده فيدافعون عنهم لدى ولاة طرابلس ويحمونهم. ففي السنة 1698 التي قاتل فيها المير بشير الأول شيعية بلاد بشارة والجنوب ونكل بهم واستولى على مقاطعاتهم، في تلك السنة عينها دافع عن الحمادية في الشمال وحمل والي طرابلس على معاملتهم بالحلم. وفي هذا الصدد يقول المؤرّخ المير حيدر شهاب صاحب "الغرر الحسان":

"... وفي تلك السنة (1698) كان قبلان باشا واليًا على طرابلس وكان يبغض بني حماده الشيعية أصحاب بلاد جبيل والبترون والجبة... لعدم ثباتهم في طاعته ولكسرهم المال السلطاني المترتب على ديارهم. فوجّه إليهم جيشًا دهمهم على بغتة فقبض على بعض أكابرهم وعلى جماعة منهم. فأحضرهم إلى طرابلس واعتقلهم في السجن وفرّ من بقي منهم إلى دير القمر للأمير بشير (الأول). فأرسل هذا الأخير إلى قبلان باشا والي طرابلس يلتمس منه إطلاق الحمادية من الاعتقال وإعادتهم إلى ديارهم ولاة. وتعهّد له بدوام طاعتهم وكفل له ما كان مكسورًا من المال... ولمّا كفل الأمير بشير المبلغ أطلق الوالي المشار إليه بني حماده من الاعتقال وفوّض ولاية ديارهم للأمير بشير على أنّه يوليهم هو من قبله فرضى بذلك وصار صك الولاية باسمه. ثمّ ولاّهم عليها من قبله... واستمرّ الحال على ذلك زمانًا مديدًا..." (لبنان في عهد الأمراء الشهابيين للأمير حيدر أحمد شهاب، نشر رستم والبستاني، بيروت 1969، ص: 7 – 8) وهكذا أصبحت سلطة المير بشير الأول تشمل بالإضافة إلى كسروان والشوف والجنوب حتى صفد (في فلسطين)، بلاد جبيل والبترون والكورة والجبة.

وتجدر الإشارة هنا أنّ سبب مراعاة الأمراء المعنيين ثم الشهابيين للحماديين في الشمال وبطشهم بالشيعيين في الجنوب أن شيعيي الشمال بني حماده كانوا من الحزب القيسي وشيعيي الجنوب كانوا من الحزب اليمني. وكان المعنيون والشهابيون زعماء الحزب القيسي وخصوم الحزب اليمني. وصفحة الحزبية – القيسية – اليمنية – من أحلك صفحات لبنان، لأنّها كانت حزبية عشائرية محضة لا محتوى فكري أو عقائدي لها، وقد لطّخت وجه لبنان النير طيلة مائتي سنة، ولم يتخلص منها نهائيًا إلاّ عام 1711.

في 1699 عاد الحماديون من جديد إلى حكم الجبة. ولم تلبث البلاد طويلاً في الراحة بعد رجوعهم. ففي سنة 1703، وقبل موت الدويهي بسنة واحدة، افتتنوا فيما بينهم فقام الشيخ عبد السلام ابن الشيخ اسماعيل على بيت الشيخ أحمد حكام الجبة. فقدم الأوّل إلى الجبة وحزم بيت الشيخ أحمد إلى الهرمل وأقام مقامهم في الجبة شهرًا وخمسة أيام وحضر إليه البعض من أعيان الجبة خوفًا من أذاه وهرب الباقون فحنق من الغائبين وفرض ضرائب إضافية على قراهم وأخذ طاسات النساء وسلاح الرجال والحنطة وغير ذلك، وكتب إلى والي طرابلس يلتمس الولاية الرسمية على الجبة، فوعدوه بها في السنة التالية... لكنّه لم يتمكّن من ذلك بسبب رجوع الشيخ عيسى ابن الشيخ أحمد من الهرمل إلى الجبة واستيلائه من جديد على المقاطعة. والشيخ عيسى المذكور لم يكمل إيفاد المال المترتب عليه قبل انهزامه، فلمّا رجع إلى الجبة شرع في جمع الدراهم المتبقية عليه ليؤدّيها إلى متسلّم طرابلس. ولم يستحرم شيئًا، حتى المقدسات، للوصول إلى غايته المذكورة. فنزل إلى دير قنوبين مع زمرة من المسلّحين والرعاع وفرض على البطريرك الدويهي مبلغًا من المال فرفض البطريرك فغضب عيسى المذكور وصاح بالبطريرك وبعد جدال وأخذ ورد رفع يده على البطريرك ولطمه لطمة قوية على رأسه أوشكت أن ترميه إلى الأرض لو لم يستند إلى الحائط، ووقعت طابيته على الأرض... وبعد عدة أيام توجّه الدويهي إلى كسروان حيث مكث نحو ثلاثة أشهر، ثمّ رجع إلى كرسيه في قنوبين، وفي اليوم التالي لرجوعه توفي وكان ذلك في 3 أيار سنة 1704. وكان ارسلان المطرجي واليًا على طرابلس. وفي سنة 1705، توفي المير بشير شهاب الأول وبدأ عهد الأمير حيدر شهاب (1705 – 1730).

وبعد موت الدويهي بعشر سنوات تقاسم الجبة أولاد حسين المشطوب مع موسى وحسين ولدي أبي محمد عيسى حماده المذكور. فأخذ النصف موسى وحسين. وكانت بشري وقنوبين وأيطو وبزعون من نصيب حسين. وحصرون وبلوزا وكفرصغاب وتولا وكرمسدة وراسكيفا من نصيب موسى. وأخذ أولاد حسين المشطوب النصف الثاني: أخذ أبو ناصيف إهدن فقط، وأبو حسين صالح عينطورين ومزرعة التفاح وبنشعي وقنات وبرحليون وحماطورا وكفرصارون في الكورة وبيت زعيتر في بان. وأبو قاسم أخذ دير قزحيا وحدشيت وبقاعكفرا. ثمّ أضافوا إلى ممتلكاتهم بكاليك سبعل ومزيارة وسرعل وكفرفو وبان وحوقا ووطى الرامات مع بيادر المقدم ودير نوهرا وبقرقاشا والحدث ومزارعها وطورزا ورشدبين ونيحا ومتريت وبنهران... (كما يتّضح من الصكوك المحفوظة إلى اليوم في خزائن الكرسي البطريركي الماروني في بكركي...) تكرّس هذا النظام الإداري للجبة بأمر الأمير ملحم شهاب وطوال فترة عهده (1731 – 1754). وتمادى بنو حماده في غيهم وكثر بسببهم الشر في البلاد والخراب وإرهاق الناس. وكلّما كان يزيد البؤس كان يزيد الحماديون في ظلمهم.

