كلمة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير في قداس الشكر لمناسبة إعلان البطريرك إسطفان الدويهي مكرّمًا

"كونوا قدّيسين، فإني أنا قدّوس" (سفر الأحبار 21/14) هذه العبارة أتمّها في حياته المكرّم البطريرك إسطفان الدويهي الإهدني. فأعلنته الكنيسة الكاثوليكية مكرّمًا، بعد مضي أكثر من ثلاثمائة سنة على وفاته، وقد توفّاه الله سنة 1704، بعد أن كان بطريرك منذ سنة 1670. وهذه هي الدرجة الأولى من القداسة المعلنة، ويليها درجة طوباوي، وتأتي بعد ذلك درجة قديس. ونأمل أن يقطع هذا المكرّم هذه المسافة التي تفصل بينه وبين القداسة، بإتمامه الشروط الموضوعة لبلوغ هذه المرحلة، وهي اجتراح إحدى العجائب المطلوبة لإعلانه طوباويًا ثمّ قدّيسًا. ومعلوم أنّ دعوى تقديسه قد صار النظر فيها أولاً في لبنان منذ سنة 2002، ثمّ نُقلت بعد ذلك إلى روما لينظر فيها مجمع القديسين. وقد أعلن قداسة الحبر الأعظم في الساعة الواحدة في توقيت روما من هذا اليوم بطولة فضائل هذا البطريرك، وصدر هذا القرار في جريدة الفاتيكان الرسمية ومختلف وسائل إعلامه داخل الفاتيكان وخارجه.

وأنا معكم نتوجّه إلى الله بآيات الشكر لهذه المنّة التي جاد بها على كنيستنا المارونية وهي إعلان هذا البطريرك مكرّمًا، ونشكر قداسة الحبر الأعظم البابا بندكتوس السادس عشر لتوقيعه صكّ التكريم، بعد أن نظر فيه مليًا مجمع القدّيسين، ونشكر صاحب النيافة الكاردينال مارتينس، رئيس هذا المجمع، الذي طلب من قداسته بصفته الرسمية إقرار إعلان البطريرك الدويهي مكرّمًا في الكنيسة الكاثوليكية.

ويبقى علينا نحن، معشر المؤمنين، بعد أن صار البطريرك الدويهي مكرّمًا، أن نوالي الصلاة ليجتاز المراحل المتبقة ليصير إعلانه طوباويًا ثمّ قدّيسًا. وأنا لأحوج ما نكون إلى الاقتداء بفضائله، وتقشّفاته، وصبره على المحن والشدائد التي لاحقته طوال حياته، وهي الغاية التي تتوخّاها الكنيسة من إعلانها قداسة القديسين ليكونوا مثالاً وقدوة لإخوانهم الناس المؤمنين الذين عايشوهم أو الذين اقتفوا خطاهم ولو على مسافة زمنية بعيدة.

وإعلان الأب يعقوب الحداد الكبوشي الغزيري طوباويًا، الذي تبعه، بعد فترة زمنية قصيرة، إعلان البطريرك الدويهي مكرّمًا، وانتظار إعلان قداسة من ينظر المجمع المقدّس في سيرة حياتهم من لبنانيين، كلّ هذا هي علامات من الله للزمن الذي نحن فيه. والكنيسة تعوّدت أن تعلن قديسين من امتازوا بسيرة حياتهم وتضحياتهم وخدمتهم لمجتمعهم، ليكونوا قدوة لسواهم من المؤمنين ليسير هؤلاء على الطريق التي سار عليها القديسون ليدركوا ما أدركه القديسون من سعادة أبدية.

وإنا نحمد الله على أنّه لا يحجب عنّا رحمته وعونه. وعلى الرغم من سوء حال الأوضاع الزمنية التي نتخبّط فيها منذ ما فوق الثلث قرن، لقد افتقدنا الله بمثل عليا ترفعها الكنيسة على مذابح كنائسنا لتكون لنا جميعًا قدوة ومُثُلاً عليا في ممارسة الفضائل المسيحية من تسليم لإرادة الله، وصبر على المحن والشدائد، ومحبة القريب، والصفح عن الإساءة. ونحن في أشدّ الحاجة إلى ممارسة هذه الفضائل، وإلى قدّيسين يكونون قد مارسوها فأصبحوا لدى الله كالنيّرات التي تضيء سماء الكنيسة.

ولا ننسينّ ما يقوله بولس الرسول، وهو أنّنا نحن: "أهل مدينة القديسين، وأهل بيت الله فلقد بُنينا على أساس الرسل والأنبياء، والمسيح يسوع هو حجر الزاوية، فيه يتماسك البناء كلّه، فيرتفع هيكلاً مقدّسًا للرب" (أفسس 2/19-21). تبارك الله في قديسيه.