حول البطريرك الدويهي

أحيت مؤسّسة البطريرك إسطفان الدويهي بالاشتراك مع رعية إهدن – زغرتا خلال ندوة أقيمت في مبنى الكبرى بعضًا من تراث البطريرك الدويهي وهو أحد عظماء الكنيسة المارونية وأهمّ المؤرّخين لها وللبنان وأحد رموز النهضة العربية. عرّف الحفلة رئيس دير مار سركيس وباخوس الأب نادر نادر بحضور رئيس مؤسّسة البطريرك الدويهي سيادة المطران سمير مظلوم وسيادة المطران جورج أبو جودة، رئيس بلدية زغرتا - إهدن العميد جوزيف المعراوي، رئيس عام الرهبنة اللبنانية الأباتي الياس خليفة ونائب رئيس مؤسّسة البطريرك الدويهي الأستاذ جوزيف الرعيدي وحشدًا من الرهبان والراهبات، ولفيف من الكهنة وأبناء الرعية. أدارت الدكتورة تريز الدويهي حاتم الندوة. وتحدّث الخوري ناصر الجميّل عن جديد البطريرك الدويهي وعلاقاته من خلال ما اكتشفه من رسائل عن الدويهي في أرشيف روسي وإسباني، ثمّ تحدّث الأب الياس حنا عن عظات الدويهي وتكلّم الأب بولس قزّي عن سير الدعوى في الفاتيكان. ختامًا، جرى عرض فيلم قصير من إعداد الخوري شربل عبدالله تطرّق فيه إلى حياة الدويهي وصولاً إلى تطويبه.


كلمة الدكتورة تراز الدويهي حاتم


في ذكرى مولد العلاّمة البطريرك مار أسطفان الدويهي الموافق الثاني من شهر آب 1630، وقبوله سرّ العماد المقدّس في مثل هذا اليوم العاشر من آب من السنة نفسها، يَسُّر مؤسّسة البطريرك الدويهي بالإشتراك مع رعيّة إهدن – زغرتا أن تلتقيكم، نحيي معًا بعضاً من تراث أحد عظماء الكنيسة المارونية وأهمّ المؤرِّخين لها وللبنان وأحد رُوّاد النهضة العربية، البطريرك أسطفان الدويهي . فإحياء تراث الدويهي هو من الأهداف الرئيسيّة للمؤسّسة تعميماً للمعرفة حوله، خدمة لدعوى تطويبه ومحاولة لتظهير دور الموارنة في لبنان، الذي تتشوّه صورته يومًا بعد يوم في خضم الأحداث الأليمة التي تمرّ بها بلادنا.

أمّا مقدمتي فأردتها إضاءة متواضعة على البيئة التي ولد وترعرع فيها البطريرك الدويهي واثرها في تكوين شخصيّته. وقد أثبتت دراسات علم النّفس الحديث أنّ المكوّنات الأساسيّة لشخصيّة الإنسان ترتسم في السنوات الستّ من العمر.

فسنيّه الأولى أمضاها أسطفانوس الصغير في إهدن التي إتّسمت بجمال طبيعي وبُعد روحي وعمق أصالة، فجسّدت طهارة الأرض البكر والقداسة، ممّا رسَّخ عبر الأجيال الأسطورة التي جعلت منها الجنة أو الفردوس الأرضي. وأشير هنا إلى أنّ البطريرك الدويهي وضع كتابًا عنوانه " الفردوس الأرضي " حاول أن يُثبت فيه أنّ إهدن هي جنة عدن، كما ورد في كتاب د. جميل جبر " العلاّمة البطريرك مار أسطفان الدويهي – مجد لبنان والموارنة ".

أضف إلى أنّ إهدن تقع في حنايا جبل لبنان، الذي ورد ذكره كأرض مقدّسة عشرات المرّات في التورات. أرض مقدسة، يشهد على ذلك الرحّالة الفرنسي Jean de la Roque الذي زار إهدن عام 1688، في زمن البطريرك، وأحصى فيها عشرين كنيسة. جبل مقدّس يدين باسمه للرهبان والنسّاك الذين عطّروا سماءه بصلواتهم ورجّعت صدى تضرعاتهم الوديان العابقة برائحة البخور. من هؤلاء النسّاك François de Chasteuil. هو إبن عائلة فرنسيّة نبيلة، قصد الأماكن المقدّسة للحجّ في 20 آب 1631، فاحتضنته إهدن حيث أمضى حياته ناسكًا في صومعة حُفرت في الصخر في دير مار يعقوب الأحباش. ما كان يغادر محبسته إلاّ ليعلّم الصغار من أبناء إهدن في مدرسة أسّسها تحت إحدى شجرات الجوز فيها. وقد ذاع صيت De Chasteuil في الغرب حيث لُقِّب " بناسك جبل لبنان " فيما عُرف بين سكّان الجبل " بالقدِّيس".

إهدن أيضًا منبت البطاركة والعلماء، أذكر فقط بعضًا ممن عاصروا الدويهي. من العلماء، جبرائيل الصهيوني الأهدني (1577-1648) الذي انتقل من المدرسة المارونيّة في روما إلى باريس حيث عمل فيها مترجمًا للملك لويس الثالث عشر وكان يُتقن العربية والسريانيّة والإيطاليّة واللاتينيّة والفرنسيّة. كذلك درّس اللغات الشرقية في المعهد الملكي في باريس وكان في طليعة روّاد الإستشراق. أمّا من رجال الكنيسة أذكر البطريرك يوحنّا مخلوف الأهدني الذي انتخب بطريركًا سنة 1608 ومات سنة 1633، كذلك البطريرك جرجس عميره الأهدني الذي انتخب بطريركًا خلفاً للبطريرك يوحنا مخلوف عام 1633 ومات عام 1644. والمطران الياس الدويهي عمّ البطريرك أسطفان الدويهي الذي سعى لدى البطريرك جرجس عميره لإرسال أسطفانوس إبن الإحدى عشرة سنة إلى المدرسة المارونية في روما بحثا" عن المعرفة وتعلّم اللّغات والتفاعل مع الثقافات الغربية في أوجّ عصر النهضة الأوروبية.

لقد كان للأسرة والتراث والبيئة الأهدنية بأبعادها الجمالية، الروحيّة والعلميّة بليغ الأثر في نفس الدويهي. طُبعت في ذاكرته، وأغنت مخزونه الخيالي، فكان تقيًّا ورعًا، محبًّا للعلم والبحث والتنقيب عن كلّ ما يمتّ بصلة إلى الموارنة وتاريخهم. وما أن عاد إلى إهدن حتّى تعمّق شغفه بالعلم والقداسة، ففتح مدرسة مجّانية في دير مار يعقوب ضمّت أربعين تلميذًا تولّى هو شخصيًّا تعليمهم مبادئ المسيحيّة واللّغة السريانيّة ومن بين هؤلاء 12 دخلوا سلك الكهنوت، كما جاء في تقرير رفعه الدويهي إلى كرادلة المجمع المقدّس في روما عام 1658.

أيّها الحضور الكريم،

لا خلاص للموارنة وللبنان إلاّ بالسير على خطى البطريرك الدويهي وأمثاله في التقوى والقداسة وحب العلم، فلطالما كان الموارنة وسيظلّون مثل الخميرة في العجين. فلنكن مخلصين لأسلافنا الكبار من رجالات إهدن العلماء والقدّيسين ولا بدّ أن يكون لشعبنا دورٌ رياديٌ بامتياز.

كلمة الخوري ناصر الجميّل

خمس وثائق جديدة من البطريرك إسطفانوس الدويهي وعنه،
غير معروفة وغير منشورة.


مقدِّمة: دُعينا ككلِّ سنة، إلى المشاركة في احتفاليات البطريرك إسطفانوس الدويهي، بمناسبة مرور 377 سنة على ولادته (في 2 آب 1630). والهدف من هذه الظاهرات الثقافيّة إبقاء شعلة رجالنا العظام مشتعلة، لأن ذكراهم فاعلةٌ دوماً في وجداننا. كَتب هذا البطريرك، كما تعلمون، الكثير الكثير فأصبح أوّل مرجع علمي في كتابة تاريخ الموارنة وتنظيم طقوسهم.