وفي 1755 انقسموا إلى فئتين تقاسمتا مشيخة الجبة. الفئة الأولى مؤلّفة من حسين العيسى وأسعد موسى وعبد الملك وولده جهجاه. هؤلاء حكموا منطقة إهدن وكان مقرّهم في إهدن (الحارة الفوقا، الشمالية، منطقة مار بطرس وآل الدويهي اليوم). والفئة الثانية مؤلّفة من أبي حسين صالح وسليمان أبي قاسم وحسن أبي ناصيف وابن نصر وأولاده. هذه الفئة تولّت منطقة بشري وحصرون واتّخذت من حصرون مقرًا لها.

وكان عقد موارنة الجبة مع بني حماده منذ بدء ولاية هؤلاء ميثاقًا يتعهّدون بموجبه بأن لا يتعرّضوا للموارنة، سكان الجبة الأصيلين، في أمور الدين والعرض والدم... وبين 1755 و1758 بلغ بنو حماده الذروة في الظلم والإجرام ونقض جميع المواثيق والعهود. وقد تطاولوا على جميع المحرّمات والمقدّسات... ولا مجال هنا لسرد جميع الحوادث والتطاولات التي حلّت. ونكتفي بمثل واحد على كل ذلك:

أرسل بنو حماده أحمد عبد الملك حماده وحسن ابن أبي ناصيف ليلقوا القبض على المطران يواكيم يمين أسقف إهدن آنذاك. فالتقى أهل إهدن الزمر المسلّحة الآتية للقبض على المطران يمين والتنكيل بالأهالي، وأعملوا فيهم العصي والسيوف وظلّوا يطاردونهم حتى درج قنوبين. وكان المطران يواكيم يمين يقود حملة المقاومة بنفسه. وفي صباح اليوم التالي، احتفل بذبيحة القداس الإلهي في كاتدرائية مار جرجس.


منطقة الجبة في عصر الدويهي


إهدن والمعركة الحاسمة

وفي 1759 اجتمع شيوخ الجبة وهم الشيخ جرجس بولس الدويهي من إهدن، والشيخ حنا ضاهر كيروز والشيخ عيسى الخوري رحمه من بشري، والشيخ أبو سليمان عواد من حصرون، والشيخ أبو يوسف الياس من كفرصغاب، والشيخ أبو خطار الشدياق من عينطورين والتفّ حولهم أهالي الجبة بأجمعهم وقرّروا جميعًا أن يكون المشايخ المذكورون حكامًا عليهم بدلاً من الحمادية. وأبقوا قسمة منطقة الجبة كما كانت. فتولّى بيت الدويهي ثم بيت كرم مشيخة إهدن وشؤونها. وبيت حنا ضاهر وعيسى الخوري رحمه شؤون بشري وما يليها، وبيت أبي سليمان عواد شؤون حصرون وتوابعها، وبيت أبي يوسف الياس كفرصغاب وما إليها. وبيت أبي خطار عينطورين وما يتبعها...

ونزل هؤلاء المشايخ إلى والي طرابلس عثمان الكرجي وضمنوا بلاد الجبة وتعهّدوا بضبط الأمن فيها وبدفع المال المترتّب عليها. وحصل ذلك في أواخر سنة 1759. وعيّن هؤلاء المشايخ ثلاثة بكباشية من المنطقة وهم بشارة كرم من إهدن وأبو ضاهر الفرز من بشري وأبو الياس العفريت من حصرون وذلك للمحافظة على الأمن والنظام وعيّنوا معهم رجالاً لمعاونتهم...

هذه كانت المرحلة الأولى من إنقاذ وتحرير منطقة الجبة من الدخلاء عليها. وكانت إهدن هي التي تحرّرت أولاً وبشكل نهائي. غير أنّ بني حماده راموا استعادة الجبة من جديد.

ففي 1761 هاجم بنو حماده بلدة بشري آتين من بعلبك، فقتلوا البكباشي أبو ضاهر الفرز المذكور مع بعض رجاله ونهبوا البلدة. ثمّ حشدوا مقاتليهم وجموعهم وهاجموا بشري من جديد فقابلهم أهالي الجبة بمقاومة ضارية انهزم على أثرها بنو حماده المهاجمون...

وفي 1762 داهم الحمادية قرية بقرقاشا في الجبة ونهبوها ثمّ هربوا إلى معقلهم الجديد في جبة المنيطرة...

وفي 1763 سير محمد الكرجي والي طرابلس إلى جبة المنيطرة عسكرًا قسّمه قسمين، قسم سلك طريق الجبل بقيادة البكباشي بشارة كرم المذكور وقسم سلك طريق الساحل بقيادة الشيخ ضاهر ويوسف الشمر من كفرحاتا، سحق عسكر الجبل بقيادة البكباشي كرم زمر الحمادية وبدّد شملهم فهرب بعضهم صوب بعلبك وبعضهم صوب الساحل. ثم التقى العسكران الجبلي والساحلي فأكملا تشتيت فلول الحمادية، وبينما كان البكباشي بشارة كرم الإهدني عائدًا من المعركة كمن له بعض الأفراد من الفلول الهاربة تحت المغيرة قرب العاقورة وقتلوه مع ثلاثة من رجاله...

وفي 1771 كانت المعركة الحاسمة التي قضت على وجود الحمادية في الجبة والسمار. وقد اشترك في هذه المعركة ضد الحمادية، أهالي الجبة والعاقورة وبلاد جبيل والبترون وبعدها انهزم الحمادية نهائيًا من الشمال إلى الهرمل وبلاد بعلبك... وهكذا استتب الأمان وتولّى زعماء الموارنة حكم الجبة والشمال...

أنظر بخصوص هذه الحوادث لبنان في عهد الأمراء الشهابيين للأمير حيدر شهاب، 62، 80، 94، 95 – اخبار الأعيان، 86، 196، 197، 327 – 333 – المطران يوسف الدبس، الجامع المفصل في تاريخ الموارنة المؤصل، بيروت، 1905، 420 وما يليها – الخوري فرنسيس رحمة، تاريخ بشري، 352- 368 – الخوري إسطفان البشعلاني، لبنان ويوسف بك كرم، بيروت، 1925، 85 – 88؛ وغيرها...).

- ج – الوضع الاجتماعي – المعيشي في منطقة الجبة... يصف البطريرك الدويهي نفسه، في "تاريخ الأزمنة"، الوضع الاجتماعي – المعيشي، والأزمنة العصبية التي مرّت بها منطقة الجبة، بعد أفول نجم فخر الدين، يصفه، وبلغه العصر، على الشكل التالي:

"... وفي سنة 1633، (وكان عمر الدويهي ثلاث سنوات) صارت فتن... فمسكوا المطارين ونهبوا الديورة وشلحوا الكنائس بجبل لبنان وصارت خسائر عظيمة فهرب كثير من المطارين... وفيها مات البطريرك يوحنا مخلوف الإهدني... وامتنع رؤساء الكهنة من الاجتماع في اليوم التاسع لانتخاب البطريرك الجديد كجاري العادة لشدة الاضطهاد والتفتتيش... ارتسم البطريرك جرجس بن عميرة الإهدني وكان اضطهاد عظيم على الكرسي بسبب وفاة البطريرك والحروب التي كانت صايرة بين الأمير فخر الدين وبيت سيفا، وأكثر الناس هاربين...

وفي سنة 1634 لكثرة الحكام والأغراض كثر الظلم والبلص وكلّفوا الرعايا عوض المال مالين، وقبضوا على الرهبان والرؤساء ليقروا على رزق ابن معن وبيت الخازن وغيرهم وحملوا الناس فوق طاقتهم حتى أنّ البعض هربوا والبعض دخلوا البحر (أي سافروا)...

وفي سنة 1636 نهب دير قزحيا من قبل منصور سيفا فعذّب الرهبان والمطارين عن عمد وأخذ نحو خمسة آلاف (قرش) على يد القس حنا البري من غوسطا حتى انه اضطرهم إلى الهرب وهجر دير مار انطونيوس (قزحيا)... وفي هذه السنة برجال باشا والي طرابلس زاد الظلم والبلص في ايالة طرابلس... وحمل الناس فوق طاقتهم...


الوضع الاجتماعي والاقتصادي


في عصر الدويهي


فكرة أولى عن النمو السكاني


في المناطق اللبنانية

لا نملك الوثائق الرسمية المحتوية على إحصاءات دقيقة لعدد الموارنة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ولكن يمكننا تكوين فكرة تقريبية عن هذا الموضوع بالاستناد إلى بعض الأرقام الواردة في عدد من الرسائل والتقارير الخاصة بالقنصليات الفرنسية، ومذكرات الرحالة والمرسلين الأوروبيين.

فقد جاء في تقرير وضعه جان باتيست استال قنصل فرنسا في صيدا في سنة 1702 ما يلي، حول عدد الموارنة في لبنان:

يوجد في منطقة الجبة من خمسة إلى ستة آلاف رجل ما عدا النساء والشبان الذين هم دون سن العشرين... وفي كسروان نحو عشرين ألف رجل ومائة قرية... (الخوري بطرس غالب، صديقة ومحامية، ص 284). فالعشرون ألف رجل في كسروان تعني الذكور فوق سن العشرين. لا يدخل في هذا الرقم الذكور دون سن العشرين، والإناث كلهنّ فوق سن العشرين يقارب عدد الذكور فوق السن المذكورة فيمكننا القول أنّ عدد الذكور والإناث فوق سن العشرين كان في كسروان في سنة 1702 أربعين ألفًا تقريبًا. وإذا اعتبرنا من جهة ثانية أنّ عدد الذكور والإناث دون سن العشرين يفوق الذين منهم فوق العشرين بسبب كثرة الأولاد في العيال المارونية عهد ذاك، فيمكن القول أنّ عدد سكان كسروان الموارنة كان في سنة 1702 حوالى المائة ألف نسمة... وقياسًا على ذلك يمكن القول بأنّ سكان الجبة من الموارنة كان يبلغ عددهم في سنة 1702 نحوًا من خمسة وعشرين ألفًا...

أمّا منطقتا البترون وجبيل فيمكن تقدير عدد سكانهما في ذلك الوقت بالاستناد إلى مبلغ الضرائب الذي كانتا تدفعانه ومقابلته مع ما كانت تدفعه كسروان والجبة. ونحن نعلم مقدار الضرائب التي كان يدفعها الموارنة آنذاك من نص رسالة وجّهها الشيخ ناصيف الخازن إلى الملك لويس الرابع عشر. فقد جاء فيها أنّ مال كسروان 18 ألف قرش، ومال بلاد جبيل 13 ألف قرش (ذلك لأنّ الفتوح كان تابعًا لجبيل آنذاك)، وبلاد البترون 7 آلاف والجبة 6 آلاف قرش. (الخوري بطرس غالب، صديقة ومحامية، ص 262).

هذا ما عدا موارنة المتن والشوف وطرابلس وبيروت... وهكذا يمكن التقدير أنّ عدد الموارنة في لبنان في بدء القرن الثامن عشر (عند موت الدويهي) كان يناهز المائتين والخمسين ألف نسمة...

الوضع التجاري والصناعي

كانت التجارة اللبنانية ناشطة في القرنين السابع عشر والثامن عشر مع أوروبا وخاصّة فرنسا بواسطة ثلاثة مرافئ لبنانية طرابلس وبيروت وصيدا.

فمنذ أوائل القرن السابع عشر أصبحت مدينة طرابلس مركزًا للتجارة الفرنسية وكانت طرابلس تصدّر الحرير على اختلاف أصنافه ومنسوجاته، والمواد لصنع الزجاج، والزيت والصابون والمنسوجات الصوفية والقطنية والزبيب وغيرها. ولذلك أقام فيها تجار فرنسيون منذ أوائل القرن السابع عشر، وكانت تابعة لقنصلية حلب ومركزًا لنائب قنصل. ولقد أصبحت طرابلس قنصلية مستقلّة في أواخر القرن السابع عشر ومركزًا لقنصل كان ترجمانه دائمًا من أسرة طربيه الشمالية المارونية.

وكانت صيدا تصدّر الحرير والقطن ومواد صنع الزجاج والزيت وغيرها. وقد أقام فيها بين 1685 وسنة 1709 مائة وخمسة وسبعون تاجرًا فرنسيًا في الفندق الكبير الذي أنشأه فخر الدين لهذه الغاية. وكان فيها في تلك الحقبة أربعة عشر محلاً تجاريًا فرنسيًا. وكان معدّل أرباح التجارة الفرنسية في تلك الحقبة حوالى مليوني ليرة ذهبية. وأنشئت في صيدا منذ مطلع القرن السابع عشر قنصلية مستقلّة للعناية بين صيدا ومرسيليا لا تقلّ عن العشرين سفينة. فكانت أثمان ما يشتري الفرنسيون من الحرير سنويًا لا تقلّ عن أربعمائة ألف ليرة ذهبية...

أمّا بيروت فكانت مركزًا تجاريًا مهمًا أيضًا ممّا اضطر الدولة الفرنسية إلى إقامة نائب قنصل فيها ببراءة مؤرّخة في 1655. وكان نائب القنصل هذا الشيخ أبو نوفل الخازن. وما لبث الملك لويس الرابع عشر أن أنشأ فيها قنصلية مستقلّة سنة 1662 وكان أوّل قنصل فيها الشيخ أبو نوفل الخازن المذكور. وظلّ قناصلها من آل الخازن طوال ما تبقّى من القرن السابع عشر والشطر الأكبر من القرن الثامن عشر إلى أن عيّن قنصلاً الشيخ غندور السعد سنة 1787. وكانت أهم صادرات بيروت الحرير. وكان فيها مصانع للاطلس والمخمل وغيرها من الأنسجة الحريرية. وكان فيها الموارنة كثيري العدد. وقد كان لهم منذ أواسط القرن السادس عشر كنيستان في بيروت، إحداهما داخل المدينة والثانية خارجها وهي كنيسة مار جرجس المدعوّة الآن جامع الخضر في حي الكرنتينا بالقرب من النهر...

"... وفي منتصف القرن السابع عشر كان حرير لبنان قد بلغ شهرة واسعة. فكان حرير كسروان مرغوبًا فيه في فرنسا وأوروبا لرقته وفخامته، فكانت تصنع منه الثياب الناعمة الرقيقة. وحرير الشوف كان يصنع منه المخمل، وحرير بيروت كان يفضل لصنع السجاد وسائر المنسوجات الخشنة. أمّا حرير طرابلس والشمال فكان أبيض ناصعًا جميل المنظر وبه كانت تصنع الأنسجة المرصّعة بالذهب والفضة..." (راجع رستلهوبر، تقاليد فرنسا في لبنان، ص 142).

عصر الانفتاح على أوروبا

في مطلع القرن السابع عشر، قام البطاركة الموارنة ومعهم فخر الدين بعمل ريادي حضاري بارز تجلّى في الانفتاح على الحاضرات والدول الأوروبية. وهذا الانفتاح الحضاري طوى من جهة صفحة طويلة من الانعزال القسري كان المشرق يتخبّط بغياهبه خلال عهود المماليك، ودشّن من جهة ثانية صفحة مشرقة كان لها الأثر الأكبر في تاريخ لبنان الحديث في جميع المجالات الفكرية والعلمية والأدبية والعمرانية... في هذه الفترة أخذت الثورات تندلع على تركيا في بلاد المشرق، ومنها ثورة فخر الدين في لبنان.

وكانت إمارة توسكانا بقيادة أمرائها من آل مدسيس من أكبر الناشطين لمناهضة تركيا في تلك الظروف وتغذية الثورات عليها. فقد انتدب فرناندو الأول أمير توسكانا أحد السفراء وزوّده بتعليمات سرية جاء في إحدى فقراتها (مترجمة عن الإيطالية) "... وأمّا البطريرك الماروني (يقصد يوسف الرزي – من بقوفا)، الساكن في دير العذراء مريم (يقصد دير سيدة قنوبين)، في جبل لبنان، فقد كتب لنا عن حالة المسيحيين التعيسة في تلك الجهات، وعن المظالم التركية... فاحمل إليه هذه الرسالة. وإذا سنحت لك الفرصة بالمرور قريبًا من ذاك المكان زره من قبلنا واجتهد في اكتساب صداقته... وإن لم يتسنّ لك المرور أرسل جوابنا إليه..." والرسالة مؤرّخة في 25 ك2 1607.

وبعد ثورة علي باشا، والي حلب، التي انتهت بالفشل، اتّجه اهتمام أمير توسكانا إلى توطيد العلاقات مع فخر الدين... وفي سنة 1608 أرسل سفيرًا خاصًا من قبله إلى البطريرك يوسف الرزي والأمير فخر الدين، محمّلاً إياه رسالة إلى كلّ منهما مع ألف بندقية كهدية إلى فخر الدين.

وفي سنة 1611 انتدب فخر الدين المطران جرجس مارون الدويهي أسقف نيقوسيا ومعتمد البطريرك الماروني لدى الكرسي الرسولي سفيرًا له لدى بلاط توسكانا والبابا، مكلفًا إياه بإجراء مفاوضات لعقد معاهدة غايتها تحرير لبنان والأراضي المقدّسة من الدولة العثمانية.

وأثناء إقامته القصيرة في فلورنسا سعى فخر الدين جهده لإقامة صلات مودّة متينة بينه وبين أمراء وملوك أوروبا...

في عهد أمراء توسكانا تعزّزت وازدهرت العلاقات التجارية بين توسكانا ولبنان برعاية فخر الدين فأخذ تجار الإمارة يردون الموانئ اللبنانية شاحنين منها الحرير والزيت والقطن والحنطة والأرز والفول وأنواع الحبوب...

في أيلول 1631 وصل إلى لبنان بناء على طلب الأمير وفد من الفنيين التوسكانيين ومنهم الطبيب متى نالدي، والنحات فرنسيس تشيولي والمهندس فرنسيس فاني، والخباز بطرس كيليني. وبقوا ثلاث سنوات في لبنان يدرّبون كل في مجال اختصاصه. وكان لهم دور كبير في تطعيم البناء اللبناني بالفن الفلورنتيني. وقد أدخلت هذه البعثة إلى بيروت ولبنان فن السطوح القرميدية وواجهات المنازل الزجاجية المرتكزة على أعمدة رشيقة والمفتوحة على صحن الدار لمدّها بالنور والهواء...

وبعد فخر الدين، توطّدت العلاقات بين الموارنة وفرنسا وقد تجسّدت هذه العلاقات، في هذه الحقبة، بإقامة قنصلية فرنسية في بيروت تولاّها الموارنة – الشيخ أبو نوفل الخازن وأبناؤه وأحفاده حتى سنة 1787. فلويس الرابع عشر ملك فرنسا منح سنة 1657 الشيخ ابا نوفل "صفة الشرف" أي مرتبة شريف من أشراف فرنسا، والبابا أقامه فارسًا رومانيًا وأميرًا (كونت) من أمراء البلاط البابوي. وقد أدّى المشايخ – القناصل الخازنيون عهد ذاك خدمات جلى إلى وطنهم وطائفتهم المارونية. وكثيرًا ما كان البطاركة الموارنة يرسلون البعثات والوفود إلى فرنسا والكرسي البابوي وملوك أوروبا لاستنصارهم ضد ظلم الحكام الأتراك. وقد لعب دورًا رئيسيًا في هذه البعثات المطرانان اسحق الشدراوي وسركيس الجمري الإهدني. وبواسطة هذه البعثات توطّدت العلاقات الطيبة بين الأمراء المعنيين، ومن بعدهم الأمراء الشهابيين وأكابر الدولة في فرنسا والدول الأوروبية.

هذا الانفتاح وهذا التحرك السياسي باتّجاه أوروبا يدلاّن على أنّ الظلم العثماني لم يستطع قهر الروح اللبنانية عامة والمارونية خاصة فظلّت متمتّعة بحرية التصرف في كل الاتجاهات وعلى أرفع المستويات وفي أحلك الظروف. ثمّ أشرك الموارنة إخوانهم اللبنانيين من مختلف الطوائف في هذا الانفتاح الحضاري. فأصبحت هذه الصداقة وهذا الانفتاح جزءًا من التراث اللبناني واثراء للحضارة اللبنانية ودعامة للاستقلال والحرية في هذه البلاد، وقوة ضدّ الظلم والطغيان...

والبطريرك الدويهي نفسه لعب دورًا بارزًا في توطيد وترسيخ هذا الانفتاح اللبناني على الحضارة الأوروبية. فقط الرسائل المطوّلة، وارسل البعثات والوفود، ودعم المدرسة المارونية في روما، وارسل البعثات والوفود في قنوبين، وقد مكنّته علومه وثقافته العالية من تحقيق كل ذلك وعلى أفضل ما يرام. وأكمل بطاركة القرن الثامن عشر من بعده هذا التحرك وهذا الانفتاح الحضاري. ولم يتلكأوا في إرسال البعثات لتحريك الملوك والحكام والشعوب وأولي الأمر والرأي العام في العالم لقضايا لبنان والموارنة، وخاصة في الكرسي البابوي وفرنسا وإيطاليا. ولم يكلوا ولم يتقاعسوا ولم يتراجعوا أمام أية صعوبة أو مشقات أو نفقات... وهكذا استقطبوا حول قضايا لبنان والموارنة ضمير العالم واهتمامه ونالوا التأييد معنويًا وسياسيًا وماديًا واقتصاديًا. كل ذلك بالرغم من إرادة الدولة العثمانية في أوجّ قدرتها وسطوتها وقوّة عمّالها ومخالبها وأذنابها...


عصر الدويهي والوضع العلمي


إشراق فكر... قول مأثور

ما أشرق الفكر الماروني وأخصبت العبقرية المارونية بالعلم مثلما أخصبت في هذا العصر المجدب القاحل كالصحراء في المجتمعين العربي والتركي من حيث الإنتاج الفكري والحضاري، والمتميز بالانحطاط في اللغة والأدب والفكر والعلم والفلسفة والفن وغير ذلك من فروع الحضارة... فقد بلغت النهضة العلمية أوجّها والعبقرية الفكرية المارونية ذروتها في أحلك الحقبات هذه. إنّ استمرار الاتصال المنتظم بالغرب علميًا وسياسيًا وحضاريًا، وخاصة منذ إنشاء المدرسة المارونية في روما سنة 1584، كان من العوامل الرئيسية التي هيّأت المناخ الملائم لتفتح براعم النبوغ الماروني وظهوره بشكل أزهار رائعة وثمار يانعة. وهذا ما جعل الغرب نفسه يطلق قوله التاريخي المأثور، في القرن السابع عشر: "عالم كماروني" (Savant comme Maronite)! (هذا القول الذي أحاول أنا شخصيًا أن أبعثه من جديد...)

المدرسة المارونية الشهيرة في روما، أسّسها سنة 1584، صديق الموارنة ولبنان، البابا غرغوريوس الثالث عشر. وطيلة قرنين متواصلين تخرّج من هذه المدرسة ما يقرب من 300 تلميذ منهم اثنا عشر بطريركًا. وما يربو على الخمسين أسقفًا، ومائتين وخمسين كاهنًا، وعدد من الذين لم يصلوا إلى الكهنوت، إمّا لأنّهم توفوا على مقاعد الدراسة، أو لأنّهم خرجوا لأسباب صحية. وهؤلاء المتخرجين جلهم من العلماء المبرزين الذين خدموا الكنيسة والوطن في لبنان وسوريا وفلسطين وجزيرتي قبرص ومالطة، وفي أوروبا، وفي المؤسّسات الرهبانية الشرقية والغربية التي انضمّ عدد منهم إليها فأتقنوا اللغات وصنّفوا المؤلّفات، ونسخوا وترجموا المخطوطات، ونظّموا المكتبات في الشرق والغرب، وعمّروا الكنائس وأنشأوا المطابع والمدارس... وكانوا، دون شك رواد النهضة الدينية والعلمية واللغوية والثقافية والأدبية في الكنيسة المارونية ولبنان والمشرق العربي...

فبفضل هؤلاء تأسّست سنة 1610 أوّل مطبعة في لبنان والشرق في دير مار أنطونيوس قزحيا. هذه المطبعة الرائدة التي أطلقت حركة الطبع والنشر وساهمت مساهمة كبيرة في نشر اللغة والثقافة والأدب والفكر والعلوم.

وبفضل هؤلاء تأسّست وانتشرت المدارس في كل أنحاء لبنان، وكان منها المدارس الابتدائية في كل قرية تقريبًا، والمدارس العالية كمدرسة حوقا، ومدرسة مار يوسف زغرتا، ثم مدرسة عين ورقة الشهيرة ومدرسة مار عبدا هرهريا، وغيرها...

ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أنّ البطريرك الماروني يوحنا مخلوف الإهدني، ورغبة منه في تهيئة وإعداد الطلاب في لبنان قبل إرسالهم إلى المدرسة المارونية في روما ليكملوا دروسهم العالية، هذا البطريرك أسّس سنة 1624 مدرسة إعدادية في سيدة حوقا القديمة (عاصي حوقا). ولكي نعطي فكرة عن المستوى الفكري والعلمي والحضاري الذي كان يتمتّع به الإنسان الماروني واللبناني عهد ذاك، يكفي أن نشير فقط إلى أنّ التعليم فيها كان مجانيًا، وأنّ المواد الأساسية كانت الدين، والخطابة واللغة وهذه المواد كانت تعطى بست لغات!

نعم بست لغات هي: العربية والسريانية واللاتينية واليونانية والتركية والفارسية... أجل! هذه اللغات كانت تعلّم عهد ذاك، في مدارس الموارنة... تلك المدارس التي كانت بشكل صوامع ومغاور معلّقة في أعلى الشير والتي كان يصعب على الماعز الدخول إليها!

وأشهر علماء الموارنة – خريجو المدرسة المارونية في روما، في هذه الحقبة، هم – على سبيل المثال لا الحصر:

جبرائيل الصهيوني، جرجس عميره، إبراهيم الحاقلاني، سركيس الرزي، يوحنا الحصروني، منصور شلق، بطرس المطوشي، اسحق الشدراوي، سركيس الجمري، مرهج نيرون، موسى العنيسي، جرجس مارون الدويهي، يوسف الباني، يوسف سمعان السمعاني ورفاقه السماعنة، بطرس مبارك، مخايل الغزيري، جبرائيل حوا، جرجي بنيامين، سمعان خضر، جرمانوس فرحات، عبد الله قرألي، بطرس التولاوي وإسطفان الدويهي...

ولقد أكسب العلم الموارنة نفوذًا كبيرًا واعتبارًا جزيلاً ومركزًا مرموقًا لدى الحكام في ذلك العصر، الذي كان فيه المجتمع المحيط بالموارنة غارقًا في ظلام الجهل والفساد والبؤس والانحطاط العلمي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي... فلم يكن للحكام مندوحة عن اتّخاذ الموارنة معاونين ومدبّرين لأمورهم أي وزراء معاونين في الحكم، وأمناء سر، وكتبة ومحرّرين وتراجمة...

فأحيانًا كان معاون والي طرابلس (أو كاخيته) مارونيًا، كالشيخ أبي رزق البشعلاني. وكان كاخية أمراء كسروان والشوف منذ العسافيين فالمعنيين فالشهابيين مارونيًا من آل الخازن أو حبيش أو السعد أو إدّه أو باز أو الشدياق. وأحيانًا كان المدبّر من غير هذه الأسر الكبيرة كالماروني فارس ناصيف مدبّر المير بشير، وأبي منصور الهدناني المير أحمد معن وغيرهم.


الوضع الروحي في عصر الدّويهي


أخبار وعبارات وظروف تاريخ

ما سطعت الروح المارونية بالقداسة مثلما سطعت في هذا العصر الذي بلغ فيه المجتمع التركي والعربي أسفل درجات الفساد. ويمكننا القول، دون تردد، فإنّ القرن السابع عشر هو القرن الذهبي في تاريخ لبنان والمارونية (وإهدن)، من حيث الخصب والإنتاج والإشعاع في مجالات الفكر والعلم واللغات واللاهوت والروحانية والقداسة... مع العلم أنّ هذا القرن كان من أحلك القرون من حيث الأوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية، بالإضافة إلى تفاقم الظلم والجور والاستبداد والطغيان..! زد على ذلك ظهور الجراد بكثرة، وتفشي الأمراض والأوبئة وخاصة الأصفر أو الطاعون...

يقول الدويهي نفسه في مواطنه ومعاصره البطريرك يوحنا مخلوف: "... وفي هذه السنة (1622) ازداد الغلا العام.. وبعد الغلا تبع الفناء الشديد (يقصد الطاعون)... وفي الحالتين شاعت قداسة البطرك يوحنا (مخلوف) ورحمته. وذلك أنّه أمر بنصب كرم درجاتا نحو عشرة فدادين. فكانت الناس تأكل من نفقة الكرسي وعند الغلة يأخذون الزاد لعيالهم. وفي زمان الوبا كانوا يأتونه بالمصابين وهم مقاربون الموت. ويوضع يده عليهم وكثيرون كانوا يرجعون بيوتهم متعافين..." ويقول الدويهي عنه أيضًا: "وقداسته فائحة في كل بلاد الشرق... فإنّه في الدير ما كان يريد يأكل رغيف كامل. وكان يأمر أن يطبخوا له من فضلات الطعام. وكم مرّة فرغت خوابي الزيت وصناديق القمح فيأخذ الصليب ويدخل ويبارك وبالقدرة الإلهية تمتلئ زيتًا وحنطة.

وقد جرت العادة أنّ الرؤساء عندما يقاربون الموت يباركون الرعية كلّها ويطلبون لها من الله الحفظ والعناية... فبعدما توفّي البطرك بست أو سبع ساعات تذكّر الحاضرون أنّ البطرك يوحنا ما بارك الرعية... وصار كلام أنّه كلام أنّه مات وغير راض عليها. ولكن حصل أمر عجيب إذ رفع البطرك يمينه وهو ميت ورسم إشارة الصليب كأنّه حي... وكان ذلك بحضرة جمع كثر من نصارى ومسلمين اجتمعوا لوفاته... (تاريخ الأزمنة للدويهي، ص: 317، 330).

ومن البطاركة القديسين في هذا العصر يوحنا الصفراوي قال عنه الدويهي: "... وفيها (1656) كانت وفاة السيد البطريرك يوحنا الصفراوي من بيت البواب بدير قنوبين. كان رجلاً طاهرًا تأدّب منذ صباه بالتقوى وسيرة النسك وارتفع إلى أجل المراتب بالخضوع والاتّضاع... كان مثابرًا على صلاة الشبية والمسبحة ولازم الصوم طوال حياته. وعندما كان في ساحل علما في منزل الشيخ أبي ياغي حبيش دخل إلى عنده في المساء القس مرهج نمرون (من بان) فوجده ملقى على الأرض ونور خارج من وجهه يضيء كل المنزول... وشهد عنه القس الياس الراهب ابن عويضه الذي كان معلّم اعترافه أنّ في الليلة السابقة لعيد ميلاد الرب التي فيها كانت وفاته خرج منه نور جزيل... ثم عند نياحته اجتمعت الإخوة والكهنة ورؤساء الكهنة إلى دفنته في مقبرة القديسة مارينا بجانب دير قنوبين ولمّا دخلوا بجسده وجدوا جسد البطرك جرجس عميره الهدناني باقيًا كأنّه حي... ولم ينقصه إلاّ الروح، كما شهد الذين حضروا، ومن جملتهم الخوري إبراهيم زياده بن جبير من بيت القس عبيد الهدناني وهو رجل تقي. وكذلك شهد أخونا المطران يوسف الحاصاراتي... والقس موسى أخو المطران المذكور..." (تاريخ الأزمنة للدويهي، ص: 353أ354).

أمّا قداسة البطريرك نفسه فمعروفة ومشهورة في الشرق والغرب لدى القاصي والداني. ولا مجال هنا للتحدث عنها، فسوف نتطرّق إليها بالتفصيل، نحن أو غيرنا في أحاديث ومحاضرات لاحقة. وها الاستعدادات لتقديم دعوى تطويبه فتقديسه قد بدأت، عسى المسؤولون هناك وهنالك، أن ينشطوا ويسرعوا ويستكملوا المراحل الأولية ويرفعوا ملفات دعوى التطويب إلى المراجع المختصة في روما... ففضل الدويهي على إهدن والكنيسة المارونية في لبنان والمشرق أكبر بكثير من أي تعريف وتصنيف...

ولم تقتصر القداسة على البطاركة في ذلك العهد، بل قد امتدّت إلى الأساقفة والمطارنة والأحبار والرؤساء. وقد وصف قداسة هؤلاء المستشرق والرحالة الفرنسي الشهير (Le Charpentier d'Arvieux) "الفارس دارفيو" الذي أقام في لبنان والمشرق سنين طويلة، وعرف أخلاق الموارنة وزار قنوبين كرسي البطاركة فقال عن أحبار الموارنة عبارته المشهورة: "هؤلاء الأساقفة عصيهم من خشب أمّا هم فأساقفة من ذهب..." (رستلهوبر، تقاليد فرنسا في لبنان...، ص 106) وهذه الشهادة التاريخية لها قيمة فريدة خاصة إذا عرفنا أنّ دارفيو كان هجاء لاذعًا لا يعجبه عجب.

وممّا يدلّ على قوّة هؤلاء البطاركة والأساقفة، الفكرية والروحية، أنّهم عندما كانوا في أصعب الظروف مضطهدين ومطاردين لا يذوقون طعم الراحة يومًا واحدًا، وتكتنفهم الصعوبات من كل جانب، (كالدويهي بنوع خاص)، عنوا بالعلم ورفعوه إلى مستوى الرسالة وألّفوا الكتب الضخمة وطبعوها ونشروها، واقتدوا بغيرة الرسل هدوا المسيحيين، المنشقين وغير المسيحيين إلى الإيمان المستقيم، وكان لهم الفضل الأكبر في إطلاق حركة الكثلكة بين السريان والأرمن والكلدان والأقباط والروم والمسلمين والدروز...

وازدهرت الحياة الرهبانية بين الموارنة ازدهارًا عجيبًا في تلك الآونة، إذ كان في لبنان في القرن السابع عشر وقبل تأسيس الرهبنات المارونية الحديثة سبعون ديرًا، ما عدا مئات الصوامع والمناسك والمحابس... وكان أكثرها في وادي قنوبين وقاديشا وقزحيا. وفي هذه الأديار والصوامع ازدهرت القداسة ازدهارًا عجيبًا قلّ نظيره في تواريخ الشرق والغرب...

وفي أواخر هذا القرن بالذات، وفي سنة 1695 بالتحديد، تأسّست الرهبنات المارونية بشكلها الحديث المشترك والمنظّم، وذلك في دير مارت مورا في إهدن. وكان للدويهي نفسه، ولمطران إهدن جرجس بنيامين، فضل كبير في تشجيع ودعم هذا التأسيس وفي الحفاظ على الرهبنة الناشئة. فأوّل وقفية في تاريخ الرهبنات اللبنانية المارونية هي التي أوقفها أهالي إهدن لمؤسّسي الرهبنة بجانب دير مارت مورا. والنسخة الأصلية لمخطوطة هذه الوقفية محفوظة إلى اليوم في دير سيدة اللويزة مركز رئاسة الرهبنة المريمية المارونية...

ولم تقتصر القداسة على رجال الدين، بل امتدّت إلى سائر فئات الشعب. فكانت البيوت أشبه بكنائس صغيرة تفوح منها ليل نهار رائحة البخور والتقوى والقداسة وكان كثير من الأغنياء المتزوّجين ينقطون طوعًا عن الحياة الزوجية ويختارون الفقر في الأديرة والصوامع...

ومن البطاركة من انتخب بطريركًا فرفض البطريركية تواضعًا وزهدًا كالمطران جرجس حبقوق، والذي يقول الدويهي فيه: "... واجتمعت كل الرعايا إلى قداس التاسع وبعد القداس اتّفق الرأي بأنّ المطران جرجس حبقوق يتولّى بعده (أي بعد يوحنا الصفراوي الآنف الذكر) أن يتولّى كرسي إنطاكية ورضي بذلك الأساقفة والمشايخ والشعب فهرب البطرك المنتخب إلى قلاية راهب واختفى بها... فمضى الشعب وخلعوا الباب وحملوه عنوة على أياديهم من أسفل الدير إلى دهليز الكنيسة وهو يضرب بيديه ويمانع بكل قوّته ويصرخ بأعلى صوته... ولمّا دنا من باب الكنيسة قال لهم: دعوني أستريح قليلاً. فدخل الأوضة قبال مار بطرس حتّى يستريح ثمّ خرج بلطف من الدير قافزًا من الشباك واختفى في الوادي... حينئذ يئسوا منه وانتخبوا بدلاً منه المطران جرجس البسبعلي بطريركًا...

وفي هذا العصر بدأت ترد على لبنان الإرساليات الأجنبية. سبق الفرنسيسكان غيرهم من المرسلين الأوروبيين. وتبعهم الكبوشيون فاليسوعيون فالكرمليون فاللعازاريون في سنة 1625 أسّس الكبوشيون رسالة في صيدا وفي السنة التالية رسالة في بيروت. في سنة 1645 أسّس الأب اميو اليسوعي رسالة في طرابلس وبعد بضعة أشهر رسالة في صيدا. وفي سنة 1656 أسّسوا مدرسة عينطورا ثمّ قدّم لهم الشيخ أبو نوفل الخازن دارًا في بيروت. وفي سنة 1643 أسّس الكرمليون أوّل دير لهم في مار ليشع القديم في وادي قاديشا، ثمّ أسّسوا ديرًا ثانيًا فيما بعد في طرابلس...

والحق يقال، ورغم بعض النواحي والنشاطات السلبية...، فقد بذل المرسلون الأوروبيون نشاطًا وافرًا في المجال الديني والعلمي والحضاري ووسّعوا انفتاح لبنان وخاصة الموارنة على الغرب. وكان لهم نفوذ كبير أيضًا في المجال السياسي وساهموا في النهضة الروحية والثقافية في البلاد. وكانوا مع المدرسة المارونية في روما والمدارس المارونية الأخرى مصدرًا رئيسيًا من مصادر الازدهار العلمي والروحي والحضاري في لبنان والمشرق...

وهكذا بلغت شهرة لبنان بالقداسة: في هذا العصر بالذات، حتّى أقاصي العالم. فقصده الشبان، غير المنضوين في الرهبنات، من أوروبا للانقطاع إلى الله في مناسكه وصوامعه، إذ اعتبروه البيئة المثلى لبلوغ القداسة وأعلى درجات الاتحاد بالله. وقد ذكر الدويهي نفسه بعضًا من شبان فرنسا الذين تركوا وطنهم وأهلهم وأتوا لبنان جنة القداسة والطهارة، والذي دعاه الصليبيون في تواريخهم "جبل القديسين" ودعاه العرب "جبل الأولياء الأبدال". والغريب أنّ أوّل لقب أطلق على لبنان، ورد في أوّل وأروع ملحمة شرقية، ملحمة جلجامش التي كتب نصّها في أوّل الألف الثالث قبل المسيح، فقد ورد هكذا: "لبنان، جبل الآلهة...".

ويقول الدويهي نفسه في هذا الصدد: "وفي سنة 1668، (وهي السنة التي سيم فيها مطرانًا) قدم من فرنسا أربعة انفس تجرّدوا عن العالم وقصدوا خدمة الله في محابس جبل لبنان. فاختار البعض منهم السكنى في دير مار آسيا بقرية كفرصارون (يقصد كفرصارون القديمة قرب الديمان)، والبعض دير مار ابون بارض الحدث، والبعض بمار أنطونيوس قزحيا... فأرفقهم البطريرك بأناس لترميم تلك الأماكن. وأمر وكيل الكرسي أن يعطيهم كل يوم مهما طلبوا من الأكل والشرب... ويستقبلهم كالأب الحنون عند حاجاتهم ويوصي كل الرعايا بتكريمهم كما لو كانوا من أولاد الطائفة وأكثر..." (تاريخ الأزمنة للدويهي، ص 364).

واشتهر من النساك الفرنسيين في لبنان الشريف "فرانسوا دي شاستوي" ولد فرنسيس غالوب دي شاستوي (De Chasteuil) في اكس بإقليم بروفانس سنة 1588، من أسرة شريفة وغنية جدًا. ومال إلى الزهد والانقطاع إلى الله... فجاء إلى لبنان في سنة 1632 (وكان الدويهي ابن سنتين). ويقول الدويهي نفسه في هذا الحبيس: "استحبس أولاً في سيدة حوقا. ثمّ انتقل إلى إهدن واستحبس في دير مار يعقوب الحباش ثم في دير مار سركيس رأس النهر في رئاسة البطريرك عميرة والأسقف الياس... وعندما غادر هذا الدير ليقيم في إهدن انتقل الحبيس إلى دير مار اليشاع في وادي قاديشا... وصار عبرة صالحة لأهل البلاد وبلغ أعلى المراتب في الورع والصوم والسهر وتلاوة الكتب وتجرّده عن العالم والتأمّل في الإلهيات حتى عمل المعجزات وتنبّأ عن المزمعات...".

هذا الحبيس بالذات ترك مخطوطة كبيرة باللاتينية يروي فيها سيرة حياته. وقد طبعها أخوه بعد في كتاب صغير هو الآن في حوزتنا. في الكتاب رسالة طويلة أرسلها فرانسوا إلى أهله في فرنسا يطلب إليهم فيها المجيء إلى إهدن لكي يخلصوا نفوسهم... ويقول فرانسوا بالحرف الواحد مترجمًا عن اللاتينية في الصفحة 64 من الكتاب: "... إنّي أتوسّل إليكم وأستحلفكم بالمسيح، إذا أردتم خلاص نفوسكم تعالوا إلى لبنان أرض القديسين... تعالوا إلى إهدن مدينة العلماء...، جنة عدن... جنة الفردوس... وموئل الزهد والنسك والقداسة والقديسين...). (هكذا بالحرف الواحد تمامًا...).

هذا عصر الدويهي الكبير. العصر الذي فيه ولد وترعرع درس وعاش وكتب، والذي فيه عانى وبشّر وتقدّس ومات. وقد حاولنا، مع شيء من التبسيط والاختصار، أن نلقي بعض الأضواء الكاشفة، على أهمّ النواحي والأحداث والرجال الذين صنعوا هذا العصر.

أجل! في هذا العصر بالذات، في عصر الظلم والاضطهاد والاستبداد في الداخل، والانفتاح على الخارج، في عصر الفتن والثورات والحروب، في لبنان الجريح المجزّأ والمقسّم، والذي ظلّ رغم ذلك جبل الآلهة، جبل القديسين، جبل الأولياء، ولد وعاش الدويهي الكبير أجل! في إهدن الجنة والجلجلة في آن، في مهد المارونية، وموئل البطاركة والأساقفة، عرين الأسود والأبطال، في منشأ الرهبنات، ومدينة العلماء، ومرتع الزهد والنسك والقداسة. ولد وعاش الدويهي الكبير. على كتف قنوبين وقاديشا ولد وعاش قديس البطاركة وبطريرك القديسين، فخر الموارنة وذاكرة المارونية، ومنارة أقداسنا، الذي عن حق وحقيق "مجد لبنان أعطي له"...، قديس إهدن – زغرتا... و"أبو التاريخ في لبنان"... عاش لبنان.