"الدويهي ذاكرة الموارنة"

 المرجع: كتيّب عنوانه: "الدويهي ذاكرة الموارنة" ، منشورات رابطة البطريرك إسطفان الدويهي الثقافية، 1990.
 


كلمة الأب لويس خليفة المحترم


أحبائي أعضاء رابطة البطريرك الدويهي الثقافية

ظاهرة فريدة أن يقوم مؤمنون علمانيون ببادرة كنيسة كانت تقتصر ولا تزال على رجال الإكليروس وحدهم، وهي السعي إلى الاهتمام بتطويب "قديس" وعبقري فذ – هو البطريرك إسطفان الدويهي. ظاهرة كهذه تنفس القلب وتبشر بنهضة مسيحية تصل إلى الجذور وهذا ما نتمنّاه.

على مثال البابا يوحنا بولس الثاني بنوع خاص – بأن يشارك المؤمنون العلمانيون، بما أتوا من جرأة وقدرة عقلية خلاقة، في ترقي كنيسة لبنانية هي بأمس الحاجة إليه، لتكون علامة وآية للجميع.

أهنئكم من القلب وأتمنّى لكم المثابرة في عناد ليرتفع البطريرك الدويهي على المذابح شفيعًا ومثالاً ومعلمًا.

لكم كل صداقتي ومحبتي سنة جديدة مباركة على لبنان كلّه. أشكركم على الكتيب "أين أصبحت قضيته؟!"

الأب لويس خليفه

جبيل سيدة المعونات


مقدمة


1- اللجنة المحلية لملاحقة درس دعوى تطويب المثلث الرحمة البطريرك العلامة إسطفان الدويهي منارة الطائفة المارونية مؤلفة من السادة:

جوزيف د. الرعيدي: رجل أعمال

جوزيف فرنجية: محامي بالاستئناف

أنياس معوض: مدير بنك البحر المتوسط الزلقا – بيروت

إميل عازار: رجل أعمال

أنطوان دحدح: رجل أعمال

سايد الجعيتاني: مدير مدرسة زغرتا الفنية العالية

هكتور المعراوي: رجل أعمال

يوسف زيدان: مدير مدرسة مار يوسف

سيمون المكاري: رجل أعمال

ميشال الدويهي: رجل أعمال

بطرس وهبه الدويهي: مدير مصلحة مياه زغرتا


قرّرت اللجنة ملاحقة قضية البطريرك الدويهي لدى المسؤولين الروحيين حتى النهاية وقرّرت طبع مؤلّفات البطريرك العلامة الدويهي الكبير، والقيام بنشاطات ثقافية ودينية لتعرف الناس على آثار الدويهي.

ونشر كتيب عن حياة الدويهي بمناسبة ذكرى انتخابه بطريركًا في 20 من شهر أيار على مطابع العصامي جوزيف الرعيدي تقدمة منه مجانًا.


2- الكتيب عن حياة البطريرك الدويهي الكبير بقلم الأب يوسف يمين مردّدين ما كتبه المطران بطرس شبلي رحمه الله "منهم من يذيع اسمهم في حياتهم ثم تموت معهم كصدى الصوت الذي يضمحل إذا سكت الصارخ. ومنهم من يجهلهم المعاصرون ثم ينشرون من قبورهم ويطبق ذكرهم الآفاق وتثبت الأجيال أقوالهم ويهتدي الشعوب بأنوارهم". ومن هؤلاء البطريرك إسطفان الذي نشر عليه النسيان ستاره فأضحى غريبًا بين شعبه وأمته التي خدمها حتى آخر رمق من حياته وكان الجميع يجهلون اسمه إلى أن أثارت الجنسية همة بعض الأدباء وبمقدّمتهم العلامة المطران يوسف نجم فأعلنوا ذخائر تأليفه وأتحفوا الطائفة بكنوز علمه ونشروا بالطبع نفائس كتبه. هل التاريخ يعيد نفسه بالنسبة لقضيته؟

3- قال سيادة المطران نصر الله صفير السامي الاحترام "البطريرك" في خطاب له في زغرتا بتاريخ 10/3/1985 بمناسبة تكريس كنيسة سيدة زغرتا على يد البطريرك الدويهي مخاطبًا النواب والوزراء والفعاليات من أبناء زغرتا الزاوية والمؤمنين قائلاً: "على المعنيين "أي على البطريرك خريش" تأليف لجان كنسية للقيام بهذا العمل وملاحقتها وقضية البطريرك الدويهي هي قضية تاريخية تطلب علماء ولاهوتيين تعينهم الكنيسة إذا كانت النية متوفرة...".

4- هل يدفع المثلث الرحمة منارة الطائفة المارونية البطريرك إسطفان الدويهي أب التاريخ اللبناني ثمن الخلاف السياسي؟ وما خص الدين في السياسة؟!

5- نحن الرابطة أبناء الكنيسة المراونية من لبنان عندنا النية المخلصة والعنيدة لملاحقة القضية لتحضير ملف الدعوى من قبل الكنيسة المارونية ولن نتراجع عنها وقمنا بكل ما طلب منا وجمعنا المال لهذه الغاية منذ سنة 1987.

6- ونختم بقول البطريرك الدويهي: "إننا عالمون أنّ الطريق لا تخلو من صعوبة أو امتحان وتعلمون أنّ حياة الإنسان على وجه الأرض حرب ولا فضل إلاّ بعد الصبر الجميل ولا يكلّ إلاّ من جاهد على ما في السنة والذهب مهما زاد تكرارًا في النار يزيده بهاؤه وأنتم تعبكم راحة على غيركم... نعمة ربنا يسوع المسيح معكم وتعطيكم نهمًا وعلمًا. آمين".

عن رابطة البطريرك الدويهي الثقافية

المحامي جوزيف فرنجية

وبطرس وهبة الدويهي


محاضرة للأب الدكتور يوسف يمين

عن

حياة العلامة الإهدني الكبير

البطريرك إسطفان الدويهي

(1630-1704)


بمناسبة الإعداد لدعوى تطويبه:

القسم الأول: (في مدرسة الريف – أيطو): "الدويهي: نشأته – عهد الدراسة – الكاهن والمطران.

القسم الثاني: (في دير مار سمعان – أيطو): "الدويهي بطريركًا: أعماله في سبيل الوطن – أعماله في سبيل الدين – أعماله في سبيل الرهبانيات – مؤلفاته وعجائبه".


البطريرك الدويهي العملاق


يقول بطرس شبلي مطران بيروت وواضع سيرة الدويهي: "إنّ العائلة الدويهية من أقدم عيال إهدن... استوطنت من قرى لبنان أشهرها موقعًا وأحسنها منظرًا وأطيبها هواء وأشدها شعبًا، قرية منّ عليها الباري بنعم الأرض والسماء أجرى فيها المياه الغزيرة حتى خيل لكثيرين أنّها عدن أو الفردوس الأرضي. وفيها قوم بواسل يهابهم القريب والغريب. فطروا على التقى ونبغوا بالذكاء والعلم وخرج منهم بطاركة ومطارنة ورهبان ورؤساء ورجال سياسة وقادة وأبطال وحسبهم شرفًا أن لا يذكر أحد قريتهم إلاّ وبادر إلى ذهنه اسم العلامة البطريرك إسطفان الدويهي وبطل لبنان يوسف بك كرم، وكلاهما فخر لبنان والطائفة المارونية..."

أولاً: مولده ونشأته (إهدن – روما – إهدن: من 1630 إلى 1655) قال البطريرك إسطفان الدويهي عن نفسه: "... إننا من طائفة الدويهية المشهورة بين جماعاتنا الموارنة في التقوى والعلم وسياسة الشعب، وقد خرج منها في الجيلين الماضيين ثمانية مطارين وبطركان، وكان مولدنا في سنة 1630 في 2 آب نهارًا، وهو تذكار مار اسطفانوس، وسمينا على اسمه ومنذ الصبا سلمنا والدانا إلى القراءة السريانية..."


ولد الدويهي إذًا يوم تذكار القديس إسطفان رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء المسيحيين. فدعاه والداه باسم هذا القديس كعادة المسيحيين عهد ذاك الذين كانوا يختارون شفيعًا لأولادهم أحد القديسين الذين تكرمهم الكنيسة يوم ولادتهم. ولد إسطفان من أبوين صالحين خيرين، وهما ميخائيل الدويهي ومريم امرأته وهي أيضًا من آل الدويهي. وكان له أخ واحد يعرف بالحاج موسى. وكان لهذا الأخير ثلاثة بنين هم الخوري ميخائيل والقس يوسف والحاج قرياقوس. كان إسطفان ابن ثلاث سنين لما توفي أبوه ميخائيل الدويهي سنة 1633 وتركه يتيمًا ولكن الرب ظلّله بجناحيه واعتنى به كالأم الحنون، لأنّه أعدّه ليكون إناء مختارًا ويحمل اسمه بين الشعوب.

كانت ولادة إسطفان في أيام الأمير فخر الدين المعني الكبير الذي نشر على الجبل اللبناني أعلام الأمن والراحة وشجّع الأدب والثقافة والعلوم وسهّل للموارنة الإقامة في كسروان والشوف والمقاطعات الجنوبية وبناء الأديار وفي هذه الفترة صار ضيق عظيم واضطهاد على الكرسي البطريركي على أثر الحروب التي وقعت بين الأمير فخر الدين وآل سيفا. وسنة 1638 نهب الأمير عساف منصور ابن سيفا دير قزحيا وسلب كل ما وجد فيه وأذاق المطارين والرهبان أمر العذابات...

أما إسطفان فمنذ نعومة أظفاره أرسلته أمه إلى مدرسة القرية لاكتساب الأدب والعلم. وكان التدريس في ذلك العصر مقصورًا على معرفة اللغة السرياينة وأصولها وإتقان الكتابة بحروفها وعلى معرفة مبادئ الديانة وطقوس الكنيسة. فسبق إسطفان أقرانه وأظهر سمو عقل منذ ذلك الوقت ومال كل الميل إلى العلم وانصبابه على الدرس مشفوعًا بالتقوى كأنّه أدرك من صغره أنّ العلم ليس بشيء بدون خوف الله. وقد لفت إسطفان أنظار رؤسائه فاختاره البطريرك جرجس عميره الإهدني وأرسله إلى المدرسة المارونية في روما ليكمل دروسه العالية برفقة القس سمعان التولاوي والشماس يوسف فتيان الحصروني ومعهم ثلاثة تلامذة آخرين هم: يوسف الرامي من رام البترون، وأخوه بطرس وبطرس ابن القس إبراهيم من بيت أميه من إهدن الذي صار مطرانًا على صيدا ومات سنة 1682.


ثانيًا: إسطفان في روما (1641-1655)

كان وصول إسطفان على روما في شهر حزيران سنة 1641، وكانت المدرسة المارونية زاهرة محترمة لدى أهل العلم في البلاد الغربية لأجل الخدمات التي قام بها تلامذتها منذ نشأتها، وقد أسّسها البابا غريغوريوس الثالث عشر ذو الذكر الصالح سنة 1584... وقد برز من هذه المدرسة الكبيرة رجال عظام اشتهروا بسعة العلم وعمق الثقافة وعظم الفضيلة وكانوا في أساس النهضة الأدبية والعلمية والدينية في لبنان والبلاد العربية... نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: جرجس عميره الإهدني، نصر الله شلق العاقوري، مرهج نيرون الباني، ابراهيم الحاقلاني، بطرس التولاوي، ميخائيل الغزيري، ما عدا الملافنة الكبار الذين خرجوا من هذه المدرسة بعد الدويهي كالسماعنة وغيرهم... ولعلّ أفضل وصف لدور هؤلاء الموارنة الكبار هو ما كتبه المستشرق الإيططالي الكبير كبريالي إذ قال: "الموارنة هم تراجمة البشرية. هضموا الحضارة الاغريقورومانية من جهة والحضارة السريانو مشرقية من جهة ثانية. فكانوا من سفراء البلدان الأوروبية في الشرق ومعلّمي اللغات الشرقية في الغرب. وهكذا كونوا الخط الواصل حضاريًا بين الشرق والغرب... إنّها لرسالة بشرية كونية..."

دخل إسطفان المدرسة المارونية في روما وهو ابن إحدى عشرة سنة. وفي هذا الوقت كان الآباء اليسوعيون الأفاضل يتولون إدارة المدرسة. فعكف إسطفان على الدرس بكل ما فطر عليه من الحماسة الإهدنية واضعًا نصب عينيه مثال من سبقه من المشهورين فحذا حذوهم في ممارسة الفضيلة والكد باقتباس العلوم على اختلافها... وما لبث أن أحرز قصب السبق على جميع أقرانه، و"تسامى عليهم كما يتسامى النسر على الطيور، فعلت منزلته عند معلّميه ورؤسائه".

والدويهي كان لين العريكة، دمث الخلاق، رقيق الطباع، وديعًا، تقيًا، متصفًا بكل ما يستميل إليه ويجتذب به محبة القلوب. على أنّ شدة مواظبته على الدرس والمطالعة والبحث كفت بصره وعاد لا يستطيع القراءة، فحار في أمره، وحزن رؤساؤه ورفاقه عليه. وقد طال عماه فاحتمله بصبر وفرح، ولم يشق عليه سوى شيء واحد هو اضطراره إلى الانقطاع عن الدرس والقراءة، وهو الذي كان يمني النفس بنيل الشهادات العالية، لكنه احتال على المرض بأنّه كان يستدعي بعض رفاقه ويكلّفهم أن يتلوا عليه ما ألقي على مسامعهم من دروس. وبهذه الطريقة لم يخسر شيئًا ولم تفته قضية ممّا كانوا يسمعون في المدرسة.

وأخيرًا لما رأى أنّ العلاجات البشرية عادت لا تنجح، نزل إلى الكنيسة وخر أمام أيقونة العذراء مريم وابتهل إليها بإيمان قوي، ونذر لها نذرًا ألزم ذاته به ولم يفض به إلى أحد طوال أيام حياته. فكان هذا الدواء هو الشافي له تمامًا. فعاد إليه نظره أحسن ممّا كان قبل المرض، وظلّ هكذا إلى ساعة وفاته. (وبالمناسبة كان للدويهي عينان خضراوان واسعتان جميلتان جدًا... كما يؤكّد أقاربه وعارفوه وواضعو سيرة حياته) وهكذا تمكّن الطالب إسطفان الدويهي من إنهاء دروسه الفلسفية واللاهوتية والتاريخية والطقسية بتفوق كبير جدًا. وكان يتقن عدة لغات.


الدويهي الفيلسوف


ختم البطريرك الدويهي الدروس الفلسفية بمحاورة فلسفية طويلة سنة 1650 وفقًا للطريقة المألوفة في الكليلات، أعني أنّ الطالب ثبت قضية فلسفية ما، وبعد إثباتها يعترض عليه المعلمون ومن شاء من الحاضرين، وهو يفنّد اعتراضاتهم. فإن نجح وكانت أطروحة سليمة حاز الكليل ومأذونية التعليم وإلاّ فلا. أما إسطفان فقد قام إسطفان بهذه المحاورة أحسن قيام تحت رئاسة الكردينال كابونيو، وهرع كبار الأساتذة والعلماء إلى سماعها والإصغاء إليه يدافع عنها ببراعة فائقة، فنال استحسانهم وتصفيق الجماهير، وأمر نيافة الكردينال المذكور بطبع هذه الأطروحة فطبعت في روما سنة 1650.

وبعد الفلسفة تابع إسطفان دراسة اللاهوت جاهدًا مثابرًا، ولم يمض سوى يسير من السنين حتى أدهش الجميع بذخائر حكمته ومداركه، وكان معلمه الأستاذ اسبارسا الشهير الذي تعاطى التدريس في معاهد كثيرة في أوروبا، وكان يقول أنّه لم يتتلمذ له أحد نظير إسطفان. وكثيرًا ما كان يفوّض إليه إقامة المحاورات في المحافل التي تقام في المدارس.
وقد أنهى إسطفان هذه الدروس اللاهوتية بأطروحة سنة 1654، على اسم البطريرك يوحنا الصفراوي – من الصفراء ساحل كسروان – مظهرًا بذلك تعلّقه القوي بطائفته ورؤسائها (ولا تزال هذه الأطروحة اللاهوتية مفقودة إلى اليوم!)

ولمّا أنهى دروسه القانونية طلب منه آباء المجمع المقدّس أن يبقى في روما معلمًا للفلسفة واللاهوت، وهي منزلة لم يبلغها شرقي قبله. ولما اعتذر حاول أحد كبار الرومانيين إغراءه بمرتب ضخم ليقوم بتدريس أولاده، نظرًا لما سمع عنه من الإطراء والثناء، فلم يلتفت إسطفان إلى ذلك قط. وقد حاولت الرهبنات الكبرى في روما إدخاله في صفوفها، وخاصة الآباء اليسوعيون فلم يفلحوا..وقبل رجوعه من روما وضع كتابًا باللغة اللاتينية أسماه "الفردوس الأرضي" وقد شرع بتأليفه لما كان تلميذًا، يحاول أن يثبت فيه أنّ إهدن هي عدن أو جنة الفردوس كما جاء في التوراة وأنّ الأرز إنّما هو بقية الأشجار التي زرعتها يد الرب كما قال الأنبياء. ومخطوطة هذا الكتاب النفيس باقية إلى الآن في بطون خزائن المكتبة الفاتيكانية...

ظل الدويهي في روما، بعد إنهاء دروسه العالية نحو ستة أشهر كان يطوف خلالها مدارس المدينة ومكتباتها، يفتش عن كل ما فيه ذكر للبنان والموارنة من تصانيف الأقدمين وكتب الحديثين. وقد كان هو تلميذ يتردّد على مكتبات روما أيام العطلة بدلاً من الذهاب مع الآخرين إلى المنتزهات والحدائق. وكان في المدرسة المارونية آنذاك مجموعات من الكتب والمخطوطات ثمينة وقديمة العهد أهداها إلى المدرسة رؤساء الطائفة السابقون. فكان يعمل فيها بحثًا ومطالعة وتدقيقًا، وينسخ منها كل عبارة يجد فيها ذكرًا للبنان وللموارنة. وعلى هذه المخطوطات – وعلى غيرها فيما بعد – كان اعتماد الدويهي في تسطير تاريخ المشرق ولبنان بوجه عام، وتاريخ الكنيسة المارونية بوجه خاص والدفاع عنها ورد التهم الباطلة ببراهين دامغة ومستندات ثابتة.

إنّ المدرسة المارونية في روما تشكّل منارة كبرى في تاريخ المارونية المشرق. وتلامذتها الأفذاذ خطوا أروع الصفحات في تاريخ الشرق والغرب. ويعود الفضل إلى الدويهي في رفع أول تاريخ لها ولتلامذتها. وقد اختصر مؤخرًا الدكتور نعيم باردو أثر هذه المدرسة الرائدة فقال: "لم يقتصر أثرها على الغرب وحده عبر الصهيوني وعميرة وشلق والحاقلاني والغزيري والسماعنة وسواهم، بل كان أثرها الأكبر في الشرق من خلال بطاركة وأساقفة وكهنة وعلماء، قدموا للشرق والغرب معًا من أجل الخدمات في حقول الدين والسياسة والعلم والثقافة"...

وقد حفظ الغرب ذكرهم فدخلوا تاريخه: عبر الطباعة مع يعقوب بن هلال الذي لقبوه "دي لونا" وتعليم السريانية ونشرها مع عميره والشدراوي والحاقلاني والرزي وشلق والعاقوري والقولاوي، وتقديم المخطوطات الشرقية وجمعها وتحرير فهارسها مع حوا والسماعنة، وتعليم اللغة العربية والترجمة منها وإليها مع الصهيوني والحصروني والشدراوي والحاقلاني والسماعنة ومبارك... وبفضل كل هذه النشاطات أصبح الموارنة على علاقة وثيقة ومباشرة إن دينيًا أو ثقافيًا مع الكرسي الرسولي ومع عدد من جامعات روما وفلورنسا وبيزا ورافينا وبادوفا والبندقية وباريس وفيينا وسلامانكا وغيرها...

أمّا الدويهي، وقبل رجوعه إلى لبنان فكان موضوع إغراء شديد ومتعدّد: من طالب إليه البقاء في روما معلمًا للفلسفة واللاهوت، ومن ساع إلى إقناعه بالدخول في رهبانيته، ومن ألح عليه بالبقاء للتعليم والتأليف... وقد أدرك الدويهي مسبقًا أنّ دوره في لبنان والمشرق ففضّل الرجوع إلى وطنه. وفي هذا الصدد يقول المطران بطرس شبلي: "إنّ كل هؤلاء لم يعلموا إلى ما كان الله يدعوه".

وقبل أن يعود إسطفان إلى لبنان عيّنه المجمع المقدس لنشر الإيمان مرسلاً رسوليًا، وخصّص له معاشًا مرموقًا. وقد حصل ذلك بعناية العلامة الماروني إبراهيم الحاقلاني. وكانت عودته إلى لبنان في اليوم الثالث من شهر نيسان سنة 1655.

لقد فضّل الدويهي العودة إلى وطنه لبنان، والتدريس تحت الجوزة والسنديانة، على التدريس في جامعات روما وأوروبا... ألم تكن مدرسة "تحت السنديانة" أول مدرسة في لبنان؟ ألم تنطلق من تحت أفيائها الحركة الأدبية والثقافية والعلمية تلك الحركة التي كانت في أساس هذه النهضة المشرقية الحديثة؟ وكما يقول غبطة البطريرك الماروني نصر الله صفير: "... وإنا لنجد الدويهي في أساس هذه النهضة الثقافية المباركة.. لقد مارس على أكمل وجه رسالة التدريس والتعليم والتقديس، فكان عنوانًا ضخمًا من عناوين الفخار كتبته يد إهدن السخية في صفحة من أنبل صفحات تاريخنا الماروني اللبناني الحافل بالمآثر والمبررات..." (مجلة "المنارة" السنة 22، العدد الثاني 1981، ص 370، 393).

ولا عجب، أنّه ابن إهدن وكفى!...


الدويهي الكاهن


عاد الطالب إسطفان الدويهي من روما إلى لبنان في اليوم الثالث من شهر نيسان سنة 1655. وكان قد اقتبل في روما الدرجات الكهنوتية الصغرى أي: المرتل والقارئ والشدياق والشماس. وفور عودته، وبعد تقديم مراسم الطاعة البنوية لغبطة البطريرك والسادة الأساقفة، توجّه إلى بلدته إهدن حيث بدأ يعلّم الأولاد ويلقّنهم مبادئ القراءة والكتابة والواجبات الدينية، وذلك في دير مار يعقوب الأحباش.

وفي السنة الثانية بعد قدومه إلى لبنان أي سنة 1656، في الخامس والعشرين من آذار يوم عيد البشارة رقاه البطريرك يوحنا الصفراوي إلى درجة القسوسية أي كاهنًا على مذبح دير مار سركيس رأس النهر في إهدن.
ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أنّ هذا الدير هو من الأديار القديمة جدًا في لبنان. فالوقف المثبت في فهرس المكتبة المديسية لإسطفان عواد السمعاني ص 34، والموضوع في اللغة اللاتينية، يشير إلى أنّ مار سركيس إهدن كان عامرًا بالنساك والرهبان سنة 1509 يونانية أي سنة 1198 ميلادية.

وبعد سيامته كاهنًا، تابع الدويهي تعليم الأولاد. في غضون ذلك شرع بتأليف كتاب في سر القربان الأقدس، وهذا الكتاب صار بعدئذ كتاب المنائر العشر – "منارة الأقداس" – الذي جمع فيه الدويهي شتات العلوم الكنسية من ليتورجية ولاهوتية وعقائدية وروحانية، وأظهر به سمو عقله وعمق تقواه وثقافته الدينية الواسعة.

ولمّا علم البطريرك جرجس السبعلي منزلة الدويهي من العلم والقداسة أوفده، في مدخل صوم 1657، مرسلاً بطريركًا إلى مدينة حلب حيث كان للموارنة مكانة مرموقة. فانصرف إسطفان إلى التعليم والتهذيب والإرشاد وإقامة الرياضات الروحية. وغيرته الرسولية جعلته يوحّد كلمة الطوائف المسيحية على ما كان بينها من خلاف. فاهتمّ كثيرًا باليعاقبة وأعاد منهم كثيرين إلى حضن الكنيسة الكاثوليكية وعمل هو والقس عبد العال أخيجيان رفيقه في المدرسة المارونية في روما على تأسيس الكنيسة السريانية الكاثوليكية، كان زميله أخيجيان أوّل بطريرك سرياني كاثوليكي عليها...

مكث الدويهي في حلب ثمانية أشهر، عاد بعدها إلى إهدن حيث سكن في دير مار يعقوب الأحباش، برفقة الخوري موسى ابن الحاج يوسف، وكان يدرس الأولاد ويخدم النفوس، منكبًا على الصلاة والتأمل.

وفي سنة 1662 طلب الموارنة في حلب من البطريك جرجس البسبعلي، الآنف الذكر، أن يرسل إليهم واعظًا لاهوتيًا يرشدهم في سبيل الخلاص ويعلّمهم كيف يجاوبون المنشقين والأراطقة في ما يخص الحقائق الإيمانية.

والموارنة في حلب قديمو العهد هاجر كثير منهم من لبنان في أوائل القرن التاسع عشر وذلك على أثر الحروب التي وقعت بين الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير ويوسف باشا ابن سيفا. فقد تسلّم هذا الخير أيالة طرابلس سنة 1621 وجار كثيرًا على الأهالي فهاجر كثيرون إلى الشام وحلب واللاذقية وغيرها من المدن السورية. وسنة 1638 نال موارنة حلب من السلطان مراد الإذن بتجديد كنيسة مار الياس الحي – الذي خدم فيها الدويهي - وبجدهم ونشاطهم أمسوا في أواخر القرن السابع عشر في مقدّمة الطوائف المسيحية ونجحوا في كل المجالات. وقام منهم عدد من الأدباء والعلماء أسّسوا مدرسة حلب الشهيرة، وجاء ثلاثة شبان منهم إلى لبنان فأسسوا الرهبنات اللبنانية المارونية بشكلها المنظّم الحديث، وهم عبد الله قرألي وجبرائيل حوا ويوسف البتن. ثم انضمّ إليهم اللغوي والأديب الكبير جرمانوس فرحات...

كان الحلبيون قد عرفوا الدويهي لما كان بينهم سنة 1657 برفقة اندراوس أخيجيان، وعرفوا قدره وتعلّقوا به، فطلبوه من البطريرك الذي لبّى طلبهم ورقّاه إلى رتبة البرديوطية التي تخول صاحبها أمر زيارة الرعية وتفقّد شؤونها (...)

كانت كنيسة حلب المارونية حديثة العهد، لذلك لا نجد عليها أساقفة مارونيين قبل المطران يوسف البلوزاني ثم خلفه على هذا الكرسي المطران جبرائيل البلوزاني سنة 1663 التي فيها توجّه الدويهي إلى الشهباء. وجبرائيل البلوزاني هذا هو الذي خلف الدويهي على كرسي أنطاكية ورمّم دير سيدة طاميش الشهير وأسّس الرهبنة الأنطونية المارونية...

كان الدويهي قد حذق فن الوعظ منذ زمن بعيد. وتعوّد أن يلقي المواعظ على جميع طبقات الناس يوم كان طالبًا وشماسًا في روما وكاهنًا في بلدته إهدن. وكان الإقبال على سماع مواعظه في حلب كبيرًا حتّى لقّب بفم الذهب الثاني. وهاكم ما كتبه عنه أحد النساخ الحلبيين، بعد أن أغرق اسمه في بحر من الألقاب المسجعة: "كمل هذا الكتاب وذلك بأيام رئاسة رأس الرؤساء والأبهات المتوّج بأعلام الشرف والكرامات المعلم الفاضل والعالم الفيلسوف الروحاني فم الذهب الثاني... السعيد البطريرك الأنطاكي ماري إسطفانوس السالك في آثار الآباء القديسين، المقيم في دير قنوبين. كان سابقًا كاهنًا في هذه الكنيسة (أي كنيسة مار الياس الحي المارونية في حلب)، ولم يسمع مثل كرازته ومواعظه..." وقد وردت هذه الكتابة في خاتمة أحد كتب الفرض المنسوخ سنة 1671، أي بعد سنة من ارتقاء الدويهي سدة البطريركية.

وكان الحلبيون لا يزالون، على ما يبدو، يتناقلون أخبار مواعظ الدويهي، بعد أكثر من ثلاثمائة سنة من ذلك، على ما يقول الأب توتل اليسوعي في توطئته لطبعة تاريخ الأزمنة: "ويتحدّث الحلبيون إلى يومنا عن إقبال المسيحيين في ذلك العهد لسماع عظاته، فتضيق بهم الكنيسة، فنقل المنبر إلى جانب الباب ومنه يبلغ الصوت الجماعة الواقفين في الفسحة الخارجية وبينهم الكاثوليكي.

وخلال إقامته في حلب صنّف الدويهي كتابًا في الوعظ والإرشاد في مجلدين. وذكرت مجلة المشرق 1 أيار (1904) شهادة سلّمها الدويهي للأب يسون اليسوعي سنة 1664 إذ كان مرسلاً في حلب أثبت فيها تمسّك الموارنة بعقيدة براءة العذراء مريم من كل دنس الخطيئة... وفي مكتبة باريس الوطنية – قسم المخطوطات السريانية عدد 334 – (وقد قرأناها شخصيًا) رسالة أخرى عن اعتقاد الكنيسة المارونية بسر القربان الأقدس واستحالة العناصر والأشكال المادية إلى جسد المسيح ودمه. وهذه الرسالة – الشهادة موقّعة ومختومة باسم إسطفان الهدناني (وبالتحديد "العدني" عدنويو بالسريانية، من عدن – الجنة أو الفردوس – وهذه كانت دومًا عبارة إمضائه وختمه...)، خوري وكاروز الطائفة (المارونية) في حلب، ومرسل من المجمع المقدس لنشر الإيمان، وتاريخها 9 آب 1666...

واغتنم الدويهي فرصة وجوده في حلب لجمع المخطوطات الثمينة والنادرة التي لها علاقة بتاريخ الشرق وملله ونحله، وبتاريخ الموارنة والدفاع عن معتقدهم الكاثوليكي السليم. ومعروف أنّ حلب كانت عهدئذ تعتبر حقًا في مقدمة المدن الشرقية ثروة وعلمًا وثقافة...

وبالإضافة إلى كل ذلك فقد رعى الدويهي مدرسة الموارنة في حلب واهتمّ بها كثيرًا، وظلّ يرعاها حتى بعد صيرورته بطريركًا، فبعث إليها كاتب أسراره الخوري بطرس التولاوي العلامة الكبير المشهور بغزارة علمه ومؤلّفاته، ويقول الخوري بطرس روفايل في مؤلّفه الفرنسي: دور المدرسة المارونية في رومة في حركة الاستشراق (بيروت 1650، ص 115): "إنّ المدرسة المارونية في حلب التي علم فيها التولاوي اكتسبت بفضله، وبسرعة، شهرة كبيرة... وقد أصبحت مركز الحركة الثقافية والعلمية التي امتدّت شيئًا فشيئًا إلى سوريا... وكان التولاوي، خريج رومة، يعلّم اللاتينية، والإيطالية، وكان طلاّبه من جميع الطوائف ومن أبرزهم: جبرائيل حوا وعبد الله قرألي وجرمانوس فرحات الذين أسّسوا الرهبانية اللبنانية (في دير مارت مورا في إهدن سنة 1695) وصاروا أساقفة، ونقولا الصايغ وعبد الله زاخر اللذان أسّسا الرهبانية الشويرية للروم الكاثوليك وأصبحا مجدًا لطائفتهما..." وجدير بالذكر أيضًا أنّ نقولا الصايغ كان من رواد الحركة الشعرية الحديثة في لبنان والمشرق، وعبد الله زاخر كان مؤسّس أوّل مطبعة بالحرف العربي في لبنان بعد مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا (1610) التي بدأت تطبع بالحرف السرياني – وبالكرشوني أي بالحرف السرياني وباللفظ العربي...

ويقول البطريرك نصر الله صفير وكان بعد مطرانًا، مشيرًا إلى تأثير الدويهي في حلب وفي مدرستها: "وإنا لنجد إسطفانوس الدويهي في أساس هذه النهضة الثقافية المباركة..." (مجلة "المنارة" السنة 22، العدد الثاني 1981، ص 370).


الدويهي الأسقف


في سنة 1668، بعد العيد الكبير، ترك الخوري إسطفان الدويهي حلب الشهباء إلى القدس الشريف قاصدًا زيارة الأماكن المقدّسة، هو ووالدته وأخوه الحاج موسى وأناس كثيرون حيث تباركوا من المواقع المقدّسة التي تردّد بها المخلص في القدس وبيت لحم والناصرة وغيرها. وعند الآباء الفرنسيسكان في القدس الشريف في السجل الذي يحتوي على أسماء الزوار ذكر لقدوم الدويهي إلى المدينة المقدّسة بهذه العبارة: "في 28 أيار سنة 1668 زار الأماكن المقدّسة: الأب المحترم إسطفان الدويهي كاهن ماروني ولاهوتي، الأب المحترم جبرائيل إبراهيم (حوا) الكاهن الماروني، الرجل المعتبر موسى الدويهي الماروني(شقيق البطريرك) الشاب المكرم باخوس الدويهي الماروني (نسيب البطريرك) مريم الراهبة المارونية، ولا غرو أنها أم البطرك.

بعد زيارته الأراضي المقدّسة عاد الدويهي، برفقة الوفد المرافق إلى مدينة طرابلس، ثم صعد إلى بلدته إهدن، وكان يرغب في العودة إلى حلب. فاحتفل بمقدمة أهله ومواطنوه أروع احتفال. وبعد صعوده إلى إهدن مثل بين يدي البطريرك جرجس السبعلي في دير سيدة قنوبين كرسيه. فطلب أهالي إهدن من السيد البطريرك أن يرفع الخوري إسطفان إلى درجة الأسقفية مكافأة على أتعابه في سبيل الطائفة والدين وإكرامًا لعلمه الواسع ومناقبه الحميدة...

فأجاب السيد البطريرك ملتمسهم العادل العادل، وسقفه على أبرشية قبرص. وقد ارتقى البرديوط إسطفان الدويهي درجة الأسقفية في الثامنة والثلاثين من عمره. وإليكم ما قاله هو شخصيًا في هذا الصدد في كتابه تاريخ الأزمنة: "وفي سنة 1668 يقول صاحب هذه التواريخ أنّنا توجّهنا إلى القدس الشريف. وبعدما تبركنا بزيارة تلك المواقع مع والدتنا وأخينا الحاج موسى وعدنا بالسلامة إلى لثم أيدي السيد البطريرك جرجس في دير قنوبين، اتّفق أنّه رفعنا إلى درجة المطرانية على أسقفية قبرص (أي نيقوسيا). وكان ذلك في الثامن من شهر تموز. وأمرنا أن نخرج إلى زيارة الرعايا الذين في أيالة طرابلس وجزيرة قبرص. ولئلا نكون عبيدًا بطالين أشغلنا نفوسنا بسياسة الشعب وبجمع هذه الأخبار لأجل إفادتنا وقصد الإطلاع على أحوال البلدان التي نحن مقيمون بها..." (تاريخ الطائفة المارونية، طبعة رشيد الشرتوني، بيروت 1890، ص 240).

عند ارتقاء الدويهي إلى مطرانية قبرص، كانت هذه الأبرشية مترملة من نحو أربع وثلاثين سنة، أي منذ وفاة المطران جرجس مارون الدويهي الإهدني رئيس دبلوماسية فخر الدين الكبير، سنة 1634، غير أنّه لا بد من الإشارة هنا إلى أنّ البطريرك جرجس البسبعلي كان قد أقام المطران سركيس الجمري الإهدني أسقفًا على قبرص لما تعيّن من دوق سابوديا مبلغ 300 ريال ذهبي لمطرانية الموارنة في قبرص، إلاّ أنّ الجمري لم يدخل الجزيرة ومات في مرسيلية سنة 1668، أثناء أحد أسفاره إلى أوروبا مكلفًا من البطريرك بأمور تخص الطائفة ولبنان...

دخل الموارنة جزيرة قبرص منذ القديم. وتدلّ بعض المخطوطات التاريخية القديمة أنّه كان لهم أديار ورهبان وكنائس منذ أوائل القرن الثاني عشر، وأثناء الحملات الصليبية الأولى. وكانوا كثيري العدد فيها في القرن الثالث عشر، وذلك بعد أن اشترى الملك غويدو دي لوسينيان الافنرجي ملك القدس جزيرة قبرص من ركاردو ملك انكلترة. فاستدعى إليها النصارى من بلاد أنطاكية وأعمال طرابلس وأرمينية وغيرها. فقدم كثيرون إلى المملكة الجديدة طلبًا للراحة في ظل عرش مسيحي وهربًا من الحروب التي لم يكن لسعيرها خمود على البر. بعد ذلك استولى المسلمون على الديار المشرقية وانهزم الافرنج... إلاّ أنّ أسرة لوسينيان استمرّت تحكم في قبرص. فرحل إلى الجزيرة كثير من موارنة سوريا ولبنان الذين جذبهم رابط الدين والخوف من الاضطهاد. فكثر عدد الموارنة هناك وعظم شأنهم حتى أنّهم استوطنوا نيفًا وستين قرية... ولما انتقلت قبرص إلى حكام البندقية لم تزل مهربًا يلجأ إليه الموارنة أيام الضيق والاضطهاد... ويثبت ذلك ما وجد على بعض الكتب الطقسية القديمة التي كانت في قبرص حيث تقرأ أسماء أناس من كور ورام وترتج، وهي قرى في بلاد جبيل والبترون. وقد جاء في إحدى المخطوطات القديمة العبارة التالية: "كتبت هذه الأحرف... على يد يعقوب... من معاملة البترون من قرية رام جار عليه الزمان وجاء إلى قبرص وسكن في مارينا..." ومارينا قرية في قبرص وهي إلى الآن مارونية، قدم إليها موارنة من وادي قنوبين ونقلوا معهم ذكر القديسة مارينا الراهبة الناسكة المارونية المعروفة...

وفي غمرة القرن السادس عشر هاجر أيضًا إلى قبرص عدد من موارنة جبيل والبترون عندما غزا المتاولة الحماديون هاتين المقاطعتين واستولوا عليهما.. ولنا دليل على ذلك ما ذكره الدويهي نفسه في تواريخ سنة 1510، قال في تاريخ الأزمنة: "إنّه لأجل الضنك والضيق الذي صار في بلاد الشام هاجر كثيرون ودخلوا بلادًا بعيدة. وانه في مركب واحد دخل من بلاد جبيل إلى قبرص مائة وعشرون نفسًا من ترتج ولحفد وغيرهما وبنوا كنائس في كليبيني ومطوشي وكان بينهم الحاج ميخائيل اللحفدي أحد المطران جبرائيل القلاعي الذي سكن في قرية طالا..." وطالا اودالي قرية معروفة في الجزيرة فيها دير كبير للروم كان قبلاً للموارنة. ومطوشي وكليبيني قريتان قبرصيتان، واشتهرت الأولى بأنّها أعطت الموارنة عدة علماء من خريجي المدرسة المارونية في رومة.

كان للموارنة، منذ العهد الصليبي، كرسي أسقفي وكان صاحب هذا الكرسي يسكن ما بين رعيته إلى أن دخل الأتراك الجزيرة سنة 1571، وقتلوا حاميتها وجيوشها وذبحوا عددًا من المسيحيين وقيل أنّه قتل من الموارنة خمسة عشر ألفًا وفي رواية أخرى ثلاثون ألفًا... ومنذ ذلك الحين أصبحت الجزيرة في يد الدولة العثمانية وتشوشت الأحوال فيها فعاد كثير من الموارنة إلى لبنان والبعض انتقلوا مع البنقدقيين إلى جزيرة مالطة... وجعل بعد ذلك أساقفة قبرص الموارنة إقامتهم في لبنان، وكانوا يذهبون حينًا بعد آخر لزيارة رعيتهم المنقطعة عن بقية الطائفة...

قبل الدويهي إذًا درجة الأسقفية من يد البطريرك جرجس السبعلي في اليوم الثامن من تموز سنة 1668. وكانت ترقيته في دير سيدة قنوبين مركز البطريركية المارونية. وكانت حالة وأوضاع الأساقفة والمطارين في تلك الأيام غير ما هي عليه اليوم. ذلك لأنّ البلاد لن تكن بعد قسمت إلى أبرشيات معروفة بحدودها منفصلة عن بعضها ومستغلّة بسبب الفقر وقلة الأمن في سائر الجهات وجريًا على قديم العوائد. كان الأساقفة يأخذون اسم الكراسي دون أن يرتبطوا بخدمة الأبرشية التابعة لهذا الاسم ولا يعقدون مع كنيستهم ذاك الاقتران الروحي المرموز عنه بالخاتم، لم يكن سكنهم في وسط رعيتهم وشعبهم ولا كانوا يعنون بسياسته وتدبيره، بل كانوا يقيمون في أحد الأديار أو في الكرسي البطريركي. وكان السيد البطريرك يوجّههم كل سنة إلى الرعايا ويسلّمهم منشور البركة ويفوّض إليهم أمر الزيارة القانونية وتثبيت الأحداث وجمع العشور... ولم يجر بخلاف هذه العادة سوى مطارنة قبرص الذين جعلوا إقامتهم في الأبرشية حتى أواخر القرن السادس عشر، حين دخل الأتراك الجزيرة وذبحوا الموارنة بالآلاف كما ذكرنا آنفًا... ولما عقد المجمع اللبناني الشهير عام 1736 قسمت الطائفة المارونية إلى ثمان أبرشيات وفصلت بحدود ثابتة وأمر المجمع الأساقفة الرعاة أن يستلموا ويتولوا تدبيرها ويقيموا ضمن حدودها بشكل ثابت ونهائي.

أمّا المطران إسطفان الدويهي فلم يهتم بوجود دير أو كرسي لسكناه ولا بجمع مال ينفقه في تكريم مقامه وتعززه تجاه عيون العالم بل نهض فورًا كالعبد الأمين الصالح للمتاجرة بوزنات سيده وذهب مرسلاً من قبل البطريرك لزيارة أبناء الطائفة وأخذ يتجوّل بين رعايا الجبة والزاوية والضنية وعكار واعظًا مرشدًا مجتهدًا في أمر خلاصهم وتدبير شؤونهم. بعد ذلك أبحر إلى قبرص رعيته الخصوصية وشرع بجمع الموارنة وتنظيم كنيستهم معلمًا واعظًا ومرشدًا بكل الغيرة والنشاط اللذين قطر عليهما.وبالإضافة إلى ذلك أخذ يبحث، حسب عادته المشكورة، عن الكتب والمخطوطات الطقسية والروحية والتاريخية الباقية في الجزيرة منذ القديم، وقد حمل معه منها إلى لبنان قسمًا كبيرًا لدى مغادرته الجزيرة. وأما الكتب التي لم يتمكّن من اقتنائها، فإنّه كعادته أيضًا نسخ حواشيها والتعاليق المكتوبة عليها والمتعلقة بتاريخ المشرق ولبنان والموارنة...


بطريرك الموارنة الدويهي


من عادة الدويهي أن لا يتحدّث عن نفسه وأعماله ومآثره إلاّ بأسطر قليلة وبشكل غير مباشر. وهذا طبعًا من شيم النفوس الكبيرة ومزايا الرجال العظام الذين لا يستعطون المديح من الغير، فهم يدركون، عن قناعة وكبر، أنّ الرضى من الذات ينبع من الداخل. فالدويهي لم يترك لنا ذكرًا لرسالته في إهدن وحلب وقبرص إلاّ بشكل خاطف وفي أسطر قليلة. وهو لم يشر إلى أعماله في قبرص إلاّ في سطرين اثنين وردًا في رسالة بعثها إلى تلميذه العلامة الماروني الأب بطرس مبارك، المرحوم (يقصد جرجس السبعلي) وقدمنا إلى درجة المطرانية إلى قبرص فزرناهم وتعبنا فيهم جهدنا..." غير أنّ الله قيد لواضع سيرة حياته بطرس شبلي، مطران بيروت، أن يذهب إلى قبرص سنة 1902 ويقتفي آثار الدويهي عن كثب.

أدق كتاب صدر عن حياة الدويهي إلى الآن هو: "ترجمة أبينا المغبوط إسطفانوس بطرس الدويهي بطريرك انطاكية (1630-1704)"، صدر في بيروت في مطبعة النهضة سنة 1913، ثم طبع مجددًا في منشورات مدرسة الحكمة – بيروت، سنة 1970 لمناسبة مرور ثلاثمائة سنة على انتخاب الدويهي بطريركًا على الموارنة. ونحن بدورنا ننقل إليكم هنا أهم ما جاء بقلم شبلي عن أعمال الدويهي في قبرص.

هناك كتابة بخط الدويهي نفسه باقية إلى الآن على كتاب طقسي قديم هو كتاب "الشحيم" موجود في النيابة الأسقفية المارونية في قبرص. هذا الكتاب كان سابقًا في كنيسة مار رومانوس في قرية فونو. وسكان هذه القرية كانوا كلهم موارنة أما الآن فإنّهم من طائفة الروم، ولم يبق للموارنة هناك إلاّ كنيسة قديمة وبعض أوقاف تتيعها. والكتاب المذكور أوقفه على كنيسة مار رومانوس المارونية ابراهيم ابن الخوري جرجس الترتجي من قرية كليبيني خريج مدرستي رافينا وروما. وابراهيم هذا عاد إلى قبرص سنة 1669 وسيم كاهنًا من يد المطران إسطفان الدويهي نفسه في السابع من شهر أيار من السنة المذكورة على مذبح مار رومانوس المشار إليه. وكتب ابراهيم بيده باللغة الإيطالية على كتاب الشحيم السابق ذكره تاريخ سيامته كاهنًا وينعت الدويهي بمجد الطائفة المارونية Splendore della Nazione Maronite.. وفي آخر الشحيم الأسطر الآتية بالكرشوني بخط الدويهي نفسه: "إسطفانوس المطران الحقير لقبرص – فلما كانت سنة 1668 ربانية أنا الحقير بين الرؤساء أتيت إلى زيارة هذه الجزيرة المحروسة التي اؤتمنا عليها (...) وفي هيكل مار رومانوس رسمنا شمامسة بالترتيل والبوابية (يقصد الدرجات الكهنوتية الصغرى) شماس حنا بن مركو وجرجس ولد خرسطفورس الله يباركهم وينسيهم في ربح الوزنة التي اقتبلوها. ولله المجد دائمًا أبدًا..."

ويوجد في بكركي إلى اليوم طبليت (والطبليت في اللغة الكنسية – من الإيطالية Tabletta أي طاولة صغيرة – كناية عن قطعة مستطيلة أو مربعة من الخشب – أو الرخام فيما بعد – توضع إلى اليوم في وسط المذبح تحت آنية التقديس...) هذا الطبليت كرّسه المطران إسطفان الدويهي لرعية كمبيلي في شهر آذار سنة 1669. وقد وجده المطران بطرس شبلي في الكنيسة المهجورة لتلك القرية المذكورة وحمله معه كذخيرة ثمينة قدّمها للبطريرك الياس الحويك كأثر فاخر من أحد أسلافه العظام. وجدير بالذكر أنّ بلدة كمبيلي تقع بالقرب من مدينة مطوشي المعروفة وسكانها اليوم مسلمون بعد أن كانوا كلّهم موارنة في القديم...

وفي قرية اصوماتو وجدت كتابة أخرى بخط الدويهي هذا نصها: في سنة 1669م حضرت أنا الحقير في المطارنة المطران إسطفان الدويهي الهدناني (حرفيًا "العدني" – عدنونو – من عدن: الجنة أو الفردوس)، مطران جزيرة قبرص لزيارة أولاد رعيتي الموارنة الكائنين في جزيرة قبرص وإلى أهالي قرية اصوماتو في اليوم الثالث عشر من آذار المبارك من السنة المرموقة (1669) المحروسين من الله وثبتناهم في ميرون الخلاص والله يثبتهم في أمانته... ورسمنا عيسى ولد مخايل شماسًا مرتل وبواب والمولى بنور عقله ويرشده إلى الدرجات (الكهنوتية) العالية.

ومن حين ارتقائه إلى الدرجة السقفية، وخلال إقامته في قبرص، أخذ الدويهي يجمع وينقّح ويكمل الشرطونية. والشرطونية كلمة محرفة عن اليونانية معناها وضع اليد. ويقابلها في السريانية "سيم ايدو" بالمعنى نفسه، وفي العربية السيامة أي قبول الدرجات الكهنوتية. ورتبة وضع اليد عن صلاحية الأسقف. لذلك سمت في الغرب Pontificat أي الكتاب المختص بالأسقف. وهذا الكتاب يحتوي على رتب عددها عدد الدرجات الكهنوتية الصغرى والكبرى. والصغرى هي المرتل والقارئ والشدياق والكبرى هي الشماس والكاهن والأسقف. ومنذ كانت كنيستنا السريانية الانطاكية المارونية كان لكل أسقف كتابه الخاص يستخدمه عند إيلاء رتبة ما، وهذه الكتب الخاصة المخطوطة يخالف بعضها بعضًا وتصعب قراءتها. فجاء الدويهي يجمع ويقابل، ينقّح ويصحّح، يفسّر يكمل النسخ القديمة المستوحاة من الآباء الشرقيين الأقدمين. فجاءت شرطونيته أول شرطونية مارونية موحّدة متماسكة ومتكاملة. وكتابه المخطوط هذا موجود إلى اليوم في خزانة البطريركية المارونية في بكركي. وفي صدر الكتاب الأسطر الآتية: هذه شرطونية المعلّم الفريد والراعي السعيد المشهور بالعلم والعمل الصالح ذكره البطريرك إسطفانوس بطرس الانطاكي بركة صلواته تحفظنا. وعلى الصفحات الأولى أسماء الذين قبلوا الدرجات الكهنوتية المقدسة من يده المباركة من شهر أيار سنة 1669، وهو أسقف في قبرص، إلى 5 نيسان 1704 أي قبل شهر من وفاته. وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ الدويهي عاد وقام بمشروع إصلاحي ثان للشرطونية وهو في السدة البطريركية. وجاء المشروع الثاني أكثر انفتاحًا وتكاملاً.

وهذا النص محفوظ إلى اليوم في مكتبة مطرانية بيروت المارونية. وعمل الدويهي الأخير هذا عمل جماعي وعلمي. فقد قارن بين كل ما توفر لديه من نصوص قديمة، ومنها أقدم نص للبطريرك إرميا العمشيتي الشهير سنة 1215. والدويهي بعمله هذا ناهض ما أمكن لليتنة النصوص المارونية، ولو كان قد استعان بخريجي المدرسة المارونية في رومة، وأدخل، على سبيل المثال – تكريس يدي الكاهن الجديد بالميرون المقدّس كما هي العادة عند اللاتين. ولقد حظي عمله الخطير بموافقة الكرسي الرسولي لما فيه من الحقائق الإيمانية والعقائد اللاهوتية والنفحة الروحانية العميقة. والدويهي نفسه بعد أن ذكر بقرار مجمع نشر الإيمان، عمّم شرطونيته وفرضها على كنيستنا المارونية. ومات الدويهي... ولما يطبع نصه إلى اليوم! غير أنّ الرابطة الكهنوتية نشرت بالزنكوغراف سنة 1986، وببعض التصرف للتسهيل، نص مخطوطة شرطونية الدويهي هذه، وبأعداد محدودة...

وفي مكتبة مطرانية بيروت المارونية أيضًا مصحف قديم نسخه كسبار الغريب القبرصي الماروني أول تلامذة المدرسة المارونية في رومة وأحضره الدويهي معه من قبرص، ثلاث رسائل نسخها الدويهي بالكرشوني. الأولى من البابا أدريانوكس السادس إلى البطريرك شمعون الحدثي. تاريخها 1522، والثانية من البابا بولس الثاني إلى البطريرك يوسف ابن حسان الحدثي بتاريخ 1469، والثالثة من البطريرك موسى بن سعاده من الباردة – بلاد عكار إلى البابا بولس الرابع بتاريخ 1564، وفي آخر هذه الرسالة علّق الدويهي هذه العبارة: "هذه الثلاث رسالات وجدتها أنا الحقير مطران إسطفان سنة 1669 ربانية في شهر آذار بقرية "مريين" أو "مركين" (والقبارصة يسقطون حرف الكاف للتخفيف...) ومركين هي قرية باقية حتى اليوم في حوزة الموارنة وملكهم وهي على مسافة ربع ساعة من بلدة اصوماتو...

وعلى كتاب صلوات كان سابقًَا في كنيسة قرباحيا (وهي قرية مارونية بقرب اصوماتو أيضًا) وجدت هذه الكلمات: "قرأ في هذا الكتاب الحقير في الرؤساء إسطفان الدويهي من إهدن مطران قبرص سنة 1669 مسيحية في 26 من شهر شباط المبارك في أيام سيدنا البطرك جرجس (السبعلي)..."

والدويهي جلب معه من قبرص العديد من المخطوطات والكتب المتنوعة ليؤلّف منها، عند سنوح الفرص – وقد سنحت – كتبًا تاريخية متعدّدة كانت وما زالت من المراجع الأولى لتاريخ المشرق ولبنان والموارنة. من هذه الكتب مثلاً تاريخ الأزمنة، تاريخ الطائفة المارونية، كتاب الاحتجاج، الشرح المختصر، كتاب المحاماة، السلسلة البطريركية إلخ... وقد رأى بعض العلماء المتأخرين أن يتثبتوا من دقة العلامة الدويهي التاريخية، فبحثوا في الكتب التي نقل عنها معلوماته المتنوعة، فوجدوه أمينًا مدققًا، شديد الحرص على سلامة النقل والترجمة. فأصبح من هذه الناحية "أب التاريخ الماروني واللبناني"، كما عرفه بعض العلماء والمؤرخين. ووضعه واضع تاريخ لبنان العام العالم الأب مارتين اليسوعي بأنّه "أعلم مؤرخي الطائفة المارونية ومن أحرص العلماء دقة في سرد الأخبار ونقل المعلومات التاريخية"... (ص 120) وهو بحق من أول من أدخل الروح العلمية (L'esprit Scientifique) في كتابة التاريخ.


وفي اليوم الثاني عشر من نيسان سنة 1670، وكان الدويهي يومها في قبرص، توفي البطريرك جرجس السبعلي بعد أن قاسى من جور الحكام مشقات كبيرة. كان يومها قاطنًا في دير مار شليطا مقبس فوق قرية درعون.

وحدث أن انتشر في تلك الأيام وباء الطاعون وتفشى خاصة في أيالات طرابلس والشام وحلب، وقيل أنّه أمات في حلب ماية وأربعين ألفًا، وفي الشام خمسة وسبعين ألفًا وعددًا كبيرًا في الجبة والزاوية وطرابلس... وقد توفي بهذا الوباء البطريرك السبعلي وهو مقيم بعد في دير مار شليطا مقبس هربًا من الاضطهاد... خاف الأهالي أن يدفنوا البطريرك داخل الكنيسة، خوفًا من الوباء، فدفنوه في قبر قديم محفور في صخرة حفرت عليها هذه العبارة بالسريانية: "المجد لله. تنيّح بهذا القبر جرجس بطرس بطريرك انطاكيا الماروني من بسبعل سنة 1670 مسيحية في اليوم الثاني عشر من نيسان".

وبعد خمسة أسابيع، انتخب إسطفان الدويهي، مطران قبرص، بطريركًا على الموارنة...


الدويهي ذاكرة الموارنة


(1670-1704)


كان المطران إسطفان الدويهي في قبرص عندما توفي سلفه البطريرك جرجس البسبعلي بداء الطاعون في دير مار شليطا مقبس في درعون – كسروان. وليس بيدنا دليل على أنّه بلغه خبر وفاة البطريرك في قبرص. واتّفق أنّ شدّة وطأة الطاعون منعت مطارين الطائفة وأساقفتها وأعيانها عن الاجتماع لانتخاب بطريرك جديد. وكان في غضون ذلك أنّ المطران إسطفان أتمّ رسالته في قبرص وزيارة الرعية وبرح الجزيرة عائدًا إلى لبنان. وعند وصوله إلى مرفأ طرابلس علم بوفاة البطريرك فتوجّه فورًا إلى قنوبين وهناك وجد المطارنة جرجس حبقوق البشعلاني وجبرائيل البلوزاني وبولس الدويهي وجمعًا حافلاً من الأوجه والعيان، فبلغوه وفاة رأس الطائفة. ولم يجتمعوا في اليوم التاسع بحسب الرسوم، حتى توفي القس انطونيوس الرزي الذي كان وكيل دير قنوبين، وقد أعاقهم عن الاجتماع بوقته خوفهم من وطأة الوباء لأنّ وكيل دير قنوبين المذكور كان قد أصيب به أيضًا. ثم اجتمعوا في اليوم الأربعين لوفاة البطريرك، أي في العشرين من شهر أيار سنة 1670، واتّفقت كلمتهم على تنصيب المطران إسطفان الدويهي بطريركًا انطاكيًا على الطائفة المارونية. ولما درى الدويهي بذلك، هبت في نفسه شعائر القديسين وتمثّلت لعينيه صورة الأحبار الفضلاء الذين رسموا أقوال الإنجيل بأعمالهم الطاهرة وظهروا كالكواكب النيرة في سماء بيعة المسيح، وتذكّر الآباء الذين حسبوا كل شيء كالنفاية ليربحوا المسيح ويوجدوا فيه... ففروا إلى البراري هربًا من مجد العالم وغروره الباطل...

تمنّع المطران إسطفان أولاً بشدة، رافضًا مقام البطريركية، واحتجب عن أعين الناس، إلاّ أنّ الأساقفة والأعيان عادوا فألحّوا عليه بقوّة وألزموه بذلك، فقبل البطريركية متكلاً على مراحم الرب راعي الرعاة الأعظم. وانتشر الخبر فملأ القلوب فرحًا وهلّل الشعب تهليلاً وكان يوم جلوسه من أبهج الأعياد وأبهاها. ولقد تمّت رسامته في 22 أيار 1670 في دير سيدة قنوبين. وفور جلوسه على السدة البطريركية، استدعى الدويهي الشماس يوسف بن بربور الحصورني وسامه كاهنًا وأرسله إلى روما ليقدّم باسمه الطاعة والخضوع للكرسي الرسولي المقدّس ويلتمس من رئيس الأحبار التثبيت ودرع الرئاسة، وذلك جريًا على عادة سلفائه المغبوطين البطاركة الموارنة، آخذًا معه عرائض السادة الأساقفة وأعيانها وفقًا للتقليد الماروني المعمول به لغاية يومنا هذا. ولكن البطريرك الدويهي لم يتمكّن من إرسال قاصده حالاً إلى رومة لأنّه اضطر أن يأتي إلى بلاد كسروان أولاً هربًا من جور الحكّام وتعسّفهم. وثانيًا لأجل الوقوف على خاطر الشيخ أبي نوفل الخازن الذي لم يكن حاضرًا وقت الانتخاب...

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ وجوه وأعيان الطائفة العلمانيين كانوا يحضرون انتخاب البطاركة، كما أنّه كان لهم يد في تعيين الأساقفة والمطارنة. وهذه العادة تسلّمها الموارنة من أجدادهم، وكانت سائدة في الشرق والغرب معًا. غير أنّ الكنيسة الغربية كانت قد ألغت هذه العادة منذ أواسط القرن الخامس عشر... أمّا الكنائس الشرقية فلا يزال قسم منها يجري على هذه العادة إلى يومنا هذا. أما في الكنيسة المارونية فقد أبطلها المجمع اللبناني الشهير الذي انعقد في سنة 1736، وحصر حق انتخاب البطاركة (والأساقفة) بالمطارنة والأساقفة وحدهم...

وكان لتوجّه البطريرك الدويهي إلى كسروان وإقامته في دير مار شليطا مقبس – بين درعون وغوسطا- الأثر الطيب في قلب أبي نوفل الخازن، الذي، بعد لقائه بالبطريرك وتعرفه إلى شخصه، أدّى له واجب الطاعة وبالغ في إكرامه، لما شاهد فيه من رجاحة العقل وسمو الأخلاق وعلامات التواضع والقداسة... وبعد أن أزال الدويهي تحفظ أبي نوفل الخازن وجّه قاصده الأب يوسف الحصروني إلى رومة لالتماس درع التثبيت من البابا إقايموس العاشر (1670-1676) فوصل الحصروني إلى رومة في العاشر من تشرين الثاني 1671. بيد أنّه لم يحصل على براءة التثبيت إلاّ في الثامن من آب 1672، لأنّ بعض الأعيان والرؤساء كانوا قد كتبوا إلى رومة – قبل لقاء البطريرك وأبي نوفل – مظهرين عدم رضاهم، إما لكونهم لم يكونوا حاضرين في الانتخاب بسبب الوباء الشديد، وإما لكونهم رفضوا الاقتراع له مع الأكثرية. وعندما عرف الدويهي بهذا كتب على قاصده في رومة رسالة يأمره بها أن يرجع إلى لبنان دون التماس درع التثبيت. وقيل أنّه لما همّ بأن يختم الرسالة هذه بالخاتم البطريركي لم يلصق الحبر بالورق، على الرغم من أنّه فعل ذلك ثلاث مرات متتالية... فعدا البطريرك هذا الأمر إشارة من الله على صواب انتخابه وحينئذ ترك الرسالة ولم يعد يبعثها إلى مندوبه، وترك ما هو جار من معارضة لأمر الله تعالى، متكلاً على عنايته الفائقة...

أقام البطريرك الدويهي إذًا، أثناء رحلته الأولى إلى كسروان في دير مار شليطا مقبس. وكان مار شليطا من الأديار المارونية القديمة في كسروان، جدّده الخوري يوحنا محاسب الفسطاوي سنة 1628، كما هو ظاهر إلى اليوم على البلاطة الموضوعة فوق باب الكنيسة وهذا نصّها: "كملت عمارة هذا الدير المبارك مار شليطا في أيام سيدنا البطرك يوحنا مخلوف (الإهدني) الانطاكي في تاريخ سنة ألف وستماية وثمانية وعشرين مسيحية. بيد المعلم نقولا الشامي، وكان المعتني الخوري يوحنا المحاسب والخوري عطيا والخوري فرح والقرى المذكورة ودرعون وبطحا وعجلتون وعشقوت".

وقد جدّد البطريرك الدويهي كنيسة الدير وبنى منزلاً بقرب الدير يقيم فيه البطاركة الموارنة إذا جاؤوا تلك الناحية. وهذا المنزل باق إلى الآن بجانب الكنيسة لجهة الشرق. وفي هذا الدير استدعى الدويهي سنة 1672 الخوري لوقا القرباصي تلميذ المدرسة المارونية في رومة ورقاه مكانه على كرسي نيقوسية بقبرص. وبقي هذا المطران في خدمة النفوس في الجزيرة ثلاثًا وأربعين سنة ومات فيها سنة 1715.

وفي أثناء وجوده في كسروان عمل الدويهي كثيرًا في خدمة أمته وطائفته وتاريخها بكل اندفاع وثبات ومحبة، وواجه برباطة جأش نادرة الأحداث السياسية والاجتماعية الصعبة والاضطهادات المتنوّعة التي وقعت في أيامه. فقد قضى معظم أوقاته يطوف الجبل متفقدًا أبناءه ومعزيًا، منجدًا المشتتين في جميع أنحاء لبنان، جامعًا المخطوطات القديمة، ناسخًا ومؤلفًا، واعظًا ومرشدًا ومكرسًا الأديرة والكنائس.... وتجدر الإشارة هنا أنّ الكنائس التي كرّسها البطريرك إسطفان الدويهي، في خلال بطريركيته الطويلة، بلغ عددها خمسًا وثلاثين كنيسة أي بمعدّل كنيسة في كل سنة من سني بطريركيته، وكانت موزّعة في مناطق الشمال وكسروان والفتوح وعاليه والشوف... (ومنها كنائس مار أنطونيوس قزحيا، مار ميخائيل شوريا، ومارت مورا في إهدن، وسيدة زغرتا...)

عاد الدويهي إلى كرسيه في قنوبين في أواخر سنة 1672، وأخذ يواصل إدارة وتنظيم كنيسته ويتابع التقنيات التاريخية والتآليف المفيدة التي بدأها وهو تلميذ في روما كما رأينا سابقًا، ولم يكف عن فحص الكتب المارونية، من روحية ولاهوتية وطقسية وتاريخية، فينسخ ويصحّح وينظّم ويترجم ويؤلّف.

في سنة 1674 زار قنوبين المركيز دي نوانتال سفير ملك فرنسا لويس الرابع عشر، فأكرم البطريرك نيافته وخصّه بمجالي الترحيب والحفاوة، اعتبارًا للملك العظيم الذي يمثله ومحافظة على العلاقات التاريخية التي كانت تربط الموارنة بفرنسا. ويقول المطران شبلي عن هذه الزيارة: "... ولم يكن ليأخذ المركيز نوانتال ملل من مشاهدة الشعب الماروني ونقاوة طويته وسلامتها. وإنّه لما جلس إلى مائدة السيد البطريرك ونظر حوله كهنة الكرسي الأفاضل خيّل إليه أنّه جالس بين الرسل الأطهار في علية صهيون. وتذكارًا لزيارة قنوبين أمر المركيز أحد المصوّرين الذين كان يصحبه بأن يرسم على صحيفة أحد شلالات نهر قاديشا الذي تحت الدير المذكور. ثم من قنوبين صعد المركيز لزيارة الأرز الخالد برفقة السيد البطريرك وتبعهما جمهور الإكليروس والشعب. وطلب السفير أن يقام مذبح في وسط تلك الغابة الفريدة لتقدم عليه الذبيحة المقدّسة تمجيدًا للعزة الإلهية، التي بعنايتها الفائقة حفظت تلك الأشجار المقدّسة اثرًا للأعصار السالفة ورمزًا لقدرة الله وخلود لبنان. وقدّم البطريرك قطعة من خشب الأرز إلى السفير لينحت فيها تمثال لملك فرنسا لويس الرابع عشر، فيكون خشب الأرز بصلابته وعدم فساده رمزًا للعلاقات التاريخية بين فرنسا والكنيسة المارونية..."

وفي سنة 1675 تجدّدت الاضطرابات والحوادث في الشمال، وخاصة في مناطق الجبة والزاوية بسبب ظلم وتعسّف الحكام الحماديين.. فاضطر البطريرك إلى التوجّه، مرة أخرى، إلى كسروان وسكن دير مار شليطا مقبس السالف الذكر، وهناك تابع عمل التوحيد والإرشاد والبحث والتنقيب والتأليف. على أنّه في هذه المرة، لم يلبث طويلاً في كسروان لفقدان الانسجام بين مشايخ تلك الناحية. فتوجّهه في صيف تلك السنة نحو الأمير أحمد المعني، حاكم الشوف الذي كان في دير القمر عاصمة الحكام المعنيين صيفًا، فاستقبل بكل حفاوة وترحيب. وخصّص له الأمير المعني جناحًا وكنيسة في قصر الأمير أمين في بيت الدين. ثم استأجر البطريرك من الأمير قرية مجدل المعوش، فجدّد كنيستها وشيّد مسكنًا بجوارها له ولمرافقيه. وشمل نظره أبناء الطائفة المشتتين في تلك الجهات، فنظّم أمورهم وعزّز مكانتهم...

وبعد أن قضى الدويهي ثلاث سنوات في الشوف قدم أناس من الجبة ومعهم رسائل من آل حمادة إلى الأمير المعني يقدّمون بها للسيد البطريرك الاعتذار والخضوع التام ويعدونه بالقسم أنّهم لن يعودوا يخلفون معه بشروطهم...

فسامعهم البطريرك ورجع وإياهم إلى الشمال. بيد أنّ الحكّام الحماديين لم يحافظوا طويلاً على عهودهم التي قطعوها على نفوسهم أمام الأمير المعني بحفظ الشروط والأمن وترك النصارى وشأنهم، بل حنثوا بالدعوة ونكثوا بالعهود وعادوا إلى إثارة الاضطرابات وأحداث الجور والاضطهاد.

وفي سنة 1676 توفي البابا إقليموس العاشر وخلفه البابا اينوشنسيوس الحادي عشر (1676-1689)، فحرّر له البطريرك مهنئًا ومقدمًا فروض الطاعة والإكرام باسمه وباسم الموارنة، وبالفرصة نفسها عرض على قداسته حاجات الكرسي البطريركي وحالة الشعب الماروني... وممّا قاله الدويهي في هذه الرسالة: "... وكنت عزمت على نفسي بالقدوم إليكم ولكن ما قدّر الله من كثرة الضنك والاضطهاد الحادث على شعبكم الماروني، وخاصة في هذه السنوات الثلاث رأوا من المحن والمشقات ما لم يره شعب إسرائيل من الفراعنة... فإنّ ضياعًا كثيرة حلت وبعض الأديرة احترقت، والكنائس انهجرت، وتقتل شعب كبير والباقي تفرّقوا بين الأمم القريبة بسبب تغيير الحكام وقساوتهم... ثم دخلت هذه السنة (1676) بالجراد الزحاف حتى غطى وجه الفلك والأرض، ثم تبعه القحط والغلاء حتى زادت الأسعار خمسة أضعاف عمّا كانت أولاً... لكن أحكام الباري غير مدركة، ومهما يجينا من جانبه مقبول على الرأس والعين..."

وفي سنة 1685 جرى في رومة احتفال باهر لمناسبة مرور مائة سنة على تأسيس المدرسة المارونية الشهيرة حيث تلقّى الدويهي دروسه العالية ونبغ فيها. وقد أمر الكردينال نرلي محامي الطائفة المارونية أن تفرش قاعة المدرسة بالأقمشة المزركشة وأن تعلّق على جدرانها صور الذين نبغوا من تلامذتها وشرفوها بأعمالهم الجليلة. وبلغ عدد التلامذة الذين وضعت صورهم على جدران القاعة أربعة وعشرين، منهم ثلاثة بطاركة على الكرسي الانطاكي وهم إسطفانوس الدويهي، جرجس عميرة، واندراوس أخيجيان السرياني الكاثوليكي، واثني عشر مطرانًا... ثمّ أمر الكردينال بطبع كراسة صغيرة باللاتينية عن هذا اليوبيل ضمنها صور المذكورين مع كلمة ثناء على ثبات الطائفة المارونية في الإيمان القويم، كما أمر برسم صورة الدويهي في صدر الكراسة مع تقريظ له هذا مؤداه:

"ليس من مديح يوفي الدويهي حقه، لأنّه يفوق كل ثناء. رقي إلى السلطة فوجد أعلى من هذا المقام، واجتهد في أن يفوق ما سواه لا بالعظمة بل بالصلاح والفضل. كتب تواريخ أمته ووطنه وطقوسهما، فاستحق بذلك المديح والثناء. فلتذع إذًا مناقبه ليس في الأجيال الحاضرة وحدها، بل في العصور السالفة واللاحقة أيضًا... سار سيرة رهبانية. وكان يتفرّغ لشأن نفسه ولخدمة الله كمن ليس له رعية يهتم بتدبيرها. وكان يهتم بالآخرين كمن ليس له انشغال بذاته وبالله. وكان يسعى دومًا في أن يغني غيره. يا لها من ديار سعيدة أخذت من رئيسها بدلاً من أن تدفعها لولي أمرها..."

وفي الواقع لم تكن تقلبات الأحوال السياسية واهتمامات الدويهي بتدبير وتنظيم وإصلاح طائفته في تلك الأجيال العصيبة، لتصرفه عن الاعتناء بالمدرسة المارونية في رومة. فقد أنشأ مدرسة في قنوبين ليختار من تلامذتها من يتوسّم فيهم الذكاء والنجابة. ويتبيّن علامات الدعوة فيرسلهم إلى روما للتحصيل العالي. "وكان هو نفسه من اختار السمعاني ومبارك والتولاوي وغيرهم ممن أصبحوا من مشاهير العلماء الذين قامت عليهم وعلى أمثالهم النهضة العلمية في القرنين السابع والثامن عشر في هذا الشرق. فاقتفى بذلك آثار ابن بلدته وسلفه البطريرك يوحنا مخلوف الذي فتح أوّل مدرسة إكليركية في الشرق سنة 1624 لتعد طلابًا لمدرسة روما، كما يقول البطريرك نصر الله صفير (وكان بعد مطرانًا)، في مجلة "المنارة" السنة 22، العدد الثاني، 1981، وكان الدويهي يشجّع تلامذة رومة ويستحثّهم على الإقبال على العلم والتمرس بالفضائل ويعدهم بالمراتب الساميةعلى ما يتّضح من هذه الرسالة التي وجّهها إليهم وقد قال فيها: "نتعهّد لكم بأجل المراتب عندما تعودون إلينا بالسلامة موقرين بالعلم والفضائل". ويذكرهم في رسالة ثانية بغية سفرهم فيقول: "ولم نرسلكم إلى بلدان بعيدة برًا وبحرًا إلاّ لتتعلّموا العلوم الإلهية وترجعوا فتفيدوا غيركم وتتاجروا بالوزنات لأنّ الشرق مفتقر لمن يعلمهم ويهذبهم ويعزيهم على قبول الاضطهادات..."

وقد كتب البطريرك سمعان عواد في الدويهي يقول: "إنّه كان يؤانس صغار التلامذة الإكليركيين في مدرسة قنوبين، ويحرّضهم على مواظبة العلم ومخافة الله، ويأتيهم بالمأكل والحلوى وبالفواكه يقطفها لهم بيده ويأكل معهم على المائدة... وأنا الحقير سمعان عواد قد شرّفني بمؤاكلته جملة مرات وكان يحبني كثيرًا...".

وما كان اهتمامه بالكهنة بأقل منه بطلاب الكهنوت، فكان يثني على غيرة الفضلاء منهم ويؤدب المتوانين. وهذا ما أكّده البطريرك سمعان عواد نفسه بقوله: "أمّا الكهنة النشيطون الذين يرعون قطيعهم على مثال الراعي الصالح فكان يكرّمهم أشد الإكرام. وإذا توفي أحدهم يحضر بنفسه جنازه ويقيم لأجله الصلوات. بخلاف الكهنة المتوانين فإنّه كان يوبّخهم ويعاقبهم على ما يزالون فيه من مقتضيات درجتهم المقدّسة..."

وكان البطريرك الدويهي يعتمد على الأساقفة والمطارنة في سياسة الطائفة. فيوفدهم إلى الرعايا قيامًا بالواجبات الأسقفية. وقد ذكر مؤرخو سيرة حياته أنّه رقى، إبان بطريركيته التي دامت أربعة وثلاثين سنة، أربعة عشر مطرانًا إلى الدرجة السقفية، أي بمعدّل مطران كل سنتين.

وكان للدويهي فضل كبير في نشأة الرهبانيات اللبنانية المارونية. فهو من استقبل الشبان الحلبيين الثلاثة: يوسف البتن وعبد الله قرألي وجبرائيل حوا، بعد أن زاروا الأماكن المقدّسة. وهو الذي أذن لهم بإنشاء الرهبانية، وشجّعهم وساعدهم وألبسهم الإسكيم الرهباني في 10 تشرين الثاني سنة 1695، في قنوبين، وأعطاهم دير مارت مورا في إهدن ليسكنوا فيه، بعد أن أدخل عليه الإصلاحات اللازمة. وهو من ثبت الرهبانية سنة 1700، بعد أن نظر في قوانينها. ويقول البطريرك نصر الله صفير في هذا المجال: "يمكننا القول أنّ ما تقوم به الرهبنات اليوم من عمل رسولي وثقافي واجتماعي يرجع الفضل الأول فيه للبطريرك إسطفان الدويهي الكبير...".

كان الدويهي ابن الشعب، منه وإليه، في كل ما هذه العبارات من معان. كان يعرف كيف يلين مع الضعفاء ويتصلب مع الأقوياء. أمّا عدله في أحكامه وشفقته على رعيته ولطفه ودماثة أخلاقه، فحدث عنها مهما شئت. ولهذا كانوا يفدون إليه من كل جهة، يعرضون له شؤونهم، ولم يكن يعاملهم كالراعي الصالح فقط، بل كالأم الرؤوف أيضًا، فيعين المحتاجين ويهدي الضالين ويقضي بالقسط للمساكين ويدافع عن المظلومين ويحب الفقراء. ولم يكن يستخف بأحد على الإطلاق وقد بلغ من اتضاعه انه كان إذا جاءه أحد الفلاحين لاقاه إلى الباب وأجلسه على كرسي وسقاه الخمر بيده وأسرع إلى قضاء حاجته... ورغم انشغاله بالتنقيب والتأليف والنسخ وإدارة الكنيسة كان يجد دومًا متسعًا من الوقت لينظر في ما ينشب بين أبنائه من خلافات كان يحسمها بروح العدل والمحبة. وإلى ذلك كله كان الدويهي رجل البناء والعمران. فغالبًا ما كان يتجول ليتفقد شؤون الرعية ويعمل على ازدهارها. وقد بلغ عدد الكنائس التي كرّسها خمسًا وثلاثين كنيسة، أي بمعدل كنيسة كل سنة،وكانت موزّعة في أغلب المناطق وأنشأ ورمّم الكثير من الأديار والكراسي. وفوق ذلك وفى الدويهي ديونًا كثيرة كانت قد تراكمت على الكرسي البطريركي بسبب ظلم الحكام وصروف الدهر، واشترى له أرزاقًا في حدشيت وسرعل وأميون وطرابلس وزغرتا وغيرها من المقاطعات تأمينًا لمورد له ثابت...

وبفضل ثقافته الواسعة وتضلعه في التاريخ، ونظره الثاقب، كان البطريرك الدويهي رجل الحوار في الداخل ورجل الانفتاح على الخارج. فبفضل رسائله وقصاده ووفوده وبعثاته رسخ العلاقات القائمة بين الموارنة ولبنان من جهة وبين أوروبا، وفرنسا والكرسي الرسولي بنوع خاص، من جهة ثانية، وذلك في المجالات الروحية والفكرية والعلمية والوطنية...

والملفت حقًا، وما نريد أن نشدّد عليه في هذا المجال، هو أنّ الدويهي رغم انفتاحه على الخارج، بقي رجل التوفيق والاتزان والاعتدال والتفاعل والتكامل. وبعبارة أخرى، لقد أراد الدويهي، عن سابق قصد وتصميم، أن يكون انفتاحه إنسانيًا شخصانيًا، أي أن يرسخ هذا الانفتاح هويته الذاتية التي هي في جوهرها مارونية لبنانية انطاكية مشرقية. لقد جاء انفتاحه من منطلق حضاري مشرقي عريق وليس من عقدة نقص أو محاكاة. لذلك فقد نتج عن انفتاحه هذا إغناء وإثراء وتكامل في شخصيته الحضارية. واعتداله المدرك الواعي أبقاه في الخط السليم وجنّبه التطرف المحظور: فلم يقع في السلفية المنحدرة من جهة، ولم يسقط في الالينة من جهة ثانية. وعل سبيل المثال لم يسقط في "الليتنة" كما سقط غيره...

ففي سنة 1695 ساءت أحوال الموارنة في الشمال كثيرًا، وخاصة في منطقة الجبة، فضيق الحكام على البطريركية المارونية، وطلبوا منها خمسة آلاف غرش ذهبًا، ظلمًا وعدوانًا، فدفع البطريرك ألفي قرش فقط فأبى الغاشمون ممّا اضطر البطريرك إلى الفرار لاتقاء الاضطهاد والعذاب، والاختباء في كهوف أعالي وادي قنوبين. ثم رفع البطريرك شكواه إلى الباب العالي فأبرز السلطان أحمد فرمانًا إلى والي طرابلس وقاضيها يأمرهما به ألاّ يطلبا من دير قنوبين أكثر ممّا هو معين في الدفاتر القديمة، وألاّ يعترض أحد للبطريرك الماروني ورهبانه. ومع تغير الولاة والحكام كان الاضطهاد يتجدّد مرة أخرى ممّا دفع البطريرك أن يطلب من ملك فرنسا لويس الرابع عشر المتوسط لدى الباب العالي لرفع هذه التعديات عن البطريركية والطائفة المارونية. وكان هناك رسائل وبعثات متبادلة بين البطريرك والملك ممّا وطّد العلاقات بين الموارنة والملك. وفي سنة 1701 طلب الدويهي من ملك فرنسا منحًا دراسية للطلاب الموارنة في "معهد لويس الكبير" فوعد الملك أخيرًا. وبعد وفاة البطريرك بسنتين تحقّق هذا الوعد وبدأ الطلاب الموارنة في سنة 1706 يسلكون، لأوّل مرة، طريق باريس، مثلما سلكوا لمائة وعشرين سنة خلت طريق رومة لينهلوا من معاهدها العلوم العالية...

وقد تعاقب على كرسي رومة، إبان بطريركية الدويهي الطويلة خمسة بابوات. فاستغلّ الدويهي هذه المناسبة وأرسل إلى رومة العديد من الرسائل والبعثات والوفود، واستقبل من قبلها المرسلين والقصاد، فتوطّدت هكذا وترسّخت العلاقات القديمة بين الكرسي الرسولي والمورانة، وبلغت، أيام الدويهي، عصرها الذهبي.

وفي أواخر حياته قاسى الدويهي من حكام البلاد الحماديين في الشمال شدائد وإهانات كثيرة ومتنوّعة، احتملها بصبر جميل وعالجها بحكمة ودراية. وغالبًا ما كان يختبئ في المغاور والكهوف حتى في أيام شيخوخته. وكثيرًا ما كان يلبث يومين أو ثلاثة من غير أكل وشرب. وتعقبه المضطهدون يومًا فاختبأ في مغارة قرب حدث الجبة، وأدركه الخوف من زمر الأشرار فانحدر مع كاتبه نصف الليل، في زمهرير الشتاء إلى دير قنوبين، وفي طريقه إلى كنيسة السيدة فعرج إلى دير سيدة الكرم فوقف وصلّى، ثم عبر النهر متوجهًا إلى الدير المذكور. فلمّا وصل إلى ما فوق الطاحون عجز عن المشي ووقع على قارعة الطريق، وكانت الليلة باردة والقمر مضيئًا. فنصحه كاتبه أن يبرح ذلك المحل خوفًا من أن يدري به الأشرار. فأطاعه وجلس في ظل الجبل وكان متوكئًا على عصاه، وجسمه يرتعش من البرد... وقد ذكر لنا كاتبه الخوري الياس شمعون "انه توجّع من أجله كثيرًا، وظنّه يموت بلا شك لعجزه وشيخوخته. وما مضى نصف ساعة من وقوفه حتى قدم المكارون الذين كان ينتظرهم. فحملوه إلى دير سيدة حوقا. فما بلغه إلاّ بعد شقاء النفس، وكان إذ ذاك في سن السبعين من عمره...".

وفي مطلع سنة 1704 حضر الشيخ عيسى حماده حاكم الجبة إلى دير قنوبين مع جمهور من ذويه وطلب من البطريرك الدويهي مبلغًا من المال فلم يستجب طلبهم. فغضب عيسى المذكور وصاح بالبطريرك ورفع يده الشقية عليه ولطمه لطمة قوية أوشكت أن ترميه إلى الأرض لو لم يستند إلى الحائط، ووقعت طابيته عن رأسه... واحتمل البطريرك هذه الإهانة بصبر ولم يجبن بل صعد إلى غرفته وكتب إلى الشيخ حصن الخازن وأخبره بكل ما جرى... وفي الرابع والعشرين من كانون الثاني توجّه البطريرك من قنوبين إلى كسروان برفقة بعض الرجال الذين أرسلهم الشيخ حصن الخازن. وعند خروجه من الكرسي خاف المرافقون من المطر إذ رأوا الرعود والبروق والرياح المنذرة بقرب انحدار المطر، فعدلوا عمّا نووا وقالوا نمكث في الدير إلى أن يصفو الجو فقال لهم البطريرك: قووا إيمانكم بالله... إنّ إيليا حبس المطر ثلاث سنوات وستة أشهر، ونحن بقوة الله نمنع المطر فلا ينحدر حتى نصل إلى قرية غزير، وهكذا صار. وفي الحال خرجوا من الدير واستمروا في الطريق ثلاثة أيام حتى وصلوا إلى غزير، مع أنّ الرياح كانت ثائرة والغيوم متلبدة، ووقع المطر في محلات كثيرة بعيدًا عنهم...

مكث الدويهي في مار شليطا مقبس، في كسروان، ثلاثة أشهر إلى أن وصلته رسائل من والي طرابلس على يد الخواجه طربيه الماروني ترجمان ملك فرنسا، من ضمنها الأمان ودعوة إلى الرجوع إلى كرسيه في قنوبين. فعاد إلى كرسيه التي وصلها في السادس والعشرين من شهر نيسان. وفي الغد، وكان يوم الأحد، أقام قداسًا احتفاليًا ومنح الغفران الكامل للذين رافقوه من كسروان إلى قنوبين وبعد الغذاء ودعوه وباركهم وشيعهم إلى خارج الدير. ولما توجهوا أراد أن يعود إلى قلايته فلم يستطع أن يمشي خطوة واحدة. فحمله شماسه، وهو يشكر الله ويقول: أشكرك يا ربي لأنّك استجبتني وما جعلتني أموت إلاّ في كرسي إلى جانب أسلافي البطاركة القديسين. ثم التفت إلى شماسه وقال له: "لقد أتى وقت نياحنا، من زمان كثير ونحن في الكرسي، فيجب أن نترك الكرسي لغيرنا... ولمّا بلغ إلى غرفته رمى ذاته على الفراش، وصار المرض يثقل عليه من ساعة إلى ساعة. ويوم الثلاثاء اشتدّت وطأته عليه فأحضروا له طبيبًا ماهرًا من طرابلس، فمكث يومين يعالجه فلم تنجح المعالجة. ولمّا أدرك الطبيب تقدم المرض واشتداده المتواصل رجع إلى طرابلس يوم الجمعة ليأتي بأدوية أنجح. فشعر البطريرك بذهابه فقال للحاضرين: سوف أموت قبل عودة الطبيب. وهكذا حصل... وكان البطريرك يرتل مزامير داود وطلبة العذراء وميامر القديسين وكان يطلب من أساقفته ورهبانه والحاضرين من الجوار أن يشتركوا معه في التراتيل والصلوات. وكان يكرّر المزمور الذي مطلعه: "سبحوا الله في السماوات، سبحوه في الأعالي..."

ويوم الجمعة عند الساعة التاسعة من النهار طلب البطريرك أن يأتوه بالزاد الأخير فنزل المطارنة ورهبان الدير والحاضرون إلى الكنيسة وحملوا القربان المقدّس وخرجوا منها بزياح، ولما وصلوا أمام غرفته وقفوا جميعهم خارجًا وطفقوا يبكون ورفعوا صوت نحيبهم. فسمع البطريرك صراخهم فانتهزهم وقال لشماسه: ألم يعاينوا أحدًا يموت غيري. إنّي أشتهي أن أنحل وأكون مع المسيح كما يقول بولس. ثم دخل إلى القلاية المطران الذي كان حاملاً القربان الأقدس مع بعض الشمامسة لا غير. فتناول البطريرك جسد الرب بشوق وحرارة وعبادة لا توصف... وعند منتصف ليل السبت عطش وطلب الماء ليشرب... ثم حلّ المربوطين والمحرومين وبارك بني رعيته وكنيسته، الحاضرين والغائبين ثم من تلقاء ذاته ضم يديه إلى صدره على شكل صليب وبعد هنيهة اعتقل لسانه ولم يمض القليل حتى أسلم الروح بيد خالقه... وكان ذلك في سحر يوم السبت في الثالث من شهر أيار سنة 1704. وقد جلس على الكرسي 34 سنة إلاّ سبعة عشر يومًا، وكان له من العمر ثلاثًا وسبعين سنة وتسعة أشهر. وقد بقي طوال حياته كامل الوعي والقوى والحواس، صحيح السمع والبصر، وكان معتدل القامة واسع الوجه، مهيبًا، طويل اللحية، أقنى الأنف، مفروق الحاجبين، بهي العينين جدًا...

وبعد الإجراءات اللازمة أنزله رجال الإكليروس من قلايته إلى الكنيسة باحتفال وترانيم، وعلامات الأسى والحزن الشديد بادية على الوجوه. ثم أجلسوه على كرسي أعد له، وألبسوه الحلة الحبرية، ووضعوا على رأسه التاج، وشماله عصا الرئاسة وبيمينه الصليب المكرم، ووشحوه بدرع كما الرئاسة. وأقاموا له مراسم الجنازة والدفن. ورثاه بعض الأدباء وفي طليعتهم القس جبرائيل فرحات الشاعر واللغوي والأديب المعروف، أحد مؤسسي الرهبانية اللبنانية المارونية والذي صار مطرانًُا على حلب فيما بعد. وعند نهاية الجناز حمله الإكليروس باحتفال مهيب يتقدّمهم الصليب المقدّس والمصابيح المنيرة إلى مغارة القديسة مارينا حيث اشتهى أن يرقد الرقدة الأخيرة على رجاء القيامة المجيدة، واستقرّ إلى جانب أسلافه البطاركة الموارنة القديسين...


مؤلفات البطريرك الدويهي


(تعريف بالعناوين)


أظهر الدويهي ميلاً إلى التنقيب والبحث والتأليف منذ أيام الدراسة في رومة. وغالبًا ما كان يقضي وهو طالب أوقات النزهة في المكتبات بحثًا عن المخطوطات، وقبل أن يغادر رومة، بعد إنجازه دروسه العالية، قضى نصف سنة وهو يطوف على دور الكتب العامة والخاصة ليطلع على كل ما يتعلق بالموارنة ولبنان... فكان يقرأ وينسخ كل ما رأى فيه فائدة. وظلّ هذا دأبه طوال أيام حياته في حلب وقبرص ولبنان، وكلّما عثر على كتابة في كتاب صلاة أو شحيم أو مجلد قديم نسخها حتى توفر لديه مادة تاريخية غزيرة. أضف إلى ذلك ذكاءه الخارق وإتقانه اللغات وثقافته الواسعة. فكان كاتبًا مدققًا ومؤلفًا بارعًا، وهو ملفان في علم الفلسفة واللاهوت. ظل طيلة حياته يدبج المقالات ويؤلف الكتب وينقح المخطوطات وينسخها، وبالرغم من تقلبات الأحوال واضطراب الأوضاع الأمنية ووقوع المظالم في أيامه وعدم تمكنه من الركون إلى الراحة والاستقرار. هذه كلها لم تمنعه عن الكتابة والتصنيف والكد والتأليف حتى في المغاور والبراري التي كان يلجأ إليها. فوضع تآليف قيمة في اللاهوت والعقيدة والتاريخ والوعظ والإرشاد والطقوس والرتب الكنسية والأسرار. فبلغ عدد هذه التآليف ما يقارب الثلاثين وضع أكثرها بالكرشونة (أي بالحرف السرياني واللفظة العربية) طبع فيما بعد قسم منها وبقي القسم الآخر مخطوطًا إلى اليوم...

ويكفينا أن نورد هنا عناوين أهم هذه المؤلفات لنكوّن فكرة سريعة عن نشاط الدويهي الفكري في سبيل وضع التاريخ المشرقي واللبناني والماروني، ونشر العقيدة واللاهوت والروحانية المسيحية والدفاع عن الكنيسة المارونية...


مؤلفاته التاريخية
1- "تاريخ الأزمنة"، وهو أشهر مؤلفاته، أورد فيه وفقًا للتسلسل الزمني، أهم الأحداث التاريخية التي جرت في الحقلين الديني والزمني في لبنان وبلاد المشرق منذ ظهور الإسلام حتى أيامه.

2- "سلسلة بطاركة الطائفة المارونية"، منذ أن تبوأ القديس يوحنا مارون الكرسي الانطاكي حتى أيامه.

3- "البراءات البابوية" الموجّهة إلى البطاركة الموارنة والإكليروس والشعب الماروني منذ القرن الثالث عشر حتى أيامه.

4- "سيرة حياة تلامذة المدرسة المارونية في رومة" التي تأسست سنة 1584، وقد تناول تلامذتها منذ سنة 1639 حتى سنة وفاته سنة 1704.

5- "تاريخ الطائفة المارونية" وقد أثبت فيه أيضًا صحة نسبة واعتقاد الموارنة، ورد فيه على كل ما رشقوا به من تهم.

6- "الفردوس الأرضي" وضعه باللاتينية في رومة في نهاية دروسه اللاهوتية، وقد حاول أن يثبت فيه أنّ إهدن هي الفردوس الأرضي...


مؤلفاته الطقسية الليتورجية
7- "منارة الأقداس"، وهو كتاب قيم فريد ويعدّ من أهم ما دبجته يراعه في الليتورجيا والطقوس. إنّه يقع في جزأين، كل منهما يحتوي على 500 صفحة. وقد تناول فيه شروحات مستفيضة عن ذبيحة الافخارستيا وكل ما يمت بصلة إلى القداس الإلهي. نقل الأب بطرس مبارك تلميذ الدويهي هذا المؤلف النفيس إلى اللاتينية ولكنه لم ينشر بعد إلى الآن.

8- "كتاب الشرطونية"، وهو كتاب السيامات الكهنوتية، تناول فيه جميع الرتب التي يرقى بواسطتها الإكليركيون إلى الدرجات المقدسة. وقد جمع فيه كل ما كان درج عليه سلفاءه الأقدمون من تنقيح وتصحيح لهذه الرتب المتصلة في التاريخ إلى البطريرك الشهير إرميا العمشيتي (1199 – 1230)، الإهدني الأصل ونسيب البطريرك الدويهي...

9- "كتاب تصحيح التكريسات".

10- "رتبة لبس الإسكيم الرهباني".

11- "النوافير" (الصلوات الأساسية...) التي درجت الكنيسة المارونية على استعمالها في الذبيحة الإلهية.

12- "كتاب التبريكات والرتب الكنسية"

13- "كتاب الجنازات"، وقد نقّح الدويهي قسمًا كبيرًا منه.

14- "كتاب في الألحان السريانية"، وقد جمعها ونسّقها وفقًا لنظم الشعر السرياني.


مؤلفاته العقائدية والدفاعية
15- "مقالات عقائدية"، وقد تناول فيه وجود السيد المسيح في القربان الأقدس، وعقيدة الحبل بلا دنس، وما سوى ذلك، ممّا يدل على طول باعه في تضلعه من علم العقيدة واللاهوت.

16- "كتاب رد التهم ودفع الشبه"، أو كتاب المحاماة عن الموارنة، وهو مؤلف دفاعي يرد فيه الدويهي على مزاعم القائلين بهرطقة الموارنة مفندًا آراؤهم والبراهين المستفيضة.

17- "المحاورة اللاهوتية"، وهي الأطروحة التي وضعها باللغة اللاتينية، في نهاية دروسه اللاهوتية، وقد رفعها إلى البطريرك يوحنا الصفراوي بطريرك الموارنة وقتئذ، مظهرًا بذلك تعلقه بالطائفة ورؤسائها. ويظهر أنّ هذه الأطروحة اللاهوتية بقيت مخطوطة، وهي ما تزال مفقودة إلى أيامنا هذه...


مؤلفاته الإرشادية


18- "كتاب المواعظ"، في جزأين كبيرين، جمع فيه الدويهي المواعظ والإرشادات التي ألقاها، وهو بعد كاهن، خلال رسالته الروحية في حلب.


مؤلفاته الفلسفية


19- "النتائج الفلسفية"، وهي الأطروحة التي وضعها باللغة اللاتينية، في نهاية دروسه الفلسفية تحت إشراف الكردينال كايونيو. وقد طبعها هذا الكردينال في رومة سنة 1650.

يقول الأب الدكتور بولس صفير، مدير قسم التاريخ في جامعة الكسليك، وحافظ المكتبة البطريركية المارونية في بكركي، يقول: "إنّ جميع هذه المؤلفات تسلط الأضواء على سعة اطلاع وغزارة معارف البطريرك الدويهي، وتوجّه الأنظار على الخير العميم الذي حصلت عليه الطائفة المارونية من مجيئه إلى لبنان بعد نهاية دروسه العالية في المدرسة المارونية في رومة. فلو لم يأت الدويهي ويسوس الكنيسة المارونية ويدبر شؤونها ويجمع تواريخها ويحفظ طقوسها وينقّح كتبها ويصحّح مخطوطاتها، ويعلّم الشعب واجباته الدينية ويدافع عن حقوقه وصحة معتقده، ويخبر الأجيال الطالعة كيف عاش الآباء والأجداد في غابر القرون والأيام، لبقيت الكنيسة المارونية متسكعة في دياجير الظلام والنسيان، تتخبّط في جهل مبين، يزيد من شدة وطأته حسد الحساد وتقلبات الدهر عليها وتنكيل المعتدين..." ("دراسات"، السنة الثانية عشرة، العددان 16 – 17 / 1985 – كلية التربية، الجامعة اللبنانية – صفحة 226).


الدويهي القديس


(أهم الكرامات التي أجراها الله على يده)


نودّ أن نذكّر أولاً بما قاله وكتبه غبطة البطريرك نصر الله صفير بهذا المجال. قال غبطته: "... وما عسانا نقول في قداسة سيرة حياة البطريرك الدويهي، وقد ذكرت عنه خوارق كثيرة في حياته وبعد وفاته:

فهو قد استعاد البصر بأعجوبة يوم كان طالبًا فقي رومة، وكثر القمح في مجدل المعوش. وأيبس التينة في أيطو، واستنزل المطر في بكفيا، وشفى ولدًا فيها سقاه والده ماء مزجه بتراب أخذه من تحت قدمي البطريرك، وأوقف انهمار المطر والبرد في ساحل علما، وجمد صخرة كانت تتدحرج من الجبل على الكرسي في قنوبين، وبارك مصبغة في الباروك لأحد الدروز "فاصطلحت ألوانها"... وحبس المطر يوم كان ذاهبًا من قنوبين إلى غزير. وسأل الله ألاّ يميته إلاّ في كرسيه في قنوبين. واستجاب الله سؤاله وعاد إلى كرسيه في الوادي المقدس ليرقد إلى جانب أسلافه القديسين رقدته الخيرة. وهناك كرامات كثيرة – يتابع غبطة البطريرك – تمت بشفاعته بعد مماته، على ما روى مترجمو سيرة حياته، وهي تدل على ما كان كان يتحلّى به من قداسة سيرة في محبة وتواضع وبساطة حياة...".

وفي الواقع، لقد عاش الدويهي في أجواء وبيئات سهلت عليه السبيل ليقدس نفسه ومن وكلت إليه رعايتهم. وهي أجواء وبيئات كل ما فيها يحمل على التقوى والعبادة هناك البيت الوالدي، والعائلة الدويهية التي اشتهرت بالعراقة والأصالة والروح المسيحية العميقة التي أعطت العديد من البطاركة والأساقفة والمطارنة والكهنة والرهبان والراهبات والحبساء والنساك...

وهناك بلدته إهدن – التي هي غنية عن أي تعريف – وكانت كنائسها تغص بالمؤمنين، وأديارها تأهل بالرهبان، ومحابسها وصوامعها تعمر بالحبساء والنساك، من مار يعقوب الأحباش، إلى مارت مورا، إلى مار ماما، إلى دير مار سركيس النهر، إلى مار قبريان، إلى مار عبدا، إلى سيدة الحصن... وهناك، إلى جانب إهدن، الوادي المقدس الذي انقطع فيه عدد كبير من أهل التقى إلى أعمال العبادة، وقد بلغ عددهم في فترة من الزمن أكثر من ثمانمائة حبيس. وكانوا يقومون بتقشفات مذهلة كان الناس لا يزالون في عهد الدويهي يتناقلون أخبارها. وقد ذكر عن يونان المتريتي، حبيس قزحيا، أنّه لم يكن يأكل إلاّ مرة واحدة كل يومين، وذلك طوال الأربع سنوات السابقة لوفاته، وإبان الصوم الكبير كان يأكل أيام السبت والأحد فقط، ولم يكن يشرب إلاّ أيام السبت، وكان يوالي السجدات (أو المطانيات) حتى يتصبب العرق منه، وكان يقوم في أسبوع الآلام بأربعة وعشرين ألف سجدة. وما فاقه في هذا المضمار إلاّ تلميذه يوحنا اللحفدي الذي بلغت سجداته في المدة عينها ستة وعشرين ألف سجدة. وهناك أيضًا من تلاميذه الحبيس جبرائيل الإهدني من بيت ستيته الذي يقول الدويهي بخصوصه في تاريخ الأزمنة: "... ولقد فاق جبرائيل ابن ستيتة الإهدني جميع أقرانه من الحبساء. فكان يأكل في اليوم مقدار 200 غرام من الطعام، وفي كل يوم من أيام الصوم الكبير كان يقوم بألف سجدة أمام القربان، ولم يكن يشرب ماء طوال أيام الصوم، وخلال أسبوع الآلام كان يوالي السجدات من الصباح إلى المساء. ومع كل هذه الإماتات والتقشفات كان لا ينفك عن نسخ الكتب والمخطوطات الروحية. وكان مشهورًا بخطه الجميل حتى أنّ كل كنيسة من كنائس جبل لبنان كانت تحوي بعضًا من منسوخاته، وخاصة كنيسة مار جرجس في بلده إهدن...".

تأثر الدويهي بهذا الجو التقوي والمتقشف وحاول الاقتداء بالسلف الصالح من بطاركة ومطارنة وكهنة وحبساء كان له فيهم أنسباء. فكان على مثالهم يأخذ نفسه بالشدة فلا يأكل اللحم إلاّ إذا مرض أو أوجبه عليه مرشده الروحي، متقيدًا بأوامر مجمع حراش (كسروان) المنعقد في عهد البطريرك يوسف حليب العاقوري سنة 1644، والذي نص في باب وصايا الكنيسة، البند السابع، على أن "كل من يصير مطران أو بطرك لا يعود يقدر يتزفر..." ويؤكد البطريرك سمعان عواد أنّ الدويهي لم ينهض عن الأكل شبعان، ولم يأكل فاكهة جديدة ويترك كل ما كان يشتهيه، ومن ير غرفته في قنوبين وقد فتح لها برغم صغرها بابًا، ينفذ منه إلى متخت الكنيسة حيث كان يقضي الساعات الطوال في الصلاة والتأمل ليلاً نهارًا، يدرك أي روح من التقوى والعبادة كان يملأ جوانحه...

إنّ الخوارق والكرامات التي أجراها الله على يد البطريرك إسطفان الدويهي، في حياته وبعد وفاته كثيرة هي. وقد جمع بعضًا منها كل من واضعي سيرة حياته البطريرك سمعان عواد تلميذه، ومطران بيروت بطرس شبلي. وقد خصّص فصلاً كاملاً عنها المؤرخ الخوري ميخائيل غبريل الشبابي، في كتابه تاريخ الكنيسة السريانية الانطاكية المارونية، (المجلد الثاني). – ونحن في صدد الإعداد لتطويبه فتقديسه – ويجدر بنا أن نذكر هنا أنّ كل هذه الخوارق والآيات قد ترجمها إلى اللغة اللاتينية الشدياق مخائيل القرطباوي تلميذ مدرسة الموارنة وأرسلها إلى المدرسة المذكورة في العشرين من شهر آب سنة 1705، أي بعد وفاة الدويهي بسنة وثلاثة أشهر ونصف. وفيها إثباتات مفصّلة من قبل الذين حدثت معهم شخصيًا...

ونحن نورد هنا، في ختام سيرة حياته، أهم الخوارق والكرامات التي أجراها الله على يده، وذلك في حياته وبعد مماته.

1- يقول البطريرك سمعان عواد ما حرفيته: "أنا سمعان عواد بينما كنت راجعًا من رومة إلى لبنان مع رفيقي الشماس يوحنا وهبة عصفت الرياح وتعالت الأمواج فانزعجنا جدًا وبعدما أقبل المركب بنا إلى إحدى المين اختلفت الريح وردته إلى الوراء فأشرف على الغرق: فتوسلت إلى البار إسطفان وقلت: يا مار إسطفان إشفع بنا ونجنا من هذا الضيق وبلغنا المينا بسلام...ونذرت تتميم سيرة حياته إذ كنت ابتدأت بها قبل سفري من رومة. فسكنت الريح والأمواج وبلغنا المينا سالمين...

2- ويروي البطريرك سمعان عواد آية أخرى شاهدها بنفسه قال: "إنّ إبراهيم جلوان السمراني
أحد تلامذة مدرسة رومة مرض مرضًا ثقيلاً واشتدّت عليه حمى خبيثة وأشرف على التلف فجاءه معلم اعترافه بذخائر القديس لويس والقديس اغناطيوس فلم يشعر بفائدة ولم ينل فرجًا، فلما رأيته أنا سمعان عواد بهذه الحالة أخذت كتابًا من كتب البار إسطفانوس ووضعته على رأسه وقلت مصليًا: اللهم الذي زينت حبرك بالفضائل والاستحقاق أسألك أنّه كما كان لنا أبًا على الأرض فليكن لنا شفيعًا لديك. ونسألك بواسطته أن تشفي عبدك هذا. ثم فتحت الكتاب وقلت له أن يقبل خاتم البطريرك وخط يده وجعلت الكتاب فوق رأسه ونزلت إلى العشاء. وبعد قليل صعدت إلى غرفته فأخذني العجب لأنّي فارقته مضجعًا يتلقى من شدة الحمى ووجدته عند رجوعي إليه جالسًا معافى تمامًا. وعجبت مع إخوتي التلاميذ الذين عاينوا الآية بنفسهم، ومجدنا الله...

3- روى المؤرخ الشبابي انه لما مات الدويهي في مجدل المعوش، جاء لزيارته والتماس بركته بعض القوم فقدموا له هدية وكان أحد رفقائهم يريد الحضور معهم للفوز ببركته. فلمّا حضروا إلى زيارته كان رفيقهم غائبًا، فاغتاظ من ذلك جدًا. غير أنّه أخذ كيلاً من القمح وجاء بمفرده وكان هذا الرجل فقيرًا. فقبله السيد البطريرك بكل حنو وإشفاق. ولما عاد الرجل إلى بيته رأى وعاء قمحه مملوءًا قمحًا. فأخذه العجب من هذا وذهب فأخبر مولاه، وكان رجلاً درزيًا. فأخبر هذا أمير الدروز، فقال له الأمير: لا تتعجّب يا ابني فإنّ البطريرك إسطفان قد صنع آيات كثيرة تفوق هذه الآية...

4- ومرة ذهب الدويهي إلى قرية أيطو في منطقة الجبة ليصلح بين حكام تلم المنطقة. فلما رفضوا ذلك رماهم بالحرم، وكان ذلك تحت شجرة تين كبيرة، فيبست التينة للحال وقد تناثرت أوراقها...

5- ومرة أخرى كان الدويهي في زيارة الرعية في بكفيا يقدس، فاتفق أنّ رجلاً مان له ولد أشرف على الموت. فأتى وأخذ ترابًا من بين رجلي البطريرك وذوبه في الماء وسقاه لابنه المريض. وللحال قام الولد من سريره معافى. وهذا الولد صار فيما بعد كاهنًا ثم أسقفًا وهو الذي كتب شخصيًا هذه الآية التي حصلت معه، ويدعى المطران فيليبيوس الجميل...

6- وروي أنّ الدويهي لما كان آتيًا إلى كسروان مر بمحل يسمى وطى البربارة في بلاد جبيل على طريق البحر فوجد بعض الفلاحين يحرثون الأرض الصعبة تاركين الجيدة بورًا. فسألهم عن سبب ذلك فقال له أحدهم: إنّ في هذه الأرض الجيدة دودة تأكل الزرع حين تخرج اسباله فتركناها. فطلب منهم الدويهي ماء وصلى وأمرهم أن يرشوه عليها ففعلوا وزرعوا الأرض فلم تؤذها الدودة إلى حين وفاته. وبعد وفاة الدويهي رجعت الدودة كما في السابق وتركت الأرض من جديد. واتفق أنّ الشيخ يوسف الدحداح العاقوري كاتب الشيخ اسماعيل بن سرحال حماده حضر إلى تلك القرى لجمع الأموال الأميرية فقصوا عليه الحادثة فقال لهم: فليذهب واحد منكم إلى قنوبين وليسأل عن ضريح البطريرك الدويهي ويأخذ من تراب ضريحه، وألقوا أنتم هذا التراب في حقولكم وازرعوها. ففعلوا كما أمرهم وزرعوا الأرض فأثمرت وجاءت الغلال وافرة جدًا طيلة سنوات جدًا طيلة سنوات عديدة. وشهد بحقيقة هذه الآية كثيرون...

7- ومن الآيات التي صنعها الدويهي بعد موته، والتي سجلها واضع سيرة حياته المطران بطرس شبلي، إنّ إنّ رجلاً من قرية بلوزا بطرس كبيش كانمضنوكًا بمرض عضال من زمان طويل، فطلب من ذويه أن يحملوه إلى مغارة القديسة مارينا حيث قبر البطريرك الدويهي ليطلب شفاعته ويستغيث به: فحملوه إلى المغارة المذكورة ووضعوه على قبر البطريرك وتركوه ودخلوا الدير للغداء. فأخذ المريض يصلي ويتوسل. فتراءى له البطريرك بصورة بهية لابسًا الحلة الحبرية وعلى رأسه تاج الرئاسة وعلى منكبيه درع كمال السلطان، وإذا برائحة زكية عبقت بها المغارة. فطفق المريض يبتهل بحرارة، فخاطبه البطريرك بكلمات عذبة قائلاً: يا بطرس ماذا تريد؟ فأجابه المريض يا سيدي أن أشفى. فقال له: المسيح يشفيك. فنهض بطرس وأخذ يمشي قسويًا معافى، ودخل الدير وأخبر الجميع بما جرى له. وبينما كان راجعًا إلى بيته التقى براهبين فرنسيسيين فقص عليهما ما جرى جرى له. فلم يصدقاه حتى أثبت ذلك بالقسم على الإنجيل الطاهر...

ويتابع المطران شبلي فيقول: وقد حدث مثل هذه الآية مع بركات بن رزق ومع الياس محاسب الغسطاوي الذي صار فيما بعد مطران عرقا...

8- ويقول البطريرك سمعان عواد، من جهته، في سيرة حياة الدويهي: "... إنّ المسقومين يأخذون من تراب ضريح البطريرك الدويهي من مغارة القديسة مارينا ومن العشب النابت عليه ويتباركون منه ويشفون من أمراضهم... ومن أنكر ذلك، يختم عواد، أنكر ضوء الشمس!"

وهناك كرامات كثيرة تمت بشفاعة البطريرك الدويهي، في حياته وبعد مماته، اكتفينا بعرض أهمها. ونحن شخصيًا على يقين بأنّ الدويهي، في هذه الفترة بالذات، فترة الإعداد لتطويبه، أخذ يرسل بعض الإشارات المقدسة في مدينته إهدن – زغرتا، وفي شكا قضاء البترون وفي بان قضاء بشري وفي الجوار، زغرتا الزاوية، عسى أن يلهم الله جميع المسؤولين فيضاعفون من اهتماماتهم ونشاطاتهم العملية ويسرعون المرحلة التمهيدية والإعدادية، فيستملكون ملف دعوى التطويب ويرفعونه بسرعة إلى المقامات العليا في الفاتيكان، جريًا على عادة كنيستنا المارونية... فيصير عندنا قديس باسم: القديس إسطفان الدويهي.


الأب يوسف يمين الإهدني