قداس بمناسبة مرور 350 سنة على السيامة الكهنوتية للبطريرك إسطفان الدويهي

بمناسبة مرور 350 سنة على السيامة الكهنوتية للبطريرك إسطفان الدويهي، أحيت مؤسّسة البطريرك إسطفان الدويهي ورعية إهدن زغرتا قداسًا احتفاليًا ترأسّه رئيس المؤسسة النائب البطريركي العام على رعية إهدن زغرتا المطران سمير مظلوم السامي الاحترام يوم الأحد 26 آذار الساعة الحادية عشرة في كنيسة مار يوحنا المعمدان – زغرتا. عاونه فيه خادم رعية اهدن زغرتا الخوري إسطفان فرنجية والأب يوسف طنوس، وخدمته جوقة الرعية بقيادة الأب شربل فضل الله.

حضر القداس النائبان السابقان اسطفان الدويهي وقيصر معوض وعقيلة النائب جواد بولس السيدة رنده والسيدان يوسف الدويهي وزياد مكاري ورئيس اتحاد بلديات قضاء زغرتا العميد جوزف معراوي والمونسنيور بطرس بركات وكهنة رعية إهدن زغرتا ورئيس دير مار سركيس وباخوس الأب نادر نادر وحشد من الرهبان والراهبات والأخويات وأعضاء الفرسان وأبناء الرعية.

وبعد الإنجيل، ألقى سيادة المطران عظة جاء فيها:

لثلاثمئة وخمسين سنة خلت، اقتبل البطريرك إسطفان الدويهي العظيم سرّ الدرجة الكهنوتية، من يد البطريرك يوحنا الصفراوي، على مذبح دير القديسين الشهيدين مار سركيس وباخوس في إهدن، أي يوم عيد بشارة العذراء سنة 1656. وإذ نحيي هذه الذكرى، ونرفع الصلاة، اليوم وطوال هذا الأسبوع، لأجل تطويب البطريرك الدويهي، نشكر الله على التقدّم الذي حصل في مسيرة دعوى التطويب، بعد أن وافقت اللجنة المختصّة، في الرابع والعشرين من كانون الثاني الماضي، على الناحية التاريخية من ملف الدعوى. وهذه مرحلة مهمّة دون شك، ولكن ما زالت هناك مراحل عديدة ينبغي أن تمرّ بها الدعوى، وأهمّها: موافقة اللجنة اللاهوتية، ثمّ موافقة مجمع الكرادلة، ثمّ رفع الملف الكامل إلى قداسة البابا ليوافق عليه ويعلن بطريركنا مكرّمًا. وبعد ذلك تنطلق اللجان المختصّة لفحص العجائب المنسوبة إلى البطريرك، وعندما تتثبّت علميًا من إحدى هذه العجائب، يرفع الملفّ إلى قداسة البابا لإعلان التطويب. كل هذه المراحل تتطلّب عملاً دؤوبًا، وتستغرق وقتًا طويلاً. لذا علينا أن نتسلّح بالصبر والإيمان، وأن نثابر على الصلاة دون ملل، وأن نسعى خاصّة إلى التمثل بالبطريرك العظيم وعيش الفضائل التي تميّز بها.

وأودّ أن نتأمّل معًا اليوم بنظرة البطريرك الدويهي إلى الكهنوت، في ذكرى رسامته الكهنوتية، والفضائل التي عاشها ككاهن. كان للبطريرك الدويهي نظرة سامية إلى سرّ الكهنوت، عبّر عنها في كتاباته وفي حياته، فيقول مثلاً: "أما درجة الكهنوت فهي أشرف من درجات ولاة الأرض وملائكة السماء. ولهذا يجب على الكاهن أن يجتهد في حسن السلوك مع نفسه ومع الله ومع القريب. فمن جهة نفسه يجب أن يكون تقيًا ليّن الأخلاق، محب التواضع، شديد الإيمان، متيقّظ الضمير، مواظبًا على الصوم والصلاة وتلاوة الكتب الإلهية... وبشأن سلوكه مع الله يجب ألاّ يتّكل على أحد سواه، ولا يقدّم على خدمته شيئًا... ويرفع الطلبات ليلاً ونهارًا لأجل الأحياء والأموات من شعبه... وأمّا من خصوص سلوكه مع الشعب... فينبغي أن يُعنى بالبيعة وأولاد الإيمان، إذ يرتبط بالرعية التي قبل عليها وضع اليد، ويسوسها أحسن سياسة بوعظه وحسن سيرته كالأب الروحي يربي أبناء رعيته بالمحبة والرجاء والإيمان والطاعة والصوم والصلاة وباقي الفضائل..." (منارة الأقداس، طبعة الشرتوني، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1895، ص 215 و216).

هذه الفضائل والصفات، لم يكتف البطريرك الدويهي بالكتابة عنها أو توجيه الآخرين نحوها، بل قد عاشها ومارسها طوال حياته ككاهن وأسقف وبطريرك. فكان مثالاً لجميع المسؤولين في الكنيسة، كما كان في كل مراحل حياته راعيًا صالحًا، على مثال معلّمه الإلهي. ويمكننا أن نتبيّن صورة الدويهي الراعي الصالح على ضوء نص الإنجيل الذي تلي على مسامعكم.

"فالراعي الصالح يعرف خرافه"، وقد قضى البطريرك الدويهي حياته كلّها، إلى جانب ما أسند إليه من المسؤوليات الجسام، في الدرس والبحث والتنقيب والتأليف بهدف معرفة خرافه، أي كنيسته المارونية، معرفة أعمق، معرفة تاريخها، وعقائدها، وطقوسها وشعبها، والمسؤولين فيها. ولم يكن ليحتفظ بتلك المعرفة لنفسه، بل راح ينشرها بكل الوسائل المتاحة في عصره: بالتعليم، والوعظ، والكتابة، والمناظرات...

"والراعي الصالح يبذل نفسه عن خرافه": والبطريرك الدويهي كرّس حياته للدفاع عن كنيسته، وعن صحّة عقيدتها وتمسّكها بالإيمان القويم، وللذود عن شعبها، والوقوف بوجه الحكّام الظالمين، وتحمّل الإهانات والتهجير عدّة مرّات، من قنوبين إلى كسروان والشوف... ولم يتوان عن "الاستغاثة بعدالة الباب العالي" أحيانًا، على حدّ قول المطران بطرس شبلي، وعن رفع شكواه إلى الحبر الأعظم، أو طلب الحماية له ولشعبه من ملك فرنسا لويس الرابع عشر، أحيانًا أخرى. ولقد عبّر الدكتور طانيوس نجيم بكلام بليغ عمّا تحمّله البطريرك الدويهي من الظلم والاضطهاد حين كتب: "كان الدويهي طيلة بطريركيته قلقًا على مصير طائفته، يفرّ من مخبأ إلى آخر، ومن واد إلى آخر... كأنّما كتب له أن يختصر بمعاناته الشخصية معاناة الطائفة المارونية منذ ما قبله حتّى يومنا هذا". (د. طانيوس نجيم: رجل الله البطريرك إسطفان الدويهي – مسيرة قداسة، ص 20).

"والراعي الصالح يسير أمام خرافه ويقودها إلى مراع خصبة: والبطريرك الدويهي جهد طوال حياته كي يؤمّن لأبناء كنيسته الغذاء الفكري والروحي، وكل شروط الاستمرارية والتقدّم. فبالإضافة إلى عمله الشخصي الضخم في التعليم والوعظ والتأليف، عمل على بناء المدارس وترميم الكنائس والأديرة، وتأمين الكهنة والمعلّمين الكفؤ، والأساقفة الغيورين، كي يعاونوه في عمل التثقيف والبنيان والتنظيم. وسهر بصورة خاصّة على إبراز الكنوز الليتورجية في الكنيسة وعلى تأسيس الرهبانية المارونية وتشجيع أعضائها على حمل مشعل العلم والمعرفة والصلاة والقداسة. فكان في أساس النهضة الثقافية والعلمية والروحية الرائعة التي عمّت كل أنحاء لبنان، ومنه انطلقت إلى سائر بلدان الشرق.

وعلى مثال الراعي الصالح الإلهي، عرف الدويهي أنّ له خرافًا أخر ليست من حظيرته، فانطلق في طلبها، وعمل على إرجاعها إلى الحظيرة كي يكون هناك "رعية واحدة وراع واحد" (يو 10/16). ألم يكن هذا هدف الرسالتين اللتين قام بهما في مدينة حلب، في مطلع حياته الكهنوتية، إذ رافق في الأولى صديقه المطران أندراوس أخيجان، الذي أصبح فيما بعد أوّل بطريرك للسريان الكاثوليك، "فمكث معه في تلك المدينة ثمانية أشهر، يسانده ويعظ السريان المرتدين ويثبّتهم في حقائق الإيمان الكاثوليكي" (بطرس شبلي: إسطفانوس بطرس الدويهي، بطريرك انطاكية – طبعة 1970 – ص 29). أما الرسالة الثانية فقد دامت خمس سنوات أمضاها "يدبّر النفوس ويرشدها، ويجذب بفصاحة لسانه ودماثة أخلاقه قلوب الجميع، فيرد الكثيرين إلى حضن الكنيسة الكاثوليكية، من روم ويعاقبة ونساطرة وأرمن" (د. طانيوس نجيم: المرجع ذاته – ص 15).

أجل، إنّ البطريرك الدويهي كان راعيًا صالحًا يعرف خرافه، ويقودهم إلى المراعي الخصبة، ويبذل نفسه في سبيل الدفاع عنهم. وإذ نرفع اليوم، نحن أبناءه، الصلاة لأجل تطويبه، شاكرين هذه الرعية، كهنة ومنظّمات رعوية، على تنظيمها هذا الاحتفال بالتعاون مع مؤسّسة البطريرك الدويهي، وجميع الذين عملوا ويعملون على متابعة دعوى تطويبه ودعمها بكل الوسائل، ولا سيّما طالب الدعوى في روما حضرة الأب بولس القزي، نسأل الله أن يمنحنا بشفاعته النعمة كي نسير على خطاه، ونتشبّه بفضائله، فنبلغ معه أرقى درجات القداسة. آمين.