******

قلتُ: كتَبَ الكثير، ولكن كُتب، أيضاً، عنه الكثير، في حياته وبعد مماته. ولكنَّنا، بعد 303 سنوات، لم نتمكَّن من جمْع كلَّ ما دبَّج قلمه؟
طبعاً، الكتبُ العديدةُ التي صنَّفها، تمَّ ضبطُها، وهي معروفة وموجودة، بنسخ متعددة، وفي مكتبات عديدة. لقد أشرت إليها في كتابي عنه، في العام 1991، وفي طبعة ثانية في العام 2004.
لكنَّ المشكلة تكمن في إحصاء كلَّ مراسلاته. لم تُحصَ كلُّها بعد، وهي تختزن، بدون شكّ، كمًّا كبيراً وثمينًا من المعلومات والمعطيات. ففي العام 1991، لمَّا نشرت له سيرة حياته وثبتًا بمؤلَّفاته، نشرتُ أيضاً سبعين عنوانًا يتضمَّن بعضًا منها، كنت قد وجدتها في مجمع انتشار الإيمان، في روما، وفي باريس، وفي بكركي. واعتقدت يومها أنّ اللائحة قد انتهت أو أشرفت على النهاية. لكنّني اليوم، بعدما أخبرت بما جمع الأب سركيس الطبر، ابن هذه البلدة، في ربائد الفاتيكان، وبعدما تابعت البحث عنه، في أرشيف مكتبة الوزارة الخارجيَّة الإسبانيَّة، إن في سيمانكاس أو في مدريد، وفي مكتبات أخرى من العالم، أؤكِّد أنَّ الباحث يستطيع أن يجني أيضًا مراسلاتٍ جديدة، كتبها البطريرك الدويهي، وهي موجودة في مكتبات إيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا والنمسا وفي غير أمكنة من العالم.
ما ساعرضه عليكم، أولاً، في هذه العشيّة، هو الرسالة التي وصلتني من روسيَّا حيث يتمُّ الكلام عليه. ثمّ أنتقل، ثانيًا، إلى استعراض ما وجدته في مدريد، في أرشيف الفرنسيسكان الموجود في مبنى الوزارة الخارجية الإسبانية.


أوّلاً: كتب موارنة حلب رسالة بشأنه إلى البابا إسكندر السابع، في 29 تموز من العام 1665، لمَّا كان بعد كاهنًا بعمر 35 سنة. وهذه الرسالة تَظهر على مسرح الأبحاث للمرَّة الأولى على ما أعتقد. طُبعت في موسكو – روسيَّا.، سنة 2005، في مجلّة يصعب عليَّ معرفة اسمها. موضوع الرسالة هو تنافس على شخص الخوري إسطفان الدويهي بين موارنة جبل لبنان وموارنة حلب، الذين يطلبون من البابا اسكندر السابع أن يعمل كلَّ ما في وسعه لإبقائه في خدمتهم في حلب، معللين ذلك بأسباب عديدة.


تعرفون، ولا شكّ، كيف تعرّف موارنة حلب على الخوري الشاب إسطفانوس الدويهي. لمَّا تخرَّج من المدرسة المارونيَّة الرومانيّة وعاد إلى لبنان، في 3 نيسان 1655، رُسم كاهنًا في 25 آذار 1656، وهو بعمر 26 سنة. يومها بدأ خدمته الكهنوتيّة، في زغرتا – إهدن، يعلّم ويعظ ويسمع الإعترافات ويُصلح المتخاصمين ويصحِّح ويؤلف. ثم أنشأ مدرسة في دير مار يعقوب الأحباش تضم أربعين تلميذاً. وكان يعلَّمهم مجّانًامبادئ السريانيّة والتعليم المسيحي. وفي خلال صوم 1658، أي بعم 28 سنة، ذهب إلى حلب للمرّة الأولى، حيث خدم خمسة أشهر كانت كفيلة من أجل المطالبة به ليعود إلى خدمتهم في حلب، في العام 1662، لطالما أثَّرت بهم شخصيّته وعلمه ومواقفه.

وبعد ثلاث سنوات، في العام 1665، تمنّى الخوري إسطفان الدويهي العودة إلى جبل لبنان حسبما نصّت الاتفاقيّة المفروضة على تلامذة روما، والتي تقضي أن يعمل تلميذ روما ثلاث سنوات، تحت إمرة البطريرك في المكان الذي يعيّنه هو. في هذه الظروف، ينبغي وضع هذه الرسالة من أجل فهم حيثيّاتها. كتبت في 29 تموز 1665، وهي تطالب به لكي يبقى في خدمة موارنة حلب على الرغم من رغبته بالعودة إلى لبنان. ومن جديد، خضع الخوري إسطفان، بأمر الطاعة، لإرادة البطريرك، ولتمني مؤمني حلب، وسيبقى في حلب، ثلاث سنوات أخرى، لغاية 21 أيار 1668.

ما يهمنا من هذه الرسالة هو إبراز صورة الخوري إسطفان الدويهي كما يراها الحلبيّون، سنتذاك. تتألف من 69 سطراً، باللغة العربيّة، وقّعها عن موارنة حلب كلّ من الحج يعقوب بن بركات وحنّا ابن منّاع. لن نقرأها كلِّها، بل أركِّز على أسباب مطالبتهم بالخوري إسطفان والحجج التي أوردوها لإبقائه في خدمهم.


وإليك نص الرسالة:


[1] "إلى حضرة قدس الأقدس الأب الأنفس البار إسكندر السابع بابا رومية المعظّم.

نقبّل الأرض وننهي تحت موطئ قدمي الأب البار والأب المختار الجالس على كرسيّ بطرس الرسول ونايب الرب على وجه الأرض وتاج روسنا ألكسندروس السابع المعظّم، الله يديم علينا قداسته ويرحمنا في بركة دعاه وصلواته.

والمعروض إلى حضرة قدسكم لموضوع انتشار الأمانة وفايدة ملّتنا المارونية القاطنين محروسة حلب هو أنّ، منذ سنتين، طلبنا أن يكون عندنا الكوري (الخوري) إسطفان الهدناني الماروني الذي بمدّة أربعة عشر سنة تأدّب بكافة علوم النحو والفلسفة والالاهوت [واللاهوت] في مدينة رومية، في مدرسة الموارنة، التي جرجوريوس [غريغوريوس] الثالث عشر ذو الذكر الصالح عمّرها لتكون سنداً ومعونة للإيمان. فلمّا همّ المذكور في الرجوع إلى جماعته، حضرة الشريفين الكردينالية المكرمين الناظرين على المجمع المقدّس، الذي هو لانتشار الإيمان، جعلوه مرتسلاً على بلاده حسب الرسم المفروض على التلاميذ الذين يتعلّمون في المدرسة [مدرسة] الموارنة الكاينة برومية. [2] وعلى موجب هذه الرسالة مدّة ثمان سنين اجتهد في بلاده غاية الاجتهاد، حتى إن جماعته القاطنين بحلب جعلوا كلّ غايتهم بطلبه من حضرة سيدنا البطريك جرجس [البسبعلي] الأنطاكي المكرّم إنّه فحرة البطريك [البطريرك] الزمته بامر الطاعة يصير مرسولاً عند موارنة حلب. وبالأفضل أنّ تلك الأيام إلى هذا الآن، احتملت البيعة في جبل لبنان اضطهاد غير يسير من الحروب. ومن حين توجّه إلى عندنا، بمدّة هذه السنتين، أعطى كلّ موجوده لما هو مطلوب منه، حتى أنّ الجميع راضيين منه ومنتفعين من عنايته الوافرة. وبعتانه [وإرساله] هذا صار منفعة لكل الطوايف الذين أرشدهم عطياه [عطاياه]. وكل واحد منهم متهذّب دايما بإنجاح عظيم. ولكن منذ شهر (29 حزيران 1665)، ورد من رومية مكتوب إلى الكوري إسطفان المذكور من حضرة الكردينال روسفوليوس الشريف إذ يذكر له بأن يرجع إلى جبل لبنان ويعمل كافّة العناية في تعليم الموارنة هناك. لأن ذلك ما يكون موافق على المقصود من المجمع المقدّس. والكوري إسطفان مستعدًّا (كذا) من جهته لفعل ذلك، لكن، نحن عبيدكم موارنة حلب، لنا بعض علاّت نذكرها لقداستكم باختصار، لأننا متحققين عن ودِّكم الشريف إلى نحو ملّتنا.

[3] أوّلاً: إنّ جبل لبنان له أربع سنين متقلّق من الحروب. حتى إنَّ بهذا القرب، طفر البطريك مع آخرين من الكهنة وبعض من المطارنة. وهذا أنَّ رواحه [ذهابه] إلى هناك بقلّة فايدة.

ثانيًا: إنَّ في جبل لبنان موجودين كثيرين تعلّموا مليح [جيِّدًا] في مدرسة رومية التي للموارنة. وهؤلاء في أوقات الحرب والأمان قادرين يعلّموا ولم يتوخّرون [يتأخرَّرون]. وأمّا نحن، ولو كنّا ها هنا فرع كبير من الملّة الموارنة، ومقيمين بين الأراطقة والإسلام، ما لنا فقط من يسعفنا حتى ولا لنا قدرة نسكِّن هنا أسقف من شدَّة الظلام. فلنا الكوري إسطفان الذي يفيدنا ويثبتنا في الوعظ، والشور، والصلح بين المخالفين، وتعزية الحزانا [الحزانى]، وتفسيره الكتب السريانيّة.

ثالثًا: إذا ارتفع هذا من بيننا، يلتزم أن نبقا نبقى نبعث أولادنا إلى عند الأراطقة بما كنَّا نفعل سابقة [كما كنّا نفعل سابقًا] ليتعلّمو [ليتعلّموا] اللغات العربية والفرنجيّة. لأن الكوري المذكور، بمدّة هذه السنتين، هو كان فتح مدرسة السرياني والعربي والإفرنجي، وكان يُرشد الأولاد بأقصا [بأقصى] الجد والاجتهاد.

قدسكم عبيدكم وخادمين بابكم الحقيرين وكلاء ملّتكم المارونيّة بحلب باسم الطايفة عمومّا.

حج يعقوب بن بركات حنا ابن منّاع

******

ثانيًا: وجدت أربع رسائل في مدريد، في أرشيف الفرنسيسكان، الموجود في الوزارة الخارجيّة، تحت عنوان Obra Pia. ثلاثة منها موجّهة إلى آباء فرنسيسكان، والرابعة كناية عن بيان للكنيسة المارونيّة بشأن القرار الذي اتخذه ويريد تعميمه على كافة أبناء الكنيسة المارونيّة. أما الموضوع الأوّل فيدور حول إنشاء بيت أو منزل ضيوف للحجّاج والمسافرين (Hospice) ومدرسة لتعليم اللغة العربيّة في حريصا. وكلّها تحمل التاريخ نفسه : 8 أيار 1682.
وإني أغتنم هذه المناسبة لأوجِّه أصدق عبارات التقدير الأوّل من كتب، بيننا، منذ 52 سنة عن إسطفانوس الدويهي، ولا يزال يناضل في نبش التراث الماروني والمشرقي، عنيت صديقي الأستاذ، وقريباً جدّا الدكتور، أنطوان خاطر. وهو الذي تلطّف وأشرف على ترجمة هذه الرسائل الأربعة للدويهي إلى العربيّة.

1- الرسالة الأولى، من 52 سطراً، موجّهة إلى حافظ الأراضي المقدسة، الأب الفرنسيسكاني بطرس مارين سورماني من ميلانو، في 8 أيار 1682. وهي تثبيت لإذن أعطاه للآباء الفرنسيسكان، في شهر آذار 1682، من أجل تشييد مضافة للحجاج والمسافرين وإنشاء مدرسة لتعليم اللغة العربيّة. ويتعهّد بطلب موافقة أبو قانصوه (الخازن)، القنصل في بيروت، وحاكم مقاطعة كسروان. في جواب البطريرك، أيضاً إشارات كثيرة لمواضيع أساسيّة تتكرّر في مؤلفاته التاريخيّة واللاهوتيّة: إبراز هويّة الأمة المارونيّة، وتثمير دور الفرنسيسكان في الشرق وعرفان جميل تجاه ما قاموا به للكنيسة المارونيّة، وتسليط الضوء على أهميّة إنشاء المدارس.
وهذا نصّها مترجمًا عن الإسبانيّة لأني لم أقع على النص الأصلي للرسالة:


مكان الختم


"بطرس إسطفانوس، بنعمة الله، بطريرك أنطاكيا، إلى الحبيب بالمسيح والجزيل الاحترام، الأب بطرس مارين سورماني من ميلانو، من رهبنة الإخوة الأصاغر، المفوّض الرسولي في نواحي الشرق، حافظ الأراضي المقدسة وورديان [حامي] جبل صهيون المقدّس، البركة الرسوليّة والسلامة الأبديّة بالرب.
إنّ الأمّة المارونيّة، وقد حافظت وحدها من بين أمم الشرق على الطاعة والأمانة في الاتحاد مع الكنيسة الرومانيّة المقدّسة، أم ومعلّمة الدين الحقيقي، والكاثوليكي، وهي موجودة محاطة عبر أجيال طويلة ليس فقط من غير المؤمنين، بل ايضًا من النساطرة........................................ .................... وشيع أخرى غيرها.
تعترف بملء فيها أنّها لم تجد راحة أبدًا ولا مساعدة إلاّ من رهبانيّة مار فرنسيس الساروفيميّة المقدّسة. أما وقد اعتبر، بالهام إلهيّ، رؤساء رهبانيّتكم المقدسة أنّ الأب الساروفيمي، إذ لم يكتف بنشر الايمان السابق ذكره في أوروبّا، انتقل إلى بلادنا سوريَّا ليحافظ ولينمّي فيها الدين الإلهي الحقيقي. وذلك بأن ينثر فيها، إذا اقتضى الأمر، دمه نفسه. من هنا لذلك لم يوفِّروا وسيلة ولا طريقة مناسبة للمحافظة على الإيمان المقدّس (ونشره)، ليس فقط في بلادنا السوريّة، بل في الشرق كلِّه. بل إنَّ الأحبار الأعظمين الرومانييّن برعايتهم إياهم بسلطة خاصّة وبامتيازات، كلّفوا سابقيكم من حرَّاس المدينة المقدّسة بالتعاون (بالعمل معًا) للمحافظة على الكنيسة المارونيّة وطمأنينتها. ولذلك لم يقطعوا عن المجيء مراراً كثيرة ليزوروا رؤساء هذه الأمة وتشجيعهم بتعاليمهم ولا أن يحضروا باسمهم في المجامع المقدّسة، ولا أن يسعوا للحصول لهم على تثبيت انتخابهم وعلى نوال درع الكنيسة الرومانيّة المقدَّسة. لذلك نفيد أبوَّتكم المحترمة بأنَّناحفظنا دائمًا وسنحفظ، نحن وأمَّتنا، محبة حميمة عفويَّة لرهبانيَّتكم الساروفيميَّة.
أمّا وقد اطّلعنا الآن على نيّتكم بإنشاء مضافة (Hospice) ومدرسة لتعليم العربية للخير العام والمنفعة الخاصّة للأرض المقدّسة في جبل لبنان هذا، حصل لنا فرح كبير وسرور روحي. وتجاوبًّا مع طلب تقويّ كبير كهذا الطلب فقد قرّرنا، مع إخوتنا الجزيلي الاحترام المطارنة والأساقفة، الحصول على موافقة السيد الأكرم أبو قانصوه (الخازن) القنصل في بيروت وحاكم مقاطعة كسروان، وأمرنا بأن يؤسّس في المكان المدعو حريصا في مقاطعة كسروان، وفقًا للطلب الذي قدَّمه الأب المحترم الأخ فرنشيسكو ليسوع ومريم هو ورفاقه: الأب يوسف من ليون (Léon)، والأب فرنشيسكو مارتين وهم مميّزون بفضيلتهم وبسموِّ تقواهم. وهكذا نقبل من ربِّنا وبرعاية هذا الكرسي المقدَّس / الأنطاقي المقدّسة الآباء المذكورين سابقاً، ونمنحهم، هم ومن قد يخلفونهم، جميع الصلاحيّات والحريّة والضمانات التي يمكن لسلطاننا منحهم إياها. كذلك سبق وأعطينا إجازة (إذنًا) خطيًّا ونثبِّت بكتابنا هذا ذلك الأذن برسالتنا هذه، بأن يبنوا ليس فقط (مضافًا) منزلاً لسكنى الرهبان، بل أن يفتحوا أيضاً مدرسة أو معهدًا للغة العربيَّة، وأن ينشئوا كنيسة على اسم أمير الرسل القديس بطرس يمكنهم أن يمارسوا فيها الطقوس والاحتفالات بالطقس اللاتيني، بحريّة تامة. كذلك نفوِّض إلى رئيس المقرِّ المذكور ليتمكّن من اختيار أشخاص أكفياء بمعرفة اللغة العربيَّة ويرسلهم ليعظوا بكلام الله أبناءنا في ابرشيَّاتنا ورعايانا.
وتأكيدًا لهذا، أصدرنا تعميمًابالعربيَّة على كل أبناء أمَّتنا والخاضعين لسلطاننا، نأمر فيه بأن يلقى رهبان الأرض المقدَّسة، وبشكل خاصّ الأب رئيس حريصا، كلَّ محبَّة وتكريم.، وأن يُستقبلوا بكلِّ لطف من قبل مؤمنينا، وأن لا يكون ذلك الإكرام دون ما يلقاه رهباننا أنفسهم؛ لأنه يطيب لنا كثيرًا أن محبَّتنا الأبويَّة تشمل الجميع، وبخاصّة أولئك الذين همّ خدَّام الإيمان المقدَّس، وبشكل خاصّ الرهبان الوافري التقوى من جماعة أورشليم، لكون هذه الجماعة ذات فضل على أمَّتنا المارونيَّة؛ ولأن رهبانها مختارون من جميع الأمم للمحافظة على الدين الكاثوليكي المقدَّس ونشره.
وتصديقًا لذلك، وقَّعنا هذه الرسالة وأكَّدناها بختم الكرسي الأنطاكي المقدَّس هذا.

أعطي في قنُّوبين مقرِّنا في الثامن من أيار سنة ألف وستماية واثنتين وثمانين للتجسُّد الإلهي".

2- الرسالة الثانية موجّهة إلى الأب فرنشيسكو ليسوع ومريم، رئيس حريصا في كسروان يعلن له فيها عن موافقته في تأسيس مضافة ومدرسة للغة العربيَّة ويُعرب له عن سروره بهذا المشروع. عدد أسطر الرسالة بالإسبانيِّة، 21سطرًا وثلاث كلمات.

3- الرسالة الثالثة موجَّهة إلى العوام، أبناء الكنيسة المارونيَّة، من 49 سطرًا، بالإسبانيَّة، في الموضوع عينه.

4- الرسالة الرابعة التي كتبها موجَّهة إلى الأب فرنشيسكو دي سانتو فلورو، حارس القدس، في 15 تشرين الأوَّل 1699. مؤلفة من 207 أسطر، مترجمة إلى اللغة الإسبانيَّة، وهي تستأهل التوقًّف عندها، وسوف تحظى كسائر الرسائل التي ذكرت اليوم على إصدار قريب في مجلَّة المنارة.


مضمون الرسالة


يُفهم منها أنَّ المرسلات بين البطريرك الدويهي والفرنسيسكان لم تتوقَّف. منها هذه الرسالة، التي نحن بصددها، التي تفيد أنَّ البطريرك سبق أن أرسل إلى حارس الأراضي القدَّسة فيالقدس، الفرنسيسكاني، جوابًا على مراسلاته، بواسطة الشيخ حصن الخازن، حاكم مقاطعة كسروان. لكنَّ هذا الأخير لم يرسلها كما هي بل حوَّرها ولم يحفظ منها سوى نقطتين، هما: الطلاق ومسألة المعمَّد ثانية، في حين تضمَّنت الرسالة السابقة 14 موضوعًا، ويحاول أن يجيب عليها مجدّدًا.
1- الموضوع الأوَّل يتعلَّق بمسألة انتقال بعض الروم من بيت لخم ومن القدس إلى الكثلكة، بتشجيع من الفرنسيسكان، وبدعم من الصدر الأعظم الذي قبض، في القسطنطينيَّة من الأب عبد الأحد لارديثابال، في العام 1687، مبلغ 20 الف بيزوس لقاء غضّ النظر. وأصدر القضاء العثماني أمراً يقضي بأن يتبع جميع المسيحيِّين في الأراضي التركيَّة، بدون إزعاج، القانون والطقس الذي يريدون، بدون أن يستطيع رعاتهم الشرعيُّون إرغامهم على اتِّباع تقليد الآباء وشرائعهم. ينبري البطريرك الدويهي في هذه الرسالة للدفاع عن حقوق الكنيسة المارونيَّة ومصالحها لأن المرتدِّين لم يكونوا فقط من الروم بل يقول "من موارنتي الكاثوليك". وفي ذلك له نتائج خطيرة وسبّب لهإزعاجًا كبيرًا جدًا، وامتعاضًا مريرًا، خصوصًا أنَّ الموارنة الذين كانوا يرفضون التخلّي عن صيام الرسل وانتقال العذراء كانوا يعرِّضون نفسهم للحرومات ...
نفهم من هذه الرسالة تفاصيل كثيرة، ومنها أنَّ البطريرك أرسل المطران يوسف الحصروني، مطران طرابلس، لوضع حدٍّ لهذه الفوضى العارمة. بقي ثلاثة أشهر في القدس بدون أي نتيجة. ووسَّط البطريرك مجمع انتشار الإيمان في الأمر، ونزل إلى بيروت والتقى الأب رافايل فينتايول، المحرِّكالأساسي لكل هذا الانشقاق، الذي وعد بالتراجع، لكنَّه لم يثبت على وعده، لا بل سعى إلى توظيف القضاء التركي من جديد، للحصول على قرار شبيه بالسابق.
في هذا الإطار ينبغي وضع شكوى البطريرك ضد المرسلين الفرنسيسكان والتي تقضي بأن لا يتدخَّل أحد في شؤون الملَّة المارونيَّة، أكان بأمر الطقوس والزواج، أم كان بأمر حقوق خوارنتها. ثم يستعرض ما ينبغي أن يتقيَّد به موارنة الأراضي المقدَّسة في ثماني نقاط:

"1 – أن يستعمل الكهنة الموارنة البخور في ذبيحة القداس بحسب ما تأمر فرئضنا (rubricas) وكتاب الرتب الكاثوليكي الماروني، بدون أن يُمنعوا من ذلك.
2 – أن يُلزم شعبُنا بحفظ الأعياد المأمور بها؛ وكذلك الانقطاع عن أكل اللحم يومي الأربعاء والجمعة، وفي أيّام الصوم الأخرى أن يمتنعوا عن أكل مشتَّقات الحليب، والبيض، وأي شيء آخر يحرَّم في كتاب الطقوس الكاثوليكي.
3 – أن يكون الانقطاع عن الأكل في زمن الصوم انقطاعًا طبيعيًّا حتى الساعة التاسعة (nona) كما هي العادة عندنا.
4 – أن يعترف جميع الموارنة بالبطريرك الأنطاكي كراع أسمى لهم، وأن يطيعوا الرعاة والخوارنة الذين يعيِّنهم لهم البطريرك.
5 – في الزواج وفي الدرجات الممنوعة، فليقدِّر الأسبابَ البطريركُ كما فعل دائمًا، وليوافق أو يرفض، كما يُرى؛ أو مطارنته.
6 - فليسعَ خوارنة الرعايا لكي يحافظ الشعب على دفع العشر السنوي إلى راعيه.
7 - أن يكون المضيف [المضاف] (casa del Ozzi) في القدس تحت أوامر البطريرك وطاعته.
8 – أن يُبقى في القدس، ويحافظ بحسب الاتفاقات القديمة، على خمسة مقاعد لأولاد موارنة يعلِّمون فيها اللغة السريانيَّة. وليُعمل الشيء نفسه في دمشق، لأنَّنا بموجب هذا العقد والاتفاق، تركنا له رعيَّة، وكنائس وليس بفرض آخر".
ويخلص إلى القول: "بأيِّ ضمير يمكن فقدان الروح مقابل اللحم [الجسد] ، أو كيف يمكن رهبانكم البسطاء تغيير طقس الموارنة بمنع الكهنة من تقديم البخور في القداس، وفي الذبيحة المقدَّسة، وذلك بخلاف الأسلوب المستمرّ لهذا الكرسي منذ أيَّام القديس بطرس إلى الآن، وبخلاف التوجيهات (rubricas) نفسها المطبوعة مرارًا في روما؟ وبأي سلطة يمكنهم أن يُلزموا الموارنة تحت طائلة الحرم، بأن لا يأكلوا السمك، أو اللحم يوم الأربعاء، وأن لا يمتنعوا أيام الجمعة عن أكل مشتقَّات الحليب، والبيض، والزبدة وأشياء أخرى ممنوعة في طقوسنا في هذين اليومين [الأربعاء والجمعة]، وفي سائر أصوامنا؟ أو كيف يمكنهم أن يمنعوا إتمام وصيَّة مأمورة صراحة من الله، مستعينين على كلّ هذا بالسلطة التركيَّة الجائرة، لإخراج النعاج بطريقة عنيفة من قطيعها الخاص، ومن حماية راعيها الشرعي، وهم ليسوا بابا، ولا بطاركة، حتى ولو كانوا [بهذه الصفة]، لما كانوا ليعملوا ذلك بهذه القلة من الاحترام نحو الإله ربِّنا ونحومن يهمُّه الأمر".
ويختم بهذه الملاحظة التي تنمُّ عن نُبل وكِبَر-، وعن رغبة بحلِّ القضايا العالقة بين الفريقين، البطريركيَّة والفرنسيسكان، بدون العودة دائمًا إلى روما، فيقول :".... نحن بانتظار ما تقرِّره فطنتك وموافقة مجلسك المحترم، لأن إذ علينا نحن أن نرسل ممثّلنا للغفران بمناسبة السنة المقدَّسة إلى البلاط الروماني، لا نريد أن نخطر البابا ولا الكرادلة بخلافاتنا، بل أن نرتِّبها فيما بيننا وبين الأرض المقدَّسة. والماضي ننساه، ولو خسرنا نحن، لأن ما نصنعه نصنعه من أجل السلام" (بحرف كبير Majuscule).


خاتمة


يكتشف الباحث بدون جهد أنَّ كاتب الرسالة هو المحور بين المرسلين جميعهم وعلى كافة انتماءاتهم. وهو المرجعيَّة المتقدِّمة على شعبه، والمتقدِّمة على المقدَّمين والمشايخ. له الكلمة الفصلُ في الأمور جميعها.
ويكتشف أيضًا أنَّه يتدخَّل لدى المراجع الدوليَّة لحماية مصالح الطائفة، غير هيَّاب، مفنِّدًا، بالحجة العلميَّة والتاريخيَّة، بشكل مهذَّب، إنَّما بمدافعة شرسة عن حقوق الكنيسة المارونيَّة ومصالحها، الأمر الذي يضاعف ثقة شعبه به وشعوب الجوار.
وتبيِّن هذه المراسلات، بالطبع، جوانب مخفيَّة من حياة البطريرك وتحفِّزنا لمزيد من التفتيش.

أيُّها الأحباء،
كُتب عن البطريرك الكثير، ولم ننته بعد من قراءة ما ألَّف بسبب ثقافته الجامعة وفكره الغزير الذي ما زلنا نغرف منه إلى اليوم. قرأه العديدون، وهو على شفة كلِّ باحث. قبله، كانت كنيستنا تتخبّط في الفوضى الليتورجيَّة والتاريخيَّة. ومن تكلَّم قبله على هذه المواضيع، لم يف بالغرض، ولم يضع حدًّا لشيء، لا بل زاد التعقيد تعقيدًا والضبابَ ضبابيَّة في زمن التثاقف المكثَّف بين الكنيسة المارونيَّة المشرقيَّة، الصغيرة والفقيرة، والكنيسة الرومانيَّة اللاتينيَّة، الكبيرة. فبفضل شخصيَّته القياديَّة، وقراره، وقدرته على التنفيذ، التي تجلَّت في كتاباته ومواقفه، إنِّي أعتبره، كما قلت سابقًا، "مؤسِّسًا ثانيًا" أو بالأحرى مُصلحًا، للكنيسة المارونيَّة، بعد مارون ويوحنا مارون على مسرح الكنيسة الجامعة. وما كتبه ونظَّمه أثمر في أيَّامنا في قداسة شربل ورفقا والحرديني والمسابكيِّين وسواهم، بانتظار تطويبه هو. وأخيرًا، في مسيرة حياته وعيشه ومسلكيَّته، يظهر البطريرك الدويهي أنَّه مثال ونموذج للخوري، ومثال ونموذج للأسقف، ومثال ونموذج للبطريرك. إنَّه هديَّة السماء لكنيستنا المارونيَّة، لن نألو جهدًا في التفتيش عن نتاجه، وحبَّذا لو نطالعه باستمرار، ونقتدي يمثل هذا الكبير عند تحمُّل ميؤوليَّات الصالح العام.

وشكرًا.

كلمة الأب الياس حنا

إصبع الدّويهي
على جراح الموارنــــــــة


مقدّمــــــة.

لو عاد الدّويهي العظيم اليوم لكرّر ما قاله بالأمس.

عندما طُلب إليّ أن أتكلّم عنه، تهيّبت الموقف في حضرة سيّد الكلام وعاشق الكلمة.
وبين خوفي وحيرتي، إنتصب هو على مذبح كنيسته، واستلّ مني البطرشيل وصليب اليد، وقال لي: دعني أرددّ صدى ما تفوّهت به يوم كنت كاهناً واعظاً في مدينة حلب لثلاثماية سنة ونيّف خلت.

لقد قال لي : كنيستي التي أحببت ، تفتحت جراحها من جديد، وهي في حال نزف قد يفقدها الوعي، ويجرّدها من الموقف، ويمنعها من اتخاذ القرار.
دعني أضع إصبعي من جديد على جراحها علّها تطيب وتشفي،
قل للذين يصغون إليّ : إنيّ أعرفكم حق المعرفة إنكم موارنة لا لبس فيكم، لكنني أحبكم كما أنتم.
قل لهم ألا يخافوا، فالخوف يفاقم الخطيئة، ويوسّع هوّة الانقسام.

قل لهم أخيراً، أننا كنيسة رهبانية نسكية، وأن جبلنا هو صورة طابور ومثاله، لا يحلو له أن يُبان من بين غيوم الأزمات إلا ساطعاً بأنوار المجد.

فإليك الكلام، يا من كنت تردّد دائما قبل أن تتفوّه بأي كلام : "أعطونا نسطة،
واطلبوا من ستنا والدة الخلاص، ليطلق الله لساني قائلاً : السلام عليكِ"
هات اصبعك وضعه في جراح ثلاثة : الإيمان والإنسان والحياة في جسم كنيسة طالما أحببت حتى الرمق الأخير.

1- الجرح الأول : الإيمان

"الإيمان بدون أعمال ميت" يقول القديس يعقوب(1) يكشف الدويهي النقاب عن الانفصام الروحي الذي عانى منه الموارنة بالأمس وما زالوا يعانون.
يكفي أن يستعرض الواحد منا الصلاة الربيّة أي الأبانا حتى يكتشف بأنه يعيش بعكس ما يؤمن.
الموارنة يصلّون كثيراً وينحرفون كثيراً.
فلنترك الكلام للدويهي يقيم مقارنة بين مضمون الأبانا في عصره:
" كلّ يقولون في أفواههم :"أبانا الذي في السموات"، وليس لهم أبٌ سوى الشيطان الذي يطلبون رضاه!؟
كلّ يوم يقولون: "ليتقدّس إسمك" وهم يدنسوه بأفعالهم الرديئة وسبابهم الكاذب، ويمرمرونه بسبابهم وتحريقهم، فيدعونه إلى النقمة!؟
كلّ يوم يقولون :"ليأتِ ملكوتك" ولا يطلبون سوى أمور الدنيا، ولا يتفحّصون إلا ما هو فانٍ!؟ كلّ يوم نقول : "لتكن مشيئتك"، ولا نعمل شيئاً طبق مشيئته، ولا نتمسك بشيء من وصاياه، بل نقوم بما يرضينا ويقضي غرضنا!؟
كلّ يوم نقول :"أعطنا خبزنا"، ونحن لا نريد تحصيله إلا بالسرقة والحرام!؟
كلّ يوم نقول :"إغفر لنا ذنوبنا وخطايانا كما نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا"، ونحن لا نغفر لعدونا، لا نغفر لإخوتنا، إذاً كيف يمكن أن يغفر هو لنا!؟
كلّ يوم نقول له :"لا تدخلنا في التجارب"، ونحن نلقي بأنفسنا في التجارب، بالرفقة الرديئة، والكلام الزفر، والتهمة، والكذب ونقل الكلام!؟
كل يوم نقول له :"نجنا من الشرير"، وليس لنا شرير إلاّ إرادتنا الشريرة، وعاداتنا الخبيثة!؟
هذه هي الصلاة التي علّمناها الرّب،
هذه هي الصلاة التي أمرنا أن نحفظها ونتلوها،
هذه هي الصلاة التي نصليها كلّ يوم،
قولوا لي ماذا حفظتم منها؟ بماذا أنتم متمسكين؟
لقد قال الرّسول :"إنّ الذي يخطئ بواحدة، صار مذنباً بجميعها"(2). إذاً، من هو أكثر عمى منكم"(3).
ينسحب هذا الانفصام الرّوحي على علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. وهذا ما حذّر منه الدّويهي بقوله :
"قال الله :" أحبب قريبك حبك لنفسك"(4).
وأنتم، كيف تحبّون بعضكم بعضاً؟
إنكم مثل السمك الكبير الذي يأكل السمك الصغير. فالقويّ يأكل الضعيف، واحد يدوس عرض الآخر، وواحد يغشّ الآخر، وواحد يستهزئ بالآخر ..." (5)

ينعكس الانفصام الروحي إلى عمى قلب وبصيرة، بحيث يؤدّي إلى انحرافات في التّصرف والسلوك، وهذا ما عبّر عنه الكاتب بقوله :
"لا يخفى علينا بأنّ روحانيات النجوم تكبس رؤوسنا، وحقنة المياه تقوّم رأينا، ونشوفة المآكل تغلّظ رقابنا، والوهم من الوحوش والدبيب يصغّر نفوسنا، ومداومة الامراض تحطّ من قوانا، والهموم والأحزان تقطّع قلوبنا، وشهوات الجسد تثقل أرواحنا، لا بل اظلمت عقولنا من كثرة الخطايا، من هنا أضحى عيشنا كلّه مثل العميان، لا نعرف ما نختاره وما نسقطه من حسابنا ... فإذا كان العقل الذي هو ضؤ الروح معتّماً فكم بالحرّي الإرادة التي هي معتمة من طبيعتها؟!(6)

لو عاد الدويهي من عليائه لردّد الكلام عينه على مسامع أبنائه الموارنة اليوم. "فمن له أذنان سامعتان فليسمع"(7).

2- الجرح الثاني : الإنسان

يستعرض الدويهي مراتب المجتمع الماروني من رأس الهرم إلى قاعدته، متوجّهاً إلى كلّ طبقة بما يناسبها من الكلام.
نقتصر هنا على كلامه في : الكهنة، الزوجين، أرباب البيوت ومشايخ الشعب، والنساء والأولاد.

- الكهنة

" وأنتم أيها الكهنة، إلتزموا بختان نفوسكم حتى تميلوا عن الشرّ، وتعملوا الخير، لأنكم تقومون مقام أقنوم المسيح. وكما يتّسم الكهنة في الكتب على أنّهم " لابسي الله"، كذلك يجب عليهم أن يكونوا مختونين في ذواتهم حتى يختنوا غيرهم من الأفعال الرديئة ...
على الكاهن أن يجعل نفسه كالخاطئ حتى يردّه، أن يظهر ذاته لابساً المسيح حتى يلبسه الشعب، أن يواظب على الإعتراف حتى نتعلم منه العامة، أن يواظب على قراءة الكتب المقدسة حتى يتعلم الجاهل منه،
أن يكون ضابطاً لسانه عمن شجب غيره، وعن كلام الزفر والحلفان، وعن الرحمات حتى يكون مثالاً للشعب، ويظهر بأنه لابس المسيح،
أما إذا كان مستهزئاً بالإعتراف، ويمضي أسبوع أو إثنين ولا يقبل صلاة على رأسه، وإذا أطلق لسانه على العامة من الناس، وكان غير مختون ... فجسد المسيح الذي يكأكله، والمسيح الذي يلبسه يكونان له سبباً للحريق، وطعاماً للنار"(8).

يضيف الدويهي عن الكاهن بقوله:
"إذا كان المعلم جاهلاً غشيماً، فكيف يمكنه أن يتلمذ الجهّال؟
إذا كان الكاهن عديم القداسة، فكيف له أن يقدّس المدنّسين؟
إذا كان النسر مبتور الجناح، فكيف له أن يحمل فراخه في الفضاء؟..."(9)
لقد إعتاد الكهنة أن يؤنبوا الناس، دون أن يتجاسر أحد على تأنيبهم، باتبارهم يتوشحون بالثوب الكهنوتي المقدّس، ويحملون سرّ الكهنوت، لذلك هم دائماً على حقّ وغيرهم على خطأ. يثور الدويهي على هذا التقليد، ويضع الكاهن في مصاف الخطأة، ويُسقط عنه كلّ توقير مزيّف، ويضع أمام ذاته، ويأمره بأن يعظ ذاته قبل أن يعلّم الغير.

- أرباب البيوت ومشايخ الشعب

"أنتم، يا أرباب البيوت، يا أصحاب العيال، يا مشايخ الشعب،
إختنوا قلوبكم، يقول لكم الرّبّ.
لا تقسوا رقابكم، لأنّ الرّبّ إلهكم هو إله الآلهة وربّ الأرباب، إله عظيم، وقادر، ومخيف، لا يرائي، ولا يقبل برطيلاً ولا رشوة، إنه يحكم اليتيم والأرملة، ويحبّ الغريب ويعطيه قوته وكسوته"(10)

يريد الدويهي أن يؤكد بأنه سلطة تعلو على سلطان الله المطلق، لا في قيادة الشعبولا في تدبير العائلات. فما السلطة البشرية إلاّ إنعكاس لسلطة الله، أي إلتزام الإستقامة ونصرة الضعيف والمهمّش.

- المتزوّجون

"عندما تزوجتم ، لبستم جسد المسيح.
وأمام مائدة الحياة هذه، وأمام هذا الإنجيل الطاهر، عاهدتم الكاهن بأن تكونوا أعفاء ، بأن تكونوا متفقين في المحبة، بأن تربوا أولادكم على مخافة الله، أن تكونوا مواظبين على الصلاة والقداس، أن تطيعوا الكهنة في كلّ شيء.
والآن، ما بالكم؟
لماذا نسيتم عهدكم؟ فبين بعض الناس، لا نرى ليلاً نهاراً إلاّ القتال، والسباب والشكاوى. من أين كلّ ذلك إلاّ من قلّة مخافة الله، إلاّ لأن قلوبهم غير مختونة؟
لماذا نرى أولادهم قليلي الأدب، يرفقون أياً كان، يعاشرون أيّ جنس كان، يمضون الليل والنهار في المأكل والسكر وما أشبه ذلك؟ من هنا، عندما يكبرون تبطل سلطتهم عليهم، فيستعر غضب الله، ويرسل اليهم الضربات والأوجاع والوباء والمحن ...
إن على الرؤساء أن يؤدبوا الشعب، وعلى الآباء أن يؤدبوا بنيهم، وعلى القادة أن يؤدبوا الجنود، ولأنهم لم يصنعوا ذلك، أدّب الله المشايخ ليعتبر منهم الصغار..."(11).
وفي مكان آخر يؤنب الدويهي المتزوجين بقوله: "أنظروا هنا يا مزوّجين، كيف تكون مساكنتكم لنسائكم، فبعض الناس لا يسمع في بيوتهم إلاّ ، النقار، إلاّ القتال، إلاّ السباب، إلاّ التحريق، لماذا؟ بسبب كلمة ليس إلاّ. فمار يوسف وجد خطيبته حبلى منذ ثلاثة أشهر، فما حاكاها، ولا كلمها، ولا قتلها إلخ"(12).

- النساء

"وأما ماذا نقول عن النساء اللواتي، بإسم العبادة، يوقعن الشرك والمصيدة للخطيئة، إلخ.
قلن لي، أيّ حاجة لكنّ في لبس القفازات والمخمل، والأطالس في الحمّام وفي بيت الله؟ فإما أنتن بنات المسيح، وإما بنات الشيطان؟ لابسات عفة المسيح أم ثياب الخطيئة؟ ...
لذلك، يأمرهنّ الرسول مار بطرس بأن يختنّ قلوبهنّ من الكبرياء وأجسادهن من زينة الثياب، وألاّ يتزينّ إلاّ بالفضائل والحسنات..."(13)

- الوالدون (الشيوخ)

"وفي عصرنا هذا، آه ما أعتى قلوبنا؟! ما أغلظ رقابنا. لقد كتب الرّبّ بخط إصبعه : "أكرم أباك وأمك"(14). ونحن، لا نخضع لهذه الإرادة القاسية، بل نريد أن نحكم بوالدينا، نسبهم، ندعو عليهم، نقهرهم، نحرق أمواتهم.
من هنا حدث أن إنقصفت أعمار الكثيرين، وأن كثيرين لم ينجبوا البنين، وكثيرين حطوا عن وظائفهم والخيرات التي كانوا ينعمون بها، لا لشيء إلاّ لأنهم خالفوا مشيئة والديهم، إلاّ لأنهم لم يخضعوا لهم... فإن كان ربّ العالمين وسيّد العساكر قد أخضع ذاته لخليقته، فكم بالحريّ، نحن دودة الأرض، نلتزم الخضوع لوالدينا ...!"(15).

- الأولاد

"إذا تركتم السفينة تسير مع كلّ ريح تغرق، ولا تهدأ أبداً لأنه لا يمكنها أن تصل بنفسها إلى الميناء، بل إذا حرّك الإنسان دفتها ولو بعكس الريح والموج، فإنها عندئذ تبلغ الميناء بسهولة.
إذا تركتم النصبة تمتد كما تشاء، فإنها تنحني لتلامس الأرض بسبب الأهوال والرياح، وإن لم تسندوها بمسموك، ولو كانت الرياح تعاكسها، فإنها تستقيم، وتاتي بثمار كثيرة.
إذا تركتم للكرمة كل أغصانها تبربر بسهولة وتيبس، وإن أنتم قلمتموها بقساوة وحرثتموها، تحيا زماناً طويلاً وتأتي بثمار جزيلة.
كذلك، أقول لكم : إن تركتم الولد على رأسه يتخذ العادات الرديئة، ولا يثمر ثماراً جيداً. تنقسف حياته قبل أوانها، ولا يمكنه أبداً الوصول إلى ميناء الحياة."(16)

- العامة

يعيّب الدويهي على معظم الناس الفخر العالم ومجده الباطلين، فيقول:
"كلّ فخر هذا العالم ومجده هو نيل الرئاسات والرتب الرفيعة، والمجد الباطل والمدح، والأرزاق والثروات، والبنين والنساء. هذا كلّه لا شيء ...
فإن كان العالم يستقيم بالمراتب، فإننا نعجب من أصحابها كيف يمضون الحياة بلا راحة، فهؤلاء يذريّهم الريح كالدخان(17)، وينقلهم من مكان إلى آخر، ومن يد أحدهم إلى يد أحد آخر. وأما الذين همّهم بالبنين والنساء، فهم تحت حكم الموت، كالضّيف الذي كان بالأمس ورحل(18) فإذا ماتوا يمضون ويمضي ذكرهم معهم"(19).

إستعرض الدويهي مراتب المجتمع الماروني، وحاكى الإنسان في زمانه ومكانه، فإذا به يطاله في كلّ زمان ومكان.
همّ شعبه وكنيسته كان يتآكله ويقضّ مضجعه ويستنزف كلّ قواه. وإذا كان ثائراً ناقداً، فكلّ ذلك كان بهدف الإصلاح وبسبب الغيرة على أبناء جلدته وكنيسته.
فهو يطلب الإعتدال في الحرية لئلا تضحي تفلتاً، كما أنه يطلب المزيد من الإستقامة لئلا تفقد الحياة معناها وقدسيتها.

3- الجرح الثالث : الحياة

كما عالج الدويهي جرجي الإيمان والإنسان لدى أبنائه الموارنة، ها هو يضع إصبعه على الجرج الثالث ألا وهو الحياة. فيجد فيها نقصاً في الإلتزام، وتفلتاً في اللسان.

- الالتزام

يتحيّر الدويهي من أولئك الذين لا مناغمة لديهم فقط بين الإيمان والأعمال، بل من الذين يسغلون ايمانهم لتمرير أهاوئهم ونزواتهم، فيقول:
"وأما ماذا نقول عن أولئك الذين لا يدخلون بيت الله إلاّ ليفلتوا العنان لألسنتهم في الكلام/ كي يسألوا عن الخطبات، عن الزيجات، عن الفتن، عن الهندام والثياب وما شابه ذلك. فهؤلاء ماذا يكون مصيرهم؟ يقول الله : "إختنوا لئلا يخرج مثل النار غضبي إلخ"(20) يقول الرّب :"ملعون كلّ من يتوانى في خدمة الرب"(21). فكم من اللعنات يستحق ذلك الذي ليس فقط يتوانى (عن هذه الخدمة) بل يلهي أيضاً غيره عن سماع القداس والصلوات؟ إنني اجيبكم بأنّه يستأهل اللعنات السبع"(22)

يضيف الدويهي متألماً من تراجع الممارسات الروحيّة فيقول، وكأنه يتوجه إلينا اليوم :
"قال الله :"إحفظ أيام الأعياد"(23)
وفي يومنا هذا، من يحفظها؟ يا ليت علمي؟!
فالقهاوي حلّت محلّ الكنائس، والحكايات محل الكتب المقدسة، والفرجات عوض المذابح الإلهية، الرقص عوض المطانيات (السجدات الرهبانية)، وشرب الخمر والسكر في الصّيام عوض تناول جسد الربّ ودمه، عوض سماع كلام الله ...
فالويل واللعنة، يقول الروح القدس، للذين يداومون على شرب النبيذ ... فبعض الناس يريدون أن يدوسوا الله، ولو استطاعوا بأرجلهم، نساؤهم لم يعدن راغبات في الذهاب إلى القداس، أولادهم يستحون من سماع الكلام، وهم يقولون: ما هو الصوم؟ ما هو الأحد؟ ما هو العيد؟ والله يحتملهم ويطيل لهم حبل أناته. لكن يا ليت يعلم هؤلاء بأنه لا ينتظرهم إلا الغضب والرجس؟! بعض يربحون جميلاً لله قائلين : يا بونا ، أنا حضرت القداس وصليت. لكن قل لي : كيف كنت؟ في أي قلب؟(24)

- اللسان

اللسان هو الانسان، وهو بالتالي مقياس في حسن الالتزام أو عدمه. فلنصغي إلى الدويهي يحدثنا عنه : وماذا نقول عن الذين ينقلون الكلام، عن الذين يدوسون عرض الناس، عن الذين يشعلون الفتن، عن الرائحة التي لا تجلب إلاّ الوباء؟ فيجيب الروح القدس :"إن وقعة هؤلاء لا شفاء منها، إنّها تؤديّ إلى الهلاك"(25).
ويضيف الدويهي عن الحلف والسباب بقوله:
"يقول الله :"لا تحلف باسمي بالباطل"(26)...
فهل هذا كلام الله أم لا؟ هل هذه هي وصيته أم لا؟ وأنتم كم مرّة (تقولون) : أبو دينك، أبو كفرك، أبو الذي رسمك؟ كم مرّة تحنثوا بالقداس والصلوات؟(27).
يتوّج الدويهي كلامه عن هذه الإنحرافات عن السحر وقراءة الغيب وكشف المستقبل:
"وفي عصرنا هذا، كم واحد ترك الصلوات والقداديس، والتجأ إلى فتاحي البخوت، إلى المزعبرين، إلى فتاحي الفأل، إلى السحرة؟ فأقول لهؤلاء : إنهم في طريق الهلاك"(28).

خلاصة

بما أن "المحبة تستر كل شيء(29)، فلا بدّ لي إلاّ أن أختم بنشيد محبة الله للإنسان، على لسان الدويهي العظيم:
"أقول لكم، ولا أكذب،
أن لو نطقت جميع ألسنة البشر والملائكة جميعاً(30) عن عظم هذه المودّة، فإنها لا تصف نقطة من البحر؛ ولو صارت جميع أوراق الشجر، ونجوم السماء ورمل البحر ألسنة فصيحة لما استطاعت تصف جزءاً يسيراً من هذه المحبة،
ولو جعل الله كلّ أشعة الشمس، وجميع أغوار الفضاء، وكلّ مقاييس الأزمنة والطبائع كافة ألسنة ناطقة، لما استطاع كلّ ذلك من وصف دقيقة من كثرة محبة الله الذي صنعنا على شبهه ومثاله"(31).

*******************************
(1) يعقوب 2 : 17.
(2) يعقوب 2 : 10
(3) عظة 14 : أحد الأعمى : في عمى الخطيئة، فقرة 14.
(4) متى22 : 39 ؛ أنظر رومة 13 : 9.
(5) عظة 14، مرجع سابق ، فقرة 15.
(6) المرجع السابق ، فقرة 6.
(7) متى 11: 15 ؛ 13: 43 ؛ مرقس 9: 4 و 23، 7:16 ؛ لوقا 8 :8 ؛ 14: 35.
(8) عظة 5: في عيد الختان : في ختان القلب ، فقرة 5.
(9) عظة 7 : في عيد دخول المسيح الهيكل، فقرة 2.
(10) عظة 5 : مرجع سابق، فقرة 7.
(11) عظة 5، مرجع سابق، فقرة 7.
(12) عظة 12 : في عيد مار يوسف، فقرة 13.
(13) عظة 5، مرجع سابق، فقرة 7.
(14) خروج 20 : 12.
(15) عظة 12 ، مرجع سابق، فقرة 3.
(16) عظة 11 : في الإبن الشاطر وكرامة الوالدين، فقرة 5.
(17) أنظر مزمور 68 : 3.
(18) أنظر حكمة 5 : 14.
(19) عظة 10 : في نازفة الدم، فقرة 12.
(20) إرميا 4:4.
(21) إرميا 48:10.
(22) عظة 5 ، مرجع سابق، فقرة 9؛ أنظر تثنية 28: 16-19: اللعنات السبع هي : المدينة، البرية، السلة، المعجن، ثمر الأرض والبطن، البقر والغنم، الدخول والخروج.
(23) خروج 20:8.
(24) عظة 9 : عن برص الخطيئة، ثاني أحد الصوم، فقرة 9.
(25) عظة 5، مرجع سابق، فقرة 9؛ أنظر مزمور 14:12.
(26) خروج 20:7.
(27) عظة 9، مرجع سابق، فقرة 8.
(28) عظة 10، مرجع سابق، فقرة 6.
(29) اقورنتس 13:7.
(30) أنظر قورنتس 13: 1.
(31) عظة 16: بدون عنوان ، فقرة 5.

مداخلة حضرة الأب بولس القزّي

طالب دعوى إعلان قداسة رجل الله البطريرك مار إسطفان الدويهي


أصحاب السيادة السامي احترامهم،
قدس الأب العام السامي الاحترام.
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرة رئيس وأعضاء مؤسسة البطريرك الدويهي،
حضرة الكاهن الفاضل خادم رعيّة إهدن زغرتا،
حضرة الآباء الأجلاء والأخوات والراهبات الفاضلات،
أبناء وأحباء رجل الله البطريرك الدويهي الإهدني الأعزّاء،
أيّها الإعلاميون الكرام،

بفرح كبير نلبّي دعوة مؤسسة البطريرك الدويهي ورعيّة إهدن زغرتا لإحياء ذكرى مولد رجل الله البطريرك الدويهي الثلاثمائة والسابعة والسبعين. وننتهزها سانحة لنعرب عن عميق تقديرنا وكبير شكرنا لهذه المؤسسة، ولرعية إهدن ولأبناء هذه المنطقة الغالية على قلب كنيستنا المارونيّة، وقد عجنت تربتها بذخائر الأجداد والآباء القديسين ولنا نحن أبناء الرهبانيّة اللبنانية المارونيّة فخر انطلاقتنا من هذا الجبل المقدّس ولا تزال كنيسة مورت مورا الشاهدة على انطلاقة مسيرة رهبانيّتنا إذ فيها لبس مؤسسي الرهبانيّة الإسكيم الملائكي من يد رجل الله البطريرك اسطفان الدةيهي، الذي ألتمس شفاعته وأصلّي معكم لكي يرفعه الله طوباويّاً وقديساً على مذابح الكنيسة.
وأودّ أن أتوجه بعاطفة شكر خاصّة لقدس الأب العام الأباتي الياس خليفة رئيس عام الرهبانّية اللبنانيّة المارونيّة، الذي شرّفنا بحضوره الشخصي، والذي ساهم في انطلاق هذه الدعوة من خلال مواظبته على اجتماعات اللجنة اللاهوتيّة مع سيادة المطران غي نجيم ومن خلال التقرير اللاهوتي القيّم الذي أعدّه وقدّمه كأساس للدعوة. وهو يشكّل مرجعيّة علميّة كبرى في اللاهوت الشرقي وخاصّة في آباء الكنيسة السريانيّة والمارونيّة، وهو من بين القلائل الذين قرأوا بالكامل واطلعوا بالعمق على مؤلفات البطريرك الدويهي وقد تابع العمل منذ البدء بهذه الدعوى.
كلامي هذه الليلة هو عن مسيرة دعوى رجل الله البطريرك إسطفان الدويهي، بين مزدوجين، القديس. كُثُرٌ هُمُ الذين تَكلموا عنه كمؤرّخ وعالم ولاهوتي، وكراع غيور وليتورجي ناهض، وكاهن وواعظ ومعلّم ومرسل، وكعلامة وملفان ورائد نهضة، وكُثرٌ قد ألمحوا إلى قداسته، إلا أنّه يعود لي كطالب دعوى إعلان قداسته شرف التكلّم عن مسيرة هذه الدعوى التي تعطي معنىّ آخر لتاريخ كنيستنا، وتسهم في كشف النقاب عن ذخائر القداسة في شهادتها عبر التاريخ.
إنّ مداخلتي هذا المساء تقتصر على نقاط ثلاث من الدعوى المقدمة إلى روما بموجب ال Positio الحالي:
أولاً : ما تمّ إنجازه حتى اليوم؟
ثانياً : أين نحن اليوم؟
ثالثاً : ما ننتظر تحقيقه قريباً؟
أولاً : ما تمّ إنجازه حتّى اليوم؟
1- إن ما تسلمته من أرشيف البطريركيّة المارونيّة بواسطة الخوراسقف يوسف طوق الجزيل الإحترام هو نسخة عن ال " Nulla Osta " ، وهي الرسالة التي بعث بها غبطة أبينا البطريرك إلى مجمع القديسين في روما يعرب فيها عن رغبته ببدء دعوى إعلان قداسة رجل الله البطريرك الدويهي.
2- في السابع عشر من شهر تموز سنة ألفين، عيّن سينودس الأساقفة الموارنة لجنة خاصّة لمتابعة هذه الدعوى، كما شرفني وكلّفني بمهمة طالب لهذه الدعوى في رسالة مؤرخة بالتاريخ عينه.
3- في التاسع من تشرين الأول سنة ألفين أرسل غبطة البطريرك رسالة إلى مجمع القديسين، يلتمس فيها تعيني طالباً للدعوى في المجمع عينه. كما عيّن غبطته أعضاء المحكمة الخاصّة، وكذلك اللجنتين اللاهوتية والتاريخيّة وقد ترأسّ الثانية حضرة الدكتور الخوري ناصر الجميّل المحترم المشكور على الجهد الكبير الذي بزله ويبذله في هذه الدعوى.
4- في الرابع من كانون الثاني سنة 2001 ، أعلنت بداية التحقيق الأبرشي من خلال مؤتمر صحفي عقدته في المركز الكاثوليكي للإعلام في جل الديب. واستمر العمل من خلال المحكمة الكنسيّة مدّة سنتين وبعد إنتهاء التحقيق الأبرشي ختم غبطته الملفات وحملتها شخصيّاً إلى مجمع القديسين في روما. وكان مسار الدعوى على النحو التالي : أولاً قبول الدعوى حيث تحوّلت الملفات من أوراق ومن تحقيقات وشهادات إلى كتاب باللون الأبيض وهو ما يعرف بالأجنبية " Coppia Publica". بعدها أرسل هذا الكتاب إلى المحققين التاريخيين واللاهوتيين والمحامين والمدافعين عن الإيمان.
5- وقد امتازت هذه الدعوى، بأنها تاريخيّة، وأيضاً بضخامة المراجع التي تستند إليها وذلك لأن البطريرك الدويهي كان غزير النتاج ولديه العديد من المؤلفات في شتى الميادين الكتابية واللاهوتية والليتورجيّا والعلوم. مما كان يضطّر اللجان إلى ترجمة النصوص من السريانية والعربية إلى اللغات الأجنبيّة. وهذا ما كان يتطلب جهداً كبيراً ووقتاً واسعاً، والقيام بالعديد من الابحاث في المكاتب الكبرى تفتيشاً عن الوثائق والمخطوطات خاصة في المكتبة البطريركيّة في بكركي، وفي المكتبة الفاتيكانيّة ومجمع نشر الإيمان.
6- بعد هذه المرحلة رُفعت الدراسات التي قامت بها لللجان مجدّداً إلى مجمع القديسين، وقد قدّم بإسهاب لها وبدقة العالم في تاريخ الكنائس الشرقية، كبير المحققين العامين في المجمع، الأب الدكتور أمبروسيو إسر الدومينيكاني. ثمّ صدرت بكتاب جديد لونه رمادي بعنوان " حياة وبطولة فضائل وعجائب رجل الله البطريرك اسطفانوس الدويهي".
7- في الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني سنة 2006 التأمت اللجنة التاريخيّة بخبراتها وأعضائها وصوتت على قبول الدعوى من الناحيّة التاريخيّة. ثمّ أعيدت طباعة النصوص مرفقة بتقارير الخبراء التاريخيين وبالتصويت في كتاب لونه أحمر وهي الإشارة إلى أن الدعوة بلغت مرحلة القبول النهائي للقسمين المعروفين بالمرحلة التاؤيخيّة ومرحلة بطولة السيرة والفضائل.
8- إنّ ما وصلت إليه الدعوة يشكّل المرحلة الأهم والأصعب في مسيرة كلّ دعوة قداسة، وهي تؤسس لمتابعة المراحل التاليّة : أي تصويت اللجنة اللاهوتيّة.
9- إنّ ما يسهم في الدفع بهذه الدعوة إلى الأمام هو الطلب الذي تقدّم به صاحب الغبطة البطريرك خلال المقابلة الخاصة التي قام بها أثناء زيارته الأخيرة إلى روما فور وصوله إليها ومقابلته نيافة الكردينال خوسي سارييفا مارتنس رئيس مجمع القديسين، بناء على طلب طالب الدعوى لموعد سابق، وبيحضوره. فقد أدرج نيافته دعوى البطريرك الدويهي على أوّل جدول أعمال اللجان اللاهوتيّة المقبلة.

ثانياً : أين نحن اليوم؟
1- نحن في صدد البدء بمرحلة ثانية جديدة وهامّة جدّاً وهي مرحلة التحقيق في الأعاجيب المنسوبة إلى شفاعة رجل الله البطريرك الدويهي. وهنا كنت أتمنّى حضور الإعلاميّة جنان جوان لتقدم لكم شهادة حيّة عن ما حصل لها بشفاعة رجل الله البطريرك الدويهي، إلا أنه تعذر عليها الحضور بسبب عملها.
2- الأعجوبة تسهم في الإسراع بدء مرحلة التطويب، وينتقل الملف مباشرة من إعلان رجل الله البطريرك الدويهي مكرماً، إلى إعلانه طوباويّاً. هذه المرحلة تقوم أوّلاً على الصلاة وعلى طلب شفاعة رجل الله، وعلى تعاونكم في الإبلاغ عن كلّ شفاء أو أعجوبة أو حدث خارق يتمّ من خلال شفاعة رجل الله البطريرك الدويهي.
3- لهذا نلتمس من الكهنة الأفاضل في الرعايا ومن الجماعات الرهبانية المكرّسة القائمة على أرض الأبرشيّة أوّلاً، ومن المؤمنين وبخاصة أبناء رعيّة إهدن تكثيف الصلوات، والتعمّق بسيرة رجل الله، والتعرف إلى وجهه، من خلال المنشورات والصور مكرّرين الشكر لمؤسّسة الدويهي ومؤسسة رعيدي للطباعة التي نشرت حتى اليوم العديد من الكتيّبات والصور والصلوات للبطريرك الدويهي.
ثالثاً : ما ننتظر تحقيقه قريباً؟
1- قريباً تنعقد اللجنة اللاهوتيّة،
2- سوف نبدأ بالتحقيق بأعجوبة تبقى غير معلنة وهي بمثابة دعم
للإنتقال من مرحلة التكريم إلى مرحلة التطويب.
خاتمة : أكرّر الشكر لأصحاب السيادة وقدس الأب العام وجميع الحضور، وأريد أن أعرب عن شكري لجميع من ساهم من قريب أو بعيد في وصول هذه الدعوى إلى ما وصلت إليه الآن. أملي أن يسهم حدث إعلان قداسة البطريرك الدويهي الإهدني بالإضاءة على غنى روحانيّة الكنيسة المارونيّة وإبراز وجه وطبيعة رسالتها في محيطها وفي العالم وشكراً